يرى عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية في شهادته السابعة لبرنامج "شاهد على العصر" أن محاكمة قادة حركة "الاتجاه الإسلامي" عام 1981 من طرف نظام الرئيس (الراحل) الحبيب بورقيبة كانت غطاء لتصفية الواقع السياسي للتيار الإسلامي في تلك الفترة.

ويقول إن الإسلاميين -الذين اعتقلوا في يوليو/تموز 1981 - كانوا ضحية "محاكمة سياسية" لأن التهم التي وجهت إليهم تتعلق بممارسة حقوق أساسية جاء الدستور لحمايتها، و"لكن القانون قيدها بقيود غير دستورية".

ووجهت لقادة التيار الإسلامي، وكان عددهم 107 بينهم ثلاث نساء وشيخ (80 عاما) وشاب تجاوز 18 سنة بأيام قليلة، ثلاث تهم قانونية هي: "الاعتداء على كرامة رئيس الجمهورية بسبه وشتمه"، و"الاحتفاظ بجمعية غير قانونية"، و"إشاعة أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو النظام العام"، وهي التهم التي بسببها حاكمهم نظام بورقيبة وأدخلهم السجن بأحكام مختلفة.

فقد حكم على مورو بعشر سنوات سجنا قضى منها ثلاث سنوات، بينما حكم على الشيخ راشد الغنوشي وصالح كركر بالسجن 11 سنة، وبقية المتهمين كانت أحكامهم مختلفة، في حين أفرج عن سبعة على رأسهم صلاح الدين الغرشي.

وحسب ضيف "شاهد على العصر"، كان حقد بورقيبة كبيرا على قادة "الاتجاه الإسلامي" ولذلك أمر بتلك الأحكام القاسية ضدهم، لكنه "أخطأ" بعدم تحويل قضيتهم إلى قضية حوار وطني -يضيف مورو- لأن تلك المحاكمة كانت بمثابة دعاية للإسلاميين، حيث تابعها التونسيون والصحافة العالمية التي كانت تنقل وقائعها يوميا.

يذكر أن تفاصيل اعتقال قادة حركة "الاتجاه الإسلامي" وردت في الحلقة السادسة من شهادته لبرنامج "شاهد على العصر".

وحسب مورو فإن ما خدم الإسلاميين في محاكمتهم هو أن  78 من جهابدة المحاماة في تونس تطوعوا للدفاع عن الإسلاميين، كما أن الأحكام التي صدرت بحقهم -يقول المتحدث- لقيت إدانات واسعة ورفضا من المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية التونسية المعارضة، وكذلك من الاتحاد العام للشغل.

وعن ظروف السجن (بنزرت) الذي حبس فيه نشطاء "الاتجاه الإسلامي"، يؤكد مورو أنها كانت سيئة، إذ وضع كل واحد منهم في زنزانة انفرادية، ثم جمعوا في غرف ضيقة تشاركهم فيها الجرذان التي كانت تمر على رؤوسهم وهم نيام. 

مورو يتحدث عن معاناة قادة "الاتجاه الإسلامي" (الجزيرة) video

ويعرج مورو في شهادته السابعة على الآثارالنفسية والاجتماعية التي لحقت به وبرفاقه في سجون بورقيبة، ويروي أنه شخصيا وبعد خروجه من السجن في سبتمبر/أيلول 1984 طلب استرجاع حقه في ممارسة مهنة المحاماة، وشاءت الصدف أن يختاره أحد الأشخاص موكلا للدفاع عن ابنه، ودفع لها مبلغا بقيمة 100 دينار تونسي، وهو المبلغ الذي يقول مورو إنه كان بالنسبة له يساوي مائة مليار لأنه لحظتها لم يكن في جيبه حتى مبلغ ركوب القطار الذي يقله إلى بيته.

بكاء القاضي 
من القصص التي ساقها مورو في شهادته، قصة القاضي عبد الرحمن بوغريدة الذي تولى محاكمة قادة حركة "الاتجاه الإسلامي"، فهذا الرجل قام بمهمته تحت ضغوط نظام بورقيبة الذي كان يوجه المحكمة وفق ما يراه هو وليس وفق ما يقتضيه القانون والعدالة.

وشاءت الصدف أن يلتقي مورو بعد خروجه من السجن عام 1984 بالقاضي، وكان زميله في المحاماة، فقال له "أعلم أن ما أصابني هو قضاء وقدر، ولكن كنت أتمنى ألا يمر القضاء والقدر بيدك". ودون أن يرفع عينيه إليه، رد القاضي على محدثه بالقول " كانت ظروف ظروف".  

واستطرد مورو قائلا له "هل تعلم أنني لم أنسك في كل سجدة وكل ركعة خلال تواجدي في السجن، وكنت أدعو بأن يغفر ويسمح الله لك". وأمام هذا الموقف انهمر القاضي في البكاء، ويقول مورو إنه لم يشاهد في حياته أحدا يبكي والدموع تنزل من عينيه أفقيا.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: عندما أبكى مورو القاضي الذي حاكم الإسلاميين ج7

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 26/4/2015

المحاور:

- تفاصيل اعتقال قادة حركة الاتجاه الإسلامي

- إصدار أحكام قاسية بحق المعتقلين

- حركة النهضة على الخريطة العالمية

- ظروف العيش داخل السجن

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: بعدما قُبض عليكم في 17 يوليو بقيتم 5 أسابيع في مقر وزارة الداخلية في التحقيقات إلى أن حُولتم للمحكمة في 26 أغسطس 1981 لكن بعد إلقاء القبض عليكم وُجهت لكم أبشع الاتهامات من قِبل مسؤول السُلطة مدير الحزب الحاكم المنجي الكعلي اتهمكم اتهامات بشعة وقال أن شعب تونس كله يقف ضدكم، أنتم تتخذون الدين مطية لأهدافكم، وزير الداخلية آنذاك إدريس قيقة عقد مؤتمراً صحفياً في وزارته في 30 يوليو 1981 تحدث عن التهم الموجهة لكم بدءاً من صناعة الاضطرابات في البلاد وحتى الاجتماعات السرية وعمليات العنف ولم يترك شيئا لم يُلصقه بكم، محمد مزالي في شهادته معي على العصر قال أنه كان يُعالج في لوزان في سويسرا حينما قُبض عليكم وأنه حينما عاد أبلغه بورقيبة أنه اتخذ هذا القرار لأن حركة الاتجاه الإسلامي كانت ستقضي على بورقيبة ونظامه، مزالي اعترف أيضاً أنه لم يكن شجاعاً في موقفه وأنه لاذ بالصمت ولم يرد على بورقيبة خوفاً من مؤامرات وسيلة عليه وغضب بورقيبة عليه، الآن فترة الأسابيع الخمسة كما ذكرت كانت فترة رهيبة في..، الآن ذهبتم للمُحاكمة.

عبد الفتاح مورو: نعم.

تفاصيل اعتقال قادة حركة الاتجاه الإسلامي

أحمد منصور: مما تكونت هيئة المحكمة؟

عبد الفتاح مورو: طيب أنا تسمح لي أنا تراكمت على الأحداث.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: بحيث في السياق أنسى بعضها والآن ذكرت شيء، قال:

تكاثرتْ الظباءُ على خراشِ              فما يدري خراشٌ ما يصيد

أحمد منصور: ما يصيد، نعم.

عبد الفتاح مورو: نسيت نقطة.

أحمد منصور: تفضل.

عبد الفتاح مورو: أنوه بها، عند تقديم طلب في 6 يونيو 1981 تكفّل الأستاذ راشد بتقديم هذا الملف لوزارة الداخلية لكنه جوبه برفض قبول الملف أصلاً.

أحمد منصور: آه من الداخلية رفضت؟

عبد الفتاح مورو: رفضت دخوله حتى الوزارة، فاضطر إلى الرجوع إلى مكتبي أنا تلافيت الأمر فقلته أعطيني الملف، أنا رايح.

أحمد منصور: هو طلب ترخيص رسمي؟

عبد الفتاح مورو: هو طلب الترخيص والوثائق المصاحبة كل الوثائق الشخصية والقانون الأساسي النظام الداخلي إلى غير ذلك، فأنا أخذت منه الملف وقلت له أنا سأتعهد بذلك، قال لي أنت تعرفهم؟ قلت له لا ما أعرفهم أنا رايح أستعمل طريقة المحامين، ففعلاً وصحبني وبقي على مقربةٍ من الوزارة يرقبني من بعيد أنا لم أستطع إمكانية للدخول فكان في أحد الحراس.

أحمد منصور: أمام الباب؟

عبد الفتاح مورو: أمام الباب، فتفرست في وجهه ملياً نظرت إليه فلفت ذلك نظره تعرفت على أنه من قرية من قرى البادية يعني ليس من أبناء العاصمة.

أحمد منصور: من شكله يعني؟

عبد الفتاح مورو: من شكله، فلما نظر إليّ وتساءل بعينيه قلت له الوالد فين ليش ما جانيش؟ قال لي: مين والدي؟ قلت له والدك، قال لي أنت تعرف والدي؟ قلت له نعم والدك كل ما يهبط من القرية يأتيني، فعوجل بهذا الكلام قال لي أنت تعرفه؟ قلت نعم، قال مين تقول له؟ قلت له قل له فلان، رجاءً يجيني له مدة ما جاش، قال لي فعلاً هو منشغل في أعمال الفلاحية وما جاش، قال لي أنت قادم ليش؟ قلت له أنا أرسلوا لي في ملف أرسلته للوزارة طلبوا مني تكملة الأوراق، آه قال لي وين رايح؟ قلت له مكتب الضبط، قال لي تفضل، أدخلني مكتب الضبط وجدت موظف هناك، السلام عليكم عليكم السلام تفضل، قلت له هذا الملف أنا كملته استكملت أوراقه تفضل، قال أي ملف؟ قلت له الملف هذا مطلب الحزب، لا قال لي الأوراق إحنا رفضنا قبوله، نعم قلت له؟ قلت له تخرجني من مكتبي جاي أكمل لك الأوراق تبين القضية واهية؟ فوقع بيني وبينه تلاسن برفع الصوت دون سبٍ ولا شي.

أحمد منصور: رفعت صوتك؟

عبد الفتاح مورو: رفعت صوتي.

أحمد منصور: وأنت قاصد؟

عبد الفتاح مورو: وأنا قاصد، فتفطن الديوان.

أحمد منصور: مين بقى اللي برفع صوته في وزارة الداخلية؟

عبد الفتاح مورو: فنادوني بالديوان المسؤول الأول في الوزارة نعم تفضل، قلت له سيدي قال لي هذا الملف أنا أذنت برفض قبوله.

أحمد منصور: لمين؟ للوزير.

عبد الفتاح مورو: للوزير.

أحمد منصور: لإدريس قيقة؟

عبد الفتاح مورو: نعم، قلته له شو معناه رفض قبوله؟

أحمد منصور: كان يعرفك وتعرفه إدريس قيقة؟

عبد الفتاح مورو: يسمع عني ويعرفني بالنقل وما فيش واحد ما يعرفني بوزارة الداخلية.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فقال لي قال لي أنا أذنت بهذا قلت له.

أحمد منصور: أنا رفضته؟

عبد الفتاح مورو: رفض المطلب أو رفض الملف في حد ذاته؟ قال لا رفض الأوراق، قلت له طيب، قلت له سيدي الوزير إحنا في أي دور الآن؟ قال إحنا الثالث أو الرابع مش عارف كم نسيت، قلت له إذا تتفضل تروح إلى مكتب مدير ديوانك، ليش؟ قلت له لأني سأنتحر من هنا سأرمي نفسي، ليش؟.

أحمد منصور: أنت داخل حِيل من أولها لآخرها.

عبد الفتاح مورو: قلت له لأني فشلت في رهاني.

أحمد منصور: ما رهانك؟

عبد الفتاح مورو: قلت له راهنت على العمل القانوني وبقيت سنوات وأنا أقنع الشباب وفعلاً بقيت سنوات أقنعهم أقنع الشباب بالعمل القانوني فإذا بالمسؤول عن تطبيق القانون يقول لي خطأ نحن لا نريد من يُطبق القانون بدليل أننا نحن أول من ينتهك حرمة القانون وأن الباب المفتوح أمامكم هو العمل السِري، هذا قلت له سيفقدني جدوى وجودي بين شبابي وأبنائي وأكون قد خرجت مبكراً من الحياة العامة لأني لا أستطيع أن أُميز، هذا الكلام لفت اهتمامه.

أحمد منصور: كيف كان ينصت لك ويسمعك؟

عبد الفتاح مورو: بكامل الهدوء.

أحمد منصور: حس إنك جد فعلاً في تهديدك؟

عبد الفتاح مورو: هو رجل عاقل ورجل مُدرك ولطيف، مواقفه السياسية موضوع ثاني لأنه مربوط بسياسة الدولة لكن الرجل لم نر منه شراً في الحقيقة وحتى خطابه كان دائماً وأبداً خطاب طيب.

أحمد منصور: كيف ده ما ساب تهمة ما لزقها فيكم؟

عبد الفتاح مورو: هذا إذاً هذا موقف الدولة هذا موقف الدولة لكن على المستوى.

أحمد منصور: لا نفصله عنه لأنه هو هنا ممثل الدولة؟

عبد الفتاح مورو: شوف على مستوى العلاقة يعني لم أسمع منه.

أحمد منصور: هذا يكون لنفسه لكن هذا ما تصدر للناس.

عبد الفتاح مورو: على كل حال أنا أنقل الواقع.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فقال قال لي انتظرني ويبدو أنه تغيب إما لاستشارة استشارة رئيس الجمهورية لأن رئيس الحكومة لم يكن موجوداً تلك الفترة ورجع بالإذن بقبول الملف وتسليمنا وصلاً في ذلك والوصل تسلمته أنا.

أحمد منصور: أخذت وصل فعلاً؟

عبد الفتاح مورو: وصل عندي وصل، وهذه كان أولى الوثائق التي تقدمنا بها للدفاع عن أنفسنا أمام المحكمة لأنني أنا أرجع إلى المحاكمة، المحاكمة بالإضافة إلى هذه الشوشرة التي صحبت إيقافنا والتُهم السياسية هذه تُهم سياسية، هناك تُهم قانونية ألصقت بنا هذه التُهم هي ثلاث، أولاً الاعتداء على كرامة رئيس الجمهورية بسبه وشتمه، الثاني الانتظام في جمعيةٍ غير قانونيةٍ سميها الاحتفاظ بجمعية غير قانونية.

أحمد منصور: انتم معكم وصل؟

عبد الفتاح مورو: معنا وصل، لكن لم نحصل على الترخيص.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: الثالث هو إشاعة أخبارِ زائفةِ من شأنها تعكير صفو النظام العام، هذه الثلاث تُهم هي تُهم صحافة.

أحمد منصور: وفي اثنين فالصو فيها؟

عبد الفتاح مورو: وتابعين وتُهم جمعيات وبعضها حتى لا يستوجب حتى الإيقاف ويستوجب خطيئة إن ثبتت، لكن هذه جعلوها ركيزة المتابعة والمجموعة عددها يتجاوز الـ 100 في تلك الفترة.

أحمد منصور: كنتم 107؟

عبد الفتاح مورو: 107.

أحمد منصور: بينكم 3 نساء؟

عبد الفتاح مورو: 3 نساء وبيننا شيخ.

أحمد منصور: كان في 30 واحد هارب تقريباً أو 34؟

عبد الفتاح مورو: وفي شيخ سنه 80 سنةً الشيخ عبد القادر سلامة وفينا شاب تجاوز 18 سنة بأيام قليلة.

أحمد منصور: تذكر من؟

عبد الفتاح مورو: لا أذكر، من 18 إلى 80 عام.

أحمد منصور: أنا سألت محمد مزالي في شهادته على العصر قلت له هل تأكدت فعلاً من أن حركة الاتجاه الإسلامي في عام 1981 كانوا يُعدون لمؤامرة بالفعل؟ فقال لم أتأكد ولكني أعتقد كانوا يحملون مشروعاً يعتبرونه مضاداً لمشروع التغريب الذي كان يحمل لواءه الرئيس بورقيبة في نظرهم وكانوا يدعون إلى الإسلام واللغة العربية وإلى إحياء التعليم الزيتوني، فاعتبر بورقيبة أن مشروعكم مضاداً لمشروعه؟

عبد الفتاح مورو: له أن يعتبر ذلك، هذه تُهمة سياسية تُهمة فكرية لكن لا تتحول إلى تُهمةٍ قانونية قائمة على أساس وقائع مادية وفعلٍ يمنعه القانون، القانون لا يمنع علينا أن نتمسك بالإسلام أو بغير الإسلام ولا أن ندعو إلى تعليم زيتوني أو غير زيتوني، هذا ليس تهمةً لكن التُهم التي أُلصقت بنا هي في الحقيقة كانت غطاءاً لتصفية واقعنا السياسي فهذه المحاكمة هي محاكمة سياسية ولذلك نحن ما فتئنا نقول نحن ضحية محاكمة سياسية، نحن تُوجه إلينا تُهم مُلصقة بنا هذه التُهم تتعلق بممارسة حقوقٍ أساسيةٍ جاء الدستور لحمايتها ولكن القانون قيدها بقيود غير دستورية ومن المفروض أن لا نُؤاخذ لأن الدستور يعطينا حق الانتظام حق التجمع حق التعبير عن رأينا فنحن نُؤاخذ كطرفٍ سياسي في محاكمةٍ سياسيةٍ يُستعمل فيها غطاء هو مخالفتنا القانون.

أحمد منصور: هيئة المحكمة كانت تتكون من 3 قضاة، عبد الرحمن بورغيدة عبد الرؤوف الحلاوي، محمد بن حسين؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أنت كنت قاضياً، كنت تعرفهم؟

عبد الفتاح مورو: أنا مارست القضاء معهم جميعاً وسي محمد بن حسين توفي منذ أسبوع وحضرت جنازته رحمه الله، عبد الرؤوف الحلاوي حضر يوماً واحداً واليوم الثاني أرسل وثيقة طبية يعتذر فيها لأن وضعه الصحي لا يسمح له بالحضور فأُنب من أجل ذلك وعوقب إدارياً، وعبد الرحمن بورغيدة هو الذي قاد هذه المحاكمة هو الآن في التقاعد بعد أن دخل المحاماة وأرجو له الشفاء من المرض الذي يعاني منه، هذا الرجل هو الذي تولى كِبر القضية وتحمل وزرها مسكين، وأنا قابلته بعد أن خرجت من السجن لأمارس المحاماة من جديد فوجدت أن أولى الجلسات التي سأحضر للدفاع فيها هو يرأسها، أنا بقيت 3 سنوات لم أتسلم مليماً واحداً ولا أعلم كيف عاشت زوجتي وعاش أبنائي عاشوا في كنف الرعاية والعناية لأسرة زوجتي وأقاربها، مجرد أن خرجت من السجن طلبت استرجاع حقي في المحاماة فحصلت على الترخيص أنا نازل يوم الجمعة بعد أن حصلت على الترخيص.

أحمد منصور: هم كانوا قد منعوك من مزاولة المهنة؟

عبد الفتاح مورو: نعم، المزاولة يعني توقفت عن المزاولة لأني في واقعٍ يحرمني من ذلك فأحتاج إلى استرخاصٍ من الهيئة، انعقد الاجتماع يوم جمعة في سبتمبر 1984 فأنا خارج من المكتب مكتب المحاماة وإذا بشخصٍ يناديني قال لي أنت محامي؟ وأنا كنت ألبس هذه الجُبة قلت نعم إني استرجعت وضعيتي كمحامي فقال لي عندي ابني موقوف والجلسة يوم الثلاثاء القادم ونحن يتحدث يوم الجمعة فقلت له طيب اسمه إيش؟ قال لي اسمه كذا، فرحت معه إلى المكتب المتكفل بإعداد الملفات وقدمت اسمي كمحامي وأشعرتهم بأني مارست من جديد فأعطوني ملف قمت بتصويره وأنا رايح المصور وهو أدخل يده في جيبه ودفع لي 100 دينار هذا كانت كأنه 100 مليار بالنسبة إلي.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: لأني لم أتسلم مليماً واحداً من 3 سنوات وأنا حائر كيف أركب القطار لأرجع إلى بيتي لا أستطيع ليس لي، 100 دينار.

أحمد منصور: طب إذا ده حالك أنت وأنت عبد الفتاح مورو ومحامي فما بال بقية المتهمين اللي كانوا في القضايا ومعظمهم ناس فقراء ولا مورد لهم؟

عبد الفتاح مورو: يا أخي ناس، ناس عاشوا الخصاصة وأبنائهم ضاعوا ونسائهم ضاعت ومصالحهم ضاعت والبعض منهم اللي كان موظف انقطع عليه راتبه أصبح يتكفف الناس وأسرته تتكفف الناس يعني هذه مصيبة اجتماعية على مستوى الجميع، فأنا بالنسبة إليّ عندما رجعت أخذت 100 دينار رحت يوم الثلاثاء المرافعة فوجدت أن عبد الرحمن بورغيدة هو الذي.

أحمد منصور: هذا الذي حاكمك وحكم عليك بالسجن 10 سنوات؟

عبد الفتاح مورو: نعم وأنا المفروض أن أؤدي له زيارة مجاملة لأني باشرت المحاماة من جديد التقاليد تفرض عليّ أن أروح إلى مكتبه وأسلم عليه، فرحت إلى مكتبه محضر زملائه وتحاشيت أن أقابله وحدي، فرحب بي، وفي الجلسة عندما نودي على ملفي قال مرحباً بالأستاذ عبد الفتاح مورو أهلاً وسهلاً رجوع مبارك عودة مباركة عودة مباركة، قلت به عوداً فين إن شاء الله يعني عودة إلى السجن أنا استغليتها فرصة قلت له عودة لفين؟ قال عودة للمحكمة قلت له أهلاً وسهلاً هذه القضية ثابتة على المتهم الذي أنوبه في نصف المجلة الجنائية يؤاخذه سكَر وسب واعتدى على البوليس وراح ودخل بيت الناس وكسّر وعمل وعمل فأنا رافعت أنا كأني أقتلع بأظافري الحجر لا أجد طريقةً للدفاع لأنه ثابتة عليه، فقال مفاوضة بعدم سماع الدعوى فهم المحامون بأنها هدية الرجوع وكأنه أنبه ضميره، رحت إليه في مكتبه بعد يومين وجدته خالياً سلمت عليه فلم ينظر إلى عينيّ كان ينظر إلى الطربيزة إلى مكتبه فقلت له سي عبد الرحمن ليش أنت تنظر إلى مكتبك؟ فقال يا عبد الفتاح ظروف ظروف وأشار إلى التليفون لأنه كان زميلي كنا عملنا سوياً في مكتبٍ واحد، نظر إلى التليفون وأشار إلى التليفون، قلت له يا سي عبد الرحمن أنا أعلم أن ما أصابني هو القضاء والقدر عينه ولكن كنتُ أتمنى أن لا يمر القضاء والقدر بيدك كنت أتمنى أن يمر بيد غيرك قال لي ظروف أنا لا أستطيع، قلت له تعلم سي عبد الرحمن أني لم أنسك طوال مدة سجني لا في ركعةِ ولا في سجدة.

أحمد منصور: من الدعاء عليه؟

عبد الفتاح مورو: لأ لم أقلها قلت له تعلم أني لم أنساك في أي سجدةً أو ركعة؟ قال لي ليش ليش؟ قلت له تعرف كنت أقول في سجودي كنت أقول يا ربي اغفر وسامح عبد الرحمن بورغيدة، لما قلتها يا أستاذ أنا لم أر أحداً يبكي والدموع تخرج أفقياً الدموع تنزل عامودياً إلا هذا الرجل رأيت الدموع تخرج من عينه أفقياً، تركته يتمرغ في دموعه وقلت الحمد لله أنا الآن سليم القلب وفعلاً أنا كنت أدعو له في صلاتي وأنا إمام المجموعة أنا كنت إمامهم في المسجد لكل مجموعتنا، كنت في كل سجود أدعو له لكل الأخوة أقول لهم ادعوا لعبد الرحمن بورغيدة أن يغفر الله له، أبوا ذلك، كنت أنا أدعو له وأقول يا رب اغفر وسامح لعبد الرحمن بورغيدة.

إصدار أحكام قاسية بحق المعتقلين

أحمد منصور: محمد مزالي في شهادته معي على العصر قال أن بورقيبة نادي وزير العدل ووزير الداخلية أمامه وفي حضور وسيلة زوجته وطلب منهم إصدار أحكام قاسية بحقكم جميعاً، بورقيبة يقول أنه بُهت ولكنه خرس ولم يتكلم، مزالي؟

عبد الفتاح مورو: هذا صحيح أنا عندي دليل على ذلك من خارج شهادة الأستاذ محمد مزالي لأنه في الفترة التي كانت تُعد فيها المحاكمة تطوع 78 محامياً للدفاع عنا تطوعاً وهذه كانت أكبر محاكمة يعني حتى.

أحمد منصور: منذ الاستقلال؟

عبد الفتاح مورو: منذ الاستقلال.

أحمد منصور: أول مرة أول محاكمة منذ الاستقلال سياسية وضخمة؟

عبد الفتاح مورو: أول محاكمة بهذا العدد.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: 78 محامياً لم يكن العدد موجوداً في المحاكمات التي سبقت في تصوري، وكان في جهابذة محامين عمداء سابقون أستاذ شقرون أستاذ محمد بن للونة المحامي العظيم عبد الرحمن الهيلة وبو القاسم خميِس مش عارف عبد الرحمن الهاني.

أحمد منصور: جهابذة المحاماة في تونس؟

عبد الفتاح مورو: جهابذة المحاماة.

أحمد منصور: من كل الاتجاهات؟

عبد الفتاح مورو: من كل، إلا اليسار يعني كان وجوده باهتاً كما أتصور لكن هؤلاء محامون حرفيون مرموقون.

أحمد منصور: نعم، تطوعوا.

عبد الفتاح مورو: تطوعوا.

أحمد منصور: جميعاً؟

عبد الفتاح مورو: جميعاً وبدون مقابل.

أحمد منصور: لم يأخذوا شيئا؟

عبد الفتاح مورو: أبداً، فكان المحامون يتوالون في قدومهم علينا ويزوروننا بالسجن.

أحمد منصور: خلال التحقيقات؟

عبد الفتاح مورو: خلال التحقيقات وأنا رغم كوني محامياً كنت قاضياً لكن أن يصير الشخص في قفص الاتهام فهذا وضعٌ لم يسبق له ولذلك تدلهم عليه الأفق ولا يعرف كيف يخرم وتصبح القضية بيد غيره في الحقيقة يعني أنا لو كنت مستشاراً لأشرت على غيري لكن لم أستطع أن أشير، أشير على نفسي لأن الطبيب لا يداوي نفسه.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: فجاءني محمد بن للونة رحمه الله العميد محمد بن للونة هذا الرجل العظيم اللي هم كان صديق الأستاذ شقرون اسمه محمد شقرون ومحمد بن للونة هذان كانا وزيرين في أول وزارة شُكلت بعد الاستقلال.

أحمد منصور: 1957؟

عبد الفتاح مورو: لا، محمد.

أحمد منصور: 1956؟

عبد الفتاح مورو: محمد شقرون كان وزيراً في هذه الوزارة ولكن محمد بن للونة أصبح وزيراً في السبعينات في 1972، 1971- 1972، أصبح وزير العدل الثاني كان وزير الشؤون الاجتماعية في أول وزارة، لكن هذان الرجلان جمع بينهما حب الوطن ثم جمع بينهما أمر ثاني هو حب التيار الإسلامي وشعورهما بأننا أملٌ لتونس ولذلك كلاهما لما توفيا، توفي محمد بن للونة أولاً ثم محمد شقرون بعد ذلك كلاهما كانت آخر كلمة على لسانه قبل أن يُسلم الروح، سلم لي على الإخوان سلم لي على الإخوان، لأنه يسموننا أخوان.

أحمد منصور: أنتم كنتم مع الإخوان المسلمين؟

عبد الفتاح مورو: مش مع الإخوان المسلمين وإنما إخوة.

أحمد منصور: لا بردو كان يسميكم بورقيبة إخونجية إخوان مسلمين؟

عبد الفتاح مورو: هذه التسمية جاء بها محمد الصياح ربي يهديه، اللي هو سمانا إخونجية بطريقة الجية هذه الطريقة التركية في التسمية قهوجي كفتاجي إلى غير ذلك من الـ آجية، فإحنا اعتبرنا إخونجية، فمحمد بن للونة جاءني في زيارة أنا كمحامي كنت أتوقع أن تكون العقوبة المرصودة 6 أشهر.

أحمد منصور: لك؟ على هذه التهم.

عبد الفتاح مورو: على هذه التهم، فبقى يحدثني قال إيش تتصور يا عبد الفتاح، قلت له سيدي العميد أنا أتصور 6 أشهر، قال لي أمسك نفسك يا ابني ثم قال لي أنت سيُحكم عليك بـ 10 سنوات، أنا؟ قال لي نعم أنت بـ 10 سنوات، قلت له كيف يا سي محمد، قال أنا كنت عند رئيس الكتابة الخاصة لبورقيبة كاتبه الخاص علالة العويتي رحمه الله.

أحمد منصور: معروف نعم.

عبد الفتاح مورو: قال لي علالة العويتي هو الذي قال لي عبد الفتاح 10 سنين حبس، قلت له عجب كيف بإيش برروها؟ قال لي لقوا لها التبرير كما يشاؤون، وفعلاً أنا حوكمت بـ 10 سنوات سجن، فالمحاكمة كان بورقيبة غيظه كبير على هذه المجموعة لكن الأداة التي استعملها لم تكن هي الأداة المساعدة على ذلك، أخطأ بورقيبة..

أحمد منصور: كيف؟

عبد الفتاح مورو: كان المفروض أن يجعل قضيتنا قضية حوار وطني مع جزء كبير من قيادات الحزب الدستوري والأحزاب المعارضة وعندها سنقاوَم ونُجابَه بالحجج الواقعية والحجج الفكرية ولن يسمح باستعمال المحاكمة طريقاً للدعاية لنا لأن المحاكمة أصبحت طريقة للدعاية فايدتنا، أنت تعلم يا أستاذ بأن كل بيت كان يتابع يومياً أحداث المحاكمة.

أحمد منصور: حتى الصحافة العالمية.

عبد الفتاح مورو: كل الصحافة العالمية، والصحافة الوطنية زادت في عدد المطبوعات ثلاث مرات حتى توفر إمكانية توفير هذه النسخ والناس يتابعونها يومياً وكانت تُنقل في هذه الصحف تُنقل المحاكمة كلمةً كلمةً، السؤال الجواب السؤال الجواب، أذكر أنه عندما نودي عليّ ناداني باسمي المجرد فلان الفلاني.

أحمد منصور: ده القاضي؟

عبد الفتاح مورو: فانبرى الأستاذ محمد بن للونة وكان عميداً، قال هذا اللي قدامكم ليس فلان الفلاني، الأستاذ فلان الفلاني، قال أنا ما عندي أستاذ هنا أنا عندي متهم اسمه فلان الفلاني، وقع اشتباك بين المحامين والمحكمة ورد وأخذ واضطر اضطر القاضي أن يُلطف خطابه نحوي.

أحمد منصور: يعني هنا بردو في نقطة مهمة؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: هؤلاء الذين يُطلب منهم إصدار أحكام معينة من القضاة يغالون ويبالغون أكثر من المطلوب؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أنا لاحظت في الجميع، يعني حتى بورقيبة كان يتبرأ أحياناً من أحكامهم؟

عبد الفتاح مورو: تزلفاً وضعف شخصية وتقرباً لسادتهم.

أحمد منصور: ويجرون العار عليهم وعلى أبنائهم وعائلاتهم وحياتهم إلى الأبد.

عبد الفتاح مورو: لكن يا أستاذ في مرحلة بعد هذه أصبح لا يُطلب منهم لكن المفروض أن يكونوا على بينةٍ من أن هذه القضية تستوجب أن يحكموا دون أن يُطلب منهم ما يحكموا، أصبحوا في وقت من الأوقات يؤاخذون لأنهم لم يتفطنوا لأنهم كانوا يقولون يا أخي أنتم قولوا لنا لم تطلبوا منا إحنا نطلب منكم، أنت مفروض تعلم يعني أنت تدافع عن كياني دون أن أطلب منك ذلك وهو نهاية الذلة نهاية المهانة.

أحمد منصور: ويصبح القضاة أحذية في أرجل الحكام؟

عبد الفتاح مورو: أول جلسة عندما دخل القاضي ضُغط على الزر فيقف الحاجب يقول: محكمة ويدخل القضاة عندما دخل القاضي إحنا مددنا أيدينا قلنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أول ما جابهناهم بالشيطان الرجيم أول شيء وقرأنا الفاتحة فأُسقط في يده لأنه هو المفروض عندما يدخل يجلس على كرسيه وتجلس المحكمة فاضطر أن يبقى واقفاً واضطر بعد ذلك أن يمد يده .

أحمد منصور: انتزعتُم منهُ إدارة الجلسة.

عبد الفتاح مورو: وأن يمُدَ يدهُ معنا وأن يتظاهرَ بقراءة الفاتحة أو أن يقرأ الفاتحة فِعلاً مش عارفين لكن هذا فُرِضَ عليه، هذا كانَ لهُ أثر نفساني قويّ لفائدةٍ لصالحنا، كُنا كُل وقت صلاة نُحرجهُ.

أحمد منصور: كيف؟

عبد الفتاح مورو: نُحرجُهُ بإيقاف الجلسة لتمكيننا من الصلاة وكانَ المكان لا يسمح لأنَّ إحنا عددنا كبير فخصصّوا لنا القاعة المُقابلة لنروح نُصلي فيها معَ الاحتياطات الأمنية حتى يضبطونا دخولاً وخروجاً، أذكُر أنَّ فترة المُرافعة في استنطاق ولكن بعدها تأتي مُرافعة النيابة العامة ثُمَّ بعدَ ذلكَ مُرافعة المُحامين للدفاع، المُحامون رافعوا مُدة 24 ساعةً مُتتاليةً يا أستاذ.

أحمد منصور: ليلَ نهار!!

عبد الفتاح مورو: ليلَ نهار، 24..

أحمد منصور: والمُحكمة مُنعقدة!!

عبد الفتاح مورو: والمحكمة مُنعقدة لم تتوقف إلا مرةً واحدةً تحتَ وطأة الضرورة وكانَ المُستشارانِ على اليمينِ وعلى اليسار يُغالبانِ النوم وينامان، والرئيس فرضَ على الجميع أن تستمرَ المُحاكمة حتى أنا أذكُر..

أحمد منصور: لماذا؟

عبد الفتاح مورو: هكذا لأنهُ يُريد أن يُنزِلَ حُكماً.

أحمد منصور: يُنهي.

عبد الفتاح مورو: ويُريد أن يُظهرَ قوتهُ وقُدرتهُ على التسيير فاستمرت المُحاكمة 24 ساعةً، الحُكم صدرَ الساعة 11..

أحمد منصور: ده آخر الجلسة؟

عبد الفتاح مورو: نعم من نهاية الجلسة، الساعة 11 تقريباً من يوم 3 سبتمبر، بدأنا يوم 2 سبتمبر، المُحاكمة بدأت الساعة 9 صباحاً استمرت من الـ 9 من 2 سبتمبر إلى الساعة 11 من صباح يوم 3 سبتمبر.

أحمد منصور: الحُكم صدرَ 4 سبتمبر.

عبد الفتاح مورو: ربما 4 سبتمبر أخطأت في يوم، يعني بدأت 3 سبتمبر وانتهى يوم 4 سبتمبر لكن مُدة 26 ساعةً مُتتاليةُ، هذا لم يُر لهُ مثيلٌ أبداً، أنا شُفت شيوخ المُحامين، نسوة من المُحامين كُنَّ ينتظرنَّ دورهنَّ الساعة 2 ليلاً، الساعة 3 ليلاً.

أحمد منصور: حتى يترافعن.

عبد الفتاح مورو: حتى يترافعن ويروحوا وما فيش واحد منهم ساب الجلسة...

أحمد منصور: حصل مواجهات بينكم وبين القاضي؟

عبد الفتاح مورو: المُجابهات تتعلق بفهم الوقائع، بـ..

أحمد منصور: لكن المُحامين قاموا بالواجب عنكُم.

عبد الفتاح مورو: المُحامون قاموا بالواجب وزيادة لأنهُ اعتبروها مِنصةً للدفاعِ عن فكرنا.

أحمد منصور: وإدانةِ النظام أيضاً.

عبد الفتاح مورو: وإدانةِ النظام وإبراز أن نحنُ أبناء شعب وأن نحنُ لسنا أصحاب أغراض سياسية عندنا قضية..

أحمد منصور: القاضي كانَ يسمع، رئيس الجلسة ولا كانَ يُمضي الوقت عشان في النهاية يقضي بالحُكم الذي أُمليَ عليهِ؟

عبد الفتاح مورو: هو لا بُدَّ أن يتظاهرَ بالسماع لكن هو بالنسبةِ إليهِ الحُكم كما تعلم هو حُكم مبتوتٌ فيه، كانَ وكيل الدولة اللي هو كانَ جالس هو مُساعد وكيل الدولة اللي جالس معنا في المحكمة، كانَ وكيل الدولة يعني رئيسهُ يأتي كُل نصف ساعة يأخُذَ منهُ تقريراً عما تمَ في النصف الساعة الماضية لينقُلهُ كتابةً للوزير، وتبينَ بعدَ ذلكَ أنَّ المُحاكمة كانت تُنقلُ إلى قصر قرطاج إلى بورقيبة مُباشرةً عن طريقِ نقلٍ تلفزيٍّ داخليّ، وأنَّ الصور كانت تُؤخذُ تباعاً وتُنقلُ إليهِ بعدَ ذلك.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أنا حضرت بعدَ الثورة في تونس حضرت مُحاكمة المُتهمين وزير الداخلية ومجموعة، ولاحظت حاجة لاحظتها في صور مُحاكمتكم أيضاً يعني مثلاً في مصر حابسين المُتهمين السياسيين من الإخوان ومعارضي الانقلاب حتى في أقفاص زُجاجية لا يُسمَع لهُم صوت بينما المُتهَمونَ يجلسونَ أمامَ القاضي خارجَ القفص.

عبد الفتاح مورو: نعم..

أحمد منصور: وأنتم كُنتم جالسين خارج القفص وهؤلاءِ كانوا جالسين خارج القفص في مواجهة القاضي.

عبد الفتاح مورو: لم نعرِف في تاريخِ قضائنا الحديث قفصاً بالطريقة التي نراها في بعضِ المُسلسلات المصرية أو ما رأيناه...

أحمد منصور: مش المُسلسلات، الواقع..

عبد الفتاح مورو: أو ما رأيناهُ واقعاً.

أحمد منصور: ده المُتهم لا يستطيع أن يتكلم، ما حدش يسمع صوتهُ.

عبد الفتاح مورو: ليست لدينا أقفاصٌ لا زُجاجيةٌ ولا حديديةٌ، في نُسمّيها "لا بار" يعني هذا المكان الذي يقفُ فيهِ المُتهم إشارة إلى محل الوقوف.

أحمد منصور: يعني هذا مكان المُحامين في المحاكم المصرية هو مكان المُتهمين في المحاكم التونسية.

عبد الفتاح مورو: المُتهمونَ يجلسونَ قُبالةَ المحكمة وورائهم يجلس المُحامون.

أحمد منصور: 4 سبتمبر 1981 صدرت الأحكام ضِدَّ قادة الاتجاه الإسلامي: راشد الغنوشي، صالح كركر 11 عاماً، عبد الفتاح مورو بالسجن 10 سنوات، بقية المُتهمين أحكاماً مُختلفة، أُفرِجَ عن 7 على رأسهم صلاح الدين الجُرشي، ما أثر هذهِ الأحكام عليكم.

عبد الفتاح مورو: أنا شُفت أنَّ الشباب تأثروا؛ عند صدور الأحكام لأنَّ الأحكام كانت مُفصلةً، 3 سنوات من أجل تُهمة إشاعة أخبار زائفة، 4 سنوات من أجل الانتماء لجمعية غير مُرخَّص فيها وكانت طريقة السرد لا تسمحُ للشباب بأن يجمعوا مجموعَ الـ...

أحمد منصور: الأحكام اللي صدرت عليهم.

عبد الفتاح مورو: الأحكام التي صدرت ضِدهُم.

أحمد منصور: يعني كُل واحد أخذ مجموعة أحكام..

عبد الفتاح مورو: بعضهم عندما خرجَ من القاعة كانَ يتصور 4 سنوات، أنا أشعرتهُم بأنهُ مش 4 سنوات هي 10 سنوات بالضميمة لكن رأيت تأثُرَ مُعظمهم، في ناس لم يتأثروا في ناس كانوا هادئين وأنا أذكُر أنَّ والدتي كانت خارجَ القاعة في مبنىً مُقابل وكانَ يُمكن أن تراني وأراها عبرَ النافذة في علوٌ من فوق فهي تسأل هكذا فأشرتُ إليها هكذا 3.

أحمد منصور: 3 سنين.

عبد الفتاح مورو: وفعلاً هي الـ 3 التي أمضيتُها.

أحمد منصور: نعم، مُعظم المُنظَّمات الحقوقية في تونس ومُعظم الأحزاب السياسية وقفَت ضِدَّ هذهِ الأحكام.

عبد الفتاح مورو: يقيناً.

أحمد منصور: وكانَ هذا موقف سياسي مُميز أيضاً.

عبد الفتاح مورو: شوف يا سيدي رابطة حقوق الإنسان ومجموعة الأحزاب السياسية المُعارِضة والاتحاد العام التونسي للشُغل والمُنظَّمات التي تدورُ في فلكِ الدفاع عن حقوق الإنسان كُلها وقفَت ضِدَّ هذهِ الأحكام ووقفت لصالحنا ومعنا، وفي شخصية هامة جداً قامت بدورٍ عظيم في هذا الصدد الدكتور حمودة بن سلامة، هذا الرجل الذي كانَ في رابطةِ حقوقِ الإنسان وكانَ منتمياً إلى حزب الديمقراطيين الاشتراكيين.

أحمد منصور: جماعة المستيري.

عبد الفتاح مورو: لجماعة أحمد المستيري، هذا الرجُل أبلى البلاءَ الحَسن في الدفاع عن قضيتنا وهو الذي شكّلَ وفداً لزيارتنا في السجن ربما سنتعرض لذلك وهو الذي دافعَ عنا بتشكيلاتٍ من روابط حقوق الإنسان أمنستي انترناشونال في أوروبا وفي أميركا الذينَ أرسلوا رسائل يُطالبونَ بإطلاق سراح مُخاطبكُم.

حركة النهضة على الخريطة العالمية

أحمد منصور: حركة النهضة وُضَعت على الخريطة العالمية وهذهِ المُحاكمة رغمَ قسوتها وسوءِ ما فيها لكنها قامَت بدعاية عالمية لكُم ما كُنتم تحلمونَ بها.

عبد الفتاح مورو: أبداً هذا تقديرُ اللهِ تعالى، ربي ساقَ لنا الخيرَ في الشرِ وكُنا نتوقع أنَّ هذا شر "وعسى أن تُحبوا شيئاً وهو شرٌ لكُم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم".

أحمد منصور: بورقيبة بعدَ هذا كانَ يُعادي كُلَّ مظاهر التديُن في تونس؛ منعَ الحجاب، منعَ دخول المُحجبات للمدارس وللجامعات والوظائف الحكومية وغيرها، أنتم كيفَ قضيتم سنوات السجن؟ كيفَ كانَ توزيعكم في السجون؟

عبد الفتاح مورو: شوف السجون يا سيدي استعملوا معنا الطُرق التي يستعملونها معَ المُعارضين؛ يعني بدؤوا بالتضييق علينا فرداً فرداً في زنزاناتٍ انفرادية ثُمَ بعدَ ذلكَ فتحوا لنا المجال فالتقيت معَ الأستاذ راشد الغنوشي.

أحمد منصور: بعدَ كمَ؟

عبد الفتاح مورو: بعدَ شهرين ثلاثة أشهُر تقريباً.

أحمد منصور: من السجن الانفرادي.

عبد الفتاح مورو: السجن الانفرادي، يعني أذكُر في أكتوبر 6 أكتوبر نحنُ كُنا في ليلةِ أن اغتُيلَ..

أحمد منصور: أنور السادات 6 أكتوبر 1981.

ظروف العيش داخل السجن

عبد الفتاح مورو: أنور السادات 1981، نحنُ كُنا مجموعينَ في زنزانةٍ 3 أنفار: محمد صالح النني والأستاذ راشد الغنوشي ومُخاطبكُم والإشكال أنَّ هذهِ الغُرفة التي كُنا فيه هي مقاسها مترين ونصف على مترين ونصف تسمَح بوضع 3 مراتب، المرتبة عرضُها 80 سم، 80 في 80 في 80= 240، 240 يبقى 10 سم، في الطول طولها 180 يبقى إلى 70 سم حتى تكتمل المترين ونصف، إيش في الـ 70 سم المُتبقية؟ مكانُ قضاءُ الحاجة غيرَ محمي وإلى جانبهِ نضعُ بعضَ أدباشنا ونضعُ الصحونُ التي نأكلُ فيها في نفسِ المكان، كيف يُمكِن وأنتَ مع إخوانك الذينَ تُقدرهُم وتحترمهم كيفَ يُسوُّلَ لكَ أن تقضيَ الأمر الضروري أمامهم؟ كيفَ هذا والكلام هذا؟ ولذلكَ عندما أُدخلنا هذهِ الزنزانة امتنعنا من الأكلِ والشُربِ تماماً حتى لا نُضطرَ إلى القضاء وطالبنا فلم يُستمَع إلينا، فوجدنا حيلةً في أننا يُسمَح لنا بساعة نخرُج فيها من الغُرفة..

أحمد منصور: للتريُض.

عبد الفتاح مورو: نعم للهواء ونتحرك، في هذهِ الساعة كُنا نتبادل الدخولَ إلى المكان حتى إذا انقضَت الساعة تنتفي كُلُّ المظاهر سواءً الواقعة أو الخلفية التي تقعُ بعدَ ذلكَ حتى لا يتأذي أحدٌ، هذا أرادوا منهُ حمّلَنا على القهر، بعدَ ذلكَ أخذوا الأستاذ راشد ومجموعة فيها 7 وأخذوني أنا في مجموعة فيها 8، نحنُ 15 وعزلونا بعضنا عن بعض، في مجموعتي كانَ في الأستاذ صالح بن عبد الله مثلاً، كُنا ننامُ أرضاً على مرتبة صغيرة لكن الإشكال في أننا ليلاً نسمَع الصحون تتحرك، ففتحنا عيوننا فوجدنا الجرذان، الجرذانُ تمُرُ على رؤوسنا.

أحمد منصور: فئران مُحترمة يعني.

عبد الفتاح مورو: بهذا الحجم الكبير يعني المُحترم، الجرذان على رؤوسنا، يا أخي اشتكينا ونادينا ما يسمعنا أحد..

أحمد منصور: ده كانوا قاصدين.

عبد الفتاح مورو: هذا من ضرورات السجن هذا يخرجُ من مكان قضاء الحاجة، ايش سوينا حتى نُلفِتَ النظر؟ بطلبٍ مني جرحت الأستاذ صالح بن عبد الله.

أحمد منصور: بحيلةٍ منك.

عبد الفتاح مورو: نعم جرحتهُ في يدهِ جُرحاً دامياً وانهالُ الدمُ ثُمَ طرقنا الباب ونادينا الحُراس هذا صباحاً في أول الصباح فجاءَ الحُراس قُلنا لهُم الأستاذ صالح بن عبد الله قرضهُ.

أحمد منصور: فأر.

عبد الفتاح مورو: فأر، آه فأر ما فأر، جاءَ مُدير السجن حسّوا بالخطر جاوبوا الطبيب فجابوا معهم هذهِ..

أحمد منصور: مصيدة؟

عبد الفتاح مورو: لا زُريقة هذهِ اللي إبرة، إبرة هذا حجُمها فيها تقريباً ربع لتر من الدواء، فيقول لي صالح بن عبد الله يقول لي يا ولدي سأموت، قُلت لهُ لا هذهِ فيها دواء، فيها دواء إذا ما عندك مرض على كُل حال لن تقضيَ عليك أبداً، مسكين حس حسّ ووجعَ، عملوا لهُ إبرة والرجُل قريب يبكي، ليه؟ حتى نُلفِتَ النظر إلى قضيتنا ثُمَ بعدَ ذلكَ لمُقاومةِ هذهِ الجرذان أنا اخترعت طريقة، اخترعت طريقة طلبت من أُسرتي أن يأتوني بالجبن المسحوق، الجبن يُسحَق.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فيُصبح كأنهُ قطع صغيرة جداً وطلبت من أحد الحُراس أن يأتيني بإسمنت لأنهُ في حظيرة قُربنا في بناء جدار، فأتوني بكمية من الأسمنت قُلت هذهِ لأسُد بها الثٌقب، ثُمَ سويتُ خليطاً بينَ الإسمنت والجبن، وضعناهُ ليلاً على ذمةِ الزوار الكِرام الجرذان.

أحمد منصور: على أساس ريحة الجُبن تجذبهم.

عبد الفتاح مورو: وإلى جانبهِ إناءُ ماءٍ، فهُم يشتمونَ الجُبن يُحبون الجُبن.

أحمد منصور: آه طبعاً.

عبد الفتاح مورو: فكُنا عندما نفيقُ صباحاً نجِدهُم هكذا مُلقَينَ على ظهورهم أرجُلهم مفتوحة وأيديهم مفتوحة لأنهم يأكلونَ الجُبن مع الإسمنت ثُمَ يضطرونَ لشُرب الماء فالإسمنتُ مع الماء ييبس، فهذهِ طريقة للصيد لكني لم أستطع تسجيلها، هذهِ لم تُسجل باسمي.

أحمد منصور: ده براءة اختراع.

عبد الفتاح مورو: هذهِ براءة اختراع نعم.

أحمد منصور: أنا..

عبد الفتاح مورو: ثُمَ بعد هذهِ الفترة قرروا أن يجمعوا المجموعتين.

أحمد منصور: مع بعض.

عبد الفتاح مورو: مع بعض، لأ أول ساعة في المجموعتين هذهِ المُنقطعتين المُنفصلتين.

أحمد منصور: 7 و8.

عبد الفتاح مورو: 7 و8، بعدَ نضالٍ سمحوا للـ 7 دونَ الأُستاذ راشد أن يزورونا في غُرفتنا وسمحوا للـ 8 اللي معي أن يزوروا الأستاذ راشد وجماعتهُ على أن لا ألتقيَ أنا والأستاذ راشد أبداً، فكانت جماعتنا تروح تزور الأستاذ راشد.

أحمد منصور: وتنقُل

عبد الفتاح مورو: وجماعتهُ وتلكَ تأتي تزورني ولكن لا نجتمع أنا والأستاذ راشد ثُمَ بعدَ ذلكَ قرروا أن يجمعونا معاً.

أحمد منصور: أصبحتُم أنتم الـ 15 في زنزانة واحدة.

عبد الفتاح مورو: أصبحنا 18..

أحمد منصور: أو في عنبر واحد.

عبد الفتاح مورو: 18 نفر لأنهُ أضافوا لنا 3 كانوا معنا من بنزرت نفسها ونحنُ في بنزرت، شوف أستاذ الذي حصلَ شوف قضاءُ اللهِ وقدرهُ في أول شيء أذكُرهُ أننا عندما أُدخِلنا السِجن سبقتنا هالةٌ من التساؤُل لأنهُم هيئوا لنا جناحاً خاصاً وهذا الجناح بنوا على ساحتهِ قفصَ حديد واستعملوا في ذلكَ بقيةُ مساجين السجن، ومساجين السجن عددهُم 520 كُلهُم مُتهمَونَ بتُهمِ القتل، هذا نعم وهذا السجن.

أحمد منصور: يعني ده سِجن مُشدَد.

عبد الفتاح مورو: هذا سِجن مُشدد.

أحمد منصور: في بنزرت!!

عبد الفتاح مورو: كُلهُم محكوم ب20- 30عام وبعضهم المؤبد من أجلِ قضايا قتل، فالذينَ استعملوهم هُم المساجين أنفسهم في البناء تساءلوا ليش قفص فوقَ الفضاء فوقَ الساحة!!! قالوا لهُم هؤلاء ستأتيهم طائرات تُهرِّبهم إما من إيران ولا من السعودية، فأعطونا قيمة لدى هؤلاءِ المساجين بدؤوا يتساءلونَ عن ماهيتنا، أذكُر عندما دخلنا هذا السجن كانوا يُطلِّونَ من غُرفهم ونحنُ بالممر الكبير بالسِجن يُطلِّون ليتعرفوا على وجوهنا، ايش؟ فوجدوا وجوهنا عادية تماماً وفيها براءة كذلك، هؤلاءِ أصبحوا يتدافعونَ لخدمتنا.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: لأنهُ نحنُ نحتاج مَن يأتينا بالماء لأنهُ ما كنش في ماء سائل، يأتينا بإناء الماء، يأتينا بحاجياتنا ويأخذهُا، أصبحوا يتدافعونَ للقيام بواجب الخِدمة هذا، هؤلاءِ الصِلةُ بيننا وبينهم كانت ايش؟ عندما تحضرُ الصلاة كُنا نؤذن ونؤذن في بابِ زنزانتنا الزنزانة الجماعية فيستمعونَ إلينا في زنزانتهم، أثرُ ذلكَ إيش كانَ يا أستاذ؟ يوم من الأيام ناداني مُدير السِجن رحمهُ الله سي الشنوفي، قال لي قال هذهِ المُصيبة اللي هبطت على رأسي مُصيبة أُصبتُ بها، إيش في؟ إيش في؟ قال لي المساجين كُلهم بدؤوا يصلوا، قُلت لهُ وشو هي المُصيبة!! قالَ لي أنا سيأتينني تفقُد في الشهر القادم تفتيش من الوزارة سيأتونَ للتفتيش، إذا تفطنوا أنهُم أصبحوا يُصلون أنا سأُصبحُ معكُم داخل الزنزانة، قُلت لهُ بعفوية قُلتُ لهُ يا عم بشير فيها حل هذهِ، فيها حل، هو اسمهُ عم بشير، قلتُ لهُ يا عم بشير فيها حل.

أحمد منصور: لازم تلاقي لهُ حيلة طبعاً.

عبد الفتاح مورو: آه، قال لي إيش فيها؟ قُلتُ لهُ: أنتَ بينك وبين هذا الموعد شهر، أنتَ الآن أرسل للوزارة وللإدارة العامة وأشعرُهم أنهُ في نطاقِ تقريبِ السجينِ من بيتهِ هؤلاءِ سيُرَدونَ إلى السجون حولَ مناطقهم قريباً من مناطقهم وهذهِ فيها لفتة إنسانية لأنهُ هذا السجن يأتيهِ المساجين من كامل البلد.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فأشرتُ عليهِ بهذا وأنا لم أكُن أتفطنُ إلى العاقبة من وراءِ ذلكَ، هو أخذ الأمر بجد راسل وقال أنا سأتخلى عن هؤلاءِ أُرجعهم إلى مناطقهم وتأتوني بعوض عنهم من مناطقنا يأتونَ إلى هُنا، ما الذي حصلَ؟؟ هؤلاءِ أخذوا معهم الصلاة وأصبحوا يبُثونَ الصلاةَ في السجونَ التي رجعوا إليها في مناطقهم والجُدد الذينَ أتوا تعلموا الصلاةَ كذلك فأصبحنا في مُصيبتين في نظرهِ هو المسكين، هذهِ المسألة الأُولى، القضية الثانية يا أُستاذ السِجن هو مؤسسة رهيبة هي في تصُّوري أوحش مؤسسة صنعها الإنسانُ لأخيهِ الإنسان لأنها هي تُلغي الكيان، تُلغي الوجود يا أُستاذ، أنا عندما أُوقفت كانَ اسمي عبد الفتاح ابن الجيلاني مورو، عندما دخلت السجن أصبح اسمي عبد الفتاح الجيلاني محمد مورو، بعدَ قليل أصبحَ اسمي 2517.

أحمد منصور: رقمك.

عبد الفتاح مورو: رقم فقط، أنا أصبحتُ رقماً وعندما يُفتَحُ بابُ الغُرفة ويُنادي السجان 2517 يجبُ أن أقفَ وأنا أسأل ما الذي يُطلبُ مني، يقول لي تفضل، أقول إيش تفضل!!! أخرجُ معهُ لا أعلم إلى أين، هذهِ المؤسسة الرهيبة تقتُل فيكَ الكيان والوجود.

أحمد منصور: هذهِ ليست في الإسلام هذهِ مؤسسة رومانية أصلاً.

عبد الفتاح مورو: هذهِ ليست في الإسلامِ أصلاً.

أحمد منصور: ما فيش في الإسلام سجن أصلاً.

عبد الفتاح مورو: أبداً ما عندنا حتى يعني عُمر بن الخطاب أقامَ مؤسسة السجن بالمدينة لكن مش بهذهِ الفظاعة، يُمسكُ الناس حتى يحينَ موعد يعني...

أحمد منصور: تعذيرهم أو الحُكم عليهم.

عبد الفتاح مورو: حُكمهم وكذا وانتهت القضية، لكن أن يُقضي الإنسانُ بالسجن مُدةً من الزمن يُلغى فيها كيانهُ ويُصبح نفسانياً غيرَ قادرٍ على المُبادرة، يعني أنا بيني وبين الشارع باب يُغلقُ من الخارج أنا أنسى أني أقدرُ على فتحِ الباب، في بعضِ الزنزانات حتى التيار الكهربائي الإنارة ليست بيدك هي بيد السّجان؛ الساعة 10 يُزيل الإنارة، يفتحها الساعة 5 عندما يحينَ الغروب، فيُلغي كيانك ووجودك يا أُستاذ؛ أنتَ لا تُفكر في طعامك ولا تختارُ طعامك ويؤتى لكَ طعامٌ أنت سترغبُ فيهِ أو لا ترغب لا يهُم بالكمية اللي تكفيك أو لا تكفيك لا يهُم، أوقاتُ الطعامِ يُقررها غيرك، إحنا تعودنا في بيوتنا 3 وجبات في السجن أصبحَ عندنا وجبتين فقط: الوجبة الأُولى الساعة 11 والوجبة الثانية الساعة 4- 4.5، في قهوة إذن في الصباح!! في شُرب حليب!! ما فيش، ألستُ حُراً في التصرُفِ في مالك؟ ليسَ لكَ مال، مالُكَ يؤتى بهِ إلى الإدارة وأنتَ تطلبُ من الإدارة أن يُشترى لك بهِ ويقولون نعم أو لا، هذهِ المؤسسة الرهيبة يا أُستاذ من بينِ ما تقضي عليهِ في الجماعات السياسية والجماعات النقابية تقضي على تلكَ العلاقة النضالية التي تقوم بالأفراد، مرة من المرات عم البشير الشنوفي رحمهُ الله هذا مُدير السِجن ناداني كانَ هو يُنادي في كُلِ سهرٍ، الساعة 8.30 يُفتَح الباب وأُخرَج من الزنزانة ليلاً وأروح إلى غُرفة عم بشير، غُرفة عم بشير كانَ يعني يشرب فيها ما بدا لهُ، يُقضي سهرتهُ لكن بحضوري وكانَ يستأنسُ بي، ليش؟ للفُكاهة والحديثُ اللطيف وأنا قضيت مُدة طويلة وأنا والعم بشير، فمرة من المرات سألني قالَ لي: ليش ما تتخاصموا أنتم؟ ليش لماذا لا تتخاصمون؟؟

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: قُلتُ لهُ نتخاصم!! ليش؟؟ إحنا نتخاصم!!

أحمد منصور: أنتَ وإخوانك يعني في الزنزانة.

عبد الفتاح مورو: آه، قالَ لي كيفَ!! قالَ لي: ألا تعلم بأنَّ كُلَ الذينَ مروا بهذهِ الزنزانات قبلكم من نقابيين وسياسيين وحقوقيين كانت تنتهي مُدةُ سجنهم بانقسامهم إلى فِرقٍ مُتعددةٍ وكُنا نضعُ تحتَ الشبابيك مَن يحرسُهم ليلاً ليستمعَ إلى خطابهم ليلاً، كانَ بعضهم يصلُ إلى حدِ الأيدي والمسكِ من الوجه والضرب وكانوا يأتونَ بهم إلى التمريض لمُداواتهم، قُلتُ لهُ: واللهِ إحنا يا عم بشير إحنا ما عندنا هذا، الأمر الثالث حصلَ فينا شيء من هذا لكن مش إلى هذا المُستوى.

أحمد منصور: اسمح لي أبدأ الحلقة القادمة ببعض الخِلافات التي نشأت بينَ قيادات الاتجاه الإسلامي في السجن في الفترة من 1981- 1984 والنقاشات التي خرجتُم بها وأيضاً بعض الأمور الأُخرى حتى تمَ الإفراج عنكم، أشكُرك شُكراً جزيلاً كما أشكُركم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتكم في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نواصلُ الاستماع إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضةِ في تونس ونائبِ رئيسها، في الختامِ أنقلُ لكُم تحياتِ فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.