يكشف الصادق المهدي -رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي- أن المستعمر البريطاني خطط منذ عام 1922 لفصل جنوب السودان عن شماله، وأنه خلق للجنوب هوية "مسيحية أنغلوسكسونية"، لكن عوامل جيوسياسية حالت دون تحقيق ذلك المخطط في تلك الفترة.

ويضيف -في الجزء الثاني من شهادته لبرنامج "شاهد على العصر"- أن البريطانيين عندما شعروا أن مشروعهم لم ينجح طرحوا على الجنوبيين في مؤتمر عقدوه في جوبا عام 1947 مسألة الاندماج مع الشمال مع وعود بالحفاظ على خصوصيتهم الجنوبية، ومن هنا تبلورت فكرة الفدرالية.

ويقول المهدي إن الحركة الشمالية لم تدرك خصوصية الجنوب، وإن الانقلاب الذي وقع عام 1958 بقيادة إبراهيم عبود (1958-1964) قام بإجراءات صدمت المبشرين في الجنوب، منها "الأسلمة والتعريب".

وبحسب ضيف "شاهد على العصر"، فإن عبود خلق الظروف التي أدت إلى حدوث ما اعتبره استقطابا حادا في الجنوب السوداني.

يُذكر أن جنوب السودان انفصل عن السودان بعد استفتاء نصت عليه اتفاقية السلام التي وقعت بين طرفي الحرب الأهلية عام 2005، وأنهت عقودا من الحرب خلفت نحو مليوني قتيل.

ويتطرق المهدي في شهادته أيضا إلى الحراك السياسي الذي شهده السودان خلال فترة الخمسينيات من أجل الانفصال عن مصر والاستقلال عن المستعمر البريطاني.

ويكشف أن حزب الأمة كان يرفع شعار "السودان للسودانيين"، وأن التيار اليساري والحزب الشيوعي كانا ضد الوحدة مع مصر التي كان يحكمها نظام عسكري، وحتى الإخوان المسلمون السودانيون أصبحوا يؤيدون هذا الطرح بعد عام 1954.

بينما كان إسماعيل الأزهري يؤيد في البداية مسألة الوحدة مع مصر قبل أن يتراجع عن موقفه. وكان الأزهري يشغل منصب رئيس وزراء السودان في الفترة 1954-1956، ورئيس مجلس السيادة في الفترة 1965-1969.

ويؤكد المهدي أن الممارسة الديمقراطية كانت موجودة في السودان عام 1957 بعد عودته من لندن التي درس فيها -في جامعة أكسفورد- السياسة والاقتصاد والفلسفة.

ويقول إنه لم يكن له أي انتماء حزبي بعد عودته إلى السودان، ولم يكن يرغب في الاشتغال في مجال السياسة، لكن والده طلب منه عام 1958 المشاركة في الحملة الانتخابية لحزب الأمة، وكان ذلك أول عمل سياسي يقوم به.

وبشأن الحركات الصوفية التي يعج بها السودان، يقول زعيم حزب الأمة إن بلاده فيها طرق صوفية سنية معتدلة، وهو تصوف روحي تربوي، أي ليس فيه الآراء الفلسفية والخرافات.

وقد لعبت الطرق الصوفية -بحسب المتحدث- دورا كبيرا في الحياة السياسية السودانية وفي نشر الإسلام والتربية.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: الصادق المهدي: بريطانيا خططت لتقسيم السودان عام 1922 ج2

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: الصادق المهدي/ رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي

تاريخ الحلقة: 2/8/2015

المحاور:

-   الوحدة والانفصال بين مصر والسودان

-   مخطط فصل شمال السودان عن جنوبه

-   الدول الغربية.. وسائل وأساليب التجنيد

-   أوضاع السودان عام 1957

-   الزعامة بين السياسي والديني

أحمد منصور: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيثُ نواصلُ الاستماع إلى شهادة الإمام الصادق المهدي رئيس الوزراء السودانيِّ الأسبق وإمامُ الأنصار وزعيمُ حزب الأمة في السودان، فضيلة الإمام مرحباً بك.

الصادق المهدي: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند ذهابك إلى جامعة أكسفورد في بريطانيا في العام 1954 لاستكمال دراستك في مجال الزراعة لكنكَ أشرت إلى نُقطةٍ هامةٍ تاريخية هي علاقتك مع غراهام توماس، وقُلت إنَّ غراهام توماس كان أحد زُعماء حزب العمال البريطاني، كان يُقيم في السودان بدأ علاقتك بهِ وعمرك 13 سنة وكان جدك على علاقة بهِ وأرسلك إليهِ وهو كتبَ في مذكراتهِ أنَّ هذا الشاب الناشئ يُمكن أن يكون هو حاكم السودان المُقبِل، غراهام كان فين حينما ذهبتَ أنتَ إلى أكسفورد في العام 1954؟ كان لا يزال في السودان!!

الصادق المهدي: كان موجود في السودان، موجود في السودان.

أحمد منصور: ذهبتَ إليهِ سلمت عليهِ قبل ذهابك؟ أعلمتهُ أنكَ ستذهب أم علاقتك بهِ انقطعت؟

الصادق المهدي: لا جداً بالعكس؛ أنا صار لي بعد كدا أشبه بصديق فكأنهُ صادّق جدي وأبي وشخصي وهو من ميزاتهِ أولاً هو ينتقد حكومتهُ لأنهُ كان من العُمال، ثانياً صريح جداً من أصرح الناس في الكلام ولا يُميز بين عمرٍ وعمر يتكلم معي في كُل شيء وأنا من المدهش في تلكَ السِن كُنتُ أُصاحبُ فقط كِبار السن أستفيدُ منهم، على كُل حال.

أحمد منصور: هو كان وضعهُ أو وظيفتهُ إيه في السودان؟

الصادق المهدي: كان رئيس قلم استخدام العُمال.

أحمد منصور: استخدام العمال السودانيين ولا في الحكومة السودانية في الحكومة..

الصادق المهدي: يعني العمال جميعاً يعني.

أحمد منصور: الموظفين يعني.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: موظفي الدولة كُلهم.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: وكان بريطاني!! هُنا في الوقت ده طبعاً كانت السودان تحت الاحتلال البريطاني كما كانت مصر، بدأت مفاوضات الجلاء في السودان أعلنَ الضباط الأحرار في مصر عن حق السودان بعد قيامهم بانقلاب 1952 يوليو حق السودان في تقرير مصيرهُ وتمَّ توقيع اتفاقية للحكم الذاتي بريطانية- مصرية في فبراير 1953، أنتَ في الوقت ده كنت في السودان وتُتابع لسه ما رحت بريطانيا.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: كيف تابعت هذا الأمر؟ البريطانيين شعروا الآن أن أيامهم معدودة في السودان.

الصادق المهدي: نعم البريطانيين مُنذُ نهاية الحرب العالمية أو أنا أسميها الحرب الأطلسية الثانية كانوا يتوقعون نهاية الإمبراطورية ولذلك بدؤوا مشروعات في الهند، في نيجيريا، في كُل مستعمراتهم لنقل السُلطة..

أحمد منصور: بحيث أنها تُنقَل لرجالتهم برضهُ في البلاد دي.

الصادق المهدي: أيوه تُنقل عبر وسائل ديمقراطية لكن لناس يفهمونهم ويتفاهمون معهم.

أحمد منصور: خريجي كلية فيكتوريا وما أشبه.

الوحدة والانفصال بين مصر والسودان

الصادق المهدي: كُل الطبقة يعني المُعدَة للخلافة، ولذلك هُم كانوا أصلاً بدؤوا المجلس الاستشاري ثُم المجلس التشريعي وهكذا فكان التحضير لهذهِ النهاية، الحكومة المصرية في عهد الباشاوات كانوا أغبياء جداً لأنهم ظلّوا يتحدثوا عن السيادة المصرية على السودان ولا يتحدثوا إلّا عن هذا باعتبار أنهُ القضية كُلها قضية.

أحمد منصور: قضية سيادة.

الصادق المهدي: سيادة.

أحمد منصور: مش قضية إن السودان جُزء من مصر.

الصادق المهدي: إنها قضية سيادة مصرية على السودان وبحق الفتح وأنَّ هذهِ هي أُسس مُرافعتهم في مجلس الأمن وطبعاً هذا كان مُستَفز لكثيرين خاصةً حزب الأمة باعتبار أنَّ كما كتب الإمام عبد الرحمن نفسهُ في مُذكراتهِ: أنا لا أنُكر إخائنا وجوارنا ومصالحنا لكن أن تكون العلاقة على أساس نحنُ تبع السيادة المصرية ما في أحد مُمكن يقبل هذا الكلام، ولذلك هو قاد فكرة السودان للسودانيين على أساس أننا بعدَ ما نستقِل برأينا نُقيم علاقتنا مع مصر كما نشاء مش حتماً تبعية السيادة، فـ...

أحمد منصور: هذا الأمر ترك حساسيات مُفرطة لفترات طويلة.

الصادق المهدي: جداً جداً.

أحمد منصور: بسبب عدم ذكاء المصريين في التعامل مع السودان.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: وأهل السودان.

الصادق المهدي: هُم القيادات المصرية في ذلكَ الوقت أنا في رأيي كثير من القيادات المصرية عندهم نوع من البلادة في التعامل مع الآخر لأنهُ أنتَ لا يُمكن أن تنطلق من مفهوم شعب عندهُ مصالحهُ وعندهُ كرامتهُ بأنهُ إحنا بـ.

أحمد منصور: أسيادكم، السيادة لمصر.

الصادق المهدي: نُقيم العلاقة على أساس السيادة، فالإنجليز استغلوا هذهِ المسألة ولذلك شجعوا الحركة الاستقلالية.

أحمد منصور: في السودان.

الصادق المهدي: في السودان على موقفها أنَّ السودان للسودانيين ولم يتضح أن الإنجليز كانوا يُريدون فقط استغلال الموقف إلّا عندما قررت الثورة المصرية أن توافق على حق تقرير المصير للسودان.

أحمد منصور: ما أنا كُنت عايز أقول لك على دي أصلاً أن العسكر في مصر بعد انقلابهم ما كنش فارقة معهم أن تبقى السودان معهم أم لا رغم أنها العُمق الاستراتيجي لمصر وكانَ يُمكن أن يُصححوا أخطاء الباشاوات من قبل.

الصادق المهدي: هُم افتكروا عملوا أشياء جائز تجيب هذهِ النتيجة لأنهُ كان في حزب الأُمة نعم وفي 6 أحزاب اتحادية جمعوهم في مصر، جمعهم اللواء محمد نجيب واقترح عليهم تكوين حزب واحد وهو حزب الوطن الاتحادي.

أحمد منصور: اللي كان يرأسهُ الأزهري.

الصادق المهدي: اللي كان يرأسهُ الأزهري.

أحمد منصور: إسماعيل الأزهري.

الصادق المهدي: نعم وأن يخوضوا الانتخابات.

أحمد منصور: ضِد حزب الأمة.

الصادق المهدي: ضد حزب الأُمة وأن يُدعَموا من الحكومة المصرية لينالوا الأغلبية وهذا ما حدث.

أحمد منصور: يعني سِر نجاح إسماعيل الأزهري هو الترتيب اللي نجيب أعدهُ لهذا الموضوع لأن حزب الأمة كانَ يقول السودان للسودانيين.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: وهؤلاء الذينَ دعوا إلى الوحدة مع مصر هُمُ الذين رتّبوا الانفصال وأعلنوهُ ورأس الأزهري أول حكومة انفصالية.

الصادق المهدي: أيوه السبب بسيط جداً، بعدَ أن دعمت مصر وده مُثبَت في المحاكم الحزب الوطني الاتحادي بالمال والإعلام وبعدَ أن كوَّنَت الحزب الوطني الاتحادي نفسهُ وصار قوة هائلة ارتبكوا مجموعة من الأخطاء.

أحمد منصور: إيه هي؟

الصادق المهدي: أولاً الأزهري يعتبر نفسهُ مُنتخَب والكلمة الأخيرة عندهُ كانوا يُحاولا يتدخلوا في الشأن السوداني.

أحمد منصور: المصريين!!

الصادق المهدي: الحكومة المصرية يعني بقيادة صلاح سالم، كان هو يعني..

أحمد منصور: صلاح سالم اللي هو كان مندوب مسؤول عن ملف السودان عند العسكر.

الصادق المهدي: نعم نعم.

أحمد منصور: وهو الذي كان يأتي لا خبرة ولا معرفة ولا..

الصادق المهدي: بالضبط بالضبط فكان.

أحمد منصور: مجرد عسكري ضابط يعني.

الصادق المهدي: ظهر هذا التناقُض، تناقض ثاني ظهر أنهُ في مصر بدأ خلاف بين.

أحمد منصور: محمد نجيب وبين عبد الناصر.

الصادق المهدي: والخلاف حول الديمقراطية وصُفّيَ لخلاف لصالح إبعاد الديمقراطية فصار.

أحمد منصور: أنتم قُلتم إحنا سنقع تحت دكتاتور مش سيرحمنا.

الصادق المهدي: أيوه حتى واحد من الشعراء الاستقلاليين يعني قال: إن كان مثلكَ يا نجيب معناه يُضام فما الضمان أن لا نُضامَ ونُقهرَ، يعني زي كان يقف بعطف مع محمد نجيب وطبعاً محمد نجيب عندهُ عواطف كثيرة في السودان.

أحمد منصور: طبعاً لأنهُ أمهُ سودانية ولأنهُ كان قائد في السودان..

الصادق المهدي: وعندهُ صداقات مع كُل القيادات السودانية.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: المهم ده لهُ دور أيضاً...

أحمد منصور: يعني حينما قهر عبد الناصر محمد نجيب وأبعدهُ هُنا السودانيون فكروا في شأنهم.

الصادق المهدي: حصلت.

أحمد منصور: وقالوا.

الصادق المهدي: نعم حصلت حالة..

أحمد منصور: لا وحدة مع عبد الناصر.

الصادق المهدي: نعم، ثالثاً من الأسباب الجديدة حزب الأُمة معهُ أنهُ فقد الانتخابات، عندهُ قاعدة شعبية قوية جداً عبأ حزب الأمة القاعدة الشعبية عشان يشوفها الأزهري وكان واضح أنهُ الأزهري بدأ يُفكِّر أنا بدل ما أحكُم السودان كجزء من أي جهة أخرى أحكم السودان مُستقل وفكر أن يتحول للاستقلال، لما فكر أن يتحول للاستقلال كان اتجاه حزب الأمة قواعد في حزب الأمة أنهُ لأ نُسقِط حكومتهُ.

أحمد منصور: حكومة الأزهري.

الصادق المهدي: الأزهري وبعدين نأتي بالاستقلال، الأزهري اتصل بالأمام عبد الرحمن وقالَ لهُ ماذا لو توجهت أنا نحوَ الاستقلال، قالَ لهُ الإمام عبد الرحمن أؤيدك، نؤيدكَ نحنُ وقد كان.

أحمد منصور: يعني هُنا إسماعيل الأزهري باع عبد الناصر وباع الوحدة مع مصر في مقابِل أن يبقى في السُلطة وفي مُقابل أن لا يقع تحت دكتاتورية عبد الناصر.

الصادق المهدي: وعوامل أُخرى يعني هو أحس بأنهُ يعني مصر تُحكَم بنظام لا يؤيدهُ.

أحمد منصور: هُنا محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء السابق في صفحة 57 من كتابة الديمقراطية في الميزان وهو بمثابة مُذكرات لهُ قال فيها: "في يوم الخميس 15 كانون الأول/ ديسمبر 1955 وقفَ رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري في البرلمان وقالَ سأُعلن استقلال السودان في الأسبوع القادم وكان هذا نتاج اتفاقٍ بينَ حزبي الأمة والوطن الاتحادي".

الصادق المهدي: نعم، نعم هو مُقابلة مُباشرة تمت ما بين الأزهري والإمام عبد الرحمن وقالَ لهُ لأنهُ كان في فِكرة في حزب الأمة انهُ لا نقبل عشان نرفع العلم نحنُ ويُنسَب الاستقلال لنا وطبعاً حتى اليوم كثير من الناس يعتبروا أنهُ الأزهري هو الذي حقق الاستقلال.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: لأنهُ هو اللي رفع العلم ولكن الحقيقة أنهُ الإمام عبد الرحمن وحزب الأمة اللي قاموا بهذا العمل كُلهُ فكروا أنهُ لا يهُم مَن يرفع العلم طالما سيُرفَع علم السودان.

أحمد منصور: هُنا قرار الاستقلال التاريخي كما أصدرهُ البرلمان السوداني آنذاك وكما ذكرهُ محجوب في كتابهِ:" نحنُ أعضاء مجلس النواب المُجتمعين في البرلمان نُصرِّحُ باسم الشعب السودانيّ أنَّ السودان قد أصبحَ دولةً مُستقلةً ذات سيادةٍ تامة ونلتمسُ من سعادتكم الطلب من دولتي الحكم الثنائي أن تعترف بهذا التصريح فوراً".

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: اللي هُم مصر وبريطانيا.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: هنا للتاريخ شيء كان يُمكن أن يحول دون انقسام السودان إلى شمال وجنوب هو تعهد الجمعية التأسيسية أن تنظر باهتمام في مطالبة أعضاء البرلمان السودانيين الجنوبيين بحكومة فدرالية للمُقاطعات الجنوبية.

الصادق المهدي: نعم صحيح دي واحدة من أخطاء الحركة السياسية السودانية أنها شوف كان واضحا لمّا الانجليز أصلاً أسسوا للانفصال لأنهم طبّقوا سياسة اسمها السياسة الجنوبية عشان يُقيموا نظام فصل عُنصري بين الشمال والجنوب، من عام 1922 كانت السياسة في الجنوب من النواحي التعليمية ومن الناحية الصحية وكُل الخدمات الاجتماعية تُسلم للمُبشرين.

أحمد منصور: رغم أن جنوب السودان كانَ وثنياً ولم يكُن مسيحياً.

الصادق المهدي: يعني مش ضروري كان كُلهُ لكن كان في صفوة جنوبية.

أحمد منصور: الحاكمة مسيحية!!

الصادق المهدي: مسيحية، السياسية البريطانية كان هدفها وواضح تماماً أنهُ الجنوب إمّا يفصَل من الشمال إذا كانَ بإمكانهِ أن يُقيم دولة قابلة للاستمرار أو يُضاف لدول شرق أفريقيا يوغندا..

مخطط فصل شمال السودان عن جنوبه

أحمد منصور: فضيلة الإمام يعني أنتَ الآن هُنا تُشير لمعلومة خطيرة وتاريخية ويُفهَم منها ما حدث في 2011، أن التخطيط لفصل جنوب السودان عن شمالهِ بدأ عام 1922 وتحقق 2011!!

الصادق المهدي: نعم وأصلاً لا شك أنهُ المُخطط كان الجنوب ينفصل وخلقوا للجنوب هوية جديدة مسيحية أنغلوسكسونية وده كان الوضع، الانجليز شعروا بأنهُ في عوامل جيوسياسية تحول دون نجاح هذا المشروع.

أحمد منصور: ما هي؟

الصادق المهدي: يعني أنهُ الاقتصاد والعوامل المُختلفة فيه نوع من الـ..

أحمد منصور: كان وقتها اقتصاد الجنوب مُتضعضع تماماً ولا يُمكن أن يُقيم دولة.

الصادق المهدي: أيوه يعني عوامل كثيرة ولكن العامل الأكبر الأهم عايزين يرضوا الطبقة المُثقفة السياسية الشمالية وعايزين أيضاً ما يستفزوا مصر بالنسبة لقناة السويس، هذهِ كُل الأفكار أنهُ عايزين...

أحمد منصور: يُحققوا كُل ده مع بعضهُ.

الصادق المهدي: أيوه ولذلك غيَّروا السياسة وقاموا دعوا لمؤتمر سُميَ مؤتمر جوبا في عام 1947، في هذا المؤتمر جاءَ مُمثلو الجنوب وهُنا الانجليز كانوا يعني أمُنيتهم بالاستمرار بعيد من الشمال فوجدوا الانجليز هذهِ المرة يُكلموهم بلُغة أُخرى، دايرين أنهم يندمجوا مع الشمال للأسباب اللي ذكرتها فالكلام ده سنة..

أحمد منصور: 1947.

الصادق المهدي: لما حصل الكلام ده الجنوبيون قالوا للإنجليز إحنا لو اندمجنا مع الشمال ما عندنا مُقومات أن نُقاوم استبدادهم علينا وتسلُطهم علينا.

أحمد منصور: يعني هُنا إحنا قدام مُثلث تسلُط؛ المصريين مُتسلطين على السودانيين والشماليين مُتسلطين على الجنوبيين.

الصادق المهدي: أيوه فقام قالوا الإنجليز قالوا لهم نحنُ يُمكِن أن نعمل ضوابط للمُحافظة على خصوصية الجنوب ده اللي جاب فكرة الـ Federation، على خصوصية الجنوب وكان في السيد محمد صالح الشنقيطي هو من أصدقاء الإمام عبد الرحمن حاضر الاجتماع ده فوعدَ الجنوبيين بأنهُ إحنا سنعمل.

أحمد منصور: الشنقيطي موريتاني ولا إيه!!

الصادق المهدي: أصلاً موريتاني ولكن سوداني يعني، إحنا نحنُ نستطيع أن نحافظ لكم على مصالحكم وكانت في فكرة واضحة أنهُ الجنوبيين عايزين وضع خصوصي، المهم في النهاية ده تبلور في فكرة الـ Federation .

أحمد منصور: الفدرالية.

الصادق المهدي: الفدرالية ولكن للأسف اللي حصل.

أحمد منصور: كان يُمكن إنقاذ جنوب السودان من أن تنفصل لو تحقق هذا في سنة 1955..

الصادق المهدي: أيوه كان مُمكن يحصل الآتي؛ لو أن الحركة الشمالية مُنذُ ذلك الوقت أدركت أنهُ هناكَ خصوصية جنوبية يجب احترامها.

أحمد منصور: زي ما كانوا المصريين يجب أن يُدركوا أن خصوصية سودانية يجب احترامها.

الصادق المهدي: تمام تمام، اللي حصل يعني خطئان مُهمان جداً.

أحمد منصور: ما هُما؟

الصادق المهدي: الأول أنهُ لمّا وقع انقلاب 17 نوفمبر الجنوبيين كان عندهم أحزاب ونواب ووزراء وتمثيل في مجلس السيادة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: هؤلاءِ جميعاُ يعني شُردوا وصاروا ما عندهم أيِّ شيء غير التشرُد ولذلك راحوا في كونغو، راحوا في يوغندا، في كينيا وصاروا هناك خميرة عكننة سياسية باعتبار أنهُ هُم جُرِّدوا من كُل أوضاعهم.

أحمد منصور: دي من مساوئ انقلاب 1958.

الصادق المهدي: تمام، سوءة أُخرى الانقلاب كان يُمارس نوع من الأسلمة والتعريب، عُمِلَت بطريقة استفزت.

أحمد منصور: أهل الجنوب.

الصادق المهدي: المُبشرين؛ لأنهُ كان هناك في مُبشرين في جنوب..

أحمد منصور: المُنصريين يعني، يعني رايحين للتنصير.

الصادق المهدي: نعم وأجانب، هؤلاء المبشرون وُوجهوا بحاجة عملتها الحكومة فيها صدمة كبيرة وهي تغيير يوم الإجازة من يوم الأحد ليوم الجمعة، المسيحيين والـ..

أحمد منصور: الكلام ده في مارس 1959!!

الصادق المهدي: بعد مارس يعني في أثناء..

أحمد منصور: أثناء حكم العسكر.

الصادق المهدي: حكم العسكر، اليوم السابع كان الأحد عند المسيحيين أو السبت عند اليهود.

أحمد منصور: عند اليهود.

الصادق المهدي: ما زي يوم الجمعة عندنا هو هناك يوم مُقدس، إحنا عندنا ساعة واحدة مُقدسة هي ساعة الصلاة ما عدا ذلك ما في تقديس لليوم.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: لكن هُم عندهم هذا، فـدي كانت صدمة عارضها هؤلاء فانضافت إلى المشاكل قامت الحكومة طردتهم كُلهم طردتهم، ده غذّى الدعم الخارجي.

أحمد منصور: للانفصال.

الصادق المهدي: للانفصال أو للحركة.

أحمد منصور: بس إحنا هنا برضه في نُقطة مهمة، تفضل.

الصادق المهدي: ما أنا جاييك أكملك لك في أنهُ مسألة الأسلمة والتعريب الفوقي ومسألة طرد أو تشريد الكوادر القيادية الجنوبية أنضاف لها أنهُ السيد عبود لمّا كان عايز يمشي يحضر الجلسة التأسيسية لمُنظمة الوحدة الأفريقية في سنة.

أحمد منصور: ده الجنرال إبراهيم عبود اللي عمل انقلاب 1958.

الصادق المهدي: أيوه في سنة 1963 أطلق سراح العساكر الذين اشتركوا في حركة تمرُد أثناء حكم الرئيس الأزهري في سنة 1955، كانوا في السجن، حوكموا على ما فعلوا من أفاعيل فـ..

أحمد منصور: أطلق سراحهم سنة 1963.

الصادق المهدي: أطلق سراحهم بدون إعطائهم بديل يعني ما عمل لهم قواعد التسريح اللي يعملوها دائماً فهؤلاءِ لجئوا مع السياسيين هناك فتكونت هناك.

أحمد منصور: نواة للحرب.

الصادق المهدي: أيوه سياسة هناك توجه حزب سانو للتعبئة السياسية وحركة أنيانيا اللي هي الحشرة السامة للعمل المُسلَّح، ده مؤكد عطاء كامل من الجماعة دول فبقى عندنا الخلفية أصلاً السياسة بتاع الإنجليز.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: النظام بتاع السيد إبراهيم عبود يعني ما في شك خلقت الظرف ده، طبعاً جاءت بعد كده نحنُ نتكلم الجهات الثانية إحنا والنميري والجبهة الإسلامية القومية دورهم لكن أنا أقف هُنا بحسب التاريخ عن الدور الكبير اللي سياسيات نظام 17 نوفمبر أدت فيهِ إلى الاستقطاب الحاد في الجنوب.

أحمد منصور: أنا هُنا الحقيقة عايز المشاهدين معنا يركزوا في حاجة مُهمة جداً أنَّ خطوات الاستعمار في التآمر والتقسيم تمتد إلى عشرات السنين وأنَّ خطة فصل مصر عن السودان وفصل جنوب السودان عن شمالهِ بدأت في 1922، الأولى طُبقَت سنة 1956 والثانية طُبقَت في 2011 وهم ليسَ عندهم كلل ولا ملل، معنى ذلك إن في خُطط تقسيم كثيرة تجري للمنطقة وبقى لها عشرات السنين بس لما تجيء الظرف المناسب يُطبقوها.

الصادق المهدي: تمام شوف أنا في رأيي بوضوح تام العدو عدو ولا يُتوقَع منهُ إلّا أن يتصرف كعدو.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: الخطأ والخطر أنهُ قيادات سياسية من أهل البلد هُم الذين يندفعون في اتجاهات تُحقق للعدو مقاصدهُ.

أحمد منصور: قرر السودانيون الانفصال عن مصر، أعلنوا الاستقلال في يناير 1956، كيفَ تابعت هذهِ التطورات وأنتَ كنت تدرس في جامعة أكسفورد في بريطانيا؟

الدول الغربية.. وسائل وأساليب التجنيد

الصادق المهدي: أنا لمّا ذهبت لـ أكسفورد مع أنهُ في ناس يفتكروا لما تدرس أنتَ في معاهد من هذا النوع سوفَ يحدث لكَ غسيل دماغ وهكذا، القوى الغربية وسائلها للتجنيد ذكية، ما فيش حكايات أنهم هُم يعني يعملوا أشياء مُباشرة.

أحمد منصور: نعم كيف؟ قُل لنا وسائل التجنيد.

الصادق المهدي: يعني وسائل أنك أنتَ أول شيء تثِق في أنهُ ثقافتهم فيها موضوعية يعني يتناولوا الأمور بهذا الشكل، يعني في الوقت أنتَ ترى أنهُ الـ BBC مثلاً فيها درجة عالية من الموضوعية، صحيح في إستراتيجية ولكن في شيء من الموضوعية وهكذا في صحافتهم، للأسف صحافتنا وإعلامنا يمشي في الخط الآخر اللي هو يعني فيهِ.

أحمد منصور: انحياز أعمى للحاكم أو ضِد الحاكم يعني.

الصادق المهدي: أيوه ما في ذكاء.

أحمد منصور: ما فيش موضوعية.

الصادق المهدي: ولذلك هم بذكائهم يستطيعوا يستملوك وأنا أعتقد كثير جداً من الذين اتجهوا مثلاً يقولوا نحنُ علمانيون هُم إذا نظروا في الأمر الغرب نفسهُ ما فيه علمانية بالمفهوم دا يعني الملكة في بريطانية رئيسة الكنيسة..

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: ورئيسة الدولة في أميركا كذلك يعني في نوع من التعايش ما بين..

أحمد منصور: العلمانية عندهم لا تعني التطرف ولا تعني العداء للآخر.

الصادق المهدي: تمام للأسف.

أحمد منصور: إحنا عنا العلمانية لأ..

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: تعني إلغاء الدين وتعني كراهية المتدين..

الصادق المهدي: تمام، تمام فإذاً هم عندهم وسائل ذكية بالتعامل مع هذه القضايا المهم أنا لما رحت أكسفورد وجدت نفسي أعمل في كل المنابر الراديكالية أولاً من المنابر الراديكالية الحزب الاشتراكي، وهذا الحزب الاشتراكي كان يدعم يسار حزب العمال، ثانياً منظمة اسمها المنظمة الإفريقية وللكاريبي ولذلك كل العناصر دي إلي هي العناصر المتطلعة للتحرر من الاستعمار..

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: ثلاثة..

أحمد منصور: كل دول في بريطانيا..

الصادق المهدي: دا كلهم في ..

أحمد منصور: وكانوا في أكسفورد..

الصادق المهدي: أيوه فأنا وجدت نفسي منخرط في الأنشطة الراديكالية.

أحمد منصور: إلي هي ضد الاستعمار.

الصادق المهدي: ضد الاستعمار وكذلك ألفنا حاجة سميناها الاتحاد الإسلامي يعني تنظيم إسلامي وهكذا، كانت في جامعة أيضاً أو جامعة اسمها الجامعة العربية برضو يعني..

أحمد منصور: تفتكر مين من زملائك إلي كانوا معك في.

الصادق المهدي: يعني كثيرين جداً..

أحمد منصور: في شخصيات اشتهرت عرفت بعد ذلك..

الصادق المهدي: أيوه في هشام في أكسفورد في الزيات من مصر..

أحمد منصور: محمد حسن الزيات..

الصادق المهدي: من مصر أيوه من مصر يعني في عدد من وآخرين من الكاريبي يعني أفريقيا والبحر الكاريبي المهم أنا كان شغلي العام هناك في هذا الاتجاه حتى أنه كنا أيضاً نعمل يعني مساعدات انتخابية للجناح اليساري في حزب العمال.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: قل لي بصراحة ووضوح هل حاول البريطانيون تجنيدك خلال وجودك في بريطانيا بشكل مباشر أو غير مباشر في ظل أن أبراهام توماس كان قد أوصى بك.

الصادق المهدي: أبداً، أبداً بالعكس زي ما بقول لك هم ما عندهم الطريقة المباشرة دي..

أحمد منصور: غير مباشرة.

الصادق المهدي: غير مباشرة لا أن يعني الغير مباشرة يخلوك تعجب بالثقافة الغربية بطريقة غير مباشرة..

أحمد منصور: وتتبنها...

الصادق المهدي: وتعتبرها جزء من مطالبك يعني هم ممكن يعملوا كدا وفعلاً هم أنت لما تشوف..

أحمد منصور: يعني هو كثير من الحكام والسياسيين العرب حينما يلتقوا بهؤلاء يصبحوا زيهم يشرب معه ويسكر معه ويقعد معه ويتكلم معه..

الصادق المهدي: أيوه..

أحمد منصور: لأن هو ممثل بسياسته ومعجب بثقافته ومعجب بأسلوب نمط حياته..

الصادق المهدي: تمام، تمام أنا حصلت لدي نفس الظاهرة التي حصلت في فيكتوريا إلي هي صدود عن الأقلمة دي أو ..

أحمد منصور: التمرد عليها..

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: يعني تدرس في الغرب وأنت متمرد على ثقافته..

الصادق المهدي: بالضبط وكانت عندي يعني إحنا مثلاً لما حصل الغزو الثلاثي..

أحمد منصور: 1956.

الصادق المهدي: 1956 كنا نعمل على أننا نمشي نتطوع.

أحمد منصور: ضد بريطانيا.

الصادق المهدي: أيوه للدفاع عن مصر يعني كان في الشعور دا، فأنا بقول أنه يعني ممكن يكونوا أثروا علي من ناحية الأفكار الليبرالية المجتمع المفتوح الأفكار المدنية إلي هي أشياء عقلك يقبلها، ولكن ما في أي محاولة للتجنيد أنك يعني تكون يعني مؤيد بالعكس يعني أنا في النهاية بعدين لما جئت في السلطة اشتغلوا ضدي..

أحمد منصور: يعني هنا أبراهام توماس حينما قال للبريطانيين أن الصادق المهدي يمكن أن يكون الحاكم المستقبلي للسودان الذي يتعاون معنا لم تكن هناك خطوات مبكرة...

الصادق المهدي: لا ما هو قال يتعاون معنا هو قال يعني زي كأنه قراءة موضوعية بالعكس أنا في كلامي معه تشاجرت هو دا إلي الحاجة إلي لفتت انتباهه أنه أنا تشاجرت معه وأنا لسه طفل يعني تشاجرت معه في أفكاره وقعدت أتكلم بلغة راديكالية هو دا إلي خلاه في رأيي يعني يعتبر أنه أنا عندي أفكار مستقلة.

أحمد منصور: أنا لو عدت قليلاً للوراء قبل الانفصال إسماعيل الأزهري شكّل أول حكومة في السودان بعد انفصالها عن مصر واستقلالها عن بريطانيا الأزهري درس في الجامعة الأميركية في بيروت التي خرجت أيضاً كثيراً من المدنيين الذين حكموا العالم العربي خلال العقود الماضية أو شاركوا في الحكم كانوا يطلعوا من كلية فيكتوريا على الجامعة الأميركية.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: أسس الأزهري الحزب الوطني الاتحادي في 1952 كما قلت أنت المصريين طلبوا منه ورتبوا له هذا الأمر، حقق أغلبية في انتخابات 1953 بدعم المصريين له حزبه فاز أيضاً في برلمان الحكم الذاتي الأزهري نفسه تغلب على عبد الله الفاضل المهدي دائرة أم درمان في الانتخابات دي..

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: أنت تذكر الانتخابات دي لأنه كنت لسا ما رحت أنت..

الصادق المهدي: نعم نعم.

أحمد منصور: وأنت شرحت وتكلمت على جزء منها، الحزب الوطني الاتحادي إلي كان يرأسه ويتزعمه الأزهري كان شعاره وحدة وادي النيل مصر والسودان.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: بينما حزب الأمة كان يدعو لاستقلال مصر عن السودانيين.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: مصر لمصر والسودان للسودانيين مع ذلك كان التصويت لوحدة وادي النيل وشفنا إسماعيل الأزهري يقود الحكومة بعد كدا 1956 بعد انفصال مصر عن السودان طبعاً الحكومة ديت كانت مشتركة بين حزب الأمة وبين إسماعيل الأزهري 1956..

الصادق المهدي: لأ..

أحمد منصور: لأ حكومة يوليو 1956 هي إلي كانت مشتركة.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: نعم تولى رئاسة الحكومة سكرتير حزب الأمة الأمير عبد الله بك خليل إحنا هنا ماذا كان يعني انفصال مصر عن السودان 1956.

الصادق المهدي: حصلت مجموعة من الأشياء أولاً الأزهري بوضوح تام رأى أنه ما ممكن نظام ديمقراطي يلحق نفسه بنظام عسكري ونكبة نجيب اعتبرت واحدة من المآخذ في ذلك الوقت باعتبار الصفات الخاصة والعلاقات الخاصة بنجيب، ثانياً ما في شك أبداً التيار اليساري في السودان التيار اليساري في السودان.

أحمد منصور: كان في حزب شيوعي رسمي في السودان.

الصادق المهدي: في حزب شيوعي في ذلك الوقت كان ضد الوحدة لأنه يعتبروا دا نظام دكتاتوري وهم ضده، الإخوان المسلمون في الأول كان عواطفهم وحدوية ولكن بعد ما حصل للإخوان المسلمين أيضاً صارت...

أحمد منصور: بعد نكبة الإخوان في 1954..

الصادق المهدي: في 1954 برضو صارت.

أحمد منصور: أصبح الإخوان المسلمين يؤيدوا الانفصال.

الصادق المهدي: نعم فالتيار الاستقلالي صار قوي جداً لمجموعة هذه الأسباب وفي رأيي دا السبب إلي خلا السيد إسماعيل الأزهري يدرك أن توازن القوى اختل ولذلك هو مشى في الخط الآخر.

أحمد منصور: أنت رجعت السودان بعدما أنهيت دراستك 1957 درست السياسة والاقتصاد والفلسفة..

الصادق المهدي: مش الزراعة.

أحمد منصور: مش الزراعة.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: ليه.

الصادق المهدي: أيوه دا موضوع ثاني.

أحمد منصور: كنت رايح تدرس زراعة.

الصادق المهدي: مشيت لأدرس زراعة وقُبلت على هذا ولكن غيرت ليه؟ بدا لي أن دراسة الزراعة في الحقيقة في أميركا مش في بريطانيا وفي كاليفورنيا بصفة خاصة وما عايز أضيع الفرصة في الدراسة في أكسفورد فقررت..

أحمد منصور: الجو السياسي عجبك.

الصادق المهدي: أيوه أدرس دي بدل الزراعة..

أحمد منصور: الزراعة.

الصادق المهدي: على أساس أنني بعد ذلك سوف أذهب لدراسة الزراعة بكاليفورنيا.

أحمد منصور: على أساس أميركا بلد زراعي متقدم وكاليفورنيا طبعاً من المزارع الهامة..

الصادق المهدي: نعم، نعم..

أحمد منصور: قلت تطبق وترجع بقى السودان سلة غذاء العالم وتزرع فيها.

الصادق المهدي: تمام، تمام وفعلاً الفكرة دي أيضاً يعني عزز لي غراهام توماس لأن غراهام قال لي شوف أنت في أكسفورد ستلقى مناخ أحسن مناخ فيه الوعي السياسي والاقتصادي ومجتمع، ما تضيع هذه الفرصة ولكن أفضل أن تدرس هنا إلي هي الدراسة إلي درستها إلي هي الاقتصاد والسياسة والفلسفة ثم بعد 3 سنوات تذهب لكاليفورنيا تدرس زراعة.

أوضاع السودان عام 1957

أحمد منصور: كيف وجدت السودان حينما رجعت إليه في العام 1957.

الصادق المهدي: أول حاجة كانت في مؤكد ممارسة ديمقراطية، ولكن أنا ما كنت جزء لا من حزب الأمة ولا من أي حزب ولكن..

أحمد منصور: إزاي حزب الأمة حزب الجد والوالد و..

الصادق المهدي: لا أنا ما كنت أنا ما كانت عضو في حزب الأمة في ذلك الوقت بالعكس أنا لما كنت في أكسفورد كنت أحصل على أعلى نسبة في التصويت من المبعوثين السودانيين، كان المبعوثين السودانيين عندهم حاجة اسمها اتحاد الطلبة السودانيين بالمملكة المتحدة..

أحمد منصور: فضل لدلوقتي ربما موجود..

الصادق المهدي: أيوه وكانوا موجودين هناك وأنا مع أنهم كلهم يكبروني في السن بأربع خمس سنين هم مبعوثون بعد التخرج أنا ماشي هناك لسه طالب جامعي.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: مع ذلك نشط في أوساطهم وكنت أرشح وأفوز بأعلى الأصوات مع أني ما عندي انتماء حزبي لأحد...

أحمد منصور: مش عشان أنت ابن الصديق المهدي ولا جدك عبد الرحمن المهدي.

الصادق المهدي: أبداً، وفي الواقع هذا هذه التجربة هي التي ولدت في ذهني النهج القومي أنه مهما كان ممكن جمع الصف السوداني صارت واحدة من أهداف حياتي المهم كنت مع هؤلاء مستقل وأنتخب مستقل في..

أحمد منصور: لكن أنت الآن رجعت السودان والدك رئيس حزب الأمة جدك زعيم الأنصار..

الصادق المهدي: خلفيتي السياسية خلفيتي السياسية كانت في اتحاد الطلبة مستقلة وفي أكسفورد راديكالي أقرب إلى الاشتراكية ونظرة جديدة للإسلام وإلى آخره يعني دي كانت أفكاري السياسية في ذلك الوقت.

أحمد منصور: أنت لما رجعت تناقشت مع أبوك.

الصادق المهدي: لا ما تناقشت ولا..

أحمد منصور: ولا عرف أفكارك إيه.

الصادق المهدي: ولا كنت أنا عايز أواصل شغل سياسي كنت كما قلت أنا عايز بعد كدا أمشي أدرس في كاليفورنيا لكن اللي حصل كالآتي: الوالد استدعاني وطلب مني أشارك بحملة انتخابية في حزب الأمة.

أحمد منصور: دا انتخابات 1958.

الصادق المهدي: 1958.

أحمد منصور: أنا لسه مش حاجي ل 1958.

الصادق المهدي: المهم يعني هو..

أحمد منصور: يعني دا بداية عملك السياسي في السودان.

الصادق المهدي: دي أول عمل سياسي في السودان لأنه قبل كدا في اتحاد الطلبة في لندن أو في أكسفورد لم أكن أمارس أي نوع من السياسة الحزبية.

أحمد منصور: السودان كان يحكم آنذاك حينما رجعت في العام 1958 بحكومة عبد الله خليل الائتلافية التي كانت بين الأنصار والخ..

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: محمد أحمد محجوب في مذكراته صفحة 176 يقول: "لقد كان التحالف بين المهدي والمرغني أعظم كارثة مني بها تاريخ السياسة السودانية، ففي هذا التحالف سعى عدوان لدودان مدى الحياة بدافع الجشع والتهافت على السلطة والغرور والمصالح الشخصية إلى السيطرة على الميدان السياسي".

الصادق المهدي: شوف السيد محمد أحمد محجوب قطعاً إنسان ليبرالي وقطعاً هذه المشاعر كانت عنده لكن لما كان في السياسة النشطة لم يعبر عنها بأي صورة من الصور بالعكس لما كان بالسياسة النشطة لما وقع خلاف بيننا في حزب الأمة هو في الحقيقة الخلاف ما بيني أنا وبين الإمام الخلاف بين السيد محمد أحمد محجوب والهيئة البرلمانية، السيد محمد أحمد محجوب وهو زعيم الفكر الليبرالي أو أحد زعماء الفكر الليبرالي في السودان لما الهيئة البرلمانية بتاعة حزب الأمة قالت له لا نثق بك وسحبنا الثقة منك..

أحمد منصور: دا الكلام دا بعدين.

الصادق المهدي: أيوه ما أنا بقول لك ما أنا بقول لك لما كان في السياسة النشطة ماذا قال؟ قال أنا مسؤول للإمام ليس مسؤولاً لكم إلي هو يعزز فكرة هذه الوصاية الدينية أنه يتجاوز الهيئة البرلمانية ليحتمي بهذه العلاقة التي هو في كتابه ينتقدها..

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: فهو في سياسته النشطة العملية اتخذ هذا الموقف بل طلب منه أن يكتب دستور لجناح الإمام فكتب دستوراً فيه أن يكون الإمام مش راعي كما كان اسم الإمام عبد الرحمن بل زعيم يعزز السيطرة الأبوية على حزب الأمة.

الزعامة بين السياسي والديني

أحمد منصور: طب أنا هنا حتى يفهم المشاهد معنا تشابكات السياسة السودانية لاسيما وأنه هناك خلط بين الزعامة الدينية والزعامة السياسية بين الأنصار والخاتمية وغيرها، هل يمكن باختصار شديد أن تقول لنا ما هم الأنصار ومن هم الخاتمية باعتبارهم الزعامتين الرئيستين الدينيتين التين شكلتا حزبين سياسيين متنافسين إلى اليوم في السودان.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: بخلاصة بسيطة الأنصار هم الذين استجابوا لدعوة الإمام المهدي بأن {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} هذه...

أحمد منصور: في مقاومة البريطانيين.

الصادق المهدي: في مقاومة أشياء كثيرة جداً في إحياء الإسلام وتوحيد الأمة الإسلامية مفاهيم المهدية كدا، لكن الإمام عبد الرحمن عندما بعثها؛ بعثها بصيغة مختلفة وهي صيغة فيها قبول للتعددية وفيها قبول للرأي الآخر واحتضان لمفاهيم ليبرالية المهم حزب الأمة يعتمد أساساً على هذه الأمة ولكن هي كتحالف مش الأنصار وحدهم..

أحمد منصور: لكن دول هم فضلوا هنا الأنصار فضلوا أنصار لـ 1945 إلي هي تأسيس حزب الأمة يعني هنا تحولت الحركة المهدية إلى حركة سياسية حزبية 1945.

الصادق المهدي: الأنصار كأنصار موجودون ولكن صلتهم بالإمام مباشرة..

أحمد منصور: أيوه.

الصادق المهدي: ولكن حزب الأمة يدخل فيه أنصاري وغير أنصاري وحتى غير مسلم.

أحمد منصور: ولذلك بقي الإمام عبد الرحمن إماماً للأنصار وكان والدك رئيساً للحزب.

الصادق المهدي: أيوه وراعياً لحزب الأمة الإمام عبد الرحمن بمعنى الرعاية حاجة فضفاضة الشاهد..

أحمد منصور: الزعامة روحية.

الصادق المهدي: نعم عندما انقسم الخريجون أول مجموعة ساهمت في الوعي السياسي في السودان كان مؤتمر الخريجين العام.

أحمد منصور: سنة كم؟

الصادق المهدي: سنة 1938 وبعدين تطور إلى أن بقى قوة سياسية وكتبوا مذكرة للإنجليز في 1942 دا كان يجمع كل الخريجين، خريجين بمعنى حتى خريج أي مستوى كتاتيب وغيره وغيره يعني ما خريجين جامعات.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: وحدهم فالشاهد الخريجون هؤلاء كانوا متحدين إلى سنة 1942 فاختلفوا بعد كدا حول العلاقة مع مصر ما بين من يريدون..

أحمد منصور: الوحدة والانفصال.

الصادق المهدي: الوحدة ومن يريدون الاستقلال، الذين كانوا يريدون الوحدة انضموا أو تعاونوا أو تحالفوا مع الخاتمية والذين كانوا يريدون الاستقلال تحالفوا مع الأنصار من هذا التحالف وبعد قبلي تكون حزب الأمة ومن التحالف الآخر تكون الحزب الاتحادي..

أحمد منصور: من هم الخاتمية؟

الصادق المهدي: الخاتمية هم أصلاً من يتبعون المؤسس السيد محمد عثمان المرغني، والسيد محمد عثمان المرغني دا في اعتقادي هم الختم أي خاتم الولاية، اسم خاتم الختم خاتم الولاية وهو زعيم ديني زار السودان أثناء السلطنة الزرقاء يعني قبل الغزو العثماني للسودان.

أحمد منصور: 1811- 1812.

الصادق المهدي: أيوه وهناك وهو يعني..

أحمد منصور: يعني هنا الخاتمية ظهرت قبل المهدية.

الصادق المهدي: بكثير نعم، نعم فالمهم لما قامت المهدية في طوائف دينية عارضتها منهم الخاتمية وفي قبائل عارضتها برضه فإذاً تكونت هذه التحالفات القبلية والخريجين والدينية فصار الأنصار يؤيدون حزب الأمة ومعهم آخرون ضمن الحركة الاستقلالية والخاتمية يؤيدون الوطن الاتحادي ضمن عناصر أخرى غير خاتمية..

أحمد منصور: فضيلة الإمام أنا ذهبت كثيراً إلى السودان تجولت في بعض المناطق حاولت أن أفهم بعض التركيبات لكن السودان يعج بالحركات الصوفية.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: وتعتبر المهدية والخاتمية أيضاً صوفية ولكن لها مفهوم خاص بالصوفية، ممكن إيه مفهوم الصوفية بالسودان هنا وتأثيرها على الحياة السياسية؟

الصادق المهدي: السودان خالي من أي انقسامات طائفية بالمفهوم المشرقي يعني ما فيش دروز ما فيش شيعة ما فيش الانقسامات دي، الصوفية في السودان صوفي معتدلة ...

أحمد منصور: يعني إيه.

الصادق المهدي: يعني ما عندها مثلاً..

أحمد منصور: ما عندها خرافات وبدع.

الصادق المهدي: ما عندها، لا عندها خرافات لكن ما عندها وحدة الوجود ما فيش آراء فلسفية يعني ما هو مشكلة الصوفية فيها الحلول وحدة الوجود في معاني من هذا النوع.

أحمد منصور: في تخريف فيها كثير.

الصادق المهدي: هي فلسفات منسوبة للشيخ ابن عربي يعني هي فيها مفاهيم معتبرة فيها مغالاة.

أحمد منصور: لكن السودانيين ليس عندهم هذا.

الصادق المهدي: السودانيين التصوف عندهم سني ومعتدل إلى حد كبير ويعني..

أحمد منصور: يعني سلوك روحي وليس فلسفي...

الصادق المهدي: نعم وتربوي، روحي وتربوي وصحيح شوف كل عقيدة دينية يدخل فيها المستوى العلمي والثقافي للمجتمع الذي هي فيه، فمن المجتمع السوداني نشأت خرافات كثيرة دبت في الجسم الصوفي نعم.

أحمد منصور: دا يقولوا حتى يعني حتى منصور خالد في كتابه يقول أن الإسلام حينما دخل إلى السودان السودانيين خلطوا مفاهيم الإسلام الصحيحة بعادتهم أيضاً.

الصادق المهدي: شوف الصوفية عندهم تسامح ولذلك في كثير من الممارسات يقبلوها مثلاً الطبول والذكر وأشياء كثيرة جداً ما موجودة في عشان كدا مثلاً عند بعض السلفية يكفروهم لأنه يشوفوا أن الممارسات دي ما في التراث النقلي..

أحمد منصور: كيف لعبت الصوفية دوراً في صناعة الحياة السياسية في السودان؟

الصادق المهدي: كثير جداً هم الصوفية طبعاً المهدي نفسه كان سّماني اتبع الطريقة السّمانية وفي طرق كثيرة في السودان القادرية والسّمانية والتيجانية والأحمدية وهكذا في طرق كثيرة في السودان، المهدي كان يعني كان سّماني وأدخل كثير من المفاهيم الصوفية في دعوته حتى يركز على أن كل الأحكام الإسلامية كمفهوم الصوفية عندها أغوار روحية، أغوار روحية، فالصوفية في السودان لعبت دورا كبيرا في نشر الإسلام لعبت دورا كبيرا في التربية ولعبت دور كبير سياسي بعضهم طور هذا الدور السياسي بصورة كبيرة وحادة وآخرون بصورة معتدلة.

أحمد منصور: كثير من الذين يرصدون تاريخ السودان يقولون أن شخصية جدك عبد الرحمن المهدي لعبت دوراً كبيراً في إعطاء الزخم لحزب الأمة وفي إعطاء الزخم السياسي في السودان حتى وفاته في العام 1959 لكن أيضاً هناك اتهامات له بأنه كان عميلاً للبريطانيين، أبدأ معك الحلقة القادمة من الحديث عن جدك عبد الرحمن المهدي علاقته بالبريطانيين، الشبهات التي أثيرت حوله ودوره في الحياة السياسية في السودان، أشكرك شكراً جزيلاً كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الإمام الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني الأسبق وإمام الأنصار وزعيم حزب الأمة، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.