لم تدم فترة الوفاق أو التعايش طويلا بين الإسلاميين ونظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي بعد انقلابه على نظام سلفه الحبيب بورقيبة في أبريل/ نيسان 1987، فقد وقع الصدام بين الطرفين عقب الانتخابات التي جرت في أبريل /نيسان 1989 وشاركت فيها حركة النهضة.

فعقب ظهور النتائج التي قيل إنها كانت مزورة لصالح النظام، أعلنت النهضة سحب ثقتها من نظام بن علي بحجة أنها اكتشفت عدم جديته وتلاعبه بمشاعر الشعب التونسي وبالإسلاميين، كما يكشف عبد الفتاح مورو -أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية- في شاهدته الرابعة عشرة لبرنامج "شاهد على العصر".

الإسلاميون أدركوا -بحسب مورو- أن معركتهم مع بن علي ليست سياسية أو مسألة مظهر خارجي، وإنما هي معركة "حضارية وفكرية"، وأن جهاز الدولة سيسخر لأنه يفرض على التونسيين توجها جديدا في وطنهم، وهي القضية التي لم يجرأ عليها حتى نظام بورقيبة.

وكان تعيين محمد الشرفي وزيرا للتربية والتعليم، وهو من عرف بوزير تجفيف المنابع، قد أثار غضب نشطاء حركة النهضة خاصة بعد أن جاء بما أسماها إصلاحات قال مورو إنها توجهت إلى "قصقصة" الكيان الإسلامي في التربية التونسية.

ولذلك عرض نشطاء النهضة على مورو كتابة بيان لبن علي من أجل إقالة الشرفي، وهو ما حدث رغم امتعاض ضيف "شاهد على العصر" من الفكرة لمعرفته بطريقة تفكير الرئيس التونسي في تلك الفترة.

وفعلا كتب مورو البيان للرئيس نزولا عند رغبة الحركة، لكن الوزير بقي في منصبه لسنتين إضافيتين لأن بن علي رفض الطلب، رغم أنه كان يهيئ -كما يؤكد مورو- لإقالة الرجل من منصبه وزيرا للتربية والتعليم.

مغادرة البلاد
ومع تزايد الضغوط والملاحقات التي شنها نظام بن علي في تلك الفترة على الإسلاميين، غادر راشد الغنوشي تونس عام 1989، لكن مورو رفض مغادرة البلاد في آخر لحظة، بحجة "أن خروجي لن يساعد على تغيير شيء"، وأنه كان "رمزا للتصدي لواقع سيئ".

وبحسب ضيف "شاهد على العصر"، فإن تحامل نظام بن علي على النهضة كان بمعية بعض اليسار وبعض العلمانيين، أو من أسماها الفئة المأجورة التي كانت تسعى للقضاء على الإسلاميين وتجفيف منابعهم.

وقد واجه الإسلاميون في عهد بن علي -يضيف مورو- معاناة أكبر من تلك التي عانوها في عهد بورقيبة، حيث التعذيب في السجون والإهانات وغيرها من الممارسات التي يقول إنها كانت تستهدف الكرامة الإنسانية.

غزو الكويت
وفي ظل التطورات التي كانت تعيشها النهضة على صعيد الداخل التونسي، كانت لها مواقف إزاء القضايا العربية، ومنها غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الكويت عام 1991، وهو الحادث الذي يقول مورو إن الحركة أيدته لكنه عارضه من منطلق أن هناك شرعية دولية ينبغي احترامها.

موقف مورو المعارض لغزو الكويت من طرف صدام، وكان يعارضه أيضا القيادي في الحركة حمادي الجبالي، كان سببا في زيارة وزيرين كويتيين -أحدهما وزير الأوقاف الكويتي- مورو في أحد فنادق تونس، لكن بن علي أرسل رجاله الذين حالوا دون إتمام اللقاء الذي ضم أيضا السفير الكويتي في تونس.

وقد دفعت تلك التصرفات الكويت إلى الاحتجاج لدى السلطات التونسية. كما أن النهضة غيرت موقفها لاحقا من مسألة غزو الكويت، مثلما يؤكد ضيف "شاهد على العصر" في شهادته.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: عارضت غزو العراق للكويت بخلاف النهضة ج14

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 28/6/2015

المحاور:      

-   المستيري زعيم أساسي للمعارضة

-   بن علي زور الانتخابات

-   رسالة قاسية لحركة النهضة

-   مشروعية بالتزييف والتركيع

-   ملاحقات ضد النهضة

-   موجة اعتقالات كبيرة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: كيف تابعت مجريات الانتخابات التي أجريت في الثاني من إبريل عام ١٩٨٩ ودخلت فيها النهضة كمنافس رئيسي للحزب الحاكم ولنظام بن علي؟

عبد الفتاح مورو: أنا وعديد من أمثالي دخلنا بعدم الثقة في نتائجها مسبقاً والخوف من التزوير والإشفاق على واقع الحركة بعدها، هذا نهاج إنسان كان يتناوبان على العديد من قيادات الحركة.

أحمد منصور: كنتم تشعرون أنها فخ للحركة وأن الدخول فيها بهذه الطريقة منزلق؟

عبد الفتاح مورو: لم نكن نقدر حق قدره ما سيترتب عنها بعد ذلك، أن تكون فخاً بالشكل الذي هيأه بن علي هذا لم يكن واضحاً لدينا.

أحمد منصور: كان لديكم إن بن علي فعلاً لديه العقلية ليعد هذا الفخ الكبير لكم بعد ذلك؟

عبد الفتاح مورو: لا، لم نكن متفطنين لهذا.

المستيري زعيم أساسي للمعارضة

أحمد منصور: يوم الاقتراع قرر أحمد المستيري زعيم الحزب المعارض الرئيسي أن يسحب مراقبي عملية التصويت التابعين له من مكاتب الاقتراع، وقال الرجل قولته المشهورة "لقد حاولت وفشلت".

عبد الفتاح مورو: نعم وهذا الذي أدى به إلى مغادرة الحياة السياسية بشكل نهائي، نحن كانت علاقتنا بالأستاذ أحمد المستيري علاقة تقدير واحترام وكنا نعتبره رأساً أساسياً للمعارضة ويمكن أن يكون مرشحاً معارضاً لرئاسة الدولة بعد بورقيبة وهذا عرضناه عليه في بيته وبورقيبة في آخر أيامه، رحت له أنا والأستاذ راشد إلى بيته اللي هو بيت صهره الوزير شنيق اسمه محمد شنيق في رادس وتقابلنا معه في غرفة تطل على حديقة وكان الحديث متجهاً إلى كونه سيكون مرشحنا نحن في المعارضة بشتى فصائلها ليكون هو خليفة الرئيس حبيب بورقيبة وفي حياة بورقيبة.

أحمد منصور: هذه معلومة للمرة الأولى حتى هو لم يفصح لي بها حينما سجلت معه.

عبد الفتاح مورو: لأنه هو كأنه ارتعي منها، رآها لا تأخذ بعين الاعتبار واقع المرحلة، لكن الأستاذ راشد يشهد بذلك وهو كان كنا سوياً.

أحمد منصور: موضوع واقع المرحلة هذا موضوع مهم جداً لأن كل أخطاء الإسلاميين وأخطاء المعارضات في الدول العربية كلها أخطاء لم يكن فيها مراعاة لا لطبيعة المرحلة ولا للظرف المحلي أو الظرف الدولي، ما هي الظروف التي ينبغي أن تدرس في حال اتخاذ خطوات جوهرية مثل المشاركة في الانتخابات، مثل الدخول في انتخابات رئاسية أو غيرها؟

عبد الفتاح مورو: يعني الفرق بين العمل السياسي وأستاذ يدرس العلوم السياسية في الجامعة هو أخذ الواقع بعين الاعتبار، نحن لم ندرك ولم نفهم أن السياسية هي فن الممكن وعلينا أن ننظر إلى واقعنا لنتبين ما هو ممكن؟ إيش ممكن في هذه المرحلة؟ وما هي المرحلة التي تأتي بعدها؟ كلنا في تصورنا أن طلباتنا يجب أن تقدم كما هي وفي حدها الأقصى، إحنا طلباتنا أن نصبح طرفاً سياسياً معترفاً به عنده صحافة وعنده ربما وسائل إعلام خاصة به وجمعيات، هذا في الوضع الذي كنا نعيشه وفي الوضع الدكتاتوري الذي يعيشه سائر بلاد العرب ليس ممكناً لأن هذا في الحقيقة هو افتك السلطة، وإحنا لم نكن ندرك هذا المعنى والإسلاميون بشكل خاص ينطلقون من كونهم على حق وما دمت على حق يجب أن أطلب حقي وكلمة حق عند سلطان جائر نوظفها في غير مكانها، تنتهي بنا إلى عدم أخذ الواقع بعين الاعتبار يعني إلى تهور، مع أن كلمة الحق عند سلطان جائر توضع في مكانها وأن النشاط السياسي يقتضي منا أن نقدر الأمر حق قدره، تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم التي نستشفها في السيرة النبوية تعبر عن فهم دقيق لواقعه وكان في كل موقعة يأخذ بعين الاعتبار ما هو متاح وما هو غير متاح، وصلح الحديبية دليل على ذلك، لم يكن متاحاً في تلك الفترة أن يفتك الرسول صلى الله عليه وسلم كل شيء وصحابته جزء منهم أبدوا امتعاضهم وكان عمر يقول ألسنا على الحق يا رسول الله قال: "بلى"لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمضى ذلك الصلح واعتبر فتحاً ونزل في شأنه قرآن يثمنه على كونه فتحاً لأنه هو الذي انتهى في الحقيقة إلى الفتح المنشود، بينما الصدام الذي كان يرغب فيه الصحابة ما كان ليفضي إلى ذلك، أما الهدنة..

أحمد منصور: إنما رد عليه.

عبد الفتاح مورو: الهدنة كانت أفضل من الصدام ونتيجة الهدنة التي نعتبرها في بعض الأحيان خذلاناً وتخاذلاً انتهت إلى انتشار الإسلام في تلك الفترة، لأن الفسحة انتهت إلى قلوب أولئك الذين يتخوفون من التغييرات العنيفة بأن يقبلوا بالإسلام، إحنا في واقعنا السياسي نحتاج أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع وأن نتدرج معه وأن تكون..

أحمد منصور: أنت تقر بقصور السياسة لدى الإسلاميين؟

عبد الفتاح مورو: أقر بذلك، ليش؟ ليش؟ لم ندخل مدارس سياسية ونتعلم السياسة.

أحمد منصور: السياسة لا تتعلم في المدارس، تتعلم بالممارسة.

عبد الفتاح مورو: السياسة تتعلم في المدارس وتتعلم في الواقع، أما الذي يدخل ميدان الواقع وهو يعتقد أنه صاحب الحق المطلق وأن على الناس أن يتبعوه هو دخل بغير منطق السياسة، هذا منطق الإرغام، هذا منطق تدجين الناس، لا ينبغي أن أدخل إلا وأنا أتصور كما قال الله تعالى لنبيه "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين".

أحمد منصور: النتائج كانت كالتالي؛ القوائم المدعومة من حركة النهضة حصلت على ١٣٪ من الأصوات، وبلغت ٣٠ إلى ٣٥٪ في الضواحي الشعبية في مدينة تونس وأظهر.. رغم أن الإسلاميين أظهروا قدرتهم على الحشد والتعبئة إلا أن الثمن كان باهظاً والنظام كما ذكرت كثير من التقارير قام بتزوير واسع للانتخابات، ورغم التزوير حصلت النهضة على ١٨٪.

عبد الفتاح مورو: لأنه كان فيه تشوف وهذا الذي غرنا، يعني كان بعد ذهاب بورقيبة الناس أحسوا بفراغ سياسي في البلد، كلهم لم يكن على ثقة من هذا الجنرال الذي جاء وأخذ الحكم لأنه ليس له ماض ويتصور أن حركة النهضة هي أقدر منه على أن تُسير شؤون البلد رغم كوننا لم ندخل ببرنامج مفصل، يعني.

أحمد منصور: ولم يكن لديكم قدرة حقيقة على أن تحكموا؟

عبد الفتاح مورو: يقيناً، يقيناً، هذا نقر به.

أحمد منصور: الحكم قصة أخرى.

عبد الفتاح مورو: آه من الحكم، آه من الحكم عندما يصبح هاجساً لأناس لم يتعودوا على فهم مقتضياته، كل فن تستطيع أن تصبح سيداً فيه إذا فهمت قواعده وأصوله وترتيباته ومداخله ومخارجه.

أحمد منصور: ودُربت عليه.

عبد الفتاح مورو: ودُربت عليه، أما الذي يأتي بمال كثير يتحول إلى فنان أو إلى مش عارف إيش إلى طبيب، معتمداً بذلك على ماله أو على سطوته على الناس أو على شهرته لن يفلح في تحقيق ذلك، في مهارات تكتسب، هذا مقام الإحسان الذي عطلنا نحن المسلمين عطلناه، هو أن نتقن الأشياء، الميدان السياسي نحن نحتاج أن نتقنه أن نأخذ من تجارب الناس، أن ندخل أحزاب الناس لنتعلم منهم، ما الذي يمنعنا من ذلك؟

بن علي زور الانتخابات

أحمد منصور: ماذا قررتم بعد إظهار هذه النتائج التي رأيتم أنها نتائج مزورة ولا تعكس الواقع الحقيقي لكم وأن بن علي الذي وثقتم به وأملتم عليه وظننتم به خيراً قد قام بالفعل بتزوير الانتخابات كما كان يفعل من قبل؟

عبد الفتاح مورو: قررنا سحب الثقة منه وأعلم ذلك الأستاذ راشد، سحبنا الثقة هي تتالت مجموعة من الأحداث على رأسها هذه النتيجة السيئة للانتخابات وتبين لنا أن ليس هناك جدية وأن هناك لعباً بمشاعر الشعب ولعباً بحركة النهضة.

أحمد منصور: تمثل خطأ الإسلاميين والمعارضة بعد ذلك في عدم تهيئة قواعدهم لاحتمال تزييف الانتخابات وتعبئتها للاحتجاج بأقوى أساليب الشارع في الاحتجاج بدل الاكتفاء بمجرد اعتراض كلامي على ما سماه البعض تلطفاً تجاوزات، وتجرأ الإسلاميون على ذكر وصفه الفاحش بالتزييف" راشد الغنوشي.

عبد الفتاح مورو: إيه لكن الأستاذ راشد أعلن سحب ثقته من بن علي عندما بدرت مجموعة من التصرفات انتهت جميعاً إلى أنه لم يعد إمكانية ولا مصداقية لنا إذا قلنا هذا الرجل ينبغي أن نمالئه أو نصبر عليه.

أحمد منصور: النهضة أصدرت بيان غاضب ضد تزوير الانتخابات، تم استدعاء راشد الغنوشي لوزارة الداخلية ووجهت تهديدات قاسية له.

عبد الفتاح مورو: صحيح.

رسالة قاسية لحركة النهضة

أحمد منصور: بن علي وجه رسالة قاسية لحركة النهضة حينما عين عدوها اللدود محمد الشرفي وزيرا للتربية والتعليم والذي عرف بوزير تجفيف الينابيع.

عبد الفتاح مورو: نعم هذه كانت مرحلة مريرة وأنا عشتها لأن هذا الرجل عندما جاء للوزارة خاطبني شخصياً وكان أستاذي في كلية الحقوق درسني القانون الجنائي، فخاطبني شخصياً لأ خاطبني مرة بواسطة وهو وزير وطلب مني أن ألتقي معه في مكان سري لا يراه أحد وكان يخشى على نفسه، فرحت في سيارة ونزلت من سيارة وهو وزير وكذا وركبت في سيارة، حصيلة والتقيت معه في محل.

أحمد منصور: سنة كم تفتكر؟ وأنت تحت الحصار؟

عبد الفتاح مورو: وأنا تحت الحصار.

أحمد منصور: يعني بعد 1991؟ بعد المحاكمات؟

عبد الفتاح مورو: لا في 1990 يعني على مشارف تكليفه بالوزارة يعني قبل أن يكلف بقليل كان يستمزج رأيي فأنا تهربت من متابعة الشرطة ورحت له وتحدثت معه بكامل الصراحة قلت له: إحنا إذا كانت أنت أخذت الوزارة إحنا لن نحرجك لكن في قضايا يجب أن نتفق عليها أنت تأخذ بتلابيب التربية في تونس وهذا ميدان أهم ميدان تكوين عقول التونسيين ويكون عنا اتفاق في ذلك، لما كُلف في الوزارة أذن بتعيين مجلس استشاري، فكنت ضمن الذين دعوا لهذا المجلس الاستشاري وانعقد في وزارة التربية.

أحمد منصور: كعضو معها؟

عبد الفتاح مورو: إيه أنا دعيت كعضو دائم لكن تبين أني عضو ليوم واحد لأنه لما سمعوا خطابي ومقالتي أعرضوا صفحاً عن انتدابي ولذلك كانت تجربة يوم واحد، رحت هناك وتحدثت عن وجهة نظرنا ليه وجهة نظري وجهة نظر حركتي في قضية التربية وجابهني بعض أساتذتي من الذين درسوني بأطروحات مخالفة وكنت مصراً لكن بعقلانية تبين أنها هذه المجموعة ليست قادرة على أن تتأقلم مع الوضع الجديد، ولذلك حاول أن ينتدب الأستاذ أحميدة النيفر في مكتبه باعتباره إسلامياً تقدمياً لممالأته على توجهه يبدو أنه لم يحصل ذلك لكن الطامة الكبرى هي مجموعة ما سماه إصلاحات توجهت إلى قصقصة الكيان الإسلامي في التربية التونسية يعني في..

أحمد منصور: بعض أعضاء الحركة الإسلامية القدامى راحوا وعملوا معه؟ ممن انشقوا عن الحركة في العام 1978- 1979؟

عبد الفتاح مورو: لأ الأستاذ أحميدة النيفر طلب ليكون في ديوانه.

أحمد منصور: آه أحميدة النيفر نعم.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: وأحميدة النيفر كان قائد المجموعة نعم.

عبد الفتاح مورو: إيه.

أحمد منصور: أنا التبس علي اسمه مع شخص آخر.

عبد الفتاح مورو: نعم لكن الثابت هو أن هذه الإجراءات التي قام بها تنم عن عداء سافر للكيان الإسلامي والتوجه الإسلامي وعندها أدركنا بأن معركتنا ليست مع بن علي كمعركة سياسية وكمظهر خارجي، إن بن علي هو في الحقيقة غطاء لمعركة أكبر هي معركة حضارية، معركة فكرية.

أحمد منصور: تتعلق بالهوية؟

عبد الفتاح مورو: وأن الجهاز جهاز الدولة سيسخر لئن يفرض علينا توجهاً جديداً في وطننا وهي القضية التي لم يستطعها بورقيبة ولم يجرؤ عليها في عهد بورقيبة كانت هناك.

أحمد منصور: يعني بن علي جرؤ في أشياء فيما يتعلق بالهوية والدين لم يستطع بورقيبة أن يجرؤ عليها؟

عبد الفتاح مورو: لأن الذين أحاطوا به وجلهم من هذا اليسار المأجور أقنعوه بأن هذا التيار الديني التيار الإسلامي إذا بقيت تحاذيه في خياراته الدينية فأنت ستبقى رهينة وجوده، لا بد من القضاء عليه بتجفيف منابعه.

مشروعية بالتزييف والتركيع

أحمد منصور: هكذا أصبح حامد القروي هذا الرجل الشاحب الوجه المدير السابق للحزب الذي بقي في المنصب إلى سنة 1999 وزيراً أول لهذا النظام الاستبدادي" نيكولا بو "في صديقنا بن علي"، وطبعاً هنا بورقيبة أطاح بكل من ساعدوه في انقلابه والأهم من كل ذلك أن بورقيبة حصل على شرعية الشعب انتخابات 1999 و99.99 التي ظلت تلازمه قصدي بن علي، بن علي حصل على مشروعية الشعب في انتخابات 99.99 الآن الانتخابات البرلمانية كان معها انتخابات رئاسية أعطتهم مشروعية وغطت على انقلابه.

عبد الفتاح مورو: إيه هو يعتقد أنه أصبح يحصل على المشروعية، هو يعرف كيف حصل عليها، يعرف أنه حصل عليها بالتزييف بالتركيع بشراء الذمم بتطويع الناس بإحاطتهم بالاعتداء على ممتلكاتهم على حياتهم الخاصة وهذا الأسلوب استعمله على كل الناس، لكن لا يستطيع أحد أن يتكلم لأنه جعل من جميعهم عيناً على جميعهم، أصبح الناس يتسابقون ليعلموا عن بعضهم وتحول نظامنا إلى نظام بوليسي وطني يعني الوطن هو الذي يتقمص شخصية البوليس ليقضي على كيان الوطن.

أحمد منصور: الشيخ راشد يقول: "خطأ الإسلاميين أنهم واجهوا في الوقت الخطأ كما سالموا في الوقت الخطأ." يعني نادراً ما يعترف الإسلاميين بأخطائهم، أنتم تعترفوا بأخطائكم لكن تكرروها ثاني.

عبد الفتاح مورو: على كلٍ هذا الاعتراف مرحلة، مرحلة إيجابية.

أحمد منصور: ما معنى أن تعترف بالخطأ ثم تكرره مرة أخرى؟ ما معنى أن القواعد تجبرك في كل مرة أن تتخذ قرارات أنت كقائد أو زعيم ما ينبغي أن تتخذها أو تقوم بها؟

عبد الفتاح مورو: الذي يلدغ من جحر واحد مرتين أنت تعرف من هو.

أحمد منصور: العلمانيون انساقوا مع بن علي إلا رجل واحد انسحب بشرف محافظاً على مبادئه هو أحمد المستيري، متى أدركتم نهاية التعايش بينكم وبين بن علي؟

عبد الفتاح مورو: هذه قضية الشرفي وما نجم عنها هو الذي أشعرنا بأن لا رجعة وأنه لا يمكن أن نتعامل مع الرجل، تعرف أنه في تلك الفترة عرض علي أن أمضي بياناً يوجه إلى بن علي لمطالبته بالتخلي عن وزيره، وزير التربية.

أحمد منصور: عن وزير التربية.

عبد الفتاح مورو: وأنا مانعت، امتنعت.

أحمد منصور: مين اللي طلب منك؟

عبد الفتاح مورو: الحركة، أنا كنت الناطق الرسمي باسمها والممثل الشرعي لها، أنا أمينها العام وأنا الذي أمضي البيانات، طُلب مني أن أمضي بياناً.

أحمد منصور: الشيخ راشد كان موجود ولا خرج؟

عبد الفتاح مورو: لا لم يكن موجوداً، أنا امتنعت، ليش امتنعت؟ قلت هذا البيان سيثبت الوزير، لأن ردة فعل الدكتاتور إذا طلبت منه شيئاً أن يرد بعكسه.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: وهذا فهمي وفعلاً هذا الذي حصل، قلت لهم أنتم ستثبتونه لمدة سنتين أو سنتين ونصف، وحصل.

أحمد منصور: طلعوا هم البيان؟

عبد الفتاح مورو: طلع، لا قلت لهم إذا أمضيت هذا البيان لأني أنا ملتزم، أنا قلت لك ألتزم بقرارات الحركة قلت إذا أمضيت سيكون آخر بيان أمضيه، لن أمضي مستقبلاً يعني سأستقيل من مكاني، وفعلاً أمضيت وكان آخر بيان أمضيته.

أحمد منصور: يعني أجبروك على أنك توقع؟

عبد الفتاح مورو: أجبروني على الإمضاء لأنهم لم يتفهم.

أحمد منصور: وأنت التزمت بهذا.

عبد الفتاح مورو: وأنا التزمت.

أحمد منصور: رغم إنك أمين عام للحركة.

عبد الفتاح مورو: لكن أشعرتهم بأن هذا البيان سيثبت الوزير وبقي سنتين بعد البيان وأنا قلت هذا الكلام، قلت لهم سيبقى سنتين بعدها، بقي سنتين نكاية فينا والذي بلغني بعد ذلك أن ابن علي كان يهيئ لي إبعاده، لما جاء هذا البيان تمسك به حتى لا يظهر في موضع ضعف يستجيب لحركة النهضة.

أحمد منصور: الشيخ راشد طلب الإذن بالسفر؟ سافر في ١٢ مايو ١٩٨٩، كان الإذن في ظاهره أنه يذهب إلى الحج وزيارة بعض الأقطار، سمح له بن علي بهذا ومنحه جواز سفر.

عبد الفتاح مورو: جواز سفر لمدة سنة يبدو.

أحمد منصور: لكن الشيخ راشد لم يرجع إلا بعد ثورة الياسمين في 2011..

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أنت حبسك بن علي جوا وسمح لراشد الغنوشي أن يخرج برا.

عبد الفتاح مورو: نعم أنا أن الحركة سمحت لي بأن أغادر لأنه في فترة المتابعة للقيادات قد شعرنا بأننا جميعاً سنؤخذ رتبت الحركة لتسفير القيادات وتهريبهم عن طريق الجزائر، عن طريق حدود الجزائر، أنا كان معي في مكتبي الأستاذ الزمزمي محمد الهادي الزمزمي فعرض علي.

أحمد منصور: مين محمد الهادي الزمزمي؟

عبد الفتاح مورو: هذا من قيادات الحركة والآن هو موجود في ألمانيا، فعرض علي كما عرض عليه أن يصطحب كل واحد منا أسرته ونهيئ لنا في ليلة محددة السفر عبر الحدود والهروب عبر الحدود تأخذنا السيارة من مكان إلى مكان إلى أن نصل الحدود على رجلينا وعلى..

أحمد منصور: وهذا أمر ميسور حتى مزالي هرب منه.

عبد الفتاح مورو: ونفس الطريق اللي سار فيه مزالي، فوافقت، أنجز في الليلة الحاضرة أنجز سفر الأستاذ محمد الهادي الزمزمي.

أحمد منصور: سافر؟

عبد الفتاح مورو: وأشعروني صباحاً بأنه وصل إلى.

أحمد منصور: الجزائر.

عبد الفتاح مورو: الجزائر، وأن علي أن أتهيأ في الساعات القادمة لأخرج ليلاً أنا وزوجتي وأبنائي، فامتنعت، ليش؟ قلت لهم أنا مستعد لتحمل كل المصائب لا أغادر وطني ولا أغادر الواقع التونسي ولذلك أنا بقيت الوحيد في قيادة الحركة الذي لم يغادر.

أحمد منصور: هذا على خلاف إنك المرة الأولى قررت المغادرة في لحظات ولم تبلغ أحداً.

عبد الفتاح مورو: لأنها الواقع.

أحمد منصور: الوضع أسوأ مليون مرة من المرة الأولى ومع ذلك أنت قررت أن تبقى.

عبد الفتاح مورو: لأن خروجي لن يساعد على تغيير شيء في تصوري.

أحمد منصور: على الأقل حريتك، والحرية أنت تعلم أنت بقيت مكبلاً ثلاثة وعشرين عاماً، الاسم أنك لست في السجن ولكنك في أكثر من السجن.

عبد الفتاح مورو: لكن كنت رمزاً لتصدٍ لواقع سيء ولذلك كنت أعيش وأتحرك مصحوباً بالأمن في بعض الأحيان يمنعونني من الخروج، كنت أنتقل إلى داخل البلد في مرافعات أفتعلها.

أحمد منصور: أنا هاجي لدي بالتفصيل فترة الحياة معك لأني مش عايز أستبق، أنا الآن خرج راشد الغنوشي بشهر مايو سنة 1989 وبقيت أنت المسؤول الأمين العام وأنت المسؤول عن الحركة، بعد سفر راشد الغنوشي انتم كان في ترتيبكم في الحركة أنه سافر ولن يعد؟ ولا سافر وسيعود؟

عبد الفتاح مورو: هذا أفضى به لقلة من الناس من بينهم شخصي، أفضى لم يفضِ الجميع، ولذلك كان سراً متكتماً عليه، لم نرد أن نربك الحركة حتى لا يشعر الشباب بأن يعني زعيم الحركة لم يرجع.

أحمد منصور: وكان إيه الهدف من خروج الشيخ راشد في ذلك الوقت؟

عبد الفتاح مورو: إدارة دفة الحركة عند الصدام النهائي، إدارتها من الخارج.

أحمد منصور: معنى ذلك أنكم أدركتم بعد الانتخابات مباشرة أنه خرج بعد الانتخابات بشهر.

عبد الفتاح مورو: إيه.

أحمد منصور: أدركتم أن الصدام مع بن علي قادم لا محالة.

عبد الفتاح مورو: واضح واضح تماماً في معالمه جاهزة ننظرها.

ملاحقات ضد النهضة

أحمد منصور: بدأت الملاحقات ضد النهضة في كل مكان، بدأت مواجهات في الجامعات حتى أن يعني بن علي أغلق الطريق بشكل كامل أمام الحركة في كل شيء، في ٧ نوفمبر 1989 في خطابه الذي ألقاه ٧ نوفمبر 1989 أعلن صراحة منع قيام أي حزب على أساس ديني، أغلق أمامكم الباب.

عبد الفتاح مورو: هو هذا قبل ٧ نوفمبر 1989، كان وجهت إلي دعوة من زعيم الديمقراطيين الاشتراكيين الأستاذ.

أحمد منصور: المستيري؟

عبد الفتاح مورو: موعدة.

أحمد منصور: موعدة، موعدة.

عبد الفتاح مورو: لأنه المستيري غادر.

أحمد منصور: صح.

عبد الفتاح مورو: بقي الأستاذ موعدة هو الذي يسير الحركة، وهذا كان يخاطبني بين الفينة والأخرى وينك؟ وين الأخوة؟ وينك؟ وين الأخوة؟ فقررنا أن نجتمع وقررنا أن يكون هذا الاجتماع بعد ٧ نوفمبر 1989 يعني ربما ٩ أو ١٠ نوفمبر، راح هو في اجتماع تمهيدي للاحتفال في ٧ نوفمبر تم برئاسة بن علي يوم ٦ نوفمبر فخرج من الاجتماع مذعوراً وخاطبني في بيتي وكنت متغيباً فأشعر زوجتي بأن الاجتماع الذي قررناه بعد يومين قد ألغي وسأتصل بكم، ليش؟ لأن الخطاب خطاب بن علي لأول مرة يقول ما فيش إسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين وهذا كلام نقله عن جماعة اليسار الذين تواطئوا معه في تلك الفترة، قال ما فيش إسلام متطرف وإسلام ما فيش، كلهم فئة واحدة، فئة تفكير واحدة وأساليب واحدة يتغير مظهرها، تتغير حدتها، بعضهم لسانه لطيف وبعضهم لسانه خشن، لكن الفكر الديني هو نفسه، ينبغي أن يقاوم ولذلك لا سبيل إلى الاعتراف بحركة دينية أبداً، وهذا هو عين التفكير الذي كان يحمله هؤلاء الذين تواطئوا معه من يساريين علمانيين لا علاقة له بالواقع وأنا لا أعني كل اليساريين ولا أعني كل العلمانيين، لكن هذه الفئة المأجورة التي اندفعت لبن علي هي التي زينت له وقدمت له هذا التحليل لأنه هو عاجز عن أن ينتهي إلى مثل هذا التحليل.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أوقفت جريدة الفجر الناطقة باسم النهضة في ديسمبر 1990 ألغيت رخصة الإتحاد التونسي للطلبة في مارس 1991، عمت المظاهرات أنحاء البلاد في حرب الخليج الأولى 1991، أنت هنا اتخذت موقف مخالف لموقف الحركة.

عبد الفتاح مورو: نعم، موقف الحركة كان سبباً لنفر الناس منها.

أحمد منصور: الحركة أيدت صدام حسين وأيدت.

عبد الفتاح مورو: ما يعني مش عارف ليش لكن الحركة على لسان الأستاذ راشد كانت مع اجتياح الكويت، وهذا ساءني هذا الموقف لأنه هذا ليس معقولاً أبداً، في شرعية في شرعية دولية ينبغي أن نحترمها، مش تحت وطأة الثورية نسمح لكل مجنون بأن ينتهك حرمة البلد اللي على جنبه، ولذلك أنا اتخذت موقفاً مخالفاً تماماً ولم أستشر فيه أحداً وساعدني في ذلك الأستاذ حمادي الجبالي الذي اتخذ موقفاً في نفس الاتجاه.

أحمد منصور: لكن اتهموك أنك موالي للسعودية وأنك أنت رجل السعودية في حركة النهضة.

عبد الفتاح مورو: معلش يتهموني، إذا كان عندهم دليل على ذلك فليتفضلوا، المواقف في هذه القضايا المحورية لا يمكن أن يتوقف فيها أو يخاف على توظيفها لصالح زيد أو لصالح عمر، أو إن تعتبر مطية الاتهام، هذا موقف مبدأي والموقف المبدئي هذا جاء وفد من الكويت إثره لمقابلتي وتثمينه كان فيه وزيران أحدهما وزير الأوقاف، وقدم إلى فندق من فنادق تونس كانت تمتلكه شركة كويتية، وحذرهم السفير بأن أعين الأمن علينا بأنني أنا متابع.

أحمد منصور: جاؤوا بعد تحرير الكويت ولا؟

عبد الفتاح مورو: لا لا لا قبل قبل في.

أحمد منصور: آه خلال فترة الاحتلال.

عبد الفتاح مورو: خلال الفترة هذه، يعني هذه الهجمة على الكويت الأولى كانت.

أحمد منصور: أغسطس 1990.

عبد الفتاح مورو: نعم فأنا التقيت بهذا الوفد، في هذا الفندق ودخلنا وإحنا عارفين بأن..

أحمد منصور: التصوير في الأوتيل.

عبد الفتاح مورو: الشرطة معنا والشرطة شرطة معنا ولذلك صعدنا إلى طابق ٧ ونزلنا لأن يتابعون من تحت رقم ٧ وأخذنا المصعد الثاني ورحنا ل٩ أو ٨ كأنه مش عارف إيه، إحنا دخلنا كنت أنا وصهري صغير السن أخو زوجتي كان يصحبني ويقود السيارة وكان أمامنا المقاعد الثلاثة المخصصة للوزيرين والسفير، يا دوبك إحنا جلسنا ويفتح علينا الباب من الخارج ويدخل أشخاص بقدر عددنا، هؤلاء الذين لا تعرف طولهم من عرضهم، لا تعرف يعني تعرف طولهم وعرضهم برؤوسهم، كانت رؤوسهم على العرض مش على الطول، رؤوسهم كبيرة، بدون كلام ولا سلام كانوا يلبسون أحسن لباس، منتهى الشياكة، كل تلبس بواحد منا وقف وراءه والذي فعله هو أن يرفع الكرسي ليفرض عليه الوقوف، خمسة حيال خمسة، إحنا يا دوبك نسلم قبل أن نضغط على زر الترموس لنشرب الشاي، وفتحوا الباب ودون كلام بالأعين، لقيت الباب مفتوحا خرجت خرج صهري معي وخرج بقية الجماعة وزيران وسفير واصطحبوني إلى المصعد نزولاً إلى باب السيارة ورحنا، احتجت الكويت بعد ذلك على هذه الواقعة الدنيئة في اعتداء على كرامة وفد رسمي وشخصيات رسمية كان المفروض أن يجنبوا هذا الشكل من أشكال التعامل السيئ ويبدو أن العلاقات بقيت معلقة مدة سنة أو سنة ونصف بسبب هذه الواقعة الدنيئة، لكن حركة النهضة بعد ذلك شعرت بخطئها وحولت موقفها إلى مساندة الشرعية.

أحمد منصور: ألقي القبض على الآلاف من النهضة، عُقدت محاكمات جديدة، دخلت حركة النهضة في محنتها الثالثة، جاءت محنة 1991 بعد 1987 وبعد 1981 قبلها، نيكولا بو في كتابه صديقنا بن علي ينقل الشيخ الراشد خرج برا وتصريحات بدأت تصريحات ضد بن علي، في نهاية 1989 قال "إن الرئيس بن علي لا يبحث إلا عن صورة زائفة للديمقراطية، فالسلطة تواصل معاملتنا عبر جهازها البوليسي كما في عهد بورقيبة."

عبد الفتاح مورو: لا مش صحيح، أشد من عهد بورقيبة لأن الجهاز البوليسي في عهد بورقيبة كان في شيء من أشكال الرحمة لا أقول معاملة إنسانية لكن كان في معقول، لكن في عهد بن علي أصبح جهازاً مجرداً من العواطف الإنسانية والشعور الإنساني والكرامة الإنسانية أصلاً، يعني الاعتداءات تطورت تحولت إلى انتقام، إلى إرادة اجتثاث الكيان، يعني الناس عندما كانوا يدخلون السجون في عهد بورقيبة يعتبرونها فسحة ونهاية المرحلة، في عهد بن علي أصبح الدخول للسجن مجلبة لمزيد من التعذيب، يعذبون كل يوم بالسجون، يجردون من ثيابهم، يؤمرون؛ يأتي لهؤلاء الشباب المصلي كذا يجردونهم من ثيابهم وأمام بقية المساجين المجرمين من الحق العام، يكونوا عرياناً بقول له كيف تسوي البطة؟ فيفرض عليه أن ينزل ويجلس ويقع على رجليه ويتحرك كالبطة، يقول له كيف تقول البطة؟ لازم يقول واق واق واق، يجب أن يقول هكذا، إهانة إحنا في فترة بورقيبة كنا محترمين وكان بقية مساجين الحق العام الذين يسميه مساجين الحق العام كانوا يقدروننا يحترموننا ولم يعتدَ على كرامتنا أمام واحد منهم، هؤلاء تنتزع منك كرامتك، تمنع أن تصلي ثم بعد ذلك لما سمحوا لهم بالصلاة صلاة فرادى، فإذا وقفت أنت تصلي وشوهد من يصلي على بعد متر أو نصف متر منك تؤخذ أنت وإياه إلى الزنزانة ويجرد من ثيابه ويعتدي على كرامته ويعتدي على مواقع خاصة في جسده، إذاً تحول قضية ما عدش ما عدش ما عدش قضية بوليس وتُعامل معاملة جديدة، هذا إنسان لا مشاعر له جلاد وأحاط نفسه بجلادين مثله وكانوا يعتدون على الكرامة الإنسانية كما يتنفسون.

أحمد منصور: في مجلة اسمها أرابيز نشرت معك حوار في فبراير 1990 أجراه دومنيك لافار.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: "لقد أصبح الرئيس في قبضة اليساريين الذين يغذون أفكاراً مسبقة ضد الإسلاميين فاستحوذوا على السلطة وأحاطوا قصد تشكيل آراء الرئيس" ده نيكولا بو نشره عنك في صديقنا بن علي.

عبد الفتاح مورو: نعم هي المعضلة في تلك الفترة أن.

أحمد منصور: أنت كده كان عندك جرأة أن تتكلم وأنت منتقد رغم الوضع السيئ الذي كان يحيط بك؟

عبد الفتاح مورو: يعني أنا وجودي هنا لأصرح ولأقول وأعتبر أن هذا واجبي لكن في 1991 يا أستاذ، في 1991 وأنا كنت على قيادة الحركة كنا نجتمع أسبوعياً.

أحمد منصور: سراً؟

عبد الفتاح مورو: في بيتي.

أحمد منصور: رغم الأمن والحراسة؟

عبد الفتاح مورو: يعلمون ذلك.

أحمد منصور: كان مين اللي بيجي الاجتماع؟

عبد الفتاح مورو: كل القيادة، القيادة.

أحمد منصور: القادة السياسيين؟

عبد الفتاح مورو: التنفيذية، القيادة التنفيذية.

أحمد منصور: مين كان موجود ما خرج؟

عبد الفتاح مورو: يعني مثلاً فاضل البلدي، بن عيسى الدمني، فالح بن عبد الله، بقية..

أحمد منصور: رغم أن بن علي قال لا مجال لقيام حزب إسلامي واعتبرتم شبه ممنوعين..

عبد الفتاح مورو: إحنا نعتبر قيادة سياسية، كانوا يعاملوننا كقيادة سياسية، أنا فوجئت وأنا أمارس المحاماة في نفس الفترة أني في المحكمة كل ما أدخل في ناس يلحقونني يتبين أن أبناءهم مُسكوا وسيأتون بهم في ذلك اليوم.

أحمد منصور: من الحركة الإسلامية تقصد؟

عبد الفتاح مورو: من الحركة الإسلامية، فكان ناس يتهافتون علي.

أحمد منصور: وأنت كنت بتدافع عنهم؟

عبد الفتاح مورو: وأنا أدافع عنهم، هذا واجبي كان، متبرعاً واجبي فكنت في كل مرة أدخل إلى قاضي تحقيق، بعض الأحيان يكون عندي ٤، ٥ ممسوكين موزعين على قضاة تحقيق متعددين، فأحتاج أن أرتب هذا الأول هذا الثاني هذا الرابع إلى غير ذلك، شاهدت بأن هؤلاء يمسكون في مظاهرات ثم بدأت تتطور نوعية المظاهرات إلى مظاهرات بالمولوتوف.

أحمد منصور: ضد النظام.

عبد الفتاح مورو: والذي يمسك يؤتى به ومعه.

أحمد منصور: زجاجة.

عبد الفتاح مورو: زجاجة في المولوتوف فأنا أسأل اغتنم الفرصة من القاضي في بعض الأحيان والقضاة يتركونني أسأل، يعني يتغافل عني لأنه في شيء من التعاطف، فأقول له أنت من الحركة يقول لي من أي مكان يقول لي من مكان كذا، طيب مسكوك يقول لي نعم صحيح، فألجأ إلى القيادة التي أمثلها وأقول لها يا أخواني إحنا مش أعطينا تعليمات بعدم استعمال المولوتوف؟ يقول أعطينا، إذاً هذا شباب في المكان الفلاني استعمل المولوتوف وأعترف بأنه من الحركة، رحنا صاروا يقولوا لنا اجتهاد، يا أخي يتكرر الاجتهاد مرة أولى مرة ثانية مرة ثالثة إلى أن فوجئت بتفاقم الظاهرة، فطلبت من القيادة أن تجتمع فوراً وكل واحد معه مصحفه وأن يُقسموا جميعاً على أنهم لم يعطوا تعليمات في استعمال المولوتوف واستعمال العنف، فعلاً جئنا كلنا بمصاحفنا وأقسمنا على ذلك.

أحمد منصور: من الذي يعطي الأوامر إذاً؟

عبد الفتاح مورو: قبل أن أفهم ذلك، دعوت إلى إصدار بيان فوري.

أحمد منصور: باسم الحركة؟

عبد الفتاح مورو: باسم الحركة لا يمضي عليه رئيس المجلس وإنما الجميع حتى يكون ملزماً لجميعنا، فعلاً هذا الذي حصل، أمضينا ثم دعوت إحدى الجرائد النافذة لمجلة تصدر كل يوم خميس أو يوم جمعة حقائق، دعوت مديرها سي زهير قلت له أرجوك أن تأتيني في بيتي فجاء فوراً، قلت له رجاءاً أن تشاهد أننا كلنا أمضينا على هذا البيان الشاجب للعنف وأن تتفضل بنشره، قال لي والله أغلقنا الطبعة، يعني الآن نتهيأ لي سحب، قلت له أنت تطبع ستين ألف نسخة زائدة بسبب النهضة، تفتح اليوم وتضيف، مش ممكن، قلت له لا بد زيل عمود وأن تضيف هذا البيان، فعلاً اتصل بالمطبعة وخرج البيان، هذا البيان خرج يوم السبت، تأخرت الجريدة بسبب ذلك المجلة تأخرت عوض أن تصدر يوم الخميس صدرت يوم الجمعة أو يوم السبت، يوم الجمعة تقريباً صدرت، وفي.

أحمد منصور: تفتكر تاريخه؟

عبد الفتاح مورو: هذا كان مقارناً لواقعة باب سويقة.

أحمد منصور: باب سويقة.

عبد الفتاح مورو: لأنه هذا البيان عندما صدر يوم الجمعة نفاجئ إحنا بعد يوم أو يومين يوم السبت أو يوم الأحد عندما حصلت الواقعة بحصول هذه الواقعة.

أحمد منصور: طبعاً باب سويقة هو إنه في شباب من الحركة ورطوا في أنهم حرقوا مقر الحزب الاشتراكي الدستوري وكان في حارس أو اثنين جوا واحترقوا مع..

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: بدأت حركة اعتقالات واسعة.

عبد الفتاح مورو: لكن اسمح لي أستاذ، يعني أن أضيف لأن هذه الواقعة عندما أخذت يوم الأحد للجواب عن قضية باب سويقة، قلت لهم أنا حجتي معي نحن أصدرنا بيان جماعي يوم الجمعة قال لي هذا أعددتم به لتفصل مسؤولية عملية باب سويقة التي رتبتموها واستجلبتم.

أحمد منصور: أنت قبض عليك؟ ولا استدعيت للتحقيق؟

عبد الفتاح مورو: قبض علي أنا ومن معي.

موجة اعتقالات كبيرة

أحمد منصور: 23 ديسمبر 1991، موجة اعتقالات كبيرة في صفوف النهضة، كان علي العريض معتقل، أنت مع علي العريض اعتقلت؟

عبد الفتاح مورو: لا لا أنا اعتقلت مع فاضل البلدي وبن عيسى الدمني.

أحمد منصور: أنت سجنت سنتين في دي؟

عبد الفتاح مورو: لا لا لم أسجن.

أحمد منصور: لم تسجن.

عبد الفتاح مورو: بقينا في التحقيق ثم سابونا، واعتقالنا تم في الداخلية.

أحمد منصور: ماذا كان؟ ما هي نتيجة التحقيق معك إذاً؟

عبد الفتاح مورو: تبين أنه لا علاقة لنا ولا القيادة بهذه قضية باب سويقة أبداً، ما فيش وأنه كانت فيه اجتهادات أو تعليمات تأتي من جهة لم نحددها نحن.

أحمد منصور: ولم تعرفوها؟

عبد الفتاح مورو: لم نعرفها.

أحمد منصور: في ٢٣ ديسمبر حركة اعتقالات كبيرة وقعت في صفوف النهضة وبدأ يترتب لقضية كبيرة هنا، قدمت اعترافات تلفزيونية، استخدم حريق باب سوقية، باب سويقة وقع في مارس 1991، حرق المجمع الدستوري في باب سويقة اتهمت الحركة بأنها هي اللي دبرته.

عبد الفتاح مورو: هذا لم يثبت يا أستاذ، الشبان الذين قاموا بهذه القضية لم يثبت أنهم تلقوا تعليمات أو إذناً من الحركة لتقوم بهذا والدليل على ذلك أنه إحنا القيادة التي تمثل الحركة ولم يصدر منا شيء.

أحمد منصور: أنتم القيادة التي تمثل الحركة وغيركم يدير الواقع على الأرض.

عبد الفتاح مورو: هذا إذا ثبت فهو خطير لأنه هذا ازدواجية القيادة فيها عدم مصداقية وسخرية وفي الحقيقة نكوص عن واجب الوضوح الذي يجب أن تتحلى به كل حركة وخاصة الحركات الإسلامية.

أحمد منصور: بن علي طبعاً بعد موضوع باب سويقة في مارس 1991 أعلن في شهر مايو 1991 عن اكتشاف مؤامرة بإسقاط طائرته بواسطة صاروخ ستينغر جُلب من أفغانستان وتم اتهام حركة النهضة بالموضوع وفتحت السجون والمعتقلات على مصراعيها والمحاكمات في كل مكان.

عبد الفتاح مورو: هذه كانت مع قضية المنشية، هذه هذا إدعاء حتى الواقع لا يصدقه والعقل لا يصدقه ولم يثبت ذلك أبداً، ما فيش وقائع مادية تثبت هذه الواقعة المفتراة، هذا عبارة عن خيال ذهني.

أحمد منصور: والاعترافات التي كانت تقدم في التلفزيون والأشخاص الذين كانوا يسوقونهم؟

عبد الفتاح مورو: طيب أنا أعترف لك بأني قتلت جونسون ونيكسون وقتلت أيزنهاور، مستعد أن أعترف بذلك عندما أوضع للتعذيب ويصبح الإنسان فاقداً لعقله وذهنه يعترف كل شيء ولِم تحت التعذيب؟ هذا دليل على قساوة التعذيب والاعتداء الذي سُلط على الناس.

أحمد منصور: أعداد كبيرة قتلت تحت التعذيب.

عبد الفتاح مورو: نعم أعداد كبيرة، أنا نفسي أنا أنزلت أحدهم إلى القبر، أستاذ العريبي اللي هو شقيق كاتبي الذي يلازمني في مكتبي كلمني والده الخامسة فجراً أو الرابعة فجراً عم خُميس وهو بقيد الحياة اليوم وقال لي يا فلان أخوك توفى، إيش فيه؟ قال لي توفى بالداخلية، وقالوا لي بش ندفنه الساعة السابعة صباحاً، قلت له اشترط عليهم أن أكون أنا حاضراً لأنزله إلى قبره، فاشترط عليهم بعد تردد قبلوا على أن آتي وحدي ولا يأتي أحد من أسرته، لما اتصلت فيهم قلت لهم لا يمكن أن يدفن بدون حضور زوجته وأبنائه وأمه وأبيه لأنه سيخرجونه من المستشفى ويأخذونه رأساً إلى المقبرة، كيف؟ والأسرة فين؟ أنتم تشترطون أن لا تتم جنازة، الجنازة ستتم الساعة ٧ فجراً لكن لا بد من حضور زوجته وأبناءه وأبناؤه الصغار ووالدته فعلاً حضروا وأنا نزلت إلى القبر لتلقي الجثمان، الغريب أنه كان ملفوفاً في بطانية، في عادتنا إحنا عندما يأتي الميت نرفع عنه ذلك الغطاء الخارجي لنأخذه بكفنه فلما مسكت الجثة وأنزلتها على باب القبر وشلت الغطاء وجدته عرياناً تماماً بدون كفن، ايش فيك قلت له؟ قال لي نزل، قلت له كفن، قال لي نزل هذا كان الموجود، عندما أخذته أسندته رأسه على يدي مغطى بتلك البطانية عندما شلت يدي كان قميصي أبيض ملطخ بالدم، رقعة دم يبدو في قطر ٤ سم أو ٦ سم؛ ٦ سم تقريباً، فهذه لم يشاهدوها أحد، احتفظت بها ولما رحت للمحكمة كنت أبرزها للمحامين، قلت هذا الرجل مات مقتولاً، هذه آثار الدماء التي نزلت المخيخ من هنا، ففي المساء الساعة الخامسة أحمل إلى وزير العدل، يبدو الأستاذ الزواري، ونبه علي بتنبيه صارم يقول لي: لولا علاقة الزمالة التي تربطنا، لأنه هو محامي وأنا محامي، تكون تبات الليلة بالسجن، ولذلك أقلع عن هذا وأنا تركت هذا القميص تركته في بيتي وموجود في بيتي إلى اليوم، أتبارك به لأنه دم شهيد قتل وإلى اليوم هذا الشخص قدمت في شأنه قضية للتحقيق للمطالبة بالكشف عن ظروف قتله ولكن لم يتحرك التحقيق إلى اليوم مع أنه في شهادات من أنفار كانوا مسجونين معه من بينهم الأستاذ محمد الهادي الزمزمي الذي كان بنفس الزنزانة معه والذي ذكر أنه أخذ منهم وأنهم كانوا يستمعون إلى صياحه ثم بعد ذلك جاء أحد أعوان الشرطة وقال أعطوني كل أدباشه، فتساءلوا قال لهم يعني مات، أخذ أخذوه حياً وأردوه ميتاً تحت التعذيب.

أحمد منصور: هل أحصيتم عدد أعضاء النهضة الذين ماتوا تحت التعذيب في هذه القضية، قضية 1991؟

عبد الفتاح مورو: بعض الإخوة يقولون ٦٠ أنا ما عندي إحصاء صحيح، بعض الأخوة يقولون ٦٠.

أحمد منصور: تحت التعذيب؟

عبد الفتاح مورو: تحت التعذيب في كان طبيب إيطالي يعرف الأخوة اسمه متقدم في السن كان يُؤتى به دائماً وأبدأ إلى وزارة الداخلية حيث التعذيب وهو الذي يتظاهر بالكشف عن الجثث ويُسلم في كل جثة وثيقة طبية بأن الموت طبيعي، من بينهم أحد الأخوة الذي هشمت ضلوعه وهُشمت عظام رجليه ويديه، مات مهشماً تحت التعذيب، هذا جاؤوا بوثيقة تفيد أنه ألقى بنفسه من الطابق الرابع والشبابيك لا تفتح هناك، وتهشم لأنه ألقى بنفسه، حتى الكسور التي لوحظت على جسده لا يمكن أن تكون كسوراً من خلال سقوط كالذي ادعوه، عبثوا بحياة الناس وعبثوا بحقوق الناس وحقوق الأسر والعائلات وأسدل الستار واليوم أنت تنبش في قبر فاضٍ، نحن ننبش اليوم نريد أن يعاد التحقيق، نريد أن تظهر الحقيقة في هؤلاء الذين ماتوا تحت التعذيب ولم نجد سبيلاً إلى ذلك.

أحمد منصور: أكثر من ثلاثين ألفاً من حركة النهضة اعتقلوا وسجنوا وحوكموا في محكمة ١٩٩١.

عبد الفتاح مورو: وما وراءها.

أحمد منصور: وما وراءها، الحلقة القادمة آخذ معك ما حدث في هذه القضية وكيف أنك أنت أيضاً حُبست حراً أكثر من عشرين عاماً حتى جاءت الثورة، شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.