دافع زعيم ومؤسس الحركة الإسلامية في السودان الدكتور الراحل حسن الترابي -في شهادته السادسة المسجلة لبرنامج "شاهد على العصر"- عن تحالفه مع نظام جعفر النميري في السبعينيات، وقال إنه لم يندم على مشاركته في السلطة، لأن ذلك كان "جزءا من الخطة التي وضعتها الحركة الإسلامية السودانية من أجل ترتيب أوراقها".

وقال إنه كان ينتقد النظام ونهجه في الانتخابات وفي السياسة الخارجية، لكنه لم يفك تحالفه معه، لأن وجوده في السلطة مع إسلاميين آخرين كان يدخل ضمن خطة ترمي إلى حفظ النهج الإسلامي في الحياة العامة في السودان، إضافة إلى أن النميري كان يريده معه لاستيعابه، ولتفادي الصدام مع الإسلاميين.

وأكد الترابي أن الإسلاميين (جبهة الميثاق الإسلامية) كانوا يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم لم يرضوا بنهج النميري الذي أصدر عام 1983 قوانين تستند إلى الشريعة وإقامة الحدود، حيث انتقدوا "المحاكم الناجزة" التي أنشأها تحديدا، وقال إن الإسلاميين كانوا يريدون استغلال الفرصة التي أتيحت أمامهم من أجل التمكين للدين الإسلامي في البلاد.

وبحسب ما كشف ضيف "شاهد على العصر" فقد عارض النميري في مادة دستورية كان يريد أن يجعلها وثيقة سرية، وتتعلق برغبته في أن يجعل لنفسه خليفة، حيث جادله في الموضوع قائلا له "ألا يكفي ما فعلت بالسودان.. ولاية العهد ليست من الدين في شيء، والخليفة يأتي بالشورى وبالانتخابات"، وبعدها سحب النميري المادة.

وكشف أن الأميركيين انزعجوا من تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، وحذروا النميري من تلك الخطوة، حيث زار جورج بوش الأب -الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس وقتها- السودان مرتين، وقال له "إن هؤلاء (الإسلاميين) جروك لمنع الخمر، وإذا لم تبدل القوانين سيحدث لك مثلما حدث للكثير من البلدان حولك".   

وطلب بوش من النميري -يضيف الترابي- أن يذهب للعلاج في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن بشرط أن يتراجع عن قرار تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن يقوم بالقضاء على الإسلاميين.

وتأثر النميري -بحسب الترابي- بتهديد الأميركيين ووقع في حيرة من أمره، لكنه انصاع في الأخير لما طلبوا منه، وقام بالانقلاب على حلفائه الإسلاميين، وعلى رأسهم الترابي، بإدخالهم السجون، وبعدها بعث مدير الأمن إلى واشنطن ليخبر الأميركيين بقراراته. 

وكان الاحتفال الذي أقيم في سبتمبر/أيلول 1984 بمناسبة مرور عام على تطبيق الشريعة الإسلامية قد سبب الرعب للنميري، ووصف الإسلاميين بالإخوان الشياطين، وكشف المفكر والسياسي السوداني في شهادته المسجلة أن تلك الخطوة أزعجت أيضا الكثير من البلدان العربية بسبب موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية.

وبشأن أسباب انقلاب النميري على الإسلاميين وعلى مبادئه، أرجع الترابي ذلك إلى فتنة السلطة والكرسي "السلطة أخطر الفتن للإنسان".

فضيحة الفلاشا
وبعد إعلان النميري انتهاء تحالفه من الإسلاميين واعتقال الترابي، شهد السودان في مارس/آذار 1985 حراكا شعبيا واسعا ضد النظام، ليحدث في السادس من أبريل/نيسان 1985 الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع وقتها الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الذي أكد الترابي في شهادته المسجلة أنه كان مترددا في البداية في ركوب السفينة التي جهزها ضباط بالجيش.

وتحدث الترابي عن دور الشعوب في التغيير، وقال إن السودانيين تحركوا مرتين وأسقطوا نظامين عسكريين (عامي 1964 ضد إبراهيم عبود و1985 ضد النميري)، واستشهد بقصيدة أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر". 

من جهة أخرى، كشف الترابي -في شهادته المسجلة في أكتوبر/تشرين الأول 2010- أنه لم يكن يعلم بفضيحة تهجير يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عام 1984 التي لعب النميري دورا فيها، حتى بعد سقوط النظام، رغم أنه كان وزيرا للعدل في هذا النظام، كما لم يعلم بالصفقة "السرية جدا" الخاصة بدفن النفايات الذرية من جميع دول العالم في السودان.