في الجزء الرابع من شهادته على العصر، تناول الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي أزمة مياه النيل بين السودان ومصر، كما تناول الصراعات بين الأحزاب السياسية في السودان قبيل انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958.

وبشأن أزمة مياه النيل، قال المهدي إن كافة الاتفاقيات في هذا الشأن ترى أن النيل ملك لمصر، وذلك بمباركة الإنجليز، كما أن الاتفاقيات الدولية تنص على أنه لا يتم التصرف في مياهه إلا بموافقة مصر.

وقال إن أخطر ما حدث هو أن القيادات العسكرية في السودان كانت لديها درجة عالية من الغفلة، حيث تم بعد انقلاب عبود إبرام اتفاقية عام 1959 تم فيها الاتفاق على تقاسم مياه النيل بين مصر والسودان وعزل دول المنبع، مما أدى إلى تكتل هذه الدول ضد مصر والسودان.

وقال إن أفضل حل لمشكلة مياه النيل هو أن تكون هناك سيادة مشتركة على مياهه لدول المنبع والمصب معا.

صراعات حزبية
وبشأن فترة الصراعات بين الأحزاب السياسية في السودان قبيل انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، وصف المهدي تلك الفترة بأنها كانت مليئة بالصراعات والانشقاقات وسط هذه الأحزاب.

وأشار إلى أن رئيس الوزراء وقتها عبد الله خليل قام بتسليم السلطة للفريق عبود، وذلك للتخلص من الصراعات بين الأحزاب السياسية.

ورأى المهدي أن خليل يتحمل مسؤولية الانقلاب، معتبرا أن مباركة جده عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، وعلي الميرغني زعيم طائفة الختمية للانقلاب أعطاه شرعية.

وأضاف المهدي أن ما سماه الطائفية العسكرية تجعل العسكريين أقرب إلى التفاهم مع بعضهم البعض، وأشار إلى أن الانقلابات العسكرية الثلاثة التي وقعت في السودان استُخدم فيها الجيش لأغراض جهات سياسية.

وأوضح رئيس وزراء السودان الأسبق أن الأميركيين يحبون النظم العسكرية لأن التفاهم معها أسهل، حيث إنها لا تخشى ردة فعل الرأي العام على انقلاباتهم، حسب رأيه.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: المهدي: السيادة المشتركة حل لأزمة مياه النيل ج4

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: الصادق المهدي/ رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة القومي

تاريخ الحلقة: 16/8/2015

المحاور:

-   تسليم السلطة للعسكر وصراع الأحزاب السياسية

-   انقلاب عسكري كلاسيكي

-   تعبئة سياسية لإسقاط الانقلاب

-   أزمة مياه النيل بين السودان ومصر

أحمد منصور: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ وأهلاً بكُم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيثُ نواصلُ الاستماعَ إلى شهادةِ الإمام الصادق المهدي إمامُ الأنصار وزعيمُ حزب الأمةِ في السودان ورئيسُ الوزراء السودانيّ الأسبق، فضيلة الإمام مرحباً بك.

الصادق المهدي: الحمد لله..

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند الصراعات الشديدة قُبيلَ الانقلاب الذي قامَ بهِ عبود في السودان عام  1958 حكومة عبد الله خليل لم تمكُث سوى 8 أشهر لكنها كانت مليئة بالصراعات والخِلافات والانشقاقات، التحالُف الحكومي بينَ حزبي الأمة والاتحادي فشل وكانت هناكَ مُحاولات من عبد الناصر لكي يجمع حزب الاتحاد معَ حزب الميرغني، عبد الله خليل وجدَ أن المخرج هو أن يلجأ إلى العسكر، والدكَ كانَ في إيطاليا، استغلَ سفر والدكَ عبد الله خليل وأقنعَ جدك عبد الرحمن المهدي بتسليم الحُكم للعسكر، أنتَ كيفَ عايشت هذهِ الأحداث؟

تسليم السلطة للعسكر وصراع الأحزاب السياسية

الصادق المهدي: بسم الله الرحمن الرحيم، نعم أنا أعتقد أنهُ تلكَ الفترة كانت مليئة بالصراع السياسي؛ أولاً أصلاً الحزب الوطني الاتحادي الذي تكوَّنَ في القاهرة من عِدة أحزاب اتحادية انشقَّ وعند انشقاقهِ كانَ المنطق يقتضي أن يتحالف حزب الأُمة معَ الحزب الوطني الاتحادي برئاسة السيد إسماعيل الأزهري.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: ولكن لقاء السيدين خلقَ ظرفاً جديداً أقامَ ائتلاف..

أحمد منصور: اللي هم المهدي والميرغني.

الصادق المهدي: نعم أقامَ ائتلافاً بينَ حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي، هذا الائتلاف لم يكُن منطقياً لأنَّ من أسباب انشقاق الوطني الاتحادي حِرص السيد إسماعيل الأزهري على الاستقلال أي على أجندة حزب الأُمة وعدم حماس حزب الشعب الديمقراطي للاستقلال لأنَّ علاقة خاصة كانت تربطُ بينهم وبينَ الحكومة المصرية.

أحمد منصور: طيب حتى يفهم المُشاهد معي من غير السودانيين وهُم كثرة غالبة في المُشاهدين، كان هُناكَ علاقة تاريخية بينَ الميرغني وبينَ عبد الناصر أو بينَ المصريين في ذلكَ الوقت.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: والميرغني كانَ منهجهُ قائماً على بقاء الائتلاف أو الاتحاد مع مصر، حزب الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري الذي أسسهُ عبد الناصر ليكونَ رديفاً لهُ غيَّر موقفهُ التاريخي وأصبح يرى الاستقلال استقلال السودان عن مصر، تماماً متوافقاً مع حزب الأُمة.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: من ثَم كانَ يجب أن يكون الاتحاد بينَ هذين الحزبين وليسَ بينَ الحزبين المُتناقضين اللي هُم حزب الميرغني وحزب المهدي.

الصادق المهدي: نعم ولذلك كانَ الائتلاف مُضطرباً للغاية.

أحمد منصور: اللي هو الائتلاف الحكومي.

الصادق المهدي: ما بينَ حِزب الأمة وحِزب الشعب الديمقراطي الذي كانَ يرعاهُ السيد علي الميرغني فـ.

أحمد منصور: علي الميرغني كانَ عبد الناصر يستدعيهِ كُل شوية ويؤلبهُ على عبد الله خليل وعلى حكومة الأُمة.

الصادق المهدي: أنا في رأيي في علاقة لكن تفاصيل هذه العلاقة لا أود الـ.

أحمد منصور: موجودة في المصادر.

الصادق المهدي: أيوه المُهم الذي حدث فعلاً هو أنَّ حزب الأمة أو تيار قوي في حزب الأمة قررَ ضرورة تصحيح هذهِ العلاقة غير المنطقية لكي يقوم الائتلاف بينَ حزب الأُمة والحزب الوطني الاتحادي برئاسة الـ..

أحمد منصور: إسماعيل الأزهري.

الصادق المهدي: السيد إسماعيل الأزهري، هذا كانَ مُزعجاً للسيد عبد الله خليل.

أحمد منصور: ليه؟

الصادق المهدي: لأنهُ سيحُل.

أحمد منصور: الحكومة!!

الصادق المهدي: السيد إسماعيل الأزهري مكانهُ في رئاسة الوزارة في الائتلاف الجديد، هذا أيضاً هُناكَ كانت إرهاصات؛ سفير السودان في القاهرة أرسل يقول هُنالكَ مُحاولات من الحكومة المصرية أن تجمَع مرة أُخرى بينَ الحزب الوطني الاتحادي برئاسة السيد إسماعيل الأزهري وحِزب الشعب الديمقراطي في اتجاه تعزيز العلاقة مع مصر.

أحمد منصور: فعلاً وهُنا رسالة السفير تقول أن الاتفاق تم بالفعل بينَ الأزهري وعلي عبد الرحمن.

الصادق المهدي: نعم وفي رأيي هذا كانَ خبراً كاذباً، على كُلِ حال الذي حدث هو أنَّ الإمام عبد الرحمن..

أحمد منصور: جدكَ.

الصادق المهدي: أصلاً كانَ قلقاً من ناحية البُطء في الاتفاق على الدستور لأنَّ إحدى مهام هذهِ الحكومة الانتقالية كانت أن يُكتَب دستور البلاد، في رأيي هذا هو المنفذ الذي نفذَ منهُ السيد عبد الله خليل في حديثهِ مع الإمام عبد الرحمن بأنَّ أقرب طريق لكتابة الدستور هو تسليم القيادة العسكرية السُلطة لتحكُم فترة انتقالية قصيرة وتكتُب الدستور وتُعيد الحياة السياسية مرة أُخرى.

أحمد منصور: في أي عقل في الدنيا يستوعب هذا ومُنذُ متى والعسكر تُسلَّم لهُم السُلطة ويردوها!!

الصادق المهدي: الناس في العالم يا أخي دائماً تدفعهم حاجتهم وليسَ منطق ما يُريدون.

أحمد منصور: يعني هُنا عبد الله خليل رهنَ السودان لمصلحتهِ الشخصية وليسَ لمصلحة البلاد.

الصادق المهدي: كانَ يُريد أن يخلص من هذهِ الخِلافات الحزبية ويعتقد أنَّ أقصر طريق لذلك هو عن طريق تسليم القوات المُسلحة سيّما وأنَّ قائد القوات المُسلحة في ذلكَ الوقت شخص لا يُعرَف عنهُ الطموح السياسي السيد إبراهيم عبود.

أحمد منصور: يُقال أنَّ عبد الله خليل ترجى عبود عِدة مرات حتى يقبل بتسلُم السُلطة.

الصادق المهدي: ما في شك، السيد إبراهيم عبود كانَ شخصاً مهنياً وعسكرياً مُلتزماً ولا يُريد الخَوض في السياسة ولكن السيد عبد الله خليل استطاع لا أن يُقنِع السيد إبراهيم عبود وحدهُ ولكن أن يُقنِع آخرين بحُجج مُختلفة مثلاً: إقناعهُ للسيد عبد الرحمن كانَ بسبب أنَّ العسكريين أقدَر في فترة وجيزة أن يكتبوا الدستور ويُعيدوا الحياة البرلمانية مرة أُخرى.

أحمد منصور: يعني أنا أتعجب للسياسيين أو لبعض الناس الذين يُفكرون بأنَّ العسكر الذينَ هُم من عقليات أقل في الفهم ومحدودة وقائمة على التراتُبية وتنفيذ الأوامر يُمكن أن يُطبّقوا شيئاً من هذا!!

الصادق المهدي: على كُلِ حال يعني..

أحمد منصور: أصلِ دي كارثة عندكم في السودان.

الصادق المهدي: أيوه دي مُستمرة لأنهُ للأسف السيد عبد الله خليل ثُم الجبهة الإسلامية القومية ثمَ فريق مُهم من الحزب الشيوعي السوداني كُلُ هؤلاء قبلوا فكرة تحالُف عسكري وهذا التحالُف فشل وأدى إلى أنَّ الجهة المدنية المعنيّة صارت ضحية للاتفاق.

أحمد منصور: يعني هُنا ليس عبد الله خليل وحدهُ الذي كانَ يتفق مع العسكر؟

الصادق المهدي: أنا أقول في الـ 3 الانقلابات التي حدثت في السودان.

أحمد منصور: آه الانقلابات نعم، نعم.

الصادق المهدي: في الـ 3 الانقلابات التي حدثت في السودان كانَ الجبهة الإسلامية القومية معَ الانقلاب..

أحمد منصور: أنا سأجيء لها تفصيلاً ولكن.

الصادق المهدي: لكن أنا بس أقول لك بصفة عامة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: توجد هذهِ العلّة وأنا فعلاُ صُغت في هذا بيت شعر: مَن تمطى باسماً ظهر النمل حتماً سيأكلهُ ويبتسمُ النمل، فالذي حدث أنَّ السيد عبد الله خليل أقنع السيد عبد الرحمن بجدوى هذا الإجراء للإسراع بكتابة الدستور.

أحمد منصور: على فكرة هُنا أنا لقيت حاجة مُهمة جداً كُل مَن ناقش عبد الله خليل وسألهُ عن الضمانات يقول: أنا عسكري زيهم وبيننا كلمة رجّالة.

الصادق المهدي: تمام..

أحمد منصور: يعني أنا أستغرب كيفَ تُرهَن الدول بهذهِ العقليات وبهذهِ الطريقة!!

الصادق المهدي: على كُلِ حال السيد عبد الله خليل فعلاً كان يعتقد أنَّ هناك زي ما أنا أُسميها الطائفية العسكرية التي تجعل العسكريين أقرب للتفاهُم مع بعضهم بعضاً، المُهم وأقنع السيد علي السيد علي الميرغني.

أحمد منصور: كمان!!

الصادق المهدي: أيوه بحُجة الحيلولة دون أن يأتي الأزهري رئيساً للوزراء، ما لأنهُ السيد...

أحمد منصور: علي عبد الرحمن.

الصادق المهدي: السيد علي الميرغني.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: يعتبر السيد إسماعيل الأزهري غريمهُ في ذلك الوقت ولذلك.

أحمد منصور: يعني الأزهري كان غريم للاثنين.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: غريم لـ عبد الله خليل وغريم لـ علي الميرغني.

الصادق المهدي: السيد علي الميرغني، فهذهِ الظروف جعلت السيد عبد الله خليل يمضي في هذا الطريق مع انهُ في ذلكَ الوقت بالذات كان حزب الأمة قد عرض عليهِ السيد عبد الله خليل في مرحلةٍ ماضية عندما جاء التقرير الخاص من سفير السودان في القاهرة كانَ قد عرضَ على الحزب أن نتخلص من هذهِ الخطورة بتسليم السُلطة للعسكريين، حِزبُ الأمة عندهُ كانَ قيادة تُسمى مجلس الإدارة من 15 شخص ناقشوا هذا الموضوع و 13 منهم رفضوا هذهِ الفكرة وهذا مُثبَت لكن..

أحمد منصور: 13 من قيادة حزب الأُمة..

الصادق المهدي: من الـ 15.

أحمد منصور: من الـ 15رفضوا تسليم السُلطة للعسكر.

الصادق المهدي: للعسكر.

أحمد منصور: التفَ عبد الله خليل.

الصادق المهدي: وبقيادة الوالد اللي هو رئيس حزب الأُمة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: وكان الإمام عبد الرحمن أصلاً أصدر قبلَ ذلكَ منشور مُثبَت هذا المنشور انهُ لا يتدخل في قرارات حزب الأُمة.

أحمد منصور: الجد جدك..

الصادق المهدي: الجد، انهُ هو راعي الحزب ولكن لا يتدخل في قرارات هذا الحزب.

أحمد منصور: أنتَ هُنا عايز تُبرِّأ الحزب وتُحمل المسؤولية الكاملة لـ عبد الله خليل.

الصادق المهدي: لا أنا أُحمل المسؤولية مؤكد لـ عبد الله خليل ولكن لا شك جدي الإمام عبد الرحمن باركَ هو والسيد علي باركا الانقلاب وفي رأيي هذا أعطى الانقلاب شرعية، شرعية ما باعتبار أن لهُما مركز مُعيَّن فالسيد عبد الله خليل نعم هو المُنشأ والمُخطط ولكن السيدين وافقا..

أحمد منصور: الميرغني والمهدي.

الصادق المهدي: والمهدي وأصدرَ تأييداً للانقلاب عندما وقع، والدي كانَ غائباً.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: فعندما وقعَ الانقلاب وكان في الخارج عادَ مُسرعاً حتى أنهُ لم تكُن هناكَ تدابير لاستقبالهِ في المطار، هاتفَ منزلنا أنا تحدثتُ معهُ قالَ لي تعال لتأخُذني من المطار فذهبتُ إليهِ في المطار، أول ما قابلني كانت أول كلمة قالَ لي: دشنو سويتوا الصادق؟

أحمد منصور: دشنو إيه!!

الصادق المهدي: ماذا هذا الذي فعلوه يا صادق؟ قُلتُ لهُ أنا يعني مُستنكر لهذا ولكن هذا الذي حدث، فقالَ لي أينَ الإمام؟ قُلتُ لهُ في السرايا في الخرطوم قالَ لي: نذهب إليه، الوالد كانَ من أطوع ابن لأب، أنا أعتقد العلاقة ما بين الإمام عبد الرحمن والسيد الصدّيق علاقة نموذجية في المحبة والطاعة والحُب بينَ أبٍ وابنهِ وكانا دائماً يتعاملان كأنهما شريكين في أي شيء ولذلك كانت هذهِ الحادثة غريبة، ذهبنا إلى الإمام عبد الرحمن وجدناهُ في منزلهِ.

أحمد منصور: المسافة بين أبوك وجدك في العمر 30 سنة تقريباً.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور:  ومع ذلك كانوا يظهروا كأصدقاء.

الصادق المهدي: نعم، وجدناهُ هناك دونَ تحية انفجرَ والدي: دشنوا سويتوا ده يا سيدي؟

أحمد منصور: لجدك.

الصادق المهدي: لجدي، الإمام عبد الرحمن قال لهُ يا صدّيق الأمور اضطربت والخِلافات اتسعَت وكانَ لا بُد من حسمها، يا سيدي الأمور في يدنا نُعطيها لغيرنا!! هل غيرنا أدرى بمصالحنا منّا؟ اشتبكا.

أحمد منصور: جدك وأبوك.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: وأنتَ واقف..

الصادق المهدي: وأنا واقف وغيري في ناس كانوا موجودين، الإمام عبد الرحمن أخذ الوالد ودخلَ بهِ.

أحمد منصور: سبق ورأيت أبوك غاضب مثل هذا اليوم؟

الصادق المهدي: أبداً أبداً أبداً خصوصاً في علاقتهِ بوالده، كانت دائماً الطاعة المُثلى، قال والدي: ينبغي أن نُلغي هذا الانقلاب اليوم.

أحمد منصور: كان التاريخ كم ده؟

الصادق المهدي: كانَ..

أحمد منصور: الانقلاب وقع يوم 17 نوفمبر 1958.

الصادق المهدي: يكون 18 أو 19 على ما أفتكر، أخذهُ في الداخل ليُهدئ روعهُ وخرجا ولكن بعدَ خروجهما كانَ واضحاً أنَّ الوالد قد قررَ أن يتحرك لإسقاط الانقلاب مع أنَّ السُلطات استلمت الانقلابية، السيد عبد الله خليل.

أحمد منصور: جدك أظهر أيِّ تغيير في موقفهُ؟

الصادق المهدي: لا جدي كُل الحُجة كانت لأنهُ بيان تأييدهِ للانقلاب كانَ قوياً للغاية بدرجة مُدهشة لأنهُ كأنما الانقلاب بتوجيهٍ منهُ بينما هو في الواقع كانَ موافقاً وليسَ مُنشِئاً، على كُلِ حال الذي حدث بعد ذلك هذا الكلام كُلهُ في نوفمبر ديسمبر يناير فبراير مارس، في بداية مارس حصلت عملية غيَّرت كُلَ المُخططات وهي.

أحمد منصور: أنا سأجيء لها، مش عايز استبِق، مش عايز، طيب تفضل.

الصادق المهدي: أيوه ما هي أنا داير أقول لأنهُ.

أحمد منصور: مربوطة ببعض تفضل.

الصادق المهدي: مربوطة في بعض ولأن هي التي أدت لوفاة الإمام عبد الرحمن، الإمام عبد الرحمن كانَ مُراهناً على صِحة ما قالهُ السيد عبد الله خليل وكانَ يعتقد أن ما قالهُ سيُنفَذ بحذافيرهِ، في أوائل مارس 1959 تحرَّكت قيادتان شمالية وشرقية حاصرت المجلس الأعلى وفرضت تغييراً باعتبار أن هؤلاءِ العسكريون الذينَ أتوا بانقلاب حقيقي يرَون عدم الصِلة بأيِّ حزب سياسي وعدم الاتفاق مع أيِّ سياسي لكي ينقلوا الأمر من تسليم وتسلُم إلى انقلاب حقيقي وقد كان، ده كانَ مؤكد فاجعة بالنسبة للجد الإمام عبد الرحمن لأنهُ كان يتوقع أنَّ ما اتُفق عليهِ مع السيد عبد الله خليل سيُنفَذ ولكن هذا الذي حدث حوَّلَ الأمر من تسليم وتسلُم بتفاهُم سياسي إلى انقلاب عسكري كلاسيكي بمعنى الكلمة، ليسَ هذا فقط في ضابطين كانا من المضمون أنهما يتعاطفان مع حزب الأُمة أُبعِدا حسين علي كرار وعوض عبد الرحمن الصّغير.

أحمد منصور: دول كانوا في مجلس القيادة أو..

الصادق المهدي: كانوا في المجلس القيادي، وكانت حُجة مُحي الدين وشنّان الذينَ قاما بالانقلاب ينبغي أن يكون في مجلس تكون العضوية بالأقدمية، المُهم عندما..

انقلاب عسكري كلاسيكي

أحمد منصور: يعني هُنا الحركة التي قامَ بها شنّان ومُحي الدين في بداية شهر مارس 1959 كرَّست الانقلاب اللي وقع في 17 نوفمبر وجعلتهُ انقلاباً عسكرياً كلاسيكياً امتدَ إلى ثورة 1964.

الصادق المهدي: ولا صِلة لا صِلة بينهُ وبينَ الاتفاق مع أي حزب سياسي هذا المعنى المُهم لأنَّ هؤلاءِ الضُباط الذينَ تحركوا، تحركوا استنكاراً لعلاقة مع حزب الأمة ومع عبد الله خليل.

أحمد منصور: أنا هنا عندي حاجة مُهمة من المُهم أن نفهمها في الجيش السوداني في ذلكَ الوقت ذكرها البروفسور بيتر ودورد في كتابهِ عن السودان الدولة المُضطربة قال: "كانت مُجموعاتُ الضُباط في الجيش السودانيّ يتمُ تجنيدها من وسط خريجي المدارس السودانية وذلكَ يعني من الناحية العملية تركُزها وسطَ أبناء المناطق النيلية في الشمال بما يتضمنهُ ذلكَ من نفوذٍ واسعٍ للطريقةِ الختميةِ في تلكَ المناطق وفي المقابل كانت غالبيةُ الجنود وضُباط الصف من المناطق البعيدة والمعزولة خاصةً مناطق الغرب بما في ذلكَ منطقة جبال النوبة في جبال كردفان التي كانت مصدراً رئيسياً للتجنيد في فترة الحُكم التُركيّ- المصريّ وعندَ إعلان الاستقلال كانَ حجمُ الجيشِ سنة  1956  يصِل إلى 5000 عسكري فقط"، كُل جيش السودان 5000 عسكري فقط 1956!!، "وشهدَ توسُعاً كبيراً في السنوات اللاحقة بعد ارتفاع حِدة التوتر الدولي خلال أزمة قناة السويس وتوتر علاقة السودان مع مصر، وفي عام 1959 وصل حجمهُ إلى اثني عشر ألفا ومن الناحيةِ السياسية كانَ جيشاً هادئاً"، يعني انتم السياسيين السودانيينَ المُتشاكسين الذينَ فتحتم عينَ العسكر في السودان على السُلطة من وقتٍ مُبكر في وقتٍ كانَ جيشاً هادئاً صغيراً يتراوح عددهُ من بين 10000 إلى 12000.

الصادق المهدي: هذا الكلام صحيح والذي استطيع أن أؤكدُ ما قالهُ.

أحمد منصور: بيتر ودورد.

الصادق المهدي: بيتر ودورد صحيح وأُضيف نعم كانت طبقة الضُباط في الغالب ضِد حزب الأمة وضِد الأنصار في الغالب، هذهِ حقيقة السيد عبد الله خليل لم يأخذها في الحُسبان واعتبر أنَّ اتفاقهُ مع القيادة العُليا يكفي لتسييرِ الأمر بينما ده عندما وقعَ الانقلاب أغلبية الضُباط كانت مُتعاطِفة معَ فصل أي علاقة بينَ الانقلاب والسيد عبد الله خليل، المُهم عندما تحرك هذان الضابطان.

أحمد منصور: لا أنا لسه، لسه في تفاصيل كثيرة...

الصادق المهدي: ما الكلام ده صح أنا أقوله، يعني أنا ما داير أنا أقول هذا الكلام في مُجملهِ صحيح.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: و..

أحمد منصور: لكن هُنا في نُقطة مُهمة خطيرة كمان ارتكبها عبد الله خليل حتى مع أعضاء الحكومة من حزب الأمة وده يؤكد ما رويتهُ أنتَ عن أنَّ 13 من بين 15.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: من أعضاء قيادة حزب الأُمة رفضوا التعاون مع العسكر.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: منهم محمد أحمد محجوب.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: كان وزير خارجية في حكومة عبد الله خليل.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: يقول صفحة 180 من مُذكراتهُ عن ليلة الانقلاب ده ليلة 17: "عندما عُدتُ إلى الخرطوم من اجتماعات الأمم المُتحدة في أواخر تشرين الأول وجدتُ البلادُ في غليان فالكلُ كانوا يتحدثون عن انقلابٍ عسكريٍّ وشيك وكانَ زعيمُ حزب الأمة السيد الصدّيق المهدي يقضي عُطلةً في أوروبا، في مثلِ هذا الجو المُضطرب دُعيَ البرلمان إلى اجتماعٍ عاجلٍ في 17 تشرين الثاني 1958، بدأنا نحنُ حزبَ الأمة مُفاوضات من أجل تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الاتحاد الوطني للحلول مكانَ الحكومة الائتلافية المُضعضعة والمُضطربة مع حزب الشعب الديمقراطي".

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: "وحتى أواسط تشرين الثاني كانت المُفاوضات تسير بهدوء والعقبة الوحيدة كانت قضية اختيار رئيس وزراء فمِن جانبنا أصرَّ عبد الله خليل على البقاء رئيساً للوزراء ومن جانب حزب الاتحاد الوطني طالبَ رئيسُ الوزراء السابق إسماعيل الأزهري بالمنصب مُجدداً وقد تمكنتُ في النهاية من إقناع إسماعيل الأزهري بقبول منصب رئيس مجلس النواب وهو منصب أهم من الناحية البروتوكولية من رئاسة الوزارة ولكنهُ لا يتمتع بسُلطات تنفيذية، في الساعة 11 ليل 16 تشرين الثاني تم الاتفاق النهائي على تشكيل ائتلاف بينَ حزبي الأمة والاتحاد الوطني وهو تحالُف كانَ من شأنهِ الوصول إلى حكومة قوية ومُستقرة" ده قبل الانقلاب بيوم واحد.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: "أويتُ إلى فراشي في تلكَ الليلة يغمُرني شعورٌ بأنَّ مشاكلنا قد تكونُ قد حُلَّت حتى موعد اجتماع البرلمان صباح اليوم التالي ولكني لم أنم كثيراً، في الساعة 4 صباحاً وصلَ عقيد و3 جنود يحملون رشاشات إلى منزلي، سلمني العقيد رسالة تبلغني أنَّ الجيش استولى على الحُكم وأنني أُقِلتُ من وزارة الخارجية وشكرتني الرسالة على الخدمات التي أسديتُها إلى بلدي وذهبَ الجنود".

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: ده عدوك اللدود محمد أحمد محجوب لكن أنتَ متوافق معهُ في كُل كلمة.

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: أنتَ رويت نفس الرواية قبلَ ما أقرأً عليك الرواية.

الصادق المهدي: نعم، أنا ما عدوي في الحقيقة.

أحمد منصور: سنأتي للتفاصيل.

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: عدوك السياسي يعني مش عدوك الشخصي.

الصادق المهدي: نعم نعم.

أحمد منصور: عبد الله خليل والأزهري اللي كانوا يُقيموا بمنزلين مُتجاورين وُضعوا رهن الإقامة الجبرية، في اليوم الثاني الجيش شكّل حكومة من 12 ضابط.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: وحُكمتم بالحديد والنار بعد ما كُنتم في نغنغة وعبد الناصر يحكُم بالحديد والنار مصر وأنتم تتفاخروا بالديمقراطية في السودانية.

الصادق المهدي: فحققنا وحدة وادي النيل في المعنى، أقول لك الحقيقة كُل الانقلابات الـ 3 التي وقعت في السودان الجيش اسُتخدمَ فيها لأغراض جهات سياسية وهذهِ حقيقة وأنا أعتقد أنَّ الروح الانقلابية أتت للسودان من جهتين: التجربة المصرية لأنهُ بعد ذلكَ صارَ الضُباط الذينَ يتحركون يُسمّون أنفسهم ضُباط أحرار.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: انعكاس لهذا المعنى ثانياً أن الشيء نفسه كان نتيجة لحافز أو دافع أو محرك سياسي، على كل حال الذي حدث بالفعل هو أن والدي بعد ذلك أعلن بعد مقابلته لوالده أن هذا الانقلاب مع تأييد والده له ومع تأييد السيد علي الميرغني له هذا الانقلاب باطل وينبغي أن نلغيه.

أحمد منصور: لكنني هنا برضه اكتشفت حاجة رغم كل الترتيبات دي الأميركان كانوا على علاقة لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة بالتفاصيل من قبل ما الانقلاب يجري إلى أن جرى وكأنهم باركوه بعد أن وقع.

الصادق المهدي: لا مؤكد هو طبعاً الأميركان يحترمون ويحبون ويفضلون النظم العسكرية لأن التفاهم معها أسهل.

أحمد منصور: لأنها تلبي طلباتهم.

الصادق المهدي: لأنها لا تخاف من ردة فعل الرأي العام أما النظم العسكرية فلا تخاف من ردة فعل الرأي العام المهم في هذا الموضوع.

أحمد منصور: الوثائق هنا تأكد أن وزير الخارجية دالاس كان يتابع الانقلاب ساعة بساعة  مع سفيره بالخرطوم.

الصادق المهدي: أيوه نعم المهم أنا ما يعني أنا ما لا أعطي هذا الموضوع قيمة لأن الدينامية المتعلقة بالانقلاب مربوطة بالسياسات السودانية كما أوضحت.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: المهم في هذا الموضوع السيد الإمام عبد الرحمن عنده أصلاً مرض في القلب ولكن ما حدث أحدث له فاجعة ذبحة أدت لوفاته بعد 3 أسابيع من الانقلاب الجديد.

أحمد منصور: الانقلاب الجديد إلي في مارس 1959 أو محاولة انقلاب جديدة رسخت..

الصادق المهدي: لا لا لا هو تغيير تجاه الانقلاب الأول إلى انقلاب محض انقلاب مش..

أحمد منصور: لكن هنا حتى هل الرؤية كانت غير واضحة حتى لدى العسكر بيتر ودورد يقول في البداية "كان هناك عدم وضوح وتحديد حول دور الحكم العسكري الجديد وفترة استمراره ويبدو أن رئيس الوزراء المخلوع عبد الله خليل كان يأمل في إمكانية عودة عدد من القيادات الحزبية إلى الحكم بعد فترة وجيزة".

الصادق المهدي: أيوه ما هو الفكرة كانت يضعوا الدستور ويستردوا الديمقراطية دي الفكرة الذي قال..

أحمد منصور: في سخرية هنا شديدة جداً..

الصادق المهدي: لا لا هي طبعاً..

أحمد منصور: بقول إن هو يعتقد إن الجيش انضم للائتلاف الحكم وبقى جزء منه..

الصادق المهدي: أيوه يعني وهم كبير لأنه بعد الانقلاب بعد أي انقلاب أنت لو قرأت التجربة المرة لمنيف الرزاز التي ذكر فيها نحن لجأنا للجيش كحزب بعث والجيش خلصنا من أعدائنا ثم تخلص منا وهذه التجربة المرة وهذا..

أحمد منصور: هذا ما حدث بالسودان بالضبط.

الصادق المهدي: في السودان وفي الثلاث انقلابات حصلت هذه الخطوة الأولى ثم التخلص من الرافع المدني، الإمام عبد الرحمن كتب وصية كان يدرك أن هذه هي الأيام الأخيرة لأنه انتقل فعلاً يوم 24 مارس بعد 3 أسابيع من الانقلاب اللاحق فكتب وصية في هذه الوصية قال إن الخليفة بعده هو الصدّيق وهو أصلاً كان يتكلم دائماً عنه باعتباره شريك له فالمفارقة الكبيرة هي أن العدو..

أحمد منصور: هنا والدك الصديق المهدي كان زعيم حزب الأمة لكن جدك كان إمام الأنصار..

الصادق المهدي: كان إمام الأنصار..

أحمد منصور: هنا خليفته في إمامة الأنصار.

الصادق المهدي: نعم، نعم..

أحمد منصور: ليجمع بين الاثنين إمامة الأنصار ورئاسة حزب الأمة.

الصادق المهدي: نعم وطبعاً في ذلك الوقت حزب الأمة كان غير موجود لأن الانقلاب حل الأحزاب..

أحمد منصور: نعم، نعم.

تعبئة سياسية لإسقاط الانقلاب

الصادق المهدي: فكان الحزب نفسه غير موجود الشاهد في هذا الأمر أن الوالد قرر تعبئة سياسية لإسقاط الانقلاب وبدأت مرحلة فيها تحالف هو والسيد إسماعيل الأزهري لأن السيد إسماعيل الأزهري كان ضحية لهذا الانقلاب كذلك والحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين، تكونت قيادة الوالد لهذه الجبهة باسم الجبهة القومية المتحدة وكانت الفكرة العمل من أجل إسقاط حكم العسكر ليعودوا إلى ثكناتهم.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: في يعني نقاط مهمة نقف عندها أن عبود من الأول عبود لم ينتظر إلى مارس حتى يلغي الأحزاب أو يمنع الإضرابات أو غيرها دا مباشرة أقام حكماً دكتاتورياً مما يعني نيته البقاء في السلطة قبل أن يتحرك هؤلاء الضباط الآخرين في شهر مارس يعني عبود عفواً يعني أوقف الدستور، فرض حالة الطوارئ، فرض حظر على الأحزاب أعطى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهام السلطة التنفيذية والتشريعية، فوض المجلس تفويض كامل في كل سلطات الرئيس، أصدر نظام قانون الدفاع عن السودان، حرّم تأسيس الأحزاب، حرّم الدعوة للإضراب، في إيه أكثر من كدا؟

الصادق المهدي: هو السيد عبد الله خليل قال لي قال لي عندما اتفقت معهم على استلام السلطة طلبت من عبود أن يحضر لي قادة القيادات في أمسية يوم 16 نوفمبر لكي أنورهم بالانقلاب هو..

أحمد منصور: آه ما هو عسكري سابق.

الصادق المهدي: أيوه لكي أنورهم بالانقلاب.

أحمد منصور: كان..

الصادق المهدي: قال لي في المساء جاءني عبود وحسن بشير فقط حسن بشير كان رئيس هيئة الأركان جاء وقال لا داعي أن يأتي الآخرون نحن سننورهم بما ينبغي عمله عبد الله خليل قال لي عندئذ أدركت أن الأمر فيه خيانة قبل الانقلاب..

أحمد منصور: قبل الانقلاب بليلة.

الصادق المهدي: قبل الانقلاب بليلة ولكن الأمر كان قد تخطى أي إمكانية للتغيير.

أحمد منصور: مرحلة إمكانية إيقافه.

الصادق المهدي: لكن هو قال لي شخصياً أنا كنت مع فارق السن بمشي وأتكلم معه لأنه أنا اعتقد هو مع كل أخطائه شخص عنده تواضع وأيضاً شخص مخلص لما يرى شخص مخلص لما يرى.

أحمد منصور: إحنا عايزين نفرق ما بين حاجتين دائماً أقولهم في العمل السياسي حينما يتصدر الشخص لمصالح الناس ما يهمنا أخلاقياته..

الصادق المهدي: على كل ..

أحمد منصور: إحنا يهمنا ماذا فعل من أجل مصالح الناس حتى لو كان فاسقاً أما لو كان من الخلفاء الراشدين وأخطأ في مصالح الناس وهو متصدر للحكم فيجب أن نتناول أخطاءه بشكل..

الصادق المهدي: دا المقياس الصحيح على كل حال هو أخطاءه في أنه قرر بصورة فردية بدون مشاركة حزبه وبدون إشراك رئيس حزبه في هذا الانقلاب وأدرك هو كما قال لي هذا الأمر وبسرعة جداً بعد 3 أشهر أو كذا من الانقلاب هو أدرك أن هذه الأمور كلها ذاهبة في اتجاه مخالف تماماً ولذلك انضم لوالدي في الجبهة القومية المتحدة ضد الانقلاب العسكري..

أحمد منصور: بعد إيه بس في نقطة مهمة العسكر كما قلت أنت من قبيل قيامهم بالانقلاب هم ناويين يقعدوا ويسيطروا..

الصادق المهدي: يبدو، يبدو..

أحمد منصور: والدليل على كدا غير القرارات بتاعة إلغاء الحياة السياسية والسيطرة على كل شيء أنهم بدأوا يتفاوضوا مع مصر في قضايا مصرية زي قضية مياه النيل أنت كتبت مقالاً عن أزمة مياه النيل لقيته ضمن وثائق الخارجية الأميركية يقولون في أول تعليق لصحيفة النيل كتب الصادق المهدي ابن الإمام الصديق المهدي تحت عنوان كلمة النيل الآتي بينما تحس هذه الصحيفة هنا في 5 نوفمبر 1959 الوثيقة دي وأزمة مياه النيل بين مصر والسودان من هذا الوقت المبكر.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: ما هياش اليومين دول كما يعتقد كثير من الناس..

الصادق المهدي: نعم، نعم.

أحمد منصور: إنها نشأت بسبب  سد النهضة.

الصادق المهدي: نعم.

أحمد منصور: أنت كتبت فيها كثير وعملت فيها كتاب.

الصادق المهدي: نعم.

أزمة مياه النيل بين السودان ومصر

أحمد منصور: بشكل موجز قل لنا عمق وتاريخ وسبب هذه الأزمة المستمرة منذ عقود طويلة، والآن بس الشعب المصري والسوداني والشعوب العربية تفكر أن أزمة المياه بين مصر والسودان فيما يتعلق بموضوع النيل وأثيوبيا مولود أول أمبارح.

الصادق المهدي: تمام هذا ضمن الجهالة عن الحقيقة في السودان أصلاً الاتفاقيات حول النيل كلها في الماضي تعتبر النيل نيل مصر بمباركة من الانجليز وباتفاقيات دولية في ذلك الوقت تؤكد هذا المعنى، بحيث أنه لا أحد يتصرف في مياه النيل من أعالي النيل إلا بموافقة مصر هذه الاتفاقات كلها الإنجليز..

أحمد منصور: بعضها عمره أكثر من 100 عام.

الصادق المهدي: كل الاتفاقيات القديمة أجدها كانت 1929 تؤكد هذا المعنى، الإنجليز كانت عندهم نية لزراعة القطن في الجزيرة هذه ملايين الأفدنة يمكن أن تروى بالري الانسيابي لأن..

أحمد منصور: بس يفتح المياه بتروي..

الصادق المهدي: أيوه.

أحمد منصور: لا عايز ماكينات ولا عايز ري ولا عايز أي شيء.

الصادق المهدي: أيوه ولكي هذا القطن يصدر لمصانع القطن النسيج..

أحمد منصور: البريطانية.

الصادق المهدي: في لانكشير أول ربط ما بين مصلحة للسودان وعقوبة لمصر هو أن الإنجليز عندما تم اغتيال السير لي ستاك في القاهرة فرضوا عقوبات على مصر إجلاء الجيش المصري من السودان وعقوبات أخرى منها أن ينال السودان حصة من مياه النيل كانت جزء من عقوبة يعني كأنما..

أحمد منصور: سنة كم؟

الصادق المهدي: سنة 1924.

أحمد منصور: 1924.

الصادق المهدي: 1924 ودا مهد لقيام خزان سنّار الذي بموجبه تخزن المياه لتروي مشروع الجزيرة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: هذا الربط ما بين عقوبة لمصر عقوبة لمصر مصلحة..

أحمد منصور: فائدة للسودان.

الصادق المهدي: للسودان أدى إلى أن السياسة المصرية دائماً تحرص على أن يكون هناك سودانيون سياسيون لحراسة المصالح المصرية، دا زاد من تدخل الحكومة المصرية في الشأن السوداني بسبب حراسة المصالح دي، المهم أخطر ما حدث وهذا في رأيي للأسف القيادات العسكرية عندها درجة عالية من الغفلة لأنه بعد أن قام الانقلاب في السودان..

أحمد منصور: 1958.

الصادق المهدي: 1958 تمت مفاوضات وأبرمت اتفاقية مياه النيل 1959.

أحمد منصور: بين مصر والسودان.

الصادق المهدي: بين مصر والسودان هذه الاتفاقية..

أحمد منصور: عبد الناصر دفع لهم 15 مليون جنيه.

الصادق المهدي: أيوه هذه الاتفاقية طبعاً لترحيل أهلها لحلفا لأن الأراضي..

أحمد منصور: إلي تضرروا من المياه.

الصادق المهدي: أيوه لكن أخطر ما في الموضوع وإلي أنا بسميه هذه الغفلة بين..

أحمد منصور: الاثنين عسكر بقى.

الصادق المهدي: بين حكومتينا..

أحمد منصور: عبد الناصر وعبود..

الصادق المهدي: أنهم اتفقوا على مياه النيل وغيبوا تماماً..

أحمد منصور: كل الدول الأخرى إلي فيها النيل.

الصادق المهدي: الدول الأخرى حتى أن أثيوبيا طلبت أن تحضر قيل لها لا..

أحمد منصور: وقتها.

الصادق المهدي: وقتها.

أحمد منصور: دا هذا إلي خلاها تلجأ لإسرائيل وتتحكم في مياه النيل.

الصادق المهدي: دا إلي خلاّها تمشي لحاجة أهم وهي أصلاً مياه النيل تأتي من مصدرين..

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: الهضبة الأثيوبية النيل الأزرق والهضبة الاستوائية النيل الأبيض الهضبتان لا صلة بينهما دا النيل الأبيض ودا النيل الأزرق ما في أي صلة بينهما يكونا معاً النيل في الخرطوم.

أحمد منصور: صح.

الصادق المهدي: الذي ينحدر إلى مصر.

أحمد منصور: لكن عندما قام هذا الاتفاق الذي عزل دول المنبع في الهضبة الأثيوبية والهضبة الاستوائية منذئذ تكتلوا ضد مصر والسودان..

الصادق المهدي: أيوه ودا إلي أدى إلى التكتل إلي في الحقيقة أفسد العلاقة الدبلوماسية في حوض النيل.

أحمد منصور: أتمنى الناس تفهم منبع وجذور الأزمة من اللحظة التاريخية دي..

الصادق المهدي: تمام ودا في الحقيقة إلي خلق عداء شديد جداً أنا في عام 1998 التقيت رئيس الوزراء الأثيوبي المرحوم ملس زيناوي.

أحمد منصور:  آه ملس زيناوي.

الصادق المهدي: قال لي أنتم في مصر والسودان لا تريدون بحث هذه القضية معنا باعتبار أنكم اتفقتم ونحن علينا أن نقبل الأمر الواقع، يا فلان اعلم طبعاً أنا في ذلك الوقت معارض شديد اعلم أننا سيأتي يوم نتصرف منفردين..

أحمد منصور: في مياه النيل.

الصادق المهدي: في مياه النيل.

أحمد منصور: مش هنعبركم زي ما انتو ما بصيتوا لنا.

الصادق المهدي: أيوه بعد أسبوع من هذا الكلام التقيت الرئيس المصري السابق حسني مبارك وقلت له موضوع المياه دا عايز منا معالجة حكيمة، قال لي من يمد يده للنيل سنقطعها؛ دا إلي خلاّني من وقتها ذهبت وبحثت وبحثت وكتبت كتاب مياه النيل الوعد والوعيد أن هناك وعد نستفيد كلنا ووعيد نختلف كلنا، المهم في رأيي نحن مسؤولون في مصر والسودان في خلق المناخ الذي استغلته أميركا في الحرب الباردة واستغلته أيضاً أثيوبيا باعتبار أنه كان كما تعلم السد العالي عظمة نزاع في الحرب الباردة.

أحمد منصور: نعم.

الصادق المهدي: وكانت تلك العظمة فيها دور لأثيوبيا والكلام عن كل هذه المسألة عن الخزانات وغيرها درست من مصادر أميركية.

أحمد منصور: الآن ما نسبة المياه التي تأتي من النيل الأزرق من أثيوبيا والمياه التي تأتي من النيل الأبيض من الهضبة الاستوائية.

الصادق المهدي: النيل الأزرق يمد النيل ب 85 % من المياه.

أحمد منصور: 85.

الصادق المهدي: 15 تأتي من الهضبة..

أحمد منصور: من النيل الأبيض.

الصادق المهدي: الأبيض ولكن كل إمكانيات زيادة دفق مياه النيل توجد في النيل الأبيض يعني هناك إمكانية دنقلا 1 دنقلا 2 وغيره من المشروعات يمكن أن ترفع دفق مياه النيل 20 مليار متر مكعب، فالقضية تقتضي أصلاً بأدنى درجة من العقل أن نعتبر نحن كلنا النيل سيادة مشتركة ونفكر في قاعدة كسبية وإلا إذا دخلنا في استقطابات ستدخل كل التناقضات الموجودة في المنطقة وسنضر بعضنا بعضاً ضرراً بالغاً.

أحمد منصور: كما ذكرت أنت في شهر مارس قام 2 من الضباط لم يضمهم المجلس العسكري هما عبد الرحيم شنّان ومحيي الدين أحمد بالحركة العسكرية وأصيب جدك بالجلطة وتوفي في 24 مارس 1959 عن 74 عاماً أصبح أو بويع والدك الصديق المهدي إماماً للأنصار خلفاً لجدك وأصبح رئيساً للحزب وإماماً للأنصار في آن واحد وأصبح في نفس الوقت أكبر معارض للنظام العسكري برئاسة الجنرال عبود أصبح بيت الإمام المهدي مركزاً لمعارضة الحكم العسكري، أخذ والدك يوجه المذكرات لعبود والعسكر بالإيفاء بعهودهم وتسليم السلطة للمدنيين، وجه مذكرة شديدة اللهجة جاءت في الوثائق الأميركية قال فيها: "يجب أن ينتهي حكم الجيش للوطن وأن يشكر للخدمات التي قدمها وأن يحصر عمله في الدفاع عن الوطن وأن يتحاشى التدخل في الحكم"، مواجهة قاسية بين والدك عبد الرحمن المهدي وبين العسكر الصديق المهدي وبين العسكر.

الصادق المهدي: نعم هذا التطور هو الذي غير مستقبلي أنا لأن حتى تلك اللحظة أنا كنت أستعد من وزارة المالية أن أذهب بعثة لدراسة الزراعة عندما صار أبي في وجه المدفع قررت إلغاء كل هذا وأن أقف إلى جانبه.

أحمد منصور: وتدخل السياسة بكلك.

الصادق المهدي: نعم وبعد أن تكونت الجبهة القومية وأنا في سني تلك بعد أن تكونت الجبهة القومية هذه والتي ضمت جماعة حزب الأمة والسيد إسماعيل الأزهري والحزب الشيوعي وجبهة الميثاق الإسلامي أو الإسلاميين الإخوان وكثير من المهنيين، وكنت أنا سكرتير هذه الجبهة بعد أن تكونت هذه الجبهة وبعد أن قررت أن أبقى إلى جانب والدي وأن نعبئ الشعب في مواجهة النظام العسكري والحقيقة أن لأول مرة في التاريخ الحديث صار والدي قيادة عامة للحركة الشعبية المعارضة ما عدا ما عدا حزب الشعب الديمقراطي أو الختمية الذين ظلوا على تأييدهم للانقلاب حتى قيام الثورة.

أحمد منصور: ربما لأن كثيراً من الضباط كانوا ينتمون للختمية أو يميلون لها.

الصادق المهدي: لا أدري كان لهذا السبب أو لأن النظام صلح علاقاته بمصر لا أدري ما هو السبب لكن استمر يعني حتى عندما بدأت المظاهرات في الانتفاضة في عام 1964 ذهب وفد بقيادة ما سموا كرام المواطنين للسيد الرئيس ذلك الوقت إبراهيم عبود ليقولوا له نحن معكم ضد هؤلاء المهرجين لكي يستمر الحكم العسكري.

أحمد منصور: هنا بدأت المعارضة تتصاعد بشكل كبير جداً محمد أحمد محجوب يقول في مذكراته "في 25 تشرين الثاني 1960 بعثنا بمذكرة إلى رئيس المجلس العسكري الأعلى مطالبين بإعادة البرلمان وعودة الجيش إلى الثكنات ورد المجلس بمنع كل تعليق على المذكرة في الصحف وحرمان رئيسي وزراء الأزهري وخليل من الراتب التقاعدي البالغ 100 جنيه في الشهر في تموز 1961 قررنا أن نوجه ضربة أخرى للمجلس حينما انطلقت محاكمة شيوعي شاب في الأبيض"، كان في 7000 من الأنصار في أم درمان وهم جيدو التدريب وشجعان ومستعدون للموت من أجل قضيتهم، "كان رأيي أنه إذا جرت أي اعتقالات فعلينا أن نقاوم بالقوة فعارضني السيد الصديق المهدي قائلاً لا أريد أن أواجه الله ويداي ملطختان بدماء المسلمين"، عايشت الحدث دا؟

الصادق المهدي: نعم، نعم هو إلي حصل فعلاً هو انه بعد أن قدمت هذه المذكرة واتخذت الحكومة العسكرية موقفا مضاداً واعتقلت كل السياسيين الذين وقعوا فيها إلا والدي اعتقلتهم جميعاً ونفتهم إلى منطقة في جنوب السودان المهم في هذا الموضوع أن أنا بعد أن حدث هذا التطور قررت أن أبقى مع والدي وفي رأيي موقف الإمام الصديق هذا والسند الشعبي الذي لقيه كان أول نزع للشرعية شرعية النظام العسكري التي أعطاها إياه بيان السيدين، بيان السيدين في رأيي أعطى الانقلاب شرعية ما، موقف الإمام الصديق والقوى السياسية التي وقفت معه في رأيي منذ عام 1961 نزعت الشرعية عن هذا الانقلاب.

أحمد منصور: بدأت عملية التصفيات داخل الجيش في محاولة انقلاب ثانية تمت في شهر نوفمبر أعدم على إثرها ضباط سرح العشرات بدأت الجيش السوداني يدخل في إطار من الصراع الداخلي والعين على السلطة والتدمير الداخلي أيضاً وطرد ضباط ومحاكماتهم وغيرها، الجنوبيون بدأوا يتذمرون في 5 يناير 1961، السفير الأميركي بعث رسالة لوزير الخارجية يبلغه أن القبائل والسياسيين في الجنوب أيضاً بدأوا يتمردون، حاولت أفهم قضية الجنوب والأزمة التي تسبب فيها الانقلاب العسكري هنا لأنه هو أجج الحرب في الجنوب، أبدأ معك الحلقة القادمة من دور الانقلاب العسكري الذي قام به عبود في تأجيج الصراع بين الشمال والجنوب، شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الإمام الصادق المهدي إمام الأنصار رئيس الوزراء السوداني الأسبق وزعيم حزب الأمة، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.