في الجزء الخامس من شهادته على العصر، تحدث رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي عن مشكلة جنوب السودان وجذورها ودور نظام الفريق إبراهيم عبود في هذه المشكلة. كما تناول ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 الشعبية التي أطاحت بنظام عبود.

فبشأن مشكلة جنوب السودان، قال المهدي إن نظام الفريق عبود كان نظاما عسكريا كلاسيكيا، وقد ارتكب ثلاثة أخطاء دخلت في سجل الأخطاء المدمرة للسودان، أولها أنه عندما استولى على السلطة وقام بحل الأحزاب والبرلمان ومجلس السيادة كان وقع ذلك على السياسيين الجنوبيين أكثر حدّة، فكان أن لجؤوا إلى دول أفريقية مثل الكونغو وكينيا وأوغندا، وهذا خلق منذ البداية مراكز تظلم وغبن جنوبي، فكوّن هؤلاء في الخارج حزب سانو.

أما الخطأ الثاني -يضيف المهدي- فهو أن العسكريين الجنوبيين الذين اشتركوا في تمرد عام 1955 حوكموا محاكمات عادلة وسجنوا، وعندما هم عبود بترؤس وفد السودان لافتتاح منظمة الوحدة الأفريقية قام بخطوة اعتبرها تصالحية، فأطلق هؤلاء العسكريين الذين التحقوا بالسياسيين الجنوبيين في الخارج وكوّنوا حركة "أنيانيا" المسلحة، فتحولت المعارضة الجنوبية من سياسية إلى عسكرية، وذلك فتح الباب منذ ذلك الوقت أمام أمرين ظلا يصحبان مشكلة الجنوب، وهما اللجوء إلى الحل العسكري والاستنصار بالأجنبي.

وأضاف المهدي أن الخطأ الثالث هو التأسيس لتحالف مضاد للسودان ومصر في دول منبع النيل، مشيرا إلى أن مما زاد الطين بلة أن النظام العسكري قرر توحيد التعليم في جميع أنحاء السودان، وهذا خلق الظروف التمردية المسلحة المدعومة من جهات أجنبية.

ثلاثة أخطاء
وقال إن هذه الأخطاء الثلاثة هي الموروثات السامة من النظام العسكري الأول في السودان، وكان لها دور في تسميم التجربة السياسية السودانية.

واعتبر المهدي أن البذرة الأولى لمشكلة جنوب السودان هي سياسة الاستعمار التي أقامت العلاقة بين الشمال والجنوب على أساس الفصل.

وعن انتقال إمامة الأنصار إلى عمّه الهادي بعد وفاة والده، قال المهدي إنه لم يكن يتوق لتولي الإمامة.

وفيما يتعلق بثورة 22 أكتوبر/تشرين الأول 1964 الشعبية التي أطاحت بنظام الفريق عبود، قال المهدي إن الشعب السوداني كان رائدا في الانتفاضات والتخلص السلمي من الانقلاب العسكري.

وأضاف أن هذه الثورة أخذت بعدها كاملا في السودان، وأفرزت أناشيد خالدة تمجّد ثورة ذلك الشعب الأعزل الذي أسقط نظاما عسكريا.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: المهدي: الاستعمار البذرة الأولى لمشكلة جنوب السودان ج5

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: الصادق المهدي/ رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي

تاريخ الحلقة: 23/8/2015

المحاور:

-   مشكلة جنوب السودان وجذورها

-   3 أخطاء من موروثات النظام العسكري

-   تفاصيل انتقال إمامة الأنصار إلى الهادي

-   دور الطلبة في تأجيج ثورة 1964

أحمد منصور: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ وأهلاً بكُم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيثُ نواصلُ الاستماعَ إلى شهادةِ الإمام الصادق المهدي إمامُ الأنصار في السودان وزعيمُ حزبِ الأمة ورئيسُ الوزراءِ السودانيّ الأسبق، فضيلة الإمام مرحباً بك.

الصادق المهدي: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: يبدو أن فترة الانقلاب العسكري الأول في السودان حددت كثيراً من المشاكل التي لا زالت عالقة، في الحلقة الماضية تحدثت عن أزمة النيل أزمة مياه النيل وكيفَ أن الانقلاب لعبَ دوراً رديئاً بالاشتراك بينهُ وبين عبد الناصر في تهميش باقي الدول مما أدى إلى الأزمات القائمة الآن، هُناك مُشكلة أيضاً كبيرة أدت إلى شق السودان إلى نصفين وهي مُشكلة جنوب السودان، "لقد كان نظامُ عبود بحق نموذجاً للاستبدادِ والطُغيانِ في الشمالِ والجنوب ففي الشمال لم يحتمل النظامُ وجود أي مُعارضة أمّا في الجنوب فقد هدتهُ حكمتهُ إلى أن السبيل الوحيد للتغلُبِ على الصراعِ الجنوبيِّ هو القمع والمزيدُ من القمع وكانَ من أهم نتائج هذا القمع شيئان: انتقالُ الجنوبيين للمرة الأولى بقضيتهم إلى الدول الأفريقية المُجاورة مما أعطى المُشكلة السودانية الداخلية بُعداً إقليمياً وبروز المُعارضة المُسلحة في أشكال مُختلفة تطورت في النهاية إلى حركة "أنيانيا" كما أصبحَ موقف المُنظمات السياسية الجنوبية أكثر تشُدداً نحوَ الانفصال ومن جانبهم اصطحبَ التبشيريون الحقيقةَ معهم إلى الخارج وقاموا بتعبئةِ الرأي العام ضِد النظام لحربهِ ضِد المسيحية"، هذا منصور خالد في كتابهِ عن السودان صفحة 238.

مشكلة جنوب السودان وجذورها

الصادق المهدي: بسم الله الرحمن الرحيم، نظام الفريق إبراهيم عبود كانَ نظاماً عسكرياً كلاسيكياً ولذلك أخطائهُ هُنا هي أخطاء النُظم العسكرية الكلاسيكية القمع وهي نُظم أمنجية ليسَ فيها اجتهاد سياسي ولذلك هذا الخطأ نعم هو قد ارتكبهُ وهو جُزء من أخطاء النُظم الأمنجية العسكرية التي مُنيَت بها المنطقة، ولكن في إدارتهِ للشأن الدبلوماسي وللشأن الإداري كانت تقليدياً ولم يُصَب بهاجس أيديولوجي ولكنهُ ارتكبَ في رأيي 3 أخطاء دخلت في سجل الويلات المُدمرة للوطن؛ أولها أنهُ عندما استولى على السُلطة وحلَّ الأحزاب السياسية وحل البرلمان وحل مجلس السيادة بالنسبة للجنوب هذا وقعَ وقعاً أكثر حِدة لأن السياسيين الجنوبيين كانوا يشتركون في الشأن العام في مُستوى مجلس السيادة وفي مستوى مجلس الوزراء وفي مُستوى البرلمان وعندهم أحزابهم كانَ عندهم هذا الوجود، بعدَ أن حُلَت هذهِ الأجهزة كُل هؤلاءِ مُنذُ اللحظة الأولى لجئوا إلى خارج السودان يوغندا، كينيا، الكونغو..الخ، ده مُنذُ البداية خلقَ مراكز تظلُم وغُبن جنوبي كوَّنوا هُناك ما سُميَ SANO وهو Sudan African national union، "SANO" ده الحزب السياسي الذي كونوه، خطأ ثاني.  

أحمد منصور: واللي هو يعني معناه الاتحاد السوداني الأفريقي.

الصادق المهدي: خطأ ثاني كان العسكريون الذين اشتركوا في تمرُد عام 1955 وكما قُلتُ لكَ بعد ذلكَ هدأ الجنوب تماماً واشتركَ الجنوبيون بصورة طبيعية في كُل العملية السياسية ولكن العسكريين الذينَ تمردوا كعسكريين حوكموا مُحاكمات عادلة وسُجنوا، عندما هبَّ هَمَّ السيد إبراهيم عبود أن يذهَب كرئيس الوفد السوداني لأديس أبابا للاشتراك في افتتاح مُنظمة الوحدة الأفريقية قامَ بخُطوة اعتُبرت في نظرهِ نوع من التصالُح خطوة تصالُحية.

أحمد منصور: ما هي؟

الصادق المهدي: أطلق سراح هؤلاء العسكريين ولكن عادةً في كُل العمليات فيها عسكريين يُطلَق سراحهم يُؤخذ في الحُسبان أن هؤلاءِ جماعة مُدرَّبة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: ولا بُد أن تُعطى شيء يا أن تُستوعب في عمل عسكري يا تُعطى عمل مدني ولكن لا يُتركوا..

أحمد منصور: يتفننوا في إزاي يستخدموا قُدراتهم.

الصادق المهدي: أيوه واللي حصل أن هؤلاءِ خرجوا واجتمعوا مع السياسيين اللي في الخارج.

أحمد منصور: الجنوبيين.

الصادق المهدي: الجنوبيين وكوَّنوا حركة أنيانيا.

أحمد منصور: المُسلحة.

الصادق المهدي: المُسلحة، فكانت المُعارضة إلى حد كبير سياسية.

أحمد منصور: عسكرية.

الصادق المهدي: تحولت إلى عسكرية فصارت عسكرية سياسية، ده في رأيي فتح باب مُنذُئذٍ فتح باب الأمرين صحِبَ مُشكلة الجنوب حتى آخر عهدها وهو الأمران هُما: اللجوء للحل العسكري واللجوء للاستنصار بالأجنبي.

أحمد منصور: ده هُنا في هذا الوقت تماماً استنصروا بالولايات المُتحدة وفرنسا وبريطانيا وبدول غربية.

الصادق المهدي: بناس كثيرين جداً بما فيها إسرائيل.

أحمد منصور: على أنهم مسيحيون مُضطهدون.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: من المُسلمين الشماليين.

الصادق المهدي: نعم بما فيهم إسرائيل، وطبعاً زاد الطين بِله في هذا الموضوع الذي عظَّمَ دور البُعد المسيحي هو أنَّ النظام العسكري قررَ توحيد التعليم في السودان.

أحمد منصور: شمالاً وجنوباً وكُل شيء.

الصادق المهدي: نعم وقد كانَ.

أحمد منصور: بلد فيها 250 لُغة.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: وفيها أكثر من 500 قومية وحزب..

الصادق المهدي: نعم ولذلك اتخذوا قرار بالتعريب وكذلك إجراءات مثل تحويل يوم الإجازة الأُسبوعي من الأحد..

أحمد منصور: إلى الجمعة في الجنوب وأنتَ قُلت لنا ده قبلَ كده عشان ما نُعيده ثاني.

الصادق المهدي: أيوه المُهم في هذا ده خلق الظروف التمرُدية المُسلَّحة المدعومة من جهات أجنبية.

أحمد منصور: إحنا هُنا نُحاول نفهم جذور قصة الجنوب التي وصلت إلى انفصالهُ في 2013.

الصادق المهدي: نعم ده أنا كما قُلت لكَ البذرة الأولى السياسة أنا أُسميها سياسة الامبريالية، سياسة الاحتلال الأجنبي التي أقامَت العلاقة بينَ الشمال والجنوب على أساس apartheid على أساس الفصل، جاءَ النظام العسكري وأضافَ لَبِنة أُخرى لهذهِ السياسات، الموضوع الثالث والمُهم كما قُلت هو التأسيس لتحالف مُضاد للسودان ومصر في..

أحمد منصور: أفريقيا.

3 أخطاء من موروثات النظام العسكري

الصادق المهدي: في دول المنبع، ففي رأيي هذهِ الأخطاء الثلاثة هي الموروثات السامة من النظام العسكري الأول في السودان وكانَ لها ما لها من دور في تسميم التجربة السياسة السودانية.

أحمد منصور: فضيلة الإمام هُنا في نُقطة مُهمة جداً يعني آمل من كُل الشعوب أن تفهمها والذينَ يتابعون البرامج أن كثيراً من المُشكلات التي نُعايشها الآن هي نتاج لسياسات ربما بدأت قبلَ 1950 أو 1960 أو 100 عام.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: وأخطاء تراكمَت لم تُعالَج وبقيَت حتى وصلت إلى هذهِ المرحلة التي لا حلَ لها.

الصادق المهدي: نعم نحنُ في كلامنا سنُتابع هذا الموضوع ونرى كيفَ أن هذهِ البذرة الخبيثة تطورت عبرَ الظروف المُختلفة ولعبت دورها في انفصال الجنوب.

 

أحمد منصور: أنتَ كلمتني في الحلقة الماضية عن أنَّ نظام عبود قامَ بالقبض على كُل السياسيين الذينَ يجتمعونَ مع والدك إلّا والدك في 11 يوليو 1960 ده اللي تم، كان بينهم  محجوب وأحمد سليمان وعبد الخالق محجوب ونقض الله ونفاهم لمُدة 7 أشهر في جوبا عاصمة المنطقة الاستوائية في السودان وعُزلوا تماماً عن الدُنيا حتى أن محجوب يقول لم نكُن حتى نستمع إلى الراديو لا نعلم ماذا يحدث، أنا هُنا من خلال مُتابعتي للوثائق الأميركية لاحظت حاجتين: الحاجة الأولانية أن كُل الدبلوماسيين الغربيين بمُستوياتهم المُختلفة عبارة عن جواسيس لو قابلت أحدهم في إشارة مرور قُلتُ لهُ السلامُ عليكم يبعث تقرير إن الصادق المهدي قابلني في إشارة مرور وقالَ لي السلامُ عليكم، الحاجة الثانية هو أن العسكر دائماً يتحالفونَ مع المُثقفين العلمانيين ويستخدمونهم كواجهة لترسيخ الوجه المدني لانقلاباتهم وهذا ما فعلهُ عبود.

الصادق المهدي: مش مع العلمانيين وحدهم العسكريون يتحالفون مع القوى السياسية المُستعدة كُلها فيها إسلاميين، فيها قوميين، فيها كُل هذهِ الأشياء وفي الواقع للأسف الشديد اتضحَ تماماً ضَعف الطبقة المُثقفة أيَّاً كانت انتماءاتها الفكرية في قبول التعاون مع العسكريين.

أحمد منصور: إيه مصير مَن يتعاون مع العسكر ويُصبح عفواً ماسحةً لحذاء العسكر وفي النهاية يُقذَف بهِ في أي لحظة إلى الخارج ويجترُ الندم طوال حياتهِ؟

الصادق المهدي: الذي حدث بالنسبة لهذا الانقلاب في السودان أنَّ عددا كبيرا من المدنيين والمُثقفين بالفعل انخرطوا معَ النظام ولكن كذلك القوى السياسية التي عارضت كانَ حجمها كبيراً ووجدت رعاية من تنظيمات عندها شعبية أهمها حزب الأُمة لأنهُ حزب الأُمة مُنذُ البداية وحتى النهاية اتخذَ موقفاً مُعادياً، والدي في أثناء احتضاره.

أحمد منصور: والدك أُصيب بذبحة صدرية نتاج كانت نتيجة لإصابتهِ مثل جدك أُصيب وتوفي في 1959، والدك وجدك ضحايا للانقلاب.

الصادق المهدي: نعم ما في شك في ذلك.

أحمد منصور: والدك تأثر بأحداث المولد الشهيرة في 21 أغسطس 1961 قُتل فيها 17 من الأنصار، أنتَ تتذكر الأحداث دي؟

الصادق المهدي: نعم أتذكرها جداً لأنهُ هي كانت مُهمة جداً في تأكيد دور المواجهة الاستقطابي بيننا وبين نظام الفريق إبراهيم عبود.

أحمد منصور: هُنا برضه كعبرة للشعوب الشعب السوداني لأن أنا تابعت فترة عبود مُتابعة دقيقة بشكل شِبه يومي الشعب السوداني سجّلَ صموداً تاريخياً ضِد الانقلاب العسكري لمُدة 6 سنوات حتى أسقطهُ.

الصادق المهدي: نعم صحيح وليسَ هذا فقط الشعب السوداني طبعاً كان رائد في مسائل الانتفاضة والتخلُص السلمي من الانقلاب العسكري في السودان.

تفاصيل انتقال إمامة الأنصار إلى الهادي

أحمد منصور: أنا سأجيء لها بس مش عايز استبق الأحداث أنا معك وحدة وحدة، أنا هُنا في والدك وأحداث المولد الشهيرة ولأن والدك هُنا أصبح على فراش المرض، بشكل سريع سأُعطي المُشاهدين نبذة صغيرة عنهُ: الصديق المهدي هو الرئيس الحزب الأمة وزعيمهُ، ولد في أم درمان في 1911، تخرج من كلية الهندسة في كُلية غوردون كانَ ضِمن وفد الجبهة الاستقلالية الذي ذهب إلى مجلس الأمن في نيويورك  1947حينَما توفي جدك الإمام عبد الرحمن المهدي في 25 مارس 1959 أصبح والدكَ إمامُ الأنصار وزعيم حزب الأُمة، بعدما أُصيب بالذبحة الصدرية توفي في 2 أكتوبر 1961، ما الذي تذكرهُ من وصية والدك كما كُنتَ تُريد أن تقول وهو على فراش الموت؟

الصادق المهدي: وفاة والدي لو ذكرتُ لكَ تفاصيلها أشبه بمسرحية أنا نفسي ما كُنتُ أُصدق أنهُ مُحتضر.

أحمد منصور: احكِ لنا تفاصيل المسرحية دي.

الصادق المهدي: الوالد أحس بشيء في صدرهِ بعدَ 40 يوم من حوادث المولد التي يعني حزّت في نفسهِ بصورة كبيرة مما فيها من ضيم لأن دي كانت مجموعة مدنية هُجِمَ عليها وقُتِلَ منها مَن قُتِل.

أحمد منصور: 17.

الصادق المهدي: أيوه وهو ما كانَ بيدهِ ما يفعلهُ لحمايتهم وكانوا في المولد لكن بعد يعني الحدث ده كان يوم 21 أغسطس.

أحمد منصور: ده مولد الجد؟

الصادق المهدي: لا مولد الرسول صلى الله عليهِ وسلم.

أحمد منصور: آه مولد الرسول صلى الله عليهِ وسلم عفواً.

الصادق المهدي: أيوه ففي أثناء في آخر يوم في شهر نوفمبر يعني بعدَ 40 يوم..

أحمد منصور: يعني قبل 3 أيام من وفاتهِ.

الصادق المهدي: أيوه أرسلَ لي بالصباح: الصادق أنا شاعر بزّمة في صدري اذهب إلى منصور علي حسيب، وهو كانَ دُفعتهُ دكتور ليأتي، مشيت جبت الدكتور منصور علي حسيب، كانَ اليوم سبت المُهم الوالد بعدَ ذلك تدهورت صِحتهُ بسرعة.

أحمد منصور: خلال 3 أيام.

الصادق المهدي: نعم، في 2 أكتوبر قالَ لي وكانَ واضح من إحساس الأطباء أنهُ يحتضر، الغرفة التي كان فيها كانَ فيها ما لا يقل عن 100 شخص يعني كانَ المشهد مشهد مأساوي كبير جداً، قالَ لي اذهب ونادي انده الفقيه عبد الله إسحاق ليقرأ الراتب وعندنا قراءة الراتب دائماً بعد صلاة العصر وبعدها حزب من القُرآن.

أحمد منصور: إيه الراتب؟

الصادق المهدي: الراتب ده راتب الإمام المهدي هو أوراد.

أحمد منصور: آه أوراد أذكار يعني.

الصادق المهدي: نعم فقرأها الفقيه عبد الله إسحاق وقرأَ حزب القُرآن.

أحمد منصور: حزب أربع أرباع.

الصادق المهدي: حزب القرآن.

أحمد منصور: نصف جُزء.

الصادق المهدي: نصف الجُزء.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: قالَ لي يا صادق خيركم مَن ماتَ على وصية، الناس موجودة كُلها، خيركم مَن ماتَ على وصية وليسَ منّا مَن ماتَ ووصيتهُ ليست تحتَ وسادتهِ، الأيام لم تُمهلني تعالَ جيب قلم وورقة واكتُب، وأخذَ يُملي عليَّ الآتي: نحنَ ليسَ لدينا مصلحة ولا مطلب خاص، مطلبنا الحريات للشعب السوداني.

أحمد منصور: "إنا لا نُكِّنُ عداءً خاصاً لأحد وليسَ لنا مطلبٌ خاص وإن مطلبنا هو مطلبُ البلادِ قاطبةً في أن تُحكمَ بالشورى والديمقراطية وأن يُعطى الناس الحُريات الأساسية فاحرصوا على تحقيقِ هذهِ المطالب مهما كلفكم الحرص". 

الصادق المهدي: نعم بعدين الأنصار.

أحمد منصور: "بعدَ وفاتي يتألفُ مجلس الشورى برئاسة السيد عبد الله الفاضل المهدي وعضوية السادة الهادي ويحيى وأحمد والصادق المهدي ويرعى هذا المجلس شؤوننا الدينية والسياسية بكلمةٍ موحدة حتى تنقضي الظروفُ الحالية في البلاد وعندما تلتفتوا لأمر اختيارِ الخليفة الذي يكونُ إماماً يكونُ ذلكَ عن طريق الشورى بقرار الأنصار".

الصادق المهدي: بعدَ أن قالَ هذا الكلام كان كُلُ ما يتكلم الأطباء يقولوا لهُ يا سيد يا سيد أسكت ما من مصلحتك تتكلم، يقول لا أنا عليّ مسؤولية، بعد ما فرغ في هذا الكلام كُلهُ انتهينا من الكلام ده وأنا كتبتهُ وانتهى الحزب من القرآن قالَ لي الفاتحة على حياة والدك.

أحمد منصور: مَن!! هو!!

الصادق المهدي: هو..

أحمد منصور: أبوك الذي يسألكم الفاتحة!!

الصادق المهدي: أيوه يقول لي هُنا في السودان عندنا العزاء كده.

أحمد منصور: نعم، نعم.

الصادق المهدي: العزاء.

أحمد منصور: حتى في مصر نعم.

الصادق المهدي: أيوه الفاتحة على روح والدك..

أحمد منصور: الفاتحة في كُل حاجة في الزواج وفي الوفاة وفي كُل شيء.

الصادق المهدي: أيوه تماما، يُعزيني في نفسهِ.

أحمد منصور: سبحان الله.

الصادق المهدي: الفاتحة على حياة والدك والآن دعوني ارتاح، كان يعملوا لهُ..

أحمد منصور: أوكسجين.

الصادق المهدي: أوكسجين وما أعرف إيه، حاجات زي دي وغلوكوز ويعملوا لهُ الأنابيب دي، والآن دعوني ارتاح ورقد.

أحمد منصور: كانت رقدة الموت.

الصادق المهدي: كانت رقدة الموت، يعني زي ما أقول وطبعاً في مشهد من الناس، في كان 11 طبيب وغير الأطباء في كُل الأسرة والأهل والأنصار كُلهم موجودون، ففي مشهد يعني في.

أحمد منصور: مشهد تاريخي.

الصادق المهدي: في مشهد كبير جداً تاريخي قام بهذا العمل، أنا لغاية ما رفع الفاتحة ما كُنت مُصدق أنهُ وصل لهذا الألم وهذهِ النهاية، في واحد اسمهُ أستاذ مورغان يتكلم مع واحد من أصدقاء الإمام قالهُ لهُ هو طبعاً مورغان ما أظنهُ مؤمن بهذهِ المسألة قالَ لهُ لو في جنة صاحبكم ده سيذهب إليها مُباشرةً لأنهُ من شِدة ألم هذهِ الذبحة سيكون إمّا مُخدَر لا يستطيع يتكلم أو مُتألم لا يستطيع يتكلم، أمّا أنهُ ما مُخدَر وما مُتألم عشان يتكلم دي بالنسبة لهُ حاجة غريبة.

أحمد منصور: كيفَ وقعَ الاختيار على عمك الهادي المهدي ليكون إماماً للأنصار؟

الصادق المهدي: الحقيقة أنَّ بعدَ وفاة الوالد مُباشرةً كثير من الناس كتبوا مُذكرة أنا أكونَ أنا الإمام.

أحمد منصور: وكُنتَ صغير السن.

الصادق المهدي: نعم ده كانَ رأي هؤلاءِ طبعاً لأنهُ حريصين على استمرار الخط السياسي.

أحمد منصور: 36 سنة كان عُمرك، 26 سنة.

الصادق المهدي: 26 سنة، الخط السياسي المُهم اجتمعنا في بيت عمي الهادي.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: أحمد كان غائب الخامس فاجتمعنا عبد اللهِ والهادي ويحيى وأنا، وقرأتُ عليهم الوصية لأن كانت عندي أنا ما عندهم.

أحمد منصور: كانوا حاضرين ووالدك يُمليها؟

الصادق المهدي: السيد عبد الله ما كان حاضر، الآخرون كانوا حاضرين، أحمد كان غائب، السيد عبد الله كان سافر ماشي لموسكو عندهُ عمل تجاري وكانَ يعمل ترانزيت في روما فعُمِل لهُ ترتيب يرجع.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: بسرعة بعد وفاة الإمام، حضر الاجتماع الأول لنا كمجلس خُماسي مجلس وصية.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: وهو رئيس هذا المجلس بحسب الوصية فقال.

أحمد منصور: هو عمك.

الصادق المهدي: عمي، هو عمي عبد الله، عبد الله الفاضل المهدي.

أحمد منصور: أنت الوحيد الابن!!

الصادق المهدي: نعم أنا الوحيد.

أحمد منصور: والبقية أعمامك.

الصادق المهدي: البقية أعمامي.

أحمد منصور: يعني 4 من أخوات والدك وأنتَ فقط الابن.

الصادق المهدي: نعم، فالسيد عبد الله قال لا يجوز أن ننتظر، نحنُ في ظرف مُعادي وإذا انتظرنا ستدخُل مؤامرات ولذلكَ يجب أن نختار نحنُ الإمام وليسَ الأنصار.

أحمد منصور: كان والدك دُفِنَ ولا لسه؟

الصادق المهدي: لسه ما دُفِن.

أحمد منصور: يعني أنتم اجتمعتم.

الصادق المهدي: ولسه ما دُفِن، أنهُ التقليد عندنا في السودان ده كلامهُ كلام عمي عبد الله أنَّ مَن يُختار خليفة يُصلي هو على جنازة المتوفي.

أحمد منصور: الخليفة المُتوفي.

الصادق المهدي: لذلك نحنُ حسب التقاليد نختار، أنا عارضت قُلتُ الإمام الصدّيق أدخلَ قاعدة جديدة في الخلافة وهي الخلافة الشورية بمُشاركة القاعدة الشعبية، أعمامي الآخران أيّدا كلام عمي الكبير اللي هو السيد عبد الله فصرت أنا واحد قُصاد 3.

أحمد منصور: طول عُمرك مُتمرد.

الصادق المهدي: قُصاد 3 قامَ السيد عبد الله أنا هو لا أُريد أن أكونَ الإمام.

أحمد منصور: بقي 3 أنتَ و2 أعمامك.

الصادق المهدي: أيوه ثُم خاطب يحيى أنتَ يا يحيى لا يُمكن أن تتطلع وأخوكَ الأكبر موجود، يحيى قال نعم.

أحمد منصور: إذن..

الصادق المهدي: قال إذن هي بينَ الهادي والصادق.

أحمد منصور: الهادي عمك الأكبر؟

الصادق المهدي:عمي الأكبر أنا كان واضح لي أني أنا صرت أين كان السند الشعبي عندي إنه أنا بين أعمامي في أقلية فقلت أسهل لي أن أتبع عمي من أن يتبعني عمي، أنا مستعد أن أُؤيد إمامة عمي الهادي بشرطين.

أحمد منصور: ما هما؟

الصادق المهدي: الأول أعلن على الملأ أن دستور الإمامة هو الانتخاب.

أحمد منصور: قاعدة جديدة.

الصادق المهدي: نحن خالفناها مؤقتاً.

أحمد منصور: آه باختياركم ده يعني.

الصادق المهدي: ونقول إن إحنا خالفناها أنا أقول إن أنا خالفتها لأنه أنا الأمين عليها نحن خالفناها ثانياً أن لا يتغير الخط السياسي ضد النظام العسكري.

أحمد منصور: أنت كنت خائف عمك يغيّر الخط.

الصادق المهدي: المهم أنا عايز أتأكد إنه أعمامي كلهم يؤيدون الاستمرار لأنه والدي كان مؤكد وضوح رؤيته في موضوع الديمقراطية كان واضحا جداً.

أحمد منصور: أعمامك كانوا يعملوا في السياسة؟

الصادق المهدي: نعم طبعاً كانوا يعملوا في السياسة.

أحمد منصور: هل كان عندهم نفس رؤية والدك وجدك وأدائهم ولا.

الصادق المهدي: مش ضروري ما كان عندهم يعني السيد عبد الله كان عنده مؤكد كان يقود بعض الوفود لمصر خصوصاً لأنه هو كانت عنده علاقات خاصة بمصر وكانت عنده صداقة أيضاً بمحمد نجيب، وكان عنده نعم دور سياسي وحتى كان مرشح للانتخابات ولكن ما كان عنده وضع قيادي ما في التركيبة بتاعة حزب الأمة.

أحمد منصور: قل لي بصراحة ووضوح وللتاريخ رغم إنك عمرك كان 26 سنة ألم تكن تتوق للخلافة والإمامة في ذلك الوقت؟

الصادق المهدي: أبداً يعني ولو كنت كذلك كنت أعلم أن هناك مذكرة مكتوبة من كثيرين كنت أتمسك بها ولكن بسهولة جداً قلت لا وأنا طبعاً مو عايز يحصل انقسام في صفوفنا وإحنا مواجهين عدو مشترك.

أحمد منصور: والدك لسه ما دفن.

الصادق المهدي: لسه ما دفن، فوافقوا على ذلك ولذلك بينما والدي يدفن نصب لي ميكرفون وقلت فيه الآتي: أقرأ عليكم وصية الإمام، وقرأتها وستكون هذه الوصية ما نحرص عليه تاريخياً في المستقبل، ولكننا في المجلس الخماسي لمصلحة رأيناها أنا ما دخلت في إنه انقسمنا أو ما انقسمنا لمصلحة رأيناها رأينا أن نقدم عمي الإمام الهادي إماماً وأن الخط السياسي سيكون كذا وكذا وكذا وقرأت الكلام المتعلق بالمستقبل فوافق الناس كذلك على..

أحمد منصور: بايعوا عمك.

الصادق المهدي: نعم بويع عمي إماماً للأنصار بعد والدي.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: هنا الحزب سار على نفس النهج المعارض للانقلاب العسكري أم اهتز؟

الصادق المهدي: ما كان في حزب زي ما بقولك لكن التيار.

أحمد منصور: الأنصار، الاتجاه..

الصادق المهدي: التيار، وقعت مشكلة.

أحمد منصور: ما هي؟

الصادق المهدي: اجتمعنا نحن اللجنة التنفيذية للجبهة القومية المتحدة إلي هي فيها نحن وغيرنا.

أحمد منصور: السياسيين.

الصادق المهدي: نعم واتفقنا على صيغةٍ ما ليكون خطاب الإمام في هذه المناسبة وهي مناسبة الاستقلال يناير عام.

أحمد منصور: 1962.

الصادق المهدي: 1962 أن يكون فيها معاني معينة الإمام الهادي تدخل آخرون لا أدري من هم غيّروا بعض العبارات في هذا الكلام. ده لمّا الإمام قرأ الخطاب دعاني زملائي باعتبار أنا كنت الأمين العام في الجبهة القومية المتحدة وقالوا لي ما التفسير؟ ومنذ إذن بدأت المشكلة.

أحمد منصور: بينك وبين عمك؟

الصادق المهدي: ما في بيني أنا وبين عمي لكن يعني بقت مشكلة كأنما نحن الأنصار.

أحمد منصور: اختلف موقفكم.

الصادق المهدي: غيّرنا موقفنا.

دور الطلبة في تأجيج ثورة 1964

أحمد منصور: لكن هنا كان التصاعد لمواجهة الانقلاب بدأ يزداد في كل القطاعات: الطلاب لعبوا دوراً كبيراً، بزغ نجم الدكتور حسن الترابي كزعيم للإخوان المسلمين في السودان، أصبح الإسلاميون أيضاً في خط المواجهة، الإضرابات أخذت بعد جديد، محمد أحمد محجوب يصف في صفحة 189 من مذكرته دور الطلبة في تأجيج ثورة 22 أكتوبر 1964 يقول: "وفي الخرطوم وصلت الإضرابات الطلابية إلى أبعادٍ جديدة بعد أن جاء قرار حكومة عبود إلغاء قانون جامعة الخرطوم كعارض من أعراض التلف داخل النظام العسكري. فقد حد القرار استقلال الجامعة، ووضعها تحت سلطة وزير التربية الّذي كان أحد جنرالات المجلس العسكري وقد عارض الطلاب والمعلمون على السواء القرار فأدى ذلك إلى وقوع اضطرابات في الحرم الجامعي، ومع ازدياد حدة الأزمة في الجنوب اغتنم طلاب جامعة الخرطوم الفرصة لبدء سلسلة من المناقشات حول مشكلة الجنوب وفي البداية لم تبدِ اعتراضاً الحكومة ولكنها عندما قرر الاجتماع الأول بالإجماع أنه ليس بالإمكان إيجاد تسوية قبل استقالة الحكومة العسكرية تدخل المجلس العسكري" والأمور بدأت تتطور استأنفت المناقشات علناً يوم الأربعاء 21 تشرين أكتوبر 1964 أُصيب رجال الشرطة وأُصيب بعض الطلبة ذهب هو لزيارة المستشفى قُتل أحد الطلبة واشتعلت المواجهات.

الصادق المهدي: ده مش التسلسل إلي حصل صحيح بعد ذلك استمر بصورة واضحة الرفض، الإمام الهادي نفسه كان يرسل مذكرات ضد العسكر الحركة الطلابية والحركة العمالية لعبت دور مهم جداً خاصةً نقابة السكك حديد وده كان يدل على تصاعد التحفز ضد النظام، ولكن الشيء الّذي أشعل الفتيل هو أنه النظام العسكري طرد القساوسة الأجانب من جنوب السودان.

أحمد منصور: من جنوب السودان، بس طردهم 1962.

الصادق المهدي: لا لا 1963..

أحمد منصور: حتى 1963 إحنا الآن بقينا في 1964.

الصادق المهدي: ما هو أنا بقولك طردهما هو أنا دائر أقولك يعني تسلسل الأمور فلما طردهم هما خرجوا وعززوا العمل الخارجي. لما طلعوا ضد الانقلاب ومع المعارضة، أنا كتبت كتاباً في أبريل 1964 قلت فيه: إن مشكلة الجنوب ليست مشكلة أمنية هي مشكلة ثقافية مشكلة وسياسية واقتصادية وهكذا ولا بدّ أن تناقش بحرية لنتفق على الحل، ده طلع في كتيب اسمه مسألة جنوب السودان وطُبع لغاية هذا الوقت مسألة الجنوب ما أشعلت حاجة لكن..

أحمد منصور: في ذلك الوقت.

الصادق المهدي: في ذلك الوقت استدعاني وزير الداخلية أحمد البحاري.

أحمد منصور: ضابط عسكري.

الصادق المهدي: ضابط وزير الداخلية قال لي لولا رهطك لرجمناك يعني لولا اهلك إحنا كنا اعتقلناك في هذا الكلام اسحب هذا الكلام.

أحمد منصور: كتاب صدر وطُبع.

الصادق المهدي: صدر وطُبع.

أحمد منصور: ما كانوا بالصحف ويصادروا الرأي.

الصادق المهدي: صدر كتيب، الكتيب موجود نسخ منه الآن يعني فأنا كان المفروض اعتقلك ولكن الآن أنبهك اسحب هذا الكتاب قلت له أنا ما بسحبه سكت، هم كانوا العسكريين في ذلك الوقت أعقل ممن أتوا بعدهم، المهم ما عمل شيء، الطلبة في عملهم ونشاطهم في الجامعة طلبوا من الدكتور حسن الترابي وكان في ذلك الوقت عميد كلية القانون.

أحمد منصور: الحقوق.

الصادق المهدي: الدكتور حسن جاء وقال نفس الكلام في الجامعة.

أحمد منصور: إلي أنت قلته.

الصادق المهدي: نفس كلام اللي قلته في أبريل هو قاله في أكتوبر، في ذلك الوقت المناخ تغيّر أنا قلته في حديثٍ بارد هو قاله في حديثٍ ساخن.

أحمد منصور: طيب عايز أوقف هنا عند الحديث البارد إلي أنت قلته والساخن إلي هو قاله وما بينهما.

الصادق المهدي: ما بينهما النشاط الطلابي.

أحمد منصور: لا وفي حاجة ثانية كمان أنا لاحظتها هنا وأنت ربما ذكرتها في كتابك إلي أنا ما قرأته أو الكتيب ده، الوثائق الأميركية عن المرحلة دي كانت حافلة بالنقاشات الّتي كانت تدور بين أهل السودان في ذلك الوقت عن جانب خطير جداً وهو الأفرقة والعروبة، الصراعات العنصرية بين عرب السودان وأفارقتها وكثير من الناس وربما كنت أنا منهم في وقتٍ ما أعتقد أن العنصرية هي أوروبية وغربية بين البيض والسود، لكن اكتشفت هنا وأنا أقرأ تاريخ السودان في هذه المرحلة أن هناك عنصرية بائسة بين السودانيين أنفسهم.

الصادق المهدي: نعم صحيح، وأنا أديك كتابا كتبته مؤخراً اسمه "الهوية السودانية بين التسبيك والتفكيك" تسبيك الوحدة والتفكيك المهم أنها تعالج هذا الموضوع أو تخاطب هذه المشكلة على كل حال.

أحمد منصور: إحنا هنا كيف نأتي في مجتمع شبه متقارب فيما بينهم في كل شيء أهل السودان طيبين وبسطاء حتى الوزير يقعد في الشارع يقابل ما حد عارف إنه وزير إلا إذا حد قال إنه ده وزير كيف في هذا الجو في هذه العنصرية المقيتة؟

الصادق المهدي: لا لا في شوف في كل أمتنا العربية في مشكلة ما بين العرب والأكراد ما بين العرب والأمازيغ في مشكلة المهم دي مشكلة.

أحمد منصور: والبدون والمواطنين الخليجيين يعني حاجات بائسة.

الصادق المهدي: المهم في المشكلة المهم في الموضوع الطلبة بعد ذلك اللقاء بعد ذلك اللقاء الّذي تمّ وقال فيه الدكتور حسن الترابي المحاضرة انتهت تلك المحاضرة بسلام لكن الطلبة عقدوا اجتماع أو ندوة ثانية في داخلية من داخليات الجامعة دي ما كان مخاطبة سياسية منهم وفيهم يتكلموا، الداخلية منعت هذه الندوة ومدير البوليس في ذلك الوقت في رأيي كان إنسان أحمق تصرف فضّها بالرصاص مات اثنين منهم أحمد قرشي طه الّذي صار هو شهيد الثورة بعد ما حصلت دي.

أحمد منصور: لا خليني هنا أوقف وقفة.

الصادق المهدي: ما أنا دائر أسلسل لك إلي أدى إلى الانتفاضة، قامت مجموعة من النقابات بقيادة القضائية بتنظيم موكب أمام القضائية.

أحمد منصور: ده القضاء العالي يعني.

الصادق المهدي: المحكمة، القضائية السودانية، المطلب: التحقيق في أحداث الجامعة.

أحمد منصور: ده القضاة إلي يطالبوا.

الصادق المهدي: القضاة والـ..

أحمد منصور: والقانونيين معهم.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: والمحامين وغيرهم.

الصادق المهدي: أيوه نعم حصلوا حدثين.

أحمد منصور: إحنا طبعاً دي أحداث الجامعة كانت 21 أكتوبر قتل أحمد القرشي.

الصادق المهدي: أيوه، حصلوا حدثين إحنا كقوى سياسية رحنا لأسرة الشهيد وقلنا لهم ما يستلموا الجثمان.

أحمد منصور: ليه؟

الصادق المهدي: لأننا عايزين نشيّعه.

أحمد منصور: تشييع ضخم.

الصادق المهدي: تشييع شعبي وده إلي أدى إلى تشييع شعبي كبير من محل إلي هي.

أحمد منصور: المستشفى.

الصادق المهدي : المشرحة.

أحمد منصور: المشرحة نعم.

الصادق المهدي: إلى.

أحمد المنصور: المقابر.

الصادق المهدي: الجنوب، لا مش المقابر إلى جنوب الخرطوم حيث يذهب إلى أسرته.

أحمد منصور: قريته.

الصادق المهدي: قريته إلي اسمه القراصة فده ده واحد من المشاهد إلي كانت عبأت الناس لأنه نحن مشينا كلنا في موكب ولمّا وضعنا الـ.

أحمد منصور: شكل الموكب ده كان إيه؟

الصادق المهدي: كبير جداً وفيه طلبة وفيه يعني ناس من كل الجهات إلي كانت في الجبهة القومية المتحدة.

أحمد منصور: إحنا هنا عايزين نذكر المشاهد بحاجة ثورة 22 أكتوبر 1964 في السودان لم تأخذ حقها لا من السودانيين ولا من غيرهم، نحن أمام ثورة شعبية تُدرّس في التاريخ، دماء طالب واحد أججت ثورة وأسقطت حكم عسكري.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: إحنا دائماً نقول الثورة الإيرانية الثورة الفرنسية الثورة البلشفية لا أحد يتحدث عن ثورة 22 أكتوبر 1964 في السودان رغم أنها ثورة شعبية أسقطت نظام عسكري مستبد بكل المعايير.

الصادق المهدي: نعم بس في السودان أخذت بعدها كله بل أفرزت قصائد جميلة جداً في الأناشيد وغيره يعني زي ما بقول مثلاً أحدهم..

أحمد منصور: ما عرفتم تصدروها برا.

الصادق المهدي: معلش إعلامنا ضعيف.

أحمد منصور: وده خطأكم انتم السودانيين أخطائكم أنتم السياسيين.

الصادق المهدي: لكن كانت فيها يعني فرحةٌ نابعةٌ من كل قلبي يا فؤادي، زي ما التعبير بتاع الهادي كذلك نحن كذلك نحن إذا ما قلنا يوماً نحن نريد فابحث لسلاحك عن هدفٍ آخر هيهات هيهات يفيد.

أحمد منصور: ما الّذي بقي في ذاكرتك من 22 أكتوبر 1964؟

الصادق المهدي: ما هو أنا بقولك يعني أنا اعتقد أنها ثورة شعب أعزل استطاع أن يسقط نظامه ولكن لا شك أبداً أنه النظام العسكري في ذلك الوقت كان عاقل عندما رأى الحشد الّذي تم قرر أن يحل أجهزته ويرسل لنا ضباطا.

أحمد منصور: إحنا هنا قبل ما يرسلك الضباط لأنك كنت من الوفد المفاوض.

الصادق المهدي: أنا جاييك عشان أقولك الشيء الّذي فجّر المسألة من ناحية شعبية وده ده مشهد المشهد الثاني لمّا الموكب ده بقيادة القضاة و.

أحمد منصور: شاركوا في الجنازة؟

الصادق المهدي: لا ما شاركوا في الجنازة إلا كان أفراد لكن الموكب المهم الّذي نظموه هو أن يسير هذا الموكب ليسلم مذكرة المطالبة بالتحقيق.

أحمد منصور: القضاة.

الصادق المهدي: القضاة.

أحمد منصور: عشان دجنوا القضاة بعد الانقلابات العسكرية كلها.

الصادق المهدي: أيوه القضاة فقاموا هؤلاء القضاة قادوا هذا الموكب، الموكب مطلبه ما كان زيادة من التحقيق للإنصاف فيما حدث في أحداث الجامعة الحقيقة جاء..

أحمد منصور: يعني هنا القضاء كان مستقل إلي في السودان.

الصادق المهدي: ما في شك ما في شك فقام عبد المجيد إمام كان نائب رئيس القضاء جاء ضابط بوليس بأمر الداخلية قال لهم في الموكب تفرقوا في السودان حسب القانون عندنا القاضي هو إلي يأمر البوليس ف..

أحمد منصور: في ذلك الوقت.

الصادق المهدي: فقام القاضي قال لضابط البوليس انصرف، ما انصرف حصلت مشادّة زي كأنها نزاع بين التنفيذي والقضائي بعد إذن قرر الموكب الإضراب العام.

أحمد منصور: القضاة.

الصادق المهدي: نعم الإضراب العام هذا الموكب بمن فيه قضاه وغيرهم في الوقت ده.

أحمد منصور: كل ده كان يوم 22 أكتوبر و21 قُتل القرشي.

الصادق المهدي: أيوه بعده، بعد كدا الجماعة إلي كانوا في الموكب كوّنوا لأنفسهم قيادة في نادي الأساتذة وكوّنوا حاجة سُمّيت جبهة الهيئات فبقت جبهة الهيئات قيادة نحن القوى السياسية اجتمعنا في بيت المهدي وكوّنا جبهة أخرى هناك.

أحمد منصور: يعني الهيئات إلي هي الهيئة القضائية والهيئة كذا والهيئة كذا شكلوا، العمال شكلوا، الطلبة شكلوا الأساتذة شكلوا أنتم السياسيين شكلتم.

الصادق المهدي: نعم فبقى في مركزين واحد في الخرطوم نادي الأساتذة وفي أم درمان بيت المهدي حصل هذا الموقف وكلنا استطعنا أن نعزز الإضراب العام ونعزز المظاهرات إلي تصير في الشوارع لمدة أربع أيام.

أحمد منصور: في كل أنحاء السودان.

الصادق المهدي: كل أنحاء السودان.

أحمد منصور: من 22 ل 26 أكتوبر.

الصادق المهدي: نعم لمّا الموضوع بلغ كدا عبود قعد يتساءل الناس دي كلهم ضدي أي إذن أنا لا يمكن أن أستمر، حلّ المجلس الأعلى وحل الحاجات دي كلها وأرسل لنا ضابطين.

أحمد منصور: من هم تفتكر؟

الصادق المهدي: أيوه، افتكرهم لغاية هذا الوقت المدهش أنه حتى ذلك الوقت هم افتكروا تفاوضوا معنا مش مع جبهة الهيئات لأنه يفتكروا جبهة الهيئات فيها روح شيوعية وفيها عناصر شيوعية وهم عندهم موقف حساسية شديدة منهم، ولذلك أرسلوا لنا ضابطين واحد اسمه الطاهر عبد الرحمن المقبول والثاني اسمه عوض عبد الرحمن صغير وكان من أمناء الأنصار.

أحمد منصور: الاثنين.

الصادق المهدي: الاثنين وهم لواءات أتوني في بيت المهدي.

أحمد منصور: يوم 26 أكتوبر.

الصادق المهدي: أيوه انتم عايزين إيه؟ قلت له  إحنا عايزين الديمقراطية طيب إحنا مستعدين نتكلم معكم المدهش في ذلك الوقت بالذات وفد من جبهة الهيئات إلي كانت عايزة تعزلنا.

أحمد منصور: أنتم السياسيين.

الصادق المهدي: كانت عايزة تعزلنا وتتولى هي تفاوض الأمر، أتونا في بيت المهدي فأنا قلت للضباط هؤلاء إحنا لن نفاوض بيننا وبينكم سنتفاوض إحنا وأنتم وجبهة الهيئات، وافقوا عملوا لهم ميعاد بكرا كوّنا وفد، حسن الترابي أحمد سليمان...

أحمد منصور: أحمد سليمان شيوعي حسن الترابي إخوان مسلمين.

الصادق المهدي: أبا بكر عوض الله الرئيس القضاء مبارك زروق إتحادي وأنا أرسلت للختمية.

أحمد منصور: كان وزير .

الصادق المهدي: قلت لهم مع أنهم لغاية آخر لحظة كانوا مع النظام فلول يعني، أرسلت لهم عشان يرسلوا مندوبا، أرسلوا مندوب أحمد السيد حامد وذهبنا إلى القصر.

أحمد منصور: أبدأ الحلقة القادمة معك بتفصيلات التفاوض في ثورة 1964 الّتي قام بها الشعب السوداني وأسقط فيها نظام عبود العسكري بعد 6 سنوات من الانقلاب والّتي قضى التفاوض فيها ممثلون عن الشيوعيين عن الإخوان المسلمين عن القضاة عن الختمية وعن الأنصار وعن حزب الإتحاد الّذي يرأسه الأزهري، حتى يعرف الناس كيف يمكن أن تنجح الثورات بكل مكونات المجتمع وليس بفئةٍ واحدةٍ، التفاوض بتاعكم درس سياسي تاريخي أبدأ به الحلقة القادمة.

الصادق المهدي: إن شاء الله.

أحمد منصور: شكراً لك ، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الإمام الصادق المهدي إمام الأنصار في السودان زعيم حزب الأمة ورئيس الوزراء الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.