يكشف عبد الفتاح مورو -أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية- عن تفاصيل تتعلق بوضع الإسلاميين بعد انكشاف تنظيمهم السري عام 1986، وطلبه اللجوء السياسي في فرنسا وألمانيا، ثم استقراره في السعودية، وقصة اللقاء الذي جمعه بالملك الراحل فهد بن عبد العزيز.  

ويؤكد أن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي هو الذي كان يعمل على تخويف سلفه  الحبيب بورقيبة من الإسلاميين، من خلال معلومات وتقارير مغلوطة كان يقدمها له يوميا في الفترة التي سبقت انقلابه على الرئيس الراحل عام 1987.      

فبن علي الذي كان يسعى للسلطة في تلك الفترة -يضيف مورو في شهادته العاشرة لبرنامج شاهد على العصر- استغل علاقته بسعيدة ساسي (ابنة أخت بورقيبة) من أجل التأثير على بورقيبة، الذي كان في تلك الفترة قد فقد القرار بعدما عُزل عن محيطه الخاص.

ويكشف مورو أن بن علي لم يكن سوى مجرد جندي صغير، لكنه ارتقى إلى سلم المسؤوليات بفعل مصاهرته للجنرال علي الكافي، وقال إن القوى الدولية هي التي نصبت بن علي ليكون رئيسا على تونس رغم أنه لم يكن يملك حتى شهادة البكالوريا.

ومضى مورو يؤكد أن تونس في تلك الفترة لم يكن القرار فيها بيد العقلاء، وكان التحرك ضد الإسلاميين يتم من خلال المؤسسة الأمنية، حيث تعرض نشطاء حركة "الاتجاه الإسلامي" بعد انكشاف تنظيمها السري عام 1986 إلى اعتقالات شملت ثمانية آلاف عضو، قتل منهم عشرة تحت التعذيب، إضافة إلى أن المحاكمة أوكلت لمحكمة أمن الدولة.  

ويقر ضيف "شاهد على العصر" بأن الحركة كان لديها جناح عسكري تم كشفه عام 1986، لكنه يؤكد -في المقابل- أن السلطات التونسية كانت على قناعة ومعرفة تامة بأنه لم يكن معدا لأي عمل ضد النظام.

ويؤكد مورو في شهادته العاشرة أنه كان يراقب الأوضاع التي تمر بها حركة "الاتجاه الإسلامي" من خارج تونس، وبالتحديد من السعودية التي لجأ إليها بعد عدم تمكنه من الحصول على اللجوء السياسي في كل من فرنسا وألمانيا.

مورو يصف محاكمة الإسلاميين بالهزلية (الجزيرة) video

لقاء الملك
وقبل انتقاله إلى السعودية، كان مسؤول النهضة التونسية قد التقى في فرنسا عام 1986 الرئيس الراحل فرانسوا ميتران في شقة خاصة في أحد أحياء العاصمة باريس، وهو اللقاء الذي يكشف مورو أنه استمر أكثر من أربع ساعات، وتقدم فيه بطلب اللجوء السياسي في فرنسا، لكن ميتران أكد له أن رئيس الدولة لا يمكنه البت في هذا الموضوع لأنه محكوم بنصوص قانونية، وهو نفس رد السلطات في ألمانيا.

وفي السعودية، يكشف مورو أن السلطات هناك منحته الإقامة وجواز سفر سعودي، لكنها اشترطت عليه في المقابل -بشكل ضمني-عدم الاشتغال في السياسية، وهو الأمر الذي جعله يرفض السماح لسفير ليبيا في المملكة بمواصلة الحديث -في منزل السفير- عن رغبة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي  في لقاء مورو بليبيا، وقال مورو لمضيفه "أنا تعهدت بعدم الاشتغال في السياسة بالسعودية".

ويقول مورو في شهادته إنه أبلغ سفير ليبيا بعدم ممانعته بلقائه خارج الأراضي السعودية والحديث عن لقاء القذافي، وهو ما جرى بعد أيام في نيقوسيا بقبرص، وهناك التقى القذافي قبل الإطاحة ببورقيبة عام 1987.

ومن الأسرار التي كشفها مورو في شهادته قصة لقائه الخاص مع الملك فهد خلال إقامته في السعودية، والذي تسبب في احتجاج السلطات التونسية على الرياض.  

ويروي أنه في يناير/كانون الثاني 1987، جاءه اتصال هاتفي من الديوان الملكي في السعودية يخبره أن الملك فهد يريد مخاطبته، لكنه ظن أن الأمر يتعلق بسخرية من شخص ما، ليتبين له أن الملك هو من يتحدث معه شخصيا وطلب منه أن يذهب إليه في الرياض.

ويقول مورو إنه أصر على أن يحمل هدية للملك، لكن مشكلته أنه لم يكن يملك سوى خمسمئة ريال سعودي في جيبه، ليضطر بعدها إلى شراء مزهرية جميلة، قدمها للملك وهو يذكره بقصة سيدنا سليمان وحبة القمح التي قدمتها له ملكة النمل، قائلا له "إن الهدايا على قدر مهديها"، فأقبل الملك على تقبيل رأسه.

ويشيد مورو بالملكين السعوديين الراحلين فهد وعبد الله لأنهما أكرماه وأحسنا إليه. 

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: أهديت الملك فهد مزهرية بخمسمئة ريال ج10

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 31/5/2015

المحاور:

- لجوء سياسي ولقاء مع ميتران

- واقعة انكشاف تنظيم حركة الاتجاه الإسلامي

- دهاء بن علي للوصول إلى السلطة

- تفاصيل اللقاء مع الملك السعودي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً تحية طيبة.

أحمد منصور: ذهبت إلى باريس بشكلٍ غريب اتخذت قرارك بالسفر في يومٍ وليلة أو في ساعات ربما بعدما أعلمت الشيخ راشد الغنوشي بذلك، وصلت إلى فرنسا هل كان لديك مخطط ماذا ستفعل في فرنسا؟

عبد الفتاح مورو: أبداً كان بعض أقاربي يقطنون في باريس فأشعرتهم عندما وصلت المطار وجاءت سيارة فأخذتني، في اليوم الموالي أنا نزلت إلى الشانزلزيه للفرجة والتفسح في شهر يوليو.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فصادفني أحد أصدقائي القدامى مستعرب فرنسي الجنسية منتمي للحزب الاشتراكي.

أحمد منصور: الذي كان يرأسه ميتران؟

عبد الفتاح مورو: نعم، وهذا الرجل لا أذكر اسمه لأنه لم يسمح لي بذلك حصل حديثٌ بيني وبينه على فنجان قهوة في إحدى المقاهي، الوضع في تونس تحليل الوضع ما الذي جاء بي، قلت له جئت أن أفتش عن لجوءٍ سياسي لأني أشعر أن الوضع في تونس سيصل إلى الانسداد وربما الاعتداء على الحركة وبورقيبة في تلك الفترة لم يكن صاحب قراره، كان القرار يُتخذ حوله ويُفرض عليه فيتصدى هو له، هذا الحديث أثار فضوله لأن هذا الرجل كان يعتبرني صاحب فضلٍ عليه مع أنني لست صاحب فضل، كان كلما أتى إلى تونس يفتش عن المآثر المسيحية القديمة في مدينة تونس العاصمة فكنت آخذه نهج سيدي صابر ونهج المونيغات والمرجانية ونهج الشيخ صالح وغيرها ونهج الكنيسة ونهج الديوانة القديمة وهذه أنهج قديمة في تونس كان لها تاريخٌ مع المسيحيين كانوا ينزلون فيها أو يُطببون فيها أو كانت أديرةً قديمةً تُركت بعد ذلك لا يعرفها إلا من له معرفةٌ بخفايا الأمور في البلد.

أحمد منصور: نعم.

لجوء سياسي ولقاء مع ميتران

عبد الفتاح مورو: فكنت آخذه إليها يصورها يزورها وكانت هذه تُثري معلوماته فأراد أن يقدم لي خدمةً وعرض عليّ في اليوم الموالي في لقاءٍ ضبطناه قبل، أن أعرض الأمر على الدوائر الحكومية، قال لي ليش ما تشوف رئيس الجمهورية؟ قلت له أنا لا علاقة لي ثم أنا في الحقيقة أنا في وضع لا يسمح لي بأن أكون على مستوى رئاسة جمهورية، قال لي أنا ممكن أن أُدبر أمر في لقاءٍ خاص.

أحمد منصور: مع فرانسوا ميتران؟

عبد الفتاح مورو: نعم، أنا هذا اللقاء تكتمت عليه كثيراً بعد ذلك، ليش؟ لتخوفي من التهم التي في العادة تُلصق بنا نحن الإسلاميون وخاصةً لقضية العمالة ومع أقربها إلى ألسنة أبنائنا في داخلنا قضية العمالة، لكن الآن مرت الأيام والقضية لم تأخذ بُعداً سياسياً كان في بُعد شبه ثقافي لأن هذا اللقاء الذي حصل بعيداً عن مؤسسات الدولة وفي يبدو في شقةٍ خاصةٍ.

أحمد منصور: يعني التقاك ميتران في مكانٍ خاص؟

عبد الفتاح مورو: في شقة خاصة، في شقة خاصة.

أحمد منصور: لم يستقبلك بشكل رسمي؟

عبد الفتاح مورو: لا لا لا أبداً أبداً.

أحمد منصور: كان الأمر مُتكتماً عليه؟

عبد الفتاح مورو: مُتكتماً عليه وبعيداً عن الأنظار لا فيه لا صحافة ولا شيء، وكان يبدو في حيٍ من أحياء باريس الذي له فيه شقةٌ كان ينزل في مشربٍ صغير يلاعب بعض أقرانه من القدامى الذين يشاركونه في نفس العُمر يلعب معهم الورق أو شيء لأنه شاهدنا من بعيد يخرج من هذا المكان وبعدها بربع ساعة صعدنا إلى الشقة، هذا اللقاء كان مُقرر له أن يكون لقاء طلبٍ وردٍ فقط، أن أعرض وضعيتي وفعلاً عرضت وضعيتي فسأل كما يسأل الرؤساء عن الأوضاع السياسية، أنا حللتها بطريقتي البدائية الخاصة لأني لست مثله قلت أن الرئيس الحبيب بورقيبة يعني هو الذي حدد هذا المسار الذي انتهى إليه الآن، لأن الحبيب بورقيبة حدد هذا المسار بإعلانه سنة 1975 أن يصبح رئيساً مدى الحياة، ولم يأخذ بعين الاعتبار ضعف قوته وما ينجر عن ذلك من رغبةٍ في تحدي هذا القانون للحصول على خلافته فأصبحت قضية الخلافة هي القضية الهامة وأن الحركة الإسلامية التي أنتمي إليها هي حركة كان المفروض أن لا تُدخل السجون وأن تبقى في النسيج الاجتماعي الوطني مُخاطباً كُفؤاً مع بقية الأطراف السياسية، يعني تطرق الحديث إلى جوانب متعددة.

أحمد منصور: هل كان يسأل أسئلة الذي لا يعرف أم أنه كانت لديه معلومات هو يريد أن يستوثق؟

عبد الفتاح مورو: في الحقيقة كان هو الذي يُقدم وجهة نظرٍ فكنت مُضطراً أن أخفف من وطئتها علينا لأنه عندما يتحدث عن التدين باعتبار أن التدين لا يجتمع مع العمل السياسي وأنه لا يمكن أن تكون حركة دينية وسياسية في الآن نفسه.

أحمد منصور: على اعتبار ما فهمه هو؟

عبد الفتاح مورو: أنا كنت المفروض عليّ أن أتقدم بتصحيحٍ لهذه النظرة وأقول أن العمل الديني بمفهومه الحضاري مش..

أحمد منصور: مع أنه قيل أن ميتران كان متديناً ويقرأ في التوراة كل يوم قبل أن ينام وأشياء من هذا؟

عبد الفتاح مورو: هذا لا أعلمه لكن الذي أعلمه أن الرجل مثقف ثقافة عميقة، أن الرجل مُفكر، أن الرجل بُهر بأن الذي يخاطبه يعرف المحطات الكبرى للآداب الفرنسية منذ القرن 16 إلى القرن الـ 20 وهذا أدخل سروراً على نفسه فوجد نفسه يتحدث مع شخصٍ على بينةٍ من خلفية الثقافة الفرنسة والحضارة الفرنسية.

أحمد منصور: أنت طبعاً تتقن الفرنسية والألمانية؟

عبد الفتاح مورو: نعم أنا كنت أتكلم بالفرنسية وكنت محطاتي هي غارغون تيا بونتو غروييل وبعد ذلك حتى وصلنا لمارتينو فيكتور هيغو مروراً برونسال مروراً ليه مارتيه مروراً بروسو وغيره وديدرو وغيره من جهابذة الفكر الفرنسي الذين درسناهم بكل إتقان في الصادقية ثم في الجامعة وهذا ما جعلني وجعله يرتاح إلى الحديث ويجعل الكلام انسيابيا وينتهي بعد ساعات ينتهي بعد ساعات إلى..

أحمد منصور: كم مدة اللقاء استمرت؟

عبد الفتاح مورو: أنا أتصور 3 ساعات ونصف، 4 ساعات ربما أكثر من 4 ساعات لأنا خرجنا في ساعة متأخرة من الليل، والليل يبدأ.

أحمد منصور: ما خلاصة ما دار بينك وبينه؟

عبد الفتاح مورو: في الأخير النهاية انتهت إلى أن الطلب الذي أقدمه هو طلبٌ لا يمكن البت فيه من رئيس الدولة لأن هذا الطلب محكومٌ بنصوصٍ قانونيةٍ.

أحمد منصور: اللي هو اللجوء السياسي؟

عبد الفتاح مورو: تفرض عليّ وثيقة أساسية هي هل هناك متابعةٌ جزائيةٌ ضدي، هل هناك تضييقٌ على حريتي بحُكمٍ سالبٍ للحرية أو بمتابعة جزائية يُخشى المآل منها وهذا أفحمني لأن هذا في الحقيقة هو النص القانوني ورئيس الدولة لا يستطيع أن يمنح أكثر مما يمنحه القانون من واجبات وحقوق.

أحمد منصور: هل ترتب شيء على هذا اللقاء أم؟

عبد الفتاح مورو: أبداً، أبداً لم يترتب عليه شيء إلا انطباع إيجابي في نفسي عن الرجل وعن ثقافته وعن قدرته، الرجل يُحسن الحديث ويُحسن الكلام وتتلذذ بالسماع إليه يعني هذا من رؤساء الدولة الذين يحسنون الخطاب، يعني في ناس في فرنسا مثل الجنرال ديغول مثلاً شيراك منهم وميتران منهم يعني لا يُقاسوا ببقية الرؤساء الذين لا يُحسنون الخطاب رغم كون بعضهم محامون ولكن لا يرتقون إلى نفس المستوى.

أحمد منصور: في 6 يوليو 1986 انكشف أو وقع أكبر انكشاف في تاريخ الحركة الإسلامية، كنت لا زلت في فرنسا؟

عبد الفتاح مورو: لا لا أنا لم أبق في فرنسا إلا.

أحمد منصور: أياماً معدودة؟

عبد الفتاح مورو: أياماً معدودة لا تتجاوز 3، 4 أيام.

أحمد منصور: بعدها ذهبت إلى ألمانيا؟

عبد الفتاح مورو: اضطررت للذهاب إلى ألمانيا لأسعى بنفس المسعى.

أحمد منصور: التقيت مع هيلموت شميت؟

عبد الفتاح مورو: التقيت بواسطة زميل محامي ألماني كان مراسلاً لي في قضيةٍ سابقةٍ وهذا استعنت به فكان ينتمي إلى SPD يعني الحزب الاشتراكي، وأنت شايف أن الاشتراكيين هم أقرب إلى طالبي اللجوء والذين يرغبون في الحماية، فرُحنا.

أحمد منصور: طبعاً هيلموت شميت كان مستشار لألمانيا الغربية من 1974 لـ 1982 لكن في هذا الوقت كان محامياً؟

عبد الفتاح مورو: كان محامياً وإحنا رحنا له إلى ضيعة ضيعة قريبة من بون أو كذا يعني أو مش عارف يعني مكان ربما راجع له ربما راجع لأقاربه وكذا، استقبلني في هذا البيت شبه الريفي وهذا الرجل كان يستعمل هذه نسميها إحنا نسميها النفة أنتم تسمونها الشمة ربما.

أحمد منصور: النشوق.

عبد الفتاح مورو: النشوق نعم، هذا كان نوع من النشوق الفاخر لونه أخضر وهذا يتميز به الأرستقراطيون.

أحمد منصور: والأفغان أيضاً، الأفغان يستخدمونه؟

عبد الفتاح مورو: لا عاد يعني استعماله، لا بكياسة ولطافة لأن الشكل.

أحمد منصور: طبعاً تطور بعد كده وبقى هيروين يعني؟

عبد الفتاح مورو: إيه الشكل مُؤثر لكن أنا، على كل حال أنا لم أشارك فيه، فيعني فالرجل قابلني باعتباري زميل محامي ثم باعتباري أتحدث الألمانية وأتكلم الألمانية وأنا سبق لي أن زرت هذه المناطق قبلاً عندما كنت شاباً فوجد راحةً في الحديث معي، وكان الانطباع النهائي هو لم يسأل كثيراً عن الواقع التونسي يبدو أنه معزول عنه، لكن في الأخير كان نفس الرد وأنه إن كان هناك متابعة جزائية فمستعد أن يساعدني على الحصول على إقامةٍ هناك باعتباري لاجئاً سياسياً.

أحمد منصور: في الوقت ده لم يكن هناك أي أحكام صدرت عليك ولا شيء؟

عبد الفتاح مورو: أبداً.

أحمد منصور: قررت أن تذهب إلى السعودية؟

عبد الفتاح مورو: اتصلت بالسفارة السعودية.

أحمد منصور: في ألمانيا؟

عبد الفتاح مورو: نعم في بون لأن السفارة كانت في بون في تلك الفترة.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: وطلبت من السفير أن يعطيني تأشيرة وأن يُسفرني، فكان غريب هذا الطلب هذا غريب، كيف أنا، فرأي فيّ الجِد في الطلب وقلت له استشر رؤساءك وأنا تعمدت ذلك لأنه ما عندي إمكانية السفر.

أحمد منصور: آه أنت طالع بهدومك يعني؟

عبد الفتاح مورو: أنا طلعت بما يساوي 100 دينار يعني تقريباً 50 دولار أو 60 دولار.

أحمد منصور: طريقة خروجك غريبة كأنك كنت في ضائقةٍ شديدة؟

عبد الفتاح مورو: إي،  إي خرجت بسفر يعني ما كنش عندي حتى أموال كافية لأتركها لزوجتي ولأبنائي، لما وصلت فرنسا كلمت صهري قلت له أنا مُتغيب في فرنسا وأنت اشتغل بشقيقتك وأبناء شقيقتك، قال لي ليش؟ قلت له والله سأقول لك فيما بعد، حتى زوجتي علمت عندما كنت في فرنسا، يعني كان في نازع يفرض علي أن أخرج لا أعرف لماذا، مع أنه لم يكن في لا تتبع ولا شيء.

أحمد منصور: بس أنت من طبيعتك يعني من طبيعتك حبك لبلدك والبقاء فيها يعني أنت بقيت في ظروف أصعب بعد ذلك؟

عبد الفتاح مورو: صح.

أحمد منصور: فاتخاذ قرار الخروج هذا وبهذه الطريقة والإصرار عليها يعني؟

عبد الفتاح مورو: هذا ليس بيدي وليس قدري.

أحمد منصور: وما عندك تفسير له إلى الآن؟

عبد الفتاح مورو: لا أفسره أبداً لكن ما رأيته بعد ذلك يبدو أنه عناية إلهية فقط، هذا الفهم البسيط لشخصي.

أحمد منصور: ذهبت إلى السعودية؟

عبد الفتاح مورو: فخاطب الدوائر السعودية وقال لهم فلان الفلاني قالوا له خذ له خذ له تذكرة طائرة فأخذ لي تذكرة طائرة وأعطاني تأشيرة ورحت لقيت روحي ضيف على رابطة العالم الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي هي التي أسكنتني عند مبنى في مكة سكنت في مكة والتقيت بالأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله نصيف وهو بقيد الحياة الآن أمد الله في عمره، هذا الرجل تفهمني فهماً كبيراً وقال لي إيش في إيش في تونس قلت له في لا رجعة يبدو أن مصيبة 1981 ستتكرر.

أحمد منصور: كل ده ولسه تنظيم يوليو ما انكشف؟

عبد الفتاح مورو: لا لا قبل الانكشاف، أنا لا أعلم بشيء من ذلك لكن هذا الحدث هذا الشعور الذاتي فعرض عليّ أن استقر هناك للعمل.

أحمد منصور: في الرابطة؟

عبد الفتاح مورو: لا، طلب مني أن أعمل مع الشيخ بن باز في مؤسسة الدعوة والإرشاد والإفتاء فقلت له هذا الشيخ بن باز أجله وأحترمه لكن أنا لا أستطيع أن أعمل معه، ما هذا مجالي قال لي تشتغل معنا قلت له أشتغل إيش تحبوا؟ قال لي اختار، قلت له عندكم مستشار قانوني؟ قال لي لأ، قلت له أنا ممكن أن أكون مستشار قانوني يعني أفض الإشكالات القانونية وخاصة قضية الاتفاقات التي تحصل بين رابطة العالم الإسلامي والدول التي تُفتح فيها اعتمادات نيابةٍ في تلك البلاد، يعني تأتي رابطة العالم الإسلامي تفتح نيابة في لوزان أو تفتح نيابة في ألمانيا وغيرها، هنا تحتاج.

أحمد منصور: تقصد مكاتب يعني مكاتب؟

عبد الفتاح مورو: مكاتب، فتحتاج إلى اتفاقية.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فكنت أنا أكتب هذه الاتفاقيات.

أحمد منصور: وتتقن 3 لغات وتستطيع أن ترتب الأمور؟

عبد الفتاح مورو: وهذا يسر لي لكن أنا فاهم وهم يفهمون أني لم أدخل بصفةٍ عادية أنا دخلت لاجئاً سياسياً، السعودية ما فيش لاجئ سياسي لكن مفهوم أني لاجئ سياسي فأنا قُدِم ملفي.

أحمد منصور: يعني أنت كده دخلت بموافقة السُلطات السعودية العُليا؟

عبد الفتاح مورو: يقيناً وبعلمها، بعلمها لأنه.

أحمد منصور: لم تدخل كشخص عادي؟

عبد الفتاح مورو: لم أدخل كشخص عادي ولذلك أنا أُعطيت إقامةً ثم أُعطيت جواز سفر سعودي.

أحمد منصور: آه أعطوك جواز سفر سعودي؟

عبد الفتاح مورو: نعم وهذه عناية لا يتمتع بها الكثيرون.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: أنت عارف أُعطيت جواز سفر سعودي يسّر لي قضية التنقل، ما الذي طلبوه مني في المقابل؟ طلب ضمني فهمته وأنا أفصحت عنه بعد ذلك هو أن لا أشتغل بالسياسة بذلك البلد وهذا يقيناً هو عين الصواب.

أحمد منصور: كل الدول اللي تمنح لجوء سياسي بتطلب ده من الناس؟

عبد الفتاح مورو: هو لم يُطلب مني لكن أنا أفصحت عنه ولذلك كان تصرفي في حدود احترام الواقع الذي عشته حتى أنه حصلت لي قضية مضايقة، موقف، مرة من المرات ربما يأتي الحديث عنها بعد كلمني في التلفون سفير ليبيا ودعاني إلى غداء .

أحمد منصور: في الرياض؟

عبد الفتاح مورو: فانتقلت للغداء في بيته وهناك فاتحني برغبة العقيد القذافي في أن يلتقيني بليبيا، فوقفت، لم يكن معنا ثالثٌ إلا الله، وقفت قال لي إيش في؟ قلت له رجاءاً لا تحدثني في هذا الموضوع هذا الموضوع سياسي، قال لي إيش المانع؟ قلت له المانع أني عندما دخلت أنا تعهدت بألا أشتغل بالسياسة، قال لي إحنا بيننا الاثنين من يراقبنا، قلت له الذي يراقبني هو ضميري ولذلك لا تكلمني في هذا الموضوع، قال لي كيف نفعل؟ قلت له حدد لي موعداً ومكاناً خارج المملكة وأنا مستعد أن أتنقل وفعلاً حدد لي موعداً ومكاناً هو نيقوسيا فرحت إلى قبرص بعد كم يوماً والتقيت فيه وتحدثت معه في قضية الزيارة التي طلبها مني إلى الرئيس القذافي.

أحمد منصور: وذهبت للقذافي؟

عبد الفتاح مورو: وذهبت للقذافي، فأنا.

أحمد منصور: متى، كان بعد الإطاحة ببورقيبة؟

عبد الفتاح مورو: لأ قبل الإطاحة ببورقيبة.

واقعة انكشاف تنظيم حركة الاتجاه الإسلامي

أحمد منصور: بعد انكشاف التنظيم؟

عبد الفتاح مورو: بعد انكشافه يعني في 1987 تصور قبل شهر أو شهر ونصف تقريباً من وقوع التغيير في تونس.

أحمد منصور: طيب أنا عايز أرجع هنا بقى لانكشاف التنظيم، إيه اللي اكتشفوه بالضبط؟

عبد الفتاح مورو: كشفوا كل أدبيات الحركة الهياكل التنظيمية المكاتب الموسعة لأنه التنظيم تغير بعد 1984.

أحمد منصور: أصبح تضخم التنظيم؟

عبد الفتاح مورو: تضخم التنظيم .

أحمد منصور: وأصبح فيه إدارات كثيرة؟

عبد الفتاح مورو: في إدارات مجمعات نسميها مجمع، مجمع ثقافي مجمع فكري مجمع إعلامي والمجمع فيه مجموعة من المكاتب المختلفة هذه كلها كُشفت.

أحمد منصور: هذا كان جهاز بيروقراطي جوه الحركة؟

عبد الفتاح مورو: ليش؟ لأنك أنت لا تستطيع أن تتحكم في الواقع إلا بإدارة قوية.

أحمد منصور: لكن أنتم جماعة سرية غير معلنة غير مسموح لكم بالعمل؟

عبد الفتاح مورو: هذه المفارقة أستاذ، يعني أنت تضحي لصالح السرية تضحي بالانضباط الإداري تضحي بالقرارات أنت عندما تتخذ قراراً من يضمن أن بعد 6 أشهر يبقى هذا القرار في أذهان الناس تحتاج إلى مرجع تحتاج إلى من صوّت عليه لمصداقيته، فهذه مفارقة تحصل فيمن يريد أن يضمن في الآن نفسه قياماً سرياً وأن يضمن في الآن نفسه نجاعةً إدارية وانضباطاً إدارياً، الحركة هذه تميزت بإصرارها طوال مراحل وجودها رغماً عن الانكشافات بأنها تحتفظ بإدارةٍ ثابتةٍ، هذا إيجابي.

أحمد منصور: إيه الآثار اللي انعكست على هذا الانكشاف، بردو كشفوكم وما قبضوش عليكم؟

عبد الفتاح مورو: لأ هذا كما حصل الانكشاف في فيما قبلها في 1980.

أحمد منصور: في سنة 1980.

عبد الفتاح مورو: بدأ الناس يتهيئون للمحاكمة في انكشاف 1986 يتهيئون للمحاكمة وعلى قدر الانكشاف وعلى قدر.

أحمد منصور: ولكن انكشاف 1986 كان مرعب لأنه أظهر أن هناك دولةً تديرها حركة الاتجاه الإسلامي داخل الدولة الحدودية؟

عبد الفتاح مورو: ولذلك كانت المحاكمة مرعبةً، المحاكمة لم تكن على قدر محاكمة 1981، محاكمة 1981 من أجل جُنحٍ بسيطة وتمت في محكمة عادية هذه المحاكمة تحولت لمحكمة أمن الدولة وخاصةً بعد المظاهرة التي حصلت في إبريل .

أحمد منصور: إبريل؟

عبد الفتاح مورو: هذه مظاهرة كبيرة فرضت على النظام أن ينقل ملف القضية من المحاكم المدنية إلى محكمة أمن الدولة أصبحت القصية تهم أمن الدولة وأصبحت مهددة بالإعدام.

أحمد منصور: وأصبح لا مجال لإستمرار الحوار مع النظام، وأن الصدام قادمٌ لا محالة وبعد يومين من انكشاف التنظيم تمت الإطاحة بمحمد مزالي الذي رفع بورقيبة يده معه في مؤتمر الحزب قبل أسابيع وقال هذا خليفتي؟

عبد الفتاح مورو: بورقيبة فعل ذلك مع الكثيرين من بينهم الأستاذ أحمد بن صالح فعل ذلك مع الهادي نويرة، الذي يشعر بأن مهمته قد انتهت يتخلى عنه ليوفر لنفسه السلامة وسلامة البقاء والاستمرار، محمد مزالي لم يرتكب جريرة حتى أنه عندما هرب وهذا مُخزِ لدولةٍ كتونس أن يُضطر رئيس حكومتها إلى التخفي في لباس بدوي وأن يمر بالحدود على رجليه وأن يُضطر إلى الهروب كما يهرب المهربون للمخدرات و..

أحمد منصور: روى لي قصة هروبه في شهادته على العصر.

عبد الفتاح مورو: هذا مخزٍ يعني هذا الوطن يجب أن يعتذر عن ذلك.

أحمد منصور: الانكشاف أغلق المجال للحوار أدى إلى انتظار المواجهة، الحركة بدأت تُصعد من التظاهرات لاسيما الطلبة، الحركة سعت لعقد مؤتمر مثل المرة الأولى سُمي مؤتمر المضامين في حي المنار في نهاية ديسمبر 1986، تابعت ما كان يجري؟

عبد الفتاح مورو: كنت أتابع كنت أتابع هذا الواقع والثابت أن الحركة تمسكت بحقها الدعوي وحقها في الحضور في المساجد وأنا في تصوري هذا لا يتماشى ومنطق الصدام القادم لأن ما دام في صدام لماذا نُعجل به؟ لكن كان في رأي البعض الآخر من الحركة أنه ما دام الصدام جاي لماذا نتنازل عن حقنا في التواجد في المساجد باعتبار أن هناك قانون مساجد سُنّ يمنعنا من أن نتواجد إلا بترخيص وأصبح يُحرم أي واحد من الحركة أن يتناول الكلمة في مسجدٍ من المساجد وهذا كان سبب صدام هو الذي أجج الخصومة مع السُلطة.

أحمد منصور: بس هذا مذهبك أنت في المرة الماضية في محنة 1981 قلت لي طالما أنه سيُقبض علي لماذا يُقبض علي أو وأنا قاعد؟ يُقبض علي وأنا أتحرك وأذهب إلى المساجد؟

عبد الفتاح مورو: لكن الخطورة في الثمن الذي يُقدم والثمن كان باهظاً لأن هذه المحاكمة تأتي لأحكام إعدام.

أحمد منصور: غير أحكام الإعدام قُبض على أكثر من 6 آلاف من النهضة وقُتل أكثر من 10 تحت التعذيب وبالرصاص؟

عبد الفتاح مورو: الذين قُبض عليهم 8 آلاف أستاذ.

أحمد منصور: 8 آلاف؟

عبد الفتاح مورو: 8 آلاف والذين قُتلوا أكثر من 10 تحت التعذيب.

أحمد منصور: محمد مزالي في شهادته معي على العصر يقول، وأنا هذا الكلام أقوله إنصافاً للتاريخ هو نفسه يقول: "أحب أن أقول نقطةً للتاريخ هي أنه إلى يوم إقالتي في الثامن من يوليو عام 1986 كانت الجماعة حرة والشيخ راشد الغنوشي حرٌ يتنقل ويجتمع، بعد إقالتي وقعت مطاردتهم وُضع الغنوشي في إقامة جبرية في نوفمبر عام 1986 معناه أنه بعد 4 أشهر على  عزلي وهروبي تم إلقاء القبض على الغنوشي في مارس عام 1987، لا أريد من الناس أن ينسوا هذه الفترة، ده مزالي اللي بقول، "بعد إلقاء القبض على الغنوشي في مارس 1987 بدأت المصادمات والمظاهرات ونُظمت بين قوسين المحاكمة المأساة الهزلية في سبتمبر عام 1987 وقد أصدرت كتاباً رسالة مفتوحة إلى بورقيبة من منفاي في باريس وأولادي في السجن وناصرت هؤلاء الإخوة وشجبت المحاكمة المهزلة لأني أدافع عن حقوق الإنسان وعن التونسيين مهما كانت أفكارهم"، هذا كلام مزالي لي في هذا البرنامج مُوثق أقوله إنصافاً للرجل والتاريخ وهو بين يدي ربه.

عبد الفتاح مورو: شوف الوضع اللي كانت تعيشه تونس في تلك الفترة هو وضع تذبذب، لم يكن القرار في يد أحدٍ من العقلاء، كان الخصومة كلها على خلافة بورقيبة، من يحوز قرباً من بورقيبة، الجماعة التي أبعدت وسيلة والتي أبعدت محمد مزالي هذه جماعة لم يكن لها برنامج ولم يكن بين يديها قدرة على تحريك الساحة السياسية ولذلك تحركت من خلال المؤسسة الأمنية وهذا التحرك للمؤسسة الأمنية لم يكن مدروساً بشكلٍ جعل هذه المحاكمة مهزلة، القاضي الذي تم اختياره في مستوى من الهزالِ والضعف والجهل والتذبذب بما جعل هذه المحاكمة محاكمةً للنظام وليست محاكمةً لحركة الاتجاه الإسلامي.

أحمد منصور: أنا سأجيء للمُحاكمة لأنَّ المُحاكمة كانت في سبتمبر وأنا لسه ده الوقتِ معك لسه في شهر سأقول ديسمبر 1986 اللي هو مؤتمر المضامين، هل صحيح أنَّ الذي يعني جننَ النظامَ مُنكم هو أنهُ كان هناكَ جناحٌ عسكريٌّ للحركة من بينِ الأشياءِ التي كُشفَت؟

عبد الفتاح مورو: صحيح، لكن النظام كانَ يدري أنَّ هذا الجناح العسكري لم يكُن مُعَداً للقيامِ بانقلابٍ أو عملٍ مُخالفٍ للقانون لأنَّ حِكمة النظام في فهمِ الأطراف الذينَ ضُبطوا يجعلُ هؤلاءِ غيرَ قادرينَ إن أرادوا أو رغبوا على القيامِ بأيِّ عملٍ عسكريٍّ؛ هؤلاءِ كانوا حمايةً للحُريةِ فقط، لا تستطيعَ أن تقومَ بانقلابٍ بأُناسٍ مُتفرقين عددهم لا يتجاوزُ الـ 10 أنفار أو الـ 15 نفراً وليسوا في مواقع حساسة، لا تستطيع أن تفعلَ ذلك، أنتَ للقيامِ بانقلاب تحتاج أن يكونَ لك انتشارٌ على كامل البلد وأن يكونَ لكَ تحكمٌ في كُل الآليات العسكرية المُتواجدة في أطراف البلدِ وهذا..

أحمد منصور: دول كانوا موظفين في الدولة؟ كانوا عسكريين في الدولة؟

عبد الفتاح مورو: نعم أنا...

أحمد منصور: في دي ولا في الانقلاب الآخر حينما قامَ بن علي بانقلابهِ كانَ لكُم تنظيم آخر لم يتحرك!!

عبد الفتاح مورو: لأ هذا ادّعاها بعضُ أفراد الحركة وأنا أتحدث نقلاً عمّا قيل لك يكُن لي علمٌ مُباشرٌ بذلكّ أبداً أولاً لأني كُنت بالسعودية في تلكَ الفترة.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: ثُمَ أنَا لم يكُن في علمي ولا في ذهني أنَّ هناكَ تنظيماً عسكرياً أصلاً.

[فاصل إعلاني]

دهاء بن علي للوصول إلى السلطة

أحمد منصور: أصبحَ بن علي هو القريب المُقرَّب من بورقيبة وهو الذي يُسيطرُ عليهِ، أُبعدَت الأطراف الـ 4 كما قُلتَ لي: العويتي أُبعِد، وسيلة أُبعدَت، مزالي أُبعَد، الحبيب الابن أُبعِد وأصبحَ هؤلاء هم الذينَ يُسيطرونَ على بورقيبة ويُسيرونهُ.

عبد الفتاح مورو: يُسيطرون بواسطةِ مَن؟ بواسطةِ التي حلَّت محل وسيلة بورقيبة.

أحمد منصور: سعيدة ساسي.

عبد الفتاح مورو: سعيدة ساسي.

أحمد منصور: ابنة أخت بورقيبة.

عبد الفتاح مورو: وهي التي ربطَ..

أحمد منصور: بن علي علاقةَ معها.

عبد الفتاح مورو: بن علي علاقةً معها وأصبحت تستنجبُهُ وتُمدهُ بالمعلومات الطازجة وهو الذي كانَ يتوسطُ بهذا التأثيرِ على خالها وكسبَ ثقة بورقيبة رغمَ أن كون بورقيبة كانت لهُ عقيدةٌ أساسيةٌ؛ إبعاد العسكريين عن السياسية ولذلكَ لما انتدبَ بن علي لمُهمةِ الوزارة أرسلت لهُ وسيلة معَ صادق بوصُفارة..

أحمد منصور: وكانت فترة الفراق وقتها.

عبد الفتاح مورو: نعم وصادق بوصُفارة صديق بورقيبة وكانَ يجتمعُ بهِ بدون مُقدمات وكانَ يُفاتحهُ فقالَ لهُ: "سيدي الرئيس كيفاش!! أنتَ مش علمتنا أنَّ السياسة والجيش ما يجتمعوش"، قالَ لهُ: "قُلها اللي بعثتك"، فهم أنهُ مُرسَل من وسيلة، قالَ لهُ: قلها اللي بعثتك اللي أرسلتك قُلها تتلهى بشؤونها، تتلهى ببيتها ما تتدخلش في شأني"، بورقيبة فقدَ الصواب وكانَ حتفهُ من خلالِ فقدِهِ الصواب وبن علي عملَ في تلكَ الفترة على تخويف بورقيبة حتى أنهُ بورقيبة قالَ لصادق بوصُفارة: أجيء هُنا يا صادق، قالَ له: "أنا ما خُفتش في الزنزانات بتاع فرنسا، ما خُفتش من المشنقة، ما خُفتش من الإبعاد في جزيرة لاغروا أمّا أنا خائف اليوم خائف من الإخوانجية"، مَن ساهمَ في إخافة بورقيبة؟ بن علي لأنهُ كانَ يأتيهِ ساعة بورقيبة لا ينامُ إلا قليلاً بالليل ويستيقظ باكراً فكان يستغل فُرصة استيقاظهُ 5- 5:15 فجراً ويأتيهِ فيقول لهُ بورقيبة يقول لهُ: أنتَ تقوم باكر!! يقول لهُ: يا سيدي الرئيس أنا نمت!! كيفاش أنا نمت!!، يقول لهُ: شو تعمل؟ يقول لهُ: كانَ عندنا واحد نُتابع فيه في حي الزهور، واحد نُتابع فيهِ في رأس الجبل وثَمة 3 نُتابع فيهِم في المكان الفلاني، شو هُم؟ الإخوانجية إخوانجية يا سيدي الرئيس، سيدي الرئيس الإخوانجية هؤلاءِ ناس، فأصبح بورقيبة يعيش على وتيرة الخوف من الإخوانجية؛ كانَ يقدم لهُ كل صباح خبر مُتابعة، خبر إيقاف، خبر سجن، خبر كشف، خبر وهذا كُلهُ أخبار مُفتعلة، ليش؟ لتوهين الرجل وتضعيفهِ فأصبح يقولون الناس اللي كانوا مُتصلين ببورقيبة أصبحَ بورقيبة كالطفل الصغير الذي ينتظرُ والدهُ، إذا تغيَّب والدهُ يبكي، أنتَ عارف الابن يكون في حضانة أو كذا ينتظر والدهُ ووالدتهُ لتأخذهُ..

أحمد منصور: يصحا من النوم الصبح عايز يشوف بن علي.

عبد الفتاح مورو: ينتظر بن علي ليش؟ ليُطمئنهُ على الوضع في البلاد، يجلس معهُ وبعدهُا يقول سيدي الرئيس كُن مُتهنياً الحمد لله قدرت عليهم كُلهم، يقول لهُ: باركَ اللهُ فيك، فجُزء من حنق بورقيبة على الحركة في تلكَ الفترة هو من صُنع بن علي ليجدَ مكانةً لنفسه، لأنَّ ما هو مُبررهُ هو؟؟ هو رجُل سياسية!! صاحب إنجاز!! عالم من عُلماء البلاد!! رجُل مُثقف عندهُ كتابات!! قدم نظرية في الشأن الاجتماعي!! في الشأن الاقتصادي!! مَن هو هذا الرجُل؟ لا شيء، هو جندي صغير ارتقى بموجبِ مُصاهرتهِ للجنرال الكافي والذي أغدقَ عليهِ ليُصبح في رُتبةٍ مُتقدمة.

أحمد منصور: السؤال هنا كيفَ يتمكن أمثال هؤلاءِ الجهلة المُتسلِّطون من أن يُصبحوا مُتغلبين ويحكموا هذهِ الدول لعشرات السنين؟

عبد الفتاح مورو: أنت تشوف هذا الواقع لأنَّ رجُل دخل على الجنرال الكافي رغماً عن أنفهِ، كان يصحبهُ ليأخذَ أغراضَ رئيسهِ وهو يسوقُ بالسيارة فربطَ علاقة مع ابنتهُ فالرجل شعُرَ بأنَّ ابنتهُ تهيمُ وجداً بهذا الشاب، طيب لتلافي..

أحمد منصور: رغمَ أنهُ كانَ عسكري عندهُ!!

عبد الفتاح مورو: آه لتلافي أي خطأ.

أحمد منصور: الكافي كانَ رئيس أركان الجيش.

عبد الفتاح مورو: آه زوجهُ بها، زوجهُ بها.

أحمد منصور: رئيس أركان الجيش يُزوج ابنتهُ لعسكري ليُصبح هذا العسكري رئيس دولة بعدَ ذلك.

عبد الفتاح مورو: يحب يُزوج ابنتهُ لأستاذ جامعي ما هو بواحد من الإطار بتاعهُ لكن تلافى أنَّ مرتبتهُ مرتبة دُنيا فرفعهُ إلى مرتبة عُليا ليُضفي عليهِ من عطفهِ باعتبارهِ صهرهُ، الرجل لم يكُن يتصور أنَّ النتيجة ستكونُ ما حصلَ بعدَ ذلكَ.

أحمد منصور: كثير من كُل المصادر اللي تكلمت عن تعليم بن علي قالت أنهُ ساقط بكالوريا ما فيش معهُ بكالوريا حتى يعني إعدادية شهادة مُتوسطة.

عبد الفتاح مورو: آه صح هذا صحيح وهذا الواقع والواقع أفضى بنا إلى أن هذا تختارهُ القوى الدولية ليُشرف على حدود البلد، يا أخي أنتَ مَن أتى بهِ؟ أنا أتيت بهِ!! القوى الدولية اختارتهُ بإشراف دولي.

أحمد منصور: كُنتَ أنتَ في السعودية وتُتابع كُل هذهِ الأمور.

عبد الفتاح مورو: أنا اضُطررت لشراء راديو، راديو..

أحمد منصور: الكبير هذا؟

عبد الفتاح مورو: راديو كبير..

أحمد منصور: اللي يجيب الموجات القصيرة!!

عبد الفتاح مورو: سوني لكن سوني لم يكُن قادراً على الالتقاط فوجدت بسوق "قابل" بضاعة روسية، يبدو أنَّ الروس أرادوا فتحَ مجال للسوق السعودية فباعوا هذهِ الآلات بثمن بخسٍ جداً فاشتريتهُ بـ 20 أو 30 ريال تقريباً تبينَ أنهُ هو الوحيد فيهِ أنتين طولهُ مترين، بالأنتين هذا أصبحت أسمع تونس مُباشرةً كُل ليلةٍ وتابعتُ المُحاكمة وتابعتُ أسئلة الرئيس وردود الشباب.

تفاصيل اللقاء مع الملك السعودي

أحمد منصور: في شهر يناير عامَ 1987 فوجئتَ باتصالٍ يدعوكَ إلى لقاء الملك فهد ملك العربية السعودية آنذاك.

عبد الفتاح مورو: هذا الاتصال تمَ في بيتي وهو اتصال لطيف جداً يعني عندما رفعت السماعة كُنت أسكُن في جدة كلمني شخص يقول لي الشيخ عبد الفتاح الجيلاني، قٌلت لهُ نعم، قالَ لي الديوان الملكي عايز يكون يكلمك ويُخاطبك، قُلت لهُ: ليش يا أخي تجمعوا عليَّ غُربةً وسخرية، أنا غريب وتسخر مني، قالَ لي : ليش؟ قلتُ لهُ: أنا لا علاقةَ لي بالديوان الملكي أبداً وأنا رجل بسيط صغير أعيش عيشة عادية، قال لي: لا يا رجُل وقال لي سيُخاطبكَ الملك، قُلت لهُ: كيفاش يُخاطبني الملك!! فسمعتُ خطاباً من شخصٍ قالَ لي السلامُ عليكم، فقُلت لهُ: طولها طولها يا شيخ، طول السلام.

أحمد منصور: أنتَ لا تعلم مَن الذي على التلفون.

عبد الفتاح مورو: لا أعرف، فقال لي: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، قُلتُ لهُ: الذي سبقكَ في الحديث أشعرني بأنَّ الملكَ سيُخاطبني يبدو أنهُ يسخرُ من ذقني فأرجو أن تُطيلَ الحديث حتى أتبين، فتبينَ أنهُ الملك ولكن فأنا قُلت لهُ بعدَ أن قالَ كلاماً لا أستحضرهُ قُلتُ لهُ الرنة رنة ملوك يا سلام يا سلام ما أحلى كلام الملوك فضحكَ ودعاني إلى الرياض وفعلا انتقلت إلى الرياض ولمّا انتقلت إلى الرياض يعني في كانَ لقاءاً تقديرياً في الحقيقة، يبدو انهُ تعرف عليّ من خلال كاسيت كانت بسيارتهِ جاءَ بهِا السواق ووضعها في السيارة فهو استعملها وسمعَ خطاباً كُنتُ ألقيتهُ في لندن، في لندن عن تاريخ الحركة الإسلامية وعن بورقيبة وهذا كانَ.

أحمد منصور: آه تونس.

عبد الفتاح مورو: عن تاريخ تونس.

أحمد منصور: عن تاريخ الحركة في تونس.

عبد الفتاح مورو: في تونس وهذا كانَ لقاء مُثير جداً لأن..

أحمد منصور: أنا برضهُ عايز أقول في الفترة دي فترة وجودك في رابطة العالم الإسلامي كُنتَ حُر الحركة.

عبد الفتاح مورو: كُنت حُر الحركة وكُنت اعمل بانتظام في...

أحمد منصور: تحضر المؤتمرات الإسلامية وتُسافر إلى أوروبا و.

عبد الفتاح مورو: لم أُكثِر من السفر في تلكَ الفترة، أنا يا دوبك واصل وأردتُ أن أثُبت وجودي وخاصة مع الرابطة أردتُ أنا أعمل وكُنتُ اعمل يعني بكثافة، بكثافة وكُنت أحمل معي الملفات إلى بيتي لأني ..

أحمد منصور: يعني الملك فهد عرفكَ من خلال شريط الكاسيت.

عبد الفتاح مورو: من خلال الكاسيت هذهِ سألَ قال مَن هذا؟؟ قالَ لهُ واللهِ إحنا نشتريها في سوق قابل، قال اسأل اسأل لأن النغمة ليست لا مصرية ولا شامية ولا سعودية، فقالوا لهُ هذا تونسي، سألوا عني قالوا هذا في رابطة العالم الإسلامي وأخذوا رقم هاتفي من رابطة العالم الإسلامي، في واقعة جميلة حصلت مع هذا الرجل الذي أكرمني وأنا أسألُ الله تعالى أن يتولى جزاءهُ  عني لأنني لا أستطيع أن أُجازيهُ وقد تُوفي إلى رحمةِ الله تعالى، هذا أحسنَ إليّ.

أحمد منصور: الملك فهد.

عبد الفتاح مورو: نعم رحمهُ الله رحمةً واسعة هو ووليُ عهدهِ الملك عبد الله لأنَّ كليهما اشتركَ في الإحسان إليّ إحسان الضيافة يعني لا يتجاوزُ ذلكَ..

أحمد منصور: والإحسان إلى غريبٍ مُطارد يعني.

عبد الفتاح مورو: نعم هذا أنا وجدت نفسي بينَ أهلي يعني وجدت هؤلاء الناس هم جُزءٌ من حياتي وجُزءٌ دمي وهذهِ العائلة كريمة جداً وتتكرمَ على كُلِّ مَن تراهُ غريباً خاصةً وقد شعروا بأنَّ ما يتعلقُ بي من مُتابعة لا يستحق أن أكونَ بهذا الشكل يعني، فأنا أصررت على أني عندما أُقابل الملك آخذ معي هديةً لأني تعلمت أنك إذا تدخُلُ مكاناً خاصةً في لقاءٍ مُستجِد لا بُدَّ أن تدخُل بهدية ولو..

أحمد منصور: هذا الكلام حدث وبورقيبة على قيدِ الحياة.

عبد الفتاح مورو: هذا..

أحمد منصور: قصدي وبورقيبة في السُلطة في الحُكم.

عبد الفتاح مورو: بورقيبة في السُلطة نعم، بورقيبة في السُلطة ويبدو أنهُّ وقعَ سأقول لكم وقعَ الاحتجاج من السُلطة التونسية على السُلطة السعودية.

أحمد منصور: بسببِ هذا اللقاء!!

عبد الفتاح مورو: بسببِ مقابلتي هناك وسبب هذا اللقاء، وأنا كِدتُ أن أجمعَ أغراضي وأُسافر حتى لا أوقع..

أحمد منصور: آه يعني أنتَ في فترة وجودك في رابطة العالم الإسلامي هذهِ مارست السُلطات التونسية ضغوطاً على المملكة لطردك يعني.

عبد الفتاح مورو: آه وكُنتُ مُتابعاً وصدرَ حُكمٌ ضدي بعدَ ذلك.

أحمد منصور: أنتَ طبعاً في مجموعة المُحاكمة سأجيء لها بس قُل لنا لقاءك مع الملك فهد.

عبد الفتاح مورو: فأصررت على أني آخذ معي هدية ولذلك أنا في الضيافة في جناحٍ من القصر طلبت أن أُمكَنَ من النزول إلى السوق لأشتريَ غرضاً، أدخلت يدي إلى جيبي ليسَ بينَ يدي إلّا 500 ريال، كُلُ ما أملك 500 ريال!! وأنا سأُهدي هدية لملك إيش هذا كلام!! أنا عندي اهتمام بالصحون الصينية والمزهريات الصينية فرُحت إلى محل مُتخصص في هذا جمال فتان وقطع فأسررتُ للرجُل صاحب المتجر قُلت لهُ: أنا أُريد أن أشتريَ أحسنَ ما عندكَ في حدود 500 ريال، تضايقَ وجدَ مزهرية جميلة وضعها أمامي قال لي هذهِ سعرها بعدَ التخفيضات كُلها الذي لا أستطيع أن أنزلَ تحتهُ 600 ريال، قُلت لهُ طيب مُمكن تشيل جُزء من عُنقها شيل 100 ريال وخلي لي 500 ريال ففهمَ اضطراري وشافَ الصدق، هو لم يعلم لمَن سأُهديها إنما قالَ لي طيب هات الـ 500 ريال وهذهِ هدية مني، قُلت لهُ الله يجزيك الخير شُكراً، قُلت لهُ هذهِ سأُهديها إلى رجلٍ حبيبٍ لنفسك وحبيبٍ لنفسي دونَ أن أُفصح لم أقُل له، أخذتها وعندَ الدخول كانَ في غُرفة قبلَ المكان الذي تم فيهِ العشاء.

أحمد منصور: لقاء الملك.

عبد الفتاح مورو: العشاء، في عشاء.

أحمد منصور: أنتَ كُنت مدعو للعشاء..

عبد الفتاح مورو: نعم لكن وكان هذا في مكان ضيعة يبدو ضيعة 40 كيلو على الرياض كذا يعني في شيء، هذهِ ذاكرتي لم يكُن قصراً ولا مكان بنايات لكن بنايات ثانوية، ففي هذا المكان أنا أُدخِلتُ على الملك يدوبك وصل لنشرب القهوة والتمر على العادة العربية القديمة فأنا جلست في ملاطفة مع الملك أنتَ عارف يعني ولكن هذا الكيس في يدي وضعتهُ بالأرض سأقدمهُ كهدية.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فقُلتُ لهُ يا خادم الحرمين الشريفين عندك علم بلقاءِ سُليمان مع ملكةِ النمل؟ قال لي لأ، قُلتُ لهُ الملك سُليمان كانَ راجعاً مع جيشهِ معركة حربية فمرَ بوادٍ ورأى هذا الوادي أسود ويتحرك فسألَ فقالوا هذا وادي النمل لكثرةِ النملِ فيه، فتتبعَ النمل فوجدَ النمل كُلهُ من جهاتٍ مُختلفة يصُبُ وسط في وسط في مكان كلهم يتجهون إلى نُقطة مُحددة، فترجلَ فإذا بهذهِ النُقطة أميرة، أميرة النمل أو ملكة النمل وهي نملةٌ كبيرةٌ مُتميزة بضخامةِ جسدها فأقعى على رُكبتيهِ ونظرَ إليها وسلّم وكانَ ينطقُ بلُغة الحيوانات فردت عليهِ السلام، لمّا أرادَ أن يقفَ بعدَ السلام قال لهُ أعطني من وقتكَ شيئاً، أنتَ جئتَ إلينا ولدينا هديةٌ نُريدُ أن نُتحفكَ بها فقالَ ما هديتُك؟ قالت حبةُ قمح.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: فضحكَ، قالت أعلمُ يا سيدي كم دُستَ من آلافَ حباتِ القمح برجليك وأرجلِ جيشك في حياتك ولكن يا سيدي هذهِ الحبة هي قدرُ وزني 100 مرة فطأطأ رأسهُ خجلاً ومدَ يدهُ ليتسلمها منها، فقال لي وهو يستمعُ بكُل إعجاب قال لي من فين علمت هذا الخبر؟ قُلتُ لهُ يا سيدي أنا كُنتُ في الصف الثاني في جُندِ سُليمان وحضرتُ الواقعة وأنا نقلتها رأيَ عين فضحكَ، عندها أنا تجسرت على أخذ الكيس هذا وضعتهُ أمامهُ وفتحتهُ بكُلِ أدبٍ فظهرت المزهرية، قُلتُ لهُ هذهِ يا سيدي حبةُ القمح، فلم يجِد بُداً من أن يُقبل رأسي عندها قُلتُ لهُ لذلكَ قيلَ يا سيدي إنَّ الهدايا على مقدارَ مُهديها، وكانَ تخلُصاً لطيفاً يليقُ بمقامِ الملوك لأنَّ الذي يُخاطبُ الملوك لا يُخاطبهم في السياسة لأنَّ هذا شُغلهم ولكن يُخاطبهم فيما يؤنسهُ ويؤنسهُم وهُم يرغبونَ في الكلام اللطيف الذي يُخرجهم من أعباء السياسة وأتعابها اليومية.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: لمّا قُدمَ لنا الطعام أنا تأخرتُ شيئا ما عن مُباشرة الطعام هي كانت قصة طويلة أنا لا أُريدُ أشغل المُستمعينَ بها والمُشاهدين ولكن نُقطة اعتبرها جميلةً فيها لُطف وأدب؛ قال لي ما بالك مُتأخر عن الطعام يعني كُنتُ لا أُشارك مُساهمة إيجابية وفعلية مُتتالية، فُقلت لهُ: يا سيدي موائدُ الملوك جُعلَت للشرف لا للعلف.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: فاستوقفتهُ الكلمة، نظرَ إليَ فهمت انهُ يسأل عن مصدرها كما سألَ سابقاً فقُلتُ لهُ هذهِ يا سيدي قالها مَن هو خيرٌ مني لمَن أنتَ خيرٌ منه، قالَ كيف؟ قُلتُ انعقد مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة المُعزيّة في 1932 تحتَ إشراف الملك فؤاد الأول رحمهُ الله والذي قادَ الوفد التونسي هو الأديبُ الأريبُ الكاتب وزيرُ القلم الذي كانَ عصامياً في تكوينهِ الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب رحمهُ الله فدُعيَ للعشاء عندَ الملك فكانَ مُتخلّفاً عن المُساهمة مُبطئا فسألهُ الملكُ فأجابَ بهذهِ الإجابة، قُلتُ لهُ وحسن حُسني عبد الوهاب خيرٌ مني وأنتَ خيرٌ من الملك فؤاد.

أحمد منصور: يا سلام، يعني أنا وقفت عندَ هذهِ الأشياء لسبب أنَّ هناكَ انغلاقٌ لدى كثيرٍ من قيادات الحركة الإسلامية وصفها بشكلٍ عام عن التعامُل مع الدول، عن التعامل مع الرؤساء،عن التعامل مع الملوك، عن التعامُل مع الأنظمة، هناكَ عُزلة وتربية صندوقية ينعزل فيها هؤلاء الناس ولا يستطيعون التعامل مع الآخر إلى حدٍ ما وهذهِ أزمة كبيرة ربما سبب في الإشكالات اللي موجودة، النُقطة الثانية هو أنَّ مكانتك هذهِ وهذهِ العلاقات هي التي خففت عنكَ ربما كثيراً من المِحن التي يعني سيأتي الحديث عنها أو التي تعرض لها الآخرون، أنتَ كُنتَ...

عبد الفتاح مورو: شوف أستاذ أحمد يعني كُلٌ حريصٌ على استقلاليةِ قرارهِ وأنا لا أُطالب الحركات الإسلامية بأن تجِدَ لها مَن يُسيّرها من خارجِ واقعها وأن تكونَ كما يُقال بينَ قوسين عميلةً لعِدةِ أنظمة. 

أحمد منصور: ليست عمالة..

عبد الفتاح مورو: طيب أنا لا أقول هذا لكن أن تنغلقَ على نفسها بالشكل الذي يجعلُ الأنظمةَ المُختلفةَ تخشاها وتخافها فهذا ليسَ من حقنا؛ نحنُ لدينا برامج واضحة وأقول بالنسبة لي مع الملك فهد والمملكة السعودية أنا لا أرى غضاضةً بأن أكونَ في رحابِ ذلكَ البلد الذي يُكرمُ الإسلام...

أحمد منصور: يعلمونَ أنكَ الأمين العام لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس التي توصَف بأنها امتداد للإخوان المُسلمين وأنك مُطارد من نظام بورقيبة وأنكَ كذا ومع تمَ استقبالك...

عبد الفتاح مورو: وحموني بهذا العنوان.

أحمد منصور: الملك فيصل استقبلَ قيادات الإخوان المُسلمين وأفسحَ لها المجال وفتحَ لها المجال وساهمت في بناء البلد شأنها شأن يعني النُقطة هُنا هي نُقطة الانفتاح على هذهِ الأنظمة وإزالة المخاوف الموجودة لديها وأن يكون هناك رؤية في هذا الأمر لأن هذهِ مأساة.

عبد الفتاح مورو: والجفوة غير مُبررة، الجفوة تحتاج أن نُعطلَ أسبابها وأن نُبادر وأن نُشعر بحُسنِ نوايانا، صحيح أن الأنظمة لها مُقتضياتها ونحنُ لا نتدخل فيها..

أحمد منصور: لا تذوب فيها ولا تخضع لها ولا تتنازل، أنتَ لكَ ما لكَ ولهم ما لهم وفي النهاية أنتَ لستَ دولة ولكن حينما وصلتَ إلى مُستوى دولة كما حدث في مصر وكما حدث في تونس عجزت على أن تُدير لأنكَ لا تعرف كيفَ تُدار الدول.

عبد الفتاح مورو: هذا الإشكال هو، هذا الإشكال سنتحدثُ عنهُ.

أحمد منصور: الحركة الإسلامية في تونس حركة الاتجاه الإسلامي بعدما عقدت مؤتمر المضامين وُضِعَ راشد الغنوشي رهن الإقامة الجبرية وأنتَ خرجت وذهبتَ إلى السعودية وخرجت المُظاهرات لاسيّما مُظاهرات إبريل 23 إبريل 1987 التي اهتزت لها تونس وكانت مَظاهرات قوية ومُنظمة إلى حدٍ كبير شعرَ النظام بعدها أن نهايتهُ يُمكِن أن تكون على أيدي هؤلاء، تمَ عمل قضية كبيرة للحركة الإسلامية، تمَ اعتقال أكثر من 8000 حوكموا في محاكم مُختلفة، القيادات حوُّلت إلى محكمة أمن الدولة العُليا ورغمَ غيابك في الخارج كُنتَ أنتَ من بينِ الذينَ حوكموا، في الحلقة القادمة نأخذ تفاصيل المُحاكمات وتفاصل المحنة بكامل عهدها حتى إطاحة بن علي ببورقيبة، أشكُرك شُكراً جزيلا كما أشكُركم مُشاهدينا الكرام على حُسنِ مُتابعتكم في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نواصلُ الاستماع إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضةِ التونسيةِ وأحدِ مؤسسيها، في الختام أنقلُ لكُم تحيات فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.