يتحدث رئيس مجلس الرئاسة السابق في البوسنة والهرسك الدكتور حارث سيلاذيتش عن سر صمود أهل البوسنة في وجه الجرائم والمجازر التي كان يرتكبها الصرب بحقهم خلال فترة الحرب، وكيف أنهم حافظوا على ثقافتهم وهويتهم ورغبوا في التعايش والسلام مع غيرهم، لكن أوروبا والأمم المتحدة والقوى الكبرى آثرت أن تقف إلى جانب الطرف القوي.

فأهل البوسنة يُعرفون بحبهم للحياة وبعنادهم الشديد، كما يشرح سيلاذيتش في شهادته الثامنة لبرنامج "شاهد على العصر"، ويمكن أن تحصل منهم على كل شيء بالحسنى والكلمة الطيبة، لا بالقوة والغطرسة كما فعل الصرب معهم، وقد اكتسبوا هذه الطباع من الحروب التي مروا بها والطبيعة والجغرافيا والثقافات التي ورثوها.

في إقليم بيهاتش المسلم، وهو منطقة على الحدود مع البوسنة وكرواتيا، أظهر السكان صمودا كبيرا رغم أن الصرب فرضوا عليهم حصارا كبيرا من كل الجهات، وكانوا محاربين شرسين جدا باعتراف الصرب أنفسهم.

وقرأ مقدم برنامج "شاهد على العصر" رسالة وصلته في فبراير/شباط 1995 من ممثل حكومة البوسنة في بيهاتش، طلب منه فيها أن يسردها على المسلمين ليعرفوا حجم المعاناة التي كان يكابدها مئتا ألف مسلم داخل الإقليم.

وجاء في الرسالة: إن المسلمين في بيهاتش فرض عليهم الحصار منذ عام 1991 وعزلوا عن العالم، ويتعرضون لحملة إبادة عالمية منظمة لأنهم مسلمون، ولكنهم سيواصلون صمودهم لأنهم أصحاب قضية عادلة.

ويصف سيلاذيتش أهل البوسنة بأنهم مجتمع حرّ حافظ إلى غاية اليوم على القيم الاجتماعية والعادات الطيبة، رغم أن هذه القيم باتت في خطر بسبب التطور التقني، وهوشعب له حرية الاختيار حتى في التدين "لا إكراه في الدين"، بخلاف ما كان يعانيه في عهد الشيوعية الشمولية.

والمواطن البوسني -يضيف سيلاذيتش- لا يزعجه وجود كنيسة أو أي من رموز الديانات الأخرى في بلاده، "ولأنه يثق في نفسه وفي دينه وثقافته، فهو ليس ضد الغير".

المسؤول البوسني السابق يتطرق في شهادته أيضا إلى التحولات التي طرأت على قضية البوسنة وخاصة في مايو/أيار 1995 عام تولي جاك شيراك رئاسة فرنسا، ويكشف أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون كان يبحث عن شريك أوروبي من أجل التحرك لحل القضية البوسنية، وقد وجدها في شيراك.

مجيء شيراك
ويقول إنه اجتمع مع ملك المغرب الراحل الحسن الثاني وكان متفائلا من مجيء شيراك إلى السلطة، ونصحه بالذهاب إلى العاصمة الفرنسية باريس للقاء رئيس الوزراء في تلك الفترة آلان جوبيه، كما وعده -أي الحسن الثاني- بأن يتحدث مع شيراك خلال زيارته إلى المغرب حول قضية البوسنة.

وبشأن ما إذا كان مجيء شيراك سببا في تغير الموقف الدولي إزاء البوسنة، يشير سيلاذيتش إلى أن التدبير الإلهي هو الذي جاء بالحل، لأن كل شيء كان ضد البوسنة وأهلها، لا سلاح ولا ماء ولا طعام.

وينتقد في ذات السياق دور الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي الذي زار سراييفو نهاية العام 1994، حيث يصف مواقفه تجاه القضية البوسنية بأنها كانت عجيبة وغريبة، وكأنه كان على عداوة مع البوسنة والهرسك لأن فيها مسلمين.