تعرضت قيادات وأعضاء حزب حركة النهضة التونسية لمضايقات شديدة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وبحسب عبد الفتاح مورو -أحد مؤسسي الحركة- في شهادته الخامسة عشرة لبرنامج "شاهد على العصر"، فقد استخدم النظام في تلك الفترة كل الطرق لتجريد الإسلاميين من حقهم ليكونوا بشرا مثل بقية الناس.

فالمحاكمة التي جرت لأكثر من 256 من قيادات النهضة في أغسطس/آب 1992 وأبعد مورو عن المرافعة فيها، كلف بها قضاة كانوا أداة بيد السلطة، بدليل أنها رشحتهم لمناصب أرقى بعد المحاكمة.

وفي الوقت الذي تشتت فيه قيادات وأعضاء النهضة بين السجون والخارج، كان مورو ضمن الجزء القليل الذي بقي في الداخل، لكنه تعرض -كما يؤكد هو نفسه في شهادته- لمضايقات شديدة في حياته، تدخل ضمن ما أسماها "سياسة الدوس على الظل"، ومعناها أن "الذي ينال جسم خصمه ليدوس عليه، يدوس على ظله".

ويذكر ضيف "شاهد على العصر" وقائع تعرضت لها أسرته عكست حجم المضايقات التي طالته من نظام بن علي، منها منع أولاده من الدراسة في معاهد راقية وإجبارهم على الدراسة في معاهد شعبية متدنية المستوى، وهو ما وقع لابنته التي انتدبت في شركة بعد تخرجها، لكنها أخرجت منها في اليوم التالي وتم طرد المدير.

وفي جنازة والدة مورو عام 1993 أرسل نظام بن علي مخبرين إلى المقبرة من أجل التجسس على كل الناس الذين جاؤوا لتقديم التعزية، واستدعاهم لاحقا إلى مراكز الشرطة للاستفسار والتحقيق معهم.

كما أن العائلة منعت من دخول المسجد الذي اختارته للاحتفال وقراءة فاتحة زواج ابن مورو، مما اضطرها لقراءتها في الشارع.

محاسبة
واتهم مسؤول النهضة نظام بن علي بالسعي لتدمير علاقاته الاجتماعية، وقال إنه كان يتمنى أن تحذو تونس بعد الثورة حذو جنوب أفريقيا، عندما قامت الأخيرة بمحاسبة كل من ظلموا واعتدوا على حقوق الناس من خلال اعترافهم بذنوبهم أمام الضحايا وطلبهم العفو منهم، وكانت تلك الانتهاكات قد ارتكبت في ظل نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا.

ولكن قيادات وأعضاء النهضة -بحسب مورو- لم يطالبوا بشيء بعد الثورة التونسية، واشترطوا فقط عدم رؤية كل من ارتكب ظلما في حقهم في مواقع القرار مجددا.

ولم تقتصر ممارسات بن علي على قيادات وأعضاء النهضة فقط وإنما شملت كل الشعب التونسي، بحسب مورو الذي يكشف في شهادته أن الرئيس المخلوع شخصيا عندما كان مديرا للأمن كان يفرض أتاوات على أصحاب المقاهي والمطاعم والفنادق، وذلك عندما يذهب لقضاء عطلته الأسبوعية في سوسة.

وزاد أسلوب التمادي -يضيف السياسي التونسي- بعد زواج بن علي بليلى الطرابلسي عام 1992، حيث كانوا يسرقون المشاريع من المواطنين الذين يتقدمون بطلب القروض من البنوك، ويحيلون هذه المشاريع لصالح أقاربهما.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: بن علي دمر حياة الإسلاميين ج15

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 5/7/2015

المحاور:

-   محاكمة أكثر من 256 من قيادات النهضة

-   قضاة بيد السلطة

-   سياسة الدوس على الظل

-   مضايقات شديدة للإسلاميين في عهد بن علي

-   هيمنة ليلى الطرابلسي على السلطة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: في شهر أغسطس عام ١٩٩٢ صدرت الأحكام بالمؤبد والأشغال الشاقة على أكثر من ٢٥٦ من قيادات حركة النهضة في تونس في القضية التي وجهت لهم عام 1991 اتهامات بقلب نظام الحكم ومحاولة اغتيال بن علي عن طريق صاروخ ستينغر وغيرها، كيف تابعت هذه المحاكمات؟

عبد الفتاح مورو: بكل أسى لأنه لم يتسنَ لي المشاركة في المرافعات.

أحمد منصور: هل رفضوا؟

عبد الفتاح مورو: رفضوا ذلك أشد الرفض.

أحمد منصور: لم يسمحوا لك؟

محاكمة أكثر من 256 من قيادات النهضة

عبد الفتاح مورو: لم يسمحوا لي، أشعروني بواسطة هيئة المحاماة أن علي أن أبقى بعيداً عن هذه القضية ولا أترافع فيها، أنت عارف وين الحس القانوني يفرض على الإنسان أن يتابع في كنت أتابع المرافعات بواسطة ما ينقله الزملاء بعد أن اطلعت على الملفات، الملفات كانت بين يدي، كنت أوجه بعض زملائي لنقاط تتعلق بأوجه الدفاع في هذه القضية، لكن كان الإحساس والشعور الداخلي بأن القضاة ليسوا إلا آلة منفذة لقرار وإرادة صاحب السلطة.

أحمد منصور: أليس وجود هيئة محاماة في مثل هذه المحاكمات التي تكون الأحكام معدة سلفاً وتُملى على القضاة من السلطة هو وجود عبثي يكمل الشكل المسرحي للمحاكمة؟

عبد الفتاح مورو: لا بالعكس، هو وجود مقلق لهذا الذي يتصدى للحكم بين الناس فيجد من يشاكسه ويقلقه وفي هذه المحاكمة حصلت منازعات بين لسان الدفاع والمحكمة وكان هناك مراقبون يتابعون هذا النزاع، فهذا كان من شأنه أن يبرز ضعف موقف النظام، أنا عارف أنه كثير من الحالات لا ينتهي لسان الدفاع إلى الإقناع بموقفه لكن يكفي أن يبرز هذا الموقف أن يؤسسه قانوناً، أن يصدح به ليضايق الطرف المقابل.

أحمد منصور: لم أجد يعني معلومات كافية عما دار من تفاصيل في المحاكمة لاسيما محاكمة العام 1987 حضر فيها كثير من المحامين الغير توانسة ومنظمات حقوقية دولية والصحافة الفرنسية كانت تغطي، فهل كانت التغطية على نفس المنوال؟

عبد الفتاح مورو: لأ كانت بشكل أقل لكن هناك تنوع في الحضور، كان يتابع المحاكمة كثير من الملاحظين من بلدان مختلفة سواء محامين أو مندوبي منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا يضايق السلطة ويقلقها، أنت عارف في القضية السابقة التي سبقت هذه قضية باب سويقة هذه صدر فيها حكم بالإدانة والسجن المؤبد فإذا بوكيل الدولة يطعن لدى محكمة النقض بالتعقيب في اليوم الموالي لصدور الأحكام وتُنقل ملفات إلى محكمة التعقيب في اليوم الثاني.

أحمد منصور: مباشرة.

عبد الفتاح مورو: مباشرة.

أحمد منصور: هذا لا يحدث في المحكمة.

عبد الفتاح مورو: لا يحصل لا في المنامة ولا في اليقظة أبداً، ويلتئم مجلس التعقيب ليقرر نقض الحكم لأسباب واهية لا ندركها لأن محكمة التعقيب ليست محكمة موضوعية هي محكمة القانون وتنظر في البنية القانونية للحكم المطعون فيه، هل بني على أسس قانونية صحيحة؟ هل وقع خرق مبدأ من مبادئ القانون؟ فتحكم محكمة النقض بنقض الحكم ويرجع الحكم إلى محكمة الاستئناف للنظر فيه من جديد باعتبار أن محكمة الاستئناف هي وحدها المتعهدة بقضايا الجنايات من هذا النوع ويطلب من رئيس المحكمة أن يتولى هو رئاسة الهيئة الجديدة التي عليها أن تبت والتي لا ينبغي أن تكون من نفس القضاة الذين بتوا في المرة الأولى، فيتضايق الرجل لأنه يدرك بأن إرجاع الملف بهذا الشكل الغريب غير المؤسس والسريع يهدف إلى إملاء أحكام بالإعدام ويتقدم بوثيقة طبية يثبت فيها أطباؤه أن مرضه المزمن بالقلب يمنعه من أن يترأس جلسة من هذا النوع فيفتشون عن قاضٍ بديل يتولى رئاسة هذه الجلسة ويحصلون على تركيبة خماسية رئيس من أربعة أعضاء موعودين جميعاً بأن يرقوا وأن يمكنوا من مواقع أحسن من المواقع التي يحتلونها باعتبارهم قد نسوا في السنوات الماضية لأنهم لا يستحقون ترقيات.

أحمد منصور: تذكرهم؟ تذكرهم أحد منهم؟

عبد الفتاح مورو: أذكرهم ويذكرهم الجميع لكن لا أريد أن أصرح لأني عندما أقول هذا الكلام كل التونسيين يعرفونه.

أحمد منصور: طب إحنا عايزين غير التونسيين يعرف إحنا ما نعرفهم.

أحمد منصور: لا لا أنا مش هفوت.

عبد الفتاح مورو: أنا أتحاشى ذلك.

أحمد منصور: معلش معلش، أنا لو لقيتها في الكتب كنت قلتها.

عبد الفتاح مورو: أستاذ بعضهم قد توفي إلى رحمة الله تعالى.

أحمد منصور: خلاص يدخل يعني إلى التاريخ.

عبد الفتاح مورو: أذكر منهم مثلاً القاضي فتحي بن يوسف مثلاً وقاضية لكنها هذه السيدة أصيبت بمرض عضال ويبدو أنها توفيت كذلك أنا أتحاشى ذكر الأسماء أفضل، ليش؟ لأن القضية ليست في تشهير وإنما القضية..

أحمد منصور: هذا مش تشهير الآن إحنا نتكلم في وقائع تاريخ.

عبد الفتاح مورو: عارف يا أستاذ لكن.

أحمد منصور: هذه وقائع تاريخ وقعت وانتهت.

عبد الفتاح مورو: أنا ديدني أن يقع الاتعاظ.

أحمد منصور: ما إحنا عشان الاتعاظ.

عبد الفتاح مورو: نعم لأنه هذه الواقعة التي يعلمها الجميع أفضت بهذه التركيبة المتناثرة المتنافرة.

أحمد منصور: من القضاة الخمسة.

عبد الفتاح مورو: من القضاة الخمسة بأن تلتئم المحاكمة من جديد ويأتي نفس المحامين الذين تولوا الدفاع في المرة الأولى ليعيدوا المطاعن الموجهة إلى الحكم لكن كان الجميع يتوقع أن الحكم سيكون ضد إرادة المحامين يقيناً ما دام الأمر رتب بهذه السرعة فالأمر يعني مآله معلوم ويصدر حكم بالإعدام، وهؤلاء القضاة يرشحون للمناصب التي وعدوا بها.

أحمد منصور: فعلاً؟

عبد الفتاح مورو: فعلاً.

أحمد منصور: على طول يعني.

عبد الفتاح مورو: وتم ذلك تم ذلك فعلاً هذا يعني القائمة موجودة فلان في كذا فلان في كذا، هم يتصورون أن الأمر نُسي لكن الأمر لا ينسى أبداً لأنها هذا الفعل الذي يخجل من يستمع إليه، أنا الآن خجول وأنا أتحدث عن هذا الأمر ليش؟ لأني أنا.

قضاة بيد السلطة

أحمد منصور: أنا قصدي من ذكر الأسماء هو أن هؤلاء يجلبون العار لأنفسهم في التاريخ ولعائلاتهم ولأبنائهم وكأنما الشيطان الذي يوحي إلى هؤلاء القضاة واحد ويتعلمون على شيطان واحد ليس في تونس وحدها وإنما في مصر والأمر يتكرر كل يوم.

عبد الفتاح مورو: نعم، نعم الآن أنا بصدد الإعداد لتوثيق للقضايا التي استمرت في تونس من تاريخ استقلالنا 1956 إلى الآن والتي جلها ذو صبغة سياسية وتم بهذا الشكل الغريب عدا بعض القضايا التي تميز الرؤساء فيها بجلد وحنكة واعتداد بالنفس وتمسك بالمبادئ الأصيلة وهؤلاء يجب أن يذكروا إلى جانب أولئك الذين تنكروا بواجبهم.

أحمد منصور: كان في حد منهم في عهد بن علي؟

عبد الفتاح مورو: مين؟

أحمد منصور: من هؤلاء القضاة الذين تميزوا بالجلد ورفض أن يكونوا أذلة في يد الحاكم؟

عبد الفتاح مورو: لا أذكر لا أذكر أحداً، فأنا أقول هذه المحاكمة الثانية راحت في نفس النهج لكن نحن منقسمون في المحامين إلى مدرستين اثنتين.

أحمد منصور: ما هما؟

عبد الفتاح مورو: مدرسة ترى أنك إذا وجدت إصراراً من القاضي على أن يخالف الإجراءات أنت تتركه وأمره، ومدرسة ثانية.

أحمد منصور: تتركه أمره وماذا تفعل؟

عبد الفتاح مورو: يعني تنسحب من المرافعة وتنسحب من المحاكمة لكن أنا في تصوري هذا ليس حلاً؛ أولاً لأن هذا الذي يقف أمام القضاء مفرداً يحتاج إلى سند أدبي هو المحامي ليس فقط مطالباً بأن يحصل على نتيجة ليس مطالباً بالحصول على نتيجة هو مطالب بأن يقوم بعمل محدد هو الدفاع عن هذا المسكين، يجب أن الذي يقف في قفص الاتهام لا يشعر بالوحدة ويجد من يسانده، من يرشده، من يبين له الخفايا ومن يزعج هذا القاضي المتسلط حتى يكتب بأن هذا القاضي لم يكن جاهلاً وأنه رد إلى الطريق الصحيح ولكنه لم يرعي، ولا أذكر أني قمت بهذه المهمة في جل القضايا التي رفعت فيها في التسعينات عندما كنت مضطراً بأن أبقى في بيتي فكنت أتعلل.

أحمد منصور: سآتيك إلى هذه بالتفصيل ولكن نحن هنا أمام عدة قضايا كانت هذه واحدة منها، هناك كان قضايا للعسكريين أكثر من مئة عسكري أيضاً قبض عليهم بحجة الانتماء للنهضة وحوكموا، هنا قيادات النهضة وكثير من أعضائها انقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ جزء كبير في السجون قيل أنه يبلغ ثلاثين ألفاً، جزء في المهاجر قيل أنه ينتشر في خمسين دولة، أنتشر أبناء النهضة في خمسين دولة في المهجر، وجزء قليل سمح له بأن يبقى في الخارج لم يحاكم بصفته كان قيادة سياسية وكنت أنت واحداً من هؤلاء لكنكم كنتم في سجن أقسى أو لا يقل قسوة ربما عن الذين في المنفى أو الذين في السجون، كيف كان النظام يتعامل معكم؟

سياسة الدوس على الظل

عبد الفتاح مورو: هذه أنت تعرف هذه سياسة الدوس على الظل، هذه سياسة الدوس على الظل الذي لا ينال جسم خصمه ليدوس عليه يدوس على ظله، بحيث أنا كنت مضايقاً في حياتي بشكل جعلني لا أرتاح يعني تصور أعطيك ثلاثة أمثلة على وقائع أسرية لتعلم مستوى المضايقة؛ توفيت والدتي رحمها الله في سنة 1993، كل الذين جاؤوا للتعزية لمصاحبة الجثمان والذهاب هؤلاء كلهم صوروا فرداً فرداً، عندما دخلنا المقبرة لم أتفطن ولم يتفطن الكثيرون إلى أن كل الأشجار التي مررنا تحتها كان معلقاً فيها عدد من الشرط من الشرطة كانوا داخل الأشجار.

أحمد منصور: في المقبرة؟

عبد الفتاح مورو: في المقبرة، عند تلقي التعزية يمر الناس أمام أسرة الفقيد ليعزوه فكان بعض الناس يعزون عن طريق التقبيل يمنة ويسرة فكان فيه اثنين من البوليس ورائي يضعون آذانهم إلى قرب فم ذلك الذي يقبلني، في سنتمترات قليلة.

أحمد منصور: عشان يعرفوا إذا بقول لك حاجة ولا لأ.

عبد الفتاح مورو: إذا قال كلمة أم لم يقل وجُل الذين جاؤوا بعد أن صوروا وضبطوا استفسروا بعد ذلك، جلبوا.

أحمد منصور: تم استدعاؤهم.

عبد الفتاح مورو: إيه جلبوا إلى المخافر ليسألوا إيش الذي حصل؟ ما الذي حصل؟ هذه والدتي بعد أن توفيت في 1993 كان فيه نفر ثاني يدعى بنفس اسمي، اسمه عبد الفتاح مورو كذلك هو قريب من الأسرة وسمي علي، بيني وبينه ١٠ سنوات، توفيت والدته فأعلن بالجرائد أن والدته قد توفيت وقعت مداهمة بيته كانت والدتي ما هي توفيت وأنتم محضرتهم في 1993 بعد ١٠ سنوات توفيت والدة هذا الرجل يدعى فلان الفلاني باسمي فراحوا داهموا بيته وفتشوا بيته قال ايش فيه؟ ايش فيه؟ ما فهمش المسكين، قال مو أنت فلان الفلاني، قال إيه، قال إحنا نحب نتثبت هل أنت الآخر أم لا، قال لهم إذا كان الآخر، الآخر أمه ماتت، ماتت مرة ثانية؟ تأتون؟ مضايقة لأجل الاسم، ثانياً.

أحمد منصور: وهو ليس إسلامياً وليس له انتماء.

عبد الفتاح مورو: لا إسلامياً يحمل الاسم واللقب فقط، هذا مسكين عندما تزوج أنا كنت بالسجن فالمسكين سوى له رحلة شهر العسل راح إلى بنزرت وأنا مسجون في بنزرت، مسكين كان غافلاً فاستوقف بالطريق هو وزوجته كان يقود سيارته، أنت إيه نعم قال له تفضل انزل، أنزلوه من السيارة وأدخلوه مخفر الأمن وبدأوا يتداولون عليه واحد داخل يقول للثاني: آه أنت آه، لم يطمئنوا شوف شوف البساطة، لم يطمئنوا إلا عندما زارونا بالسجن رئيس الشرطة ورئيس المحافظة، كلهم جاؤوا ليلتها الساعة ٩ ليلاً، جاءونا بالسجن وفتحوا الزنزانة ووجدوني بالزنزانة.

أحمد منصور: تأكدوا إنه مش هو.

عبد الفتاح مورو: تأكدوا إنه هو ليس أنا وأنا ليس هو، شوف البساطة، هذه واقعة، الواقعة الثانية بنتي مع تابعت دراستها بتعب شديد، أبنائي تابعوا دراستهم بتعب شديد في عهد بن علي، كانوا يدخلون معاهد محددة يختارونها، يختارون المعاهد الراقية فكان يفرض على إدارة المعهد أن ترفضهم في اليوم الثاني أو الثالث ويوجهون إلى المعاهد الشعبية قليلة المستوى، فأبنائي كلهم درسوا في هذه المعاهد البعيدة عن بيوتهم في مناطق شعبية متدنية المستوى فرضاً قهراً، تخرجت ابنتي بمؤهل عالٍ وتقدمت بموجب ذلك المؤهل دكتوراه مرحلة ثالثة في الاقتصاد والتصرف وانتدبت في شركة في اليوم الثاني أخرجت من الشركة وأزيل مدير الشركة طرد من مكانه، وإلى اليوم لم تعمل إلى اليوم لأنها بقيت طوال مدة بن علي لما راح بن علي جاءت الترويكا لم تعمل وهي لا تعمل إلى اليوم، ابني الأكبر تزوج عادتنا في تونس أن ندعو الناس لحفل إعلان الزواج صداق نسميه الصداق رسم الصداق وهذا يتم في المساجد فاخترنا مسجداً وأقاربنا وأقارب الأسرة الثانية جئنا في الوقت المحدد بعد صلاة العصر الساعة الخامسة بعد العصر للمسجد للاحتفال، تلقى خطبة تسمى خطبة النكاح وتقرأ الفاتحة وجدنا باب المسجد مغلقاً؛ مسجد البحيرة وجدنا باب المسجد مغلقا والإمام ليس في محله والمؤذن ليس في بيته وحارس المسجد ليس في بيته، خرجوا كلهم غادروا ولم نستطع أن ندخل المسجد وعدد الذين جاؤوا عدد لا بأس به من الأسرتين فاضطررنا أن نقرأ الفاتحة ونسوي خطبة النكاح بالطريق العام والسيارات تمر، نحن بالطريق العام نقرأ الفاتحة، هذه الذي أسميها سياسة الدوس على الظل هو لا يزعجك بإدخالك السجن عافاكم الله ولكنه ينغص عليك حياتك، تصور أن ابنك يتزوج فأنت تحتاج أن تحتفي فيصبح الحفل كأنه مأتم لم نستطع أن نفرح كما يفرح الناس في زيجاتنا ولا أن نبكي كما يبكي الناس في أتراحنا.

مضايقات شديدة للإسلاميين في عهد بن علي

أحمد منصور: معنى ذلك دمروا علاقاتك الاجتماعية، الناس كانت تخاف تأتيك.

عبد الفتاح مورو: يقيناً، والله يا سيدي أنا أعرف تونس كلها وعدد كبير من الناس كانوا إذا التقوني بالطريق وأنا ألبس هذا اللباس دائماً وأبداً كان بعضهم يتجرأ يرفع يده ويسلم من بعيد، الذين يتبعونني يشيرون إلى آخرين لإيقاف هذا الذي يتبعني، وصلت مرحلة ألتقي بالذين هم من أبنائي ودرسوا علي وكانوا أقرب الناس إلي صدفة بالطريق بعضهم لا يسلم أصلاً والبعض الثاني يسلم بأنفه كالأرانب هكذا، من بعيد يسلم هكذا ورد السلام يكون بالأنف هذا حالة الضغط التي وصلنا إليها.

أحمد منصور: أنت ذكرت لي أمس أو في الحلقة السابقة شيء مؤلم لما وضعوا كاميرات سرية في البيت، أنت فضلت أد إيه لا تعلم إنه بيتك فيه كاميرات؟

عبد الفتاح مورو: لم أعلم إلا لما حصلت المصيبة، إحنا عندما اعتدوا على البيت في مغيبنا كنا نتوقع أنهم سيضعون شيئاً في البيت ربما مخدرات ربما يسرقون أوراق.

أحمد منصور: لكن لم يخطر ببالك أنهم سيضعون كاميرات في الغرف؟

عبد الفتاح مورو: لم أتصور ولا.

أحمد منصور: حتى غرف النوم.

عبد الفتاح مورو: أبداً، أبداً هذا لا أتصوره ولم يرد في ذهني أبداً، بحيث وهذه القضية حتى في الأفلام البوليسية لم نسمع عنها لم..

أحمد منصور: يعني في أدنى الأخلاقيات لم تحدث يعني أن توضع كاميرات للمعارضين أو في داخل غرف نومهم.

عبد الفتاح مورو: لا لم تحصل لم تحصل أبداً يعني هذا شكل من الدناءة لم أسمع بشيء يماثله أبداً وهذا يعني أعلم أن يتنصتون عنك في مكالماتك الهاتفية، ممكن يفتحون مراسلاتك، يتابعونك في أدق دقائق حركاتك لكن أن نصل إلى هذا المستوى الدنيء؟ هذا لم يفعل من قبل بحيث هذا النظام استعمل كل الطرق وهذا حنقاً على الإسلاميين، حنقاً علينا نحن لتجريدنا من حقنا في أن نكون بشراً كبقية الناس لأن الذي لأن الذي يعتدي عليه في هذا المقام يعتبر في الطريق العام كأنه مجرد من لباسه.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: ما هو الموقف الذي لن تنساه لمن وقفوا بجوارك في هذه المرحلة العصيبة؟

عبد الفتاح مورو: والله أفراد أسرة زوجتي لأنه ليس لي أسرة شخصية ليس لي أخوة وإنما أفراد أسرة زوجتي هم الذين وقفوا معي وقفة من الأول للآخر ولم يمنوا علي بعد ذلك أبداً، فأنا أعتبر أن الفضل لله تعالى ثم لهؤلاء الناس الذين رعوني ورعوا مصالحي في مغيب زوجتي، الأمر الثاني أني وجدت عناية واستعداداً خاصاً من القضاة أنفسهم حتى الذين كانوا يزيفون.

أحمد منصور: القضاة؟

عبد الفتاح مورو: القضاة لم تقطع علي كلمة مرافعة أبداً وكنت أصرح المهن وأجرئهم في هذه القضايا بالذات.

أحمد منصور: إيه القضايا اللي كنت تقوم بها طول العشرين سنة دي؟

عبد الفتاح مورو: كل قضايا الإسلاميين من فئات مختلفة لأنهم تناولوا حركة النهضة بعد أن.

أحمد منصور: آه هم فقط لم يسمحوا لك إلا في قضية حركة النهضة إنك ما تترافع فيها.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: لكن كل قضايا الإسلاميين السياسية الأخرى كنت تترافع فيها.

عبد الفتاح مورو: ترافعت فيها.

أحمد منصور: طلبة المدارس والجامعات وكل هذه الأشياء.

عبد الفتاح مورو: كلها ترافعت فيها وقضايا حزب التحرير وقضايا جماعة التبليغ، الجماعات المختلفة التي كانت تصادر حقوقها في التحرك لكونها إسلامية حتى التي لم تكن من النهضة.

أحمد منصور: لأن طبعاً بنظام بن علي لم يكن له عمل إلا قضايا سياسية يومية ملفقة ضد كل فئات المجتمع وكل من يصلي.

عبد الفتاح مورو: ثم بعد ذلك قضايا السلفيين، يعني هذه القضايا أنا حضرتها كلها ورفعت فيها كلها بما في ذلك قضية سليمان الذين استعملوا السلاح ضد السلطة وأذكر أني كنت الوحيد الذي يضطر القضاة للاستماع إليهم ورفعت على يساريين قيادات يسارية.

أحمد منصور: يعني تعتبر كنت أنت يعني المحامي الأول للسياسيين في تونس.

عبد الفتاح مورو: لأ أنا أحد الذين كانوا يباشرون هذا حتى لا أعتدي على حق غيري، يعني الترتيب ليس لي، لكن في محامين من فئات مختلفة فئات فكرية مختلفة كان هناك يساريون وكان هناك متطوعون الذين يقومون بالترافع على هؤلاء.

أحمد منصور: كنت بتكسب قضايا؟

عبد الفتاح مورو: أكسبها في المرافعة جُلها، أكسبها في المرافعة يقيناً لأنك عندما تستطيع أن تبلغ المحكمة كل النقاط التي ترغب في إبلاغها وتحرج المحكمة بمرافعتك تكون قد كسبت القضية.

أحمد منصور: إيه القضية اللي مش ستنساها في كل القضايا دي؟

عبد الفتاح مورو: قضية أحد إخواننا المناضلين السياسيين الذي تولى بعد ذلك وزارة بعد التغيير وقد هببنا نحن المحامين جميعاً لنصرته لأنه تجرأ على بن علي ونسبه.

أحمد منصور: لأ ما هو قلنا مين قضية مين؟

عبد الفتاح مورو: الأستاذ عبو الأستاذ عبو.

أحمد منصور: عبو.

عبد الفتاح مورو: عبو، هذا الذي بعد الثورة أصبح وزير الإصلاح الإداري وهو الآن رئيس حزب.

أحمد منصور: أي حزب؟

عبد الفتاح مورو: لا أذكر الاسم، لكن أحد الأحزاب التي انشقت عن حزب المؤتمر لأنه كان منتمياً أول إلى المؤتمر ثم كون حزباً خاصاً به، هذا الرجل كانت له الجرأة في أن يتناول بن علي وعلاقته مع الكيان الصهيوني ومع شارون ويذيع ذلك في الفيسبوك ولم يخشَ وكان يمضي باسمه.

أحمد منصور: سنة كم ده؟

عبد الفتاح مورو: هذه تصور في سنة ٨.

أحمد منصور: ٢٠٠٨؟

عبد الفتاح مورو: نعم، ٨.

أحمد منصور: ٨ في وقت متأخر يعني.

عبد الفتاح مورو: أي متأخر نعم، 8 أو 9 يعني قريباً من.

أحمد منصور: من الثورة.

عبد الفتاح مورو: من الثورة، وهذا الرجل نكلوا به تنكيلاً شديداً وأحالوه على التحقيق وأوقفوه وأهانوه، لما أحيلت للمحاكمة على المحكمة الابتدائية في تونس كلفوا برئاستها قاضياً قذراً، هذا الرجل تميز بأنه ينفذ تعليمات السلطة ويتباهى بذلك بالإضافة إلى وساخة اليد المعلنة، وكان معروفاً في القضايا التي تتعلق بالحق العام أن زبائننا من حرفانا يأتوننا ليكلفونا بالدفاع عن أبنائهم فيأتيك أبوه أو عمه أو خاله ليلة الجلسة والقضية معدة للفصل ويقول لك القضية ستؤخر غداً، تقول له لأ القضية جاهزة واتفقنا مع المحكمة على أنه..، يقول لأ ستؤخر، ليش؟ قال لي أنا مطلوب مني أن أدفع بقية المبلغ.

أحمد منصور: للقاضي؟

عبد الفتاح مورو: إيه، باقي ١٥٠٠ دينار.

أحمد منصور: مبالغ تافهة.

عبد الفتاح مورو: لا لأنه دفع من قبل ذلك، هذا في قضية مخدرات وكذا يطالب عشرة آلاف و5 آلاف دينار ٧٠٠٠ دينار ١٢٠٠٠ دينار فيأتيني ويقول لي وابني كان ابني معي في المكتب في بعض الأحيان يأتيه الناس لأنهم يتحاشون مخاطبتي فيقول لي والله قضية فلان ستؤخر يا والدي، أقول له ليش يا ابني؟ تؤخر ليش؟ هذه جاهزة نترافع فيها بكرة، يقول لي لا مطلوب منهم بقي ١٧٠٠، ايش ١٧٠٠ ايش؟ يقول لي مطلوب منه أن يدفعها، فهذا القاضي هو الذي كلف برئاسة قضية.

أحمد منصور: وكانت رائحته فائحة إلى هذا الحد.

عبد الفتاح مورو: إلى هذا الحد وكان يتباهى بذلك.

أحمد منصور: كان فيه أمثاله في الموجودين أيضاً؟

عبد الفتاح مورو: لكن مش في هذا المستوى، هذا مستوى توب، هذا.

أحمد منصور: ولا زال موجود في القضاء هذا.

عبد الفتاح مورو: لا هذا هرب، هذا أنزله المحامون يوم الثورة لأنه هو يوم السبت وتم  التغيير يوم الجمعة فر بن علي، يوم السبت دخلنا قاعة الجلسة فإذا به دخل الجلسة قال فتحت الجلسة، انبرى له المحامون في زميلنا جليل أستاذ دقدوق الذي انبرى، قال له أنت تسوي ايش؟ ايش تسوي هنا؟ يا كذا يا كذا بالسب، بالسب الصريح فاضطر أن يلملم أوراقه وأن يخرج، حاول أن يرجع يوم الاثنين لما وجد أن الأمر لا مجال فيه للرجوع اضمحل ويبدو أنه خرج من البلد أو هرب أو كذا، لم نجد له أثراً.

أحمد منصور: ما تقول لنا اسمه عشان.

عبد الفتاح مورو: هذا اسمه محرز.

أحمد منصور: محرز إيه بالكامل؟

عبد الفتاح مورو: هو مشتهر عنا بمحرز بوقة يبدو أنه عند في الجامعة كان يشرب نوع من المشروبات الغازية نسميها البوقة، فكان كثير الشرب فيسمونه محرز بوقة ومشتهر بهذا الاسم، جميلة البوقة عندما تأتينا لتونس ستشرب منه إن شاء الله، تزيل عنك الكدر وأن تذكرك بأهل الضجر.

أحمد منصور: طيب.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: مين ثاني غير بوقة.

عبد الفتاح مورو: شفت فهذه القضية كاد أن يمنع كل المحامين من أن يتموا مرافعاتهم، كان المحامي يشرح عنده ترتيب في المرافعة فإذا به يدخل عليه بعد ثلاث دقائق أربع دقائق أطلت خفف، خفف زيد انقص ليش كذا، يضيع عليه الخيط ويقطع عليه الكلمة، بقيت أنا والأستاذ أحمد نجيب الشابي حفظه الله، هذا رجل عظيم فوقف الأستاذ أحمد نجيب الشابي ورفع مرافعة قوية أتمها ثم رفعت أنا مرافعة الختام وأتممتها وكان في هاتين المرافعتين الوقع الكبير على الحضور، كان الناس كان النسوة يزغردن أنها هذه الحقائق عندما تقول تقال للقضاة يعني.

أحمد منصور: هل تذكر شيئا من المرافعة؟

عبد الفتاح مورو: لا أذكر يعني بالتورية والإشعار وفي بعض الأحيان بالتصريح فكنت أبرر ما نقله منوبي عن بن علي، فقلت له سيدي الرئيس أن منوبي ناقل كيف يأخذ بنقل الكلام؟ إحنا القاعدة الشرعية تقول.

أحمد منصور: ناقل الكفر ليس بكافر.

عبد الفتاح مورو: ناقل الكفر ليس بكافر قلت له مثلاً سيدي الرئيس لو أنا نقلت أمامكم قوله صلى الله عليه وسلم "قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة" أأكون مؤاخذاً؟ لأني قلت قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة لأني أن أقول هذا النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لقاضي أن يتحرج وهو يستمع إلى هذا الوصف ويقول أنا معني به، هذا نقل لنص شرعي، أنا قلت له كلمة وقلت له ووصفته بعد ذلك يعني مثلاً هذا الشكل من الأشكال الذي يقلق هؤلاء القضاة وأنا أعجب من شخص يدرس أنا عندما دخلت القضاء دخلت في السبعينات في 1971 كنت أصف بعض القضاة بالضعف وأقول سيأتي شباب الجامعة التونسية الذين سيدرسون جاك روسو وفولتير ومبادئ القرن الثامن عشر والثورة الفرنسية ومونتسكيو والسلطات الثلاث وإذا بي أفاجئ بأن الذين كانوا يعذبون في وزارة الداخلية هم من الطلبة الذين درسوا معنا هذه المبادئ، الذين انحدروا إلى هذا المستوى، تخرجوا من الجامعة بنفس ما تخرجنا به من قيم، قيم إسلامية من جهة وقيم حضارية مردها الثورة الفرنسية، هؤلاء جزء منهم كان يعذب في الداخلية وجزء منهم أصبح قاضياً وأصبحت أقول يا ساعة من ساعات أولئك الذين عاشرناهم من الذين تخرجوا من الزيتونة لأنني أنا عندما دخلت في 1971 كان جلهم من خريجي الزيتونة، أذكر أن هؤلاء الذين لا يحسنون إلا لغة واحدة للتخاطب اللغة العربية، بعضهم يطلب مني قبل الجلسة يقول لي بكرة ندخل الجلسة الساعة ٩ رجاءاً أن تأتي على وضوء لنصلي ركعتين قبل دخول الجلسة لأنه في قضية محرجة نتصدى لها بعد الصلاة ركعتين والدعاء حتى يفتح الله علينا، هكذا كان القضاة الذين عاشرتهم في أوائل السبعينات، خريجو الزيتونة الذين كانوا يوصمون بأنهم لا يعرفون شيئاً من الحياة لأنهم لا يحسنون إلا لغة واحدة، يأتيني بعد ذلك شاب وأنا لا أعمم يأتيني بعد ذلك شاب متعلم يتكلم الفرنسية والعربية ودرس مبادئ الثورة الفرنسية والقيم العظيمة لهذه الثورة والحرية والعدالة والمساواة فإذا به يصبح إما معذباً سجاناً وإما قاضياً منحرفاً وعندما تسأله يقول لك والله هذه الظروف، الظروف كيف نعيش؟ كيف تعيش؟ كيف تعيش؟ تعيش على حساب حريتي؟ تعيش على حساب كياني وجودي؟ الذين ظلموا والذين ماتوا بالسجون والذين لم يلحقوا بحقوقهم وهذا الطابور الطويل الذي وقف بعد الثورة ينتظر أن يمد بحقوقه التي أعتدي عليه فيها، هؤلاء من سيواسيهم؟

أحمد منصور: في موقف مخجل لأحد لن تنساه له؟

عبد الفتاح مورو: أن يكون قد أخجلني أنا؟ لأ لكن موقف.

أحمد منصور: أخجل نفسه.

عبد الفتاح مورو: إيه في مواقف مخجلة متعددة لن أستحضر بعضها لأني أتناسى ذلك وفي الأخير أنساه، والحمد لله أنا عشت في تمام الهناء والراحة لأنه أنا مصاب بثقب في القلب تتسرب منه كل صور الاعتداء التي تعرضت إليها ولذلك لم أثبت على واقعة واحدة بقيت في قلبي، أنام بالليل ليست هناك واقعة باقية، الهاشمي الزمّال قضى علي بخمس سنوات سجن، عندما رجعت إلى تونس وأنا متجه إلى المحكمة وجدته أمام الوزارة فتوجهت إليه لأسلم عليه فمسكين بوغت كان يتصور أن أسبه وأشتمه، فأنا مددت يدي إليه وسلمت عليه وقلت له يا سي الهاشمي أنا صار لي ثلاثة سنوات ما اجتمعت بك، هذه ساعة مباركة أن أراك، والحمد لله ورحت بحيث الذين خجلوا معي لا أريد أن أذكرهم ولا أذكر وقائعهم لأن ذلك لا يزيدني شيئاً وإنما أقول هم يعلمون أنه لم يبقى شيء في الحياة غير الفعل الطيب ونحن نقول إنما المرء حديث بعده فكن حديثاً طيباً أيها الفتى.

أحمد منصور: كيف استطاع بن علي أن يجمع حوله أراذل الناس ويحكم بهم هذه البلاد ما يقرب من ربع قرن؟

عبد الفتاح مورو: عن طريق أصول ثلاث؛ تخويفهم من الإسلاميين هو يقول هؤلاء أصحاب مشروع ظلامي، هؤلاء أصحاب مشروع رجعي، سيقضون على تقدم تونس، الثاني الترغيب عن طريق دفع إتاوات وأموال، والترهيب للذين يتأخرون في الاستجابة إليه فبفضحهم وبالاعتداء على حياتهم الخاصة وجعلهم أضحوكة بين الناس.

أحمد منصور: كان يستخدم هؤلاء ليدافعوا عنه ثم يتخلص منهم بطريقة مذلة مثل محمد مواعدة مثلاً.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: محمد مواعدة كان يدافع علناً عن هذا النظام ثم سجنه بن علي أو حكم عليه بالسجن أحد عشر عاماً.

عبد الفتاح مورو: سجنه في قضيتين تقريباً وثلاثة قضايا، يعني سوى له قضية عملة ومش عارف إيش تزييف عملة جاؤوا بها ودخلوا إلى بيته ليفتشوا وبعضهم تسلل إلى الطابق الأعلى والذي تسلل للطابق الأعلى وضع أوراقاً دولارات هناك ثم نادي زملائه لقد وجدنا وكذا، والرجل تحت وقالوا وجدنا دولارات مدلسة، لكن هؤلاء تفطنوا بعد فوات الوقت تفطنوا أدركوا أنهم أخطئوا، ومحمد مواعدة ما بعد الثورة قال في التلفزيون التونسي قال أنا أخطأت لكن بعد ماذا؟ بعد أن ضاعت حقوق غيرك؟ واعتدي عليهم لأنه كان محمد مواعدة لم يشهد شهادة إيجابية في هذه السلطة الظالمة، ما كانت لتستقوي على الإسلاميين وغير الإسلاميين وفي تصوري أن ليصيب المعارضات في بلداننا نحن بلدان العالم الثالث أن كل واحد منا يريد أن يكسب على حساب غيره ويتصورون أن المآل مآل واحد للجميع، أكلت يوم أكل الثور الأبيض وأن الذي يبدأ بزيد سينتهي بعمرو وأنك إذا سمحت لنفسك أن تتواطأ على غيرك فسيأتي الزمن الذي يتم التواطؤ فيها عليك، خطأ المعارضات دائماً وأبداً أنها تعتبر هذه مناسبة للكسب ومن يعتبر ذلك مناسبة للكسب؟ المعارضات التي ليس لها ولأطروحاتها سبيل إلى قلوب شعبها والتي تيأس من قلوب الشعوب هذه تريد أن تدخل الحياة العامة عن طريق ممالئة الظالم ومعاونته.

أحمد منصور: كثير من السياسيين يرتكبون أخطاء فادحة في حق شعوبهم ثم يقول أنا أخطأت، هل يكفي أن يقول أنا أخطأت لكي يُغفر له ما أجرم به في حق شعبه وفي حق الناس؟

عبد الفتاح مورو: أبداً إحنا القاعدة الشرعية أن المعاصي والذنوب نوعان؛ معاصٍ تتعلق بعلاقته بالله تعالى وهذه تكفي بها التوبة والتوبة النصوحة ومن شروطها الندم وعدم العود لكن بالنسبة لحقوق الناس هذه لا يكفي فيها الندم وعدم العود والتصريح بأنك أخطأت، يجب أن تجبر الضرر الذي تسببت فيه، من اعتديت على ماله أو على عرضه يجب أن تستحله، وكان من المفروض أن هؤلاء الناس..

أحمد منصور: هو ليس لم يعتدِ على عرض شخص، هو أعان ظالماً على ملايين الناس.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: فأنّا له أن يقول أنا أخطأت والناس تقول له غفرنا لك.

عبد الفتاح مورو: والله إحنا سمعنا في بلاد أخرى تمت محاسبة الظلمة وجنوب أفريقيا مثال لذلك، وكان يؤتى بهذا الذي عذب وهذا الذي اغتصب وهذا الذي اعتدى وهذا الذي سرق وكان مسنداً من سلطة الأبرتهايد وكانوا يأتون أمام ضحاياهم ليعترفوا بالتلفزيون أنهم أخطئوا ويذلون أمام ضحاياهم ويطلبوا منهم العفو، ويا ليتنا حصل ذلك عندنا في بلدنا، لأنه أن يكونوا قد أخطئوا في حقي أو في حق غيري والذي أخطئوا في حقهم من إخواني أكثر مما أخطئوا فيه في حقي في الحقيقة لأن أولئك أصابهم ما أصابهم من أضرار يصعب.

أحمد منصور: الأمر أكثر بؤساً من هذا، الأمر أن هؤلاء رجعوا إلى السلطة مرة أخرى بل ربما لم يخرجوا منها.

عبد الفتاح مورو: شوف إحنا حرصنا بعد الثورة ألا نطالب أحداً، هذا حرصت حركة النهضة على هذا، لم نرد أن نطالب أحداً.

أحمد منصور: لم ترد أن تطالب أحداً أنت تشجع الظلم والظالمين والمظالم على أن تبقى وأن تستمر على الأقل أن يُعزل هذا من منصبه وأن يعيش ذليلاً باقي حياته يعني هذا أقل ما يجب أن يتم.

عبد الفتاح مورو: يعني طلب التعويض الذاتي وطلب..

أحمد منصور: هو حق المجتمع ليس حقك أنت الآن.

عبد الفتاح مورو: لكن نحن اشترطنا أن لا يرى هؤلاء بمواقع القرار مجدداً.

أحمد منصور: كثيرون منهم لا زالوا في مواقع القرار وأنت تعرف ذلك.

عبد الفتاح مورو: هذا جزء من الذين اعتدوا علي وعذبوني يعترضونني بالطريق العام.

أحمد منصور: يعترضونك؟

عبد الفتاح مورو: لا يعني أسلم عليهم ويسلمون علي يعني لم يصبهم شيء يعني هم في وضع حسن.

هيمنة ليلى الطرابلسي على السلطة

أحمد منصور: بن علي تزوج من ليلى الطرابلسي في العام 1992 بدأ نفوذها ونفوذ عائلتها يترسخ في أركان تونس وأصبح الحكم لليلى بن علي أو ليلى الطرابلسي وعائلتها، كيف تابعت هذه المهازل؟

عبد الفتاح مورو: هذه كان مسلسل مهازل ومسلسل فضائح يومي، بدأ شيئاً فشيئاً.

أحمد منصور: كنتم تتابعونه داخل المجتمع وتعلمون بتفاصيله؟

عبد الفتاح مورو: أيوة هذا كان حديث المجالس جميعاً، كل الناس يتحدثون، فلان راح إلى المكان الفلاني افتك كذا افتك المقهى افتك بيع لمجة لمجة لمجة.

أحمد منصور: لمجة يعني إيه؟

عبد الفتاح مورو: دقلة يعني هذا ساندويش، يبيع ساندويشات.

أحمد منصور: يأخذ منه المحل؟

عبد الفتاح مورو: يفك له المحل يفتك منه المحل أو يرتب عليه إتاوة، شوف أستاذ أنا عندما رجعت في 1986 رجعت من منفاي في السعودية.

أحمد منصور: 1988..

عبد الفتاح مورو: 1988 عندما رجعت رحت في مرافعة في مدينة سوسة فزملائي هناك احتفوا بي وسووا يعني حفل استقبال بسيط في مقر هيئة المحامين وكنا نتجاذب الحديث نضحك ونذكر ذكرياتنا، فكان بعضهم يقول الكلب، وبعضه يقول له الكلب، قلت له ايش تقول له الكلب؟ قالوا بن علي، بن علي في السلطة وقتها وهو من مدينة حمام سوسة يعني في معقله أنا كنت، فقلت له ليش تقولون كذا؟ ليش تذمون الرجل؟ قال يا فلان أنت لا تعرفه نحن نعرفه، ايش تعرفوا عنه؟ قال هذا عندما كان مدير أمن كان يرجع إلى مدينة سوسة ليلتحق بأهله في حمام سوسة كل يوم سبت يقضي على عادة كل الموظفين يقضي آخر الأسبوع مع أهله فكان يتخير مكان دكان منعزل فيه بائع غلال يجلس عنده ويشرب الشاي ربما كذا أو مش عارف ايش لكن كان يحمل معه كنشاً صغيراً كراس صغير عليه أسماء، فكان بجلوسه يأتي الساعة ٢ ويغادر الساعة ٦ يوم السبت مساءاً، تأتي امرأة تعطيه ظرفاً، يأتي رجل يعطيه ظرفاً، يأتي شاب يعطيه ظرفاً، وهو يسجل.

أحمد منصور: هو مدير أمن.

عبد الفتاح مورو: أي ايش تبين؟ تبين أنه يفرض إتاوات.

أحمد منصور: على الناس في سوسة.

عبد الفتاح مورو: على أصحاب المقاهي، أصحاب المطاعم، أصحاب النزل، حتى على أولئك النسوة وكان يوظف على جميعهم مبلغاً مالياً  يحدد عن كل أسبوع.

أحمد منصور: هذا مستنقع قذارة.

عبد الفتاح مورو: هذا أنا أشهد بالله ولله به هذا ما سمعته بأذني، هذا عندما قيل لي.

أحمد منصور: ده يبقى رئيس دولة ويحكمكم ربع قرن؟

عبد الفتاح مورو: يعني أنا لم أستطع أن أتحمل في الحقيقة وهذا الأسلوب تمادى بعد قدوم هؤلاء الناس ولكن بشكل أكبر وأفظع لأنه أصبح فيه افتكاك مشاريع يعني في ناس كانوا يتقدمون إلى البنوك للمطالبة بقروض لبعث مشروع اقتصادي مصنع أو كذا فيطلب منهم دراسة لجدوى المشروع، فيوظف مهندسين وفنيين لإعداد جدوى بعث المشروع وهذا يتكلف منه يكلفه مالاً وقتاً، سنة كاملة، ويقدم الملف وينتظر، بعد ستة أشهر يتبين له أن المشروع بعث بتلك الدراسة التي قدمها وأنفق عليها لأن صاحبنا شقيقها فلان أو شقيقها فلان توجه إلى ذلك البنك وأخذ تلك الدراسة وعوضاً عن أن يتحصل صاحب الدراسة على القرض يقيم صاحبنا ذلك المشروع وبقرض.

أحمد منصور: كامل.

عبد الفتاح مورو: كامل ولا يرد، قرض غير مدعوم بسند ملك يمكن البنك من استرجاع ماله عند الطلب لأن البنوك لا تعطيك مالاً بالطلب فقط، تعطيك مالاً بضمان والضمان هذا يكون من ملكك أن تقدم عقد رهن على ملكك فكانوا يأخذون هذه القروض بدون رهون ويجدون المشاريع مدروسة ولا يستطيع أحد أن يتكلم يا أستاذ.

أحمد منصور: كأنما هؤلاء قرأوا على شيطان واحد في مصر في تونس في أماكن أخرى نفس العمل يجري على بنفس النظام بنفس الشيء.

عبد الفتاح مورو: أنت تصور إنه فيه أكثر من شيطان في الدنيا، فيه شيطان واحد، البقية هم مساعدوه لكن الذي يملي هو الشيطان الأكبر واحد فقط هو الذي يملي على الجميع.

أحمد منصور: الطريقة واحدة الوسيلة واحدة الأسلوب واحد، يعني كل شيء كأنما يعني كتاب يقرأ.

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي نعم.

أحمد منصور: في شخصيات وقفت لبن علي في خلال فترة حكمه وتحملوا بخلاف الإسلاميين ودفعوا ثمن في هذا الموضوع وأنت عاصرت هذا نيكولا بو كتب عن راضية النصراوي.

عبد الفتاح مورو: هذه امرأة مناضلة، وهذه لم تتوقف في مصادمة الظلم والاستبداد ومقاومة التعذيب بشكل خاص، وهذه كانت تقف إلى جانب زملائها المحامين في كل قضايا الرأي وكانت تدافع وببسالة وقوة وشجاعة وأنا أحييها.

أحمد منصور: تحولت تونس إلى دولة بوليسية بكل أشكال الدولة البوليسية، أبدأ معك الحلقة القادمة بوصف دقيق للدولة البوليسية التي أقامها بن علي إلى انهار نظامه في يناير ٢٠١١، شكراً جزيلاً لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.