في الحلقة الثامنة من شهادته لبرنامج "شاهد عن العصر"، يروي عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية، قصة الرسالة الشهيرة التي كتبها بتوافق جميع قادة حركة "الاتجاه الإسلامي" إلى الرئيس (الراحل) الحبيب بورقيبة، وذلك في يوليو/تموز 1984.

ويؤكد مورو أنه خلال إقامته الجبرية كان على اتصال سري مع حمادي الجبالي الذي انتخب رئيسا للحركة عندما أدخل قادتها إلى السجن وبينهم راشد الغنوشي، ومن هنا جاءت فكرة عرض مبادئ الحركة على بورقيبة، لكنه نفى -أي مورو- أن يكون ذلك من باب طلب العفو من الرئيس مثلما روّج البعض.

ويضيف أن الرسالة هي نتاج نقاشات ومداولات مطولة بين قادة الحركة داخل وخارج السجن، لكنه تحمل مسؤولية -كما يقول- إرسالها إلى بورقيبة الذي وصفه بالرجل الداهية الذي يدرك المرامي.

ومن النقاط التي تضمنتها الرسالة أن حركة الاتجاه الإسلامي "لا تقدم نفسها ناطقا باسم الإسلام" وأنها "ترفض مسلك العنف وتعتمد الحوار والإقناع".

ويقول مورو إن رئيس حكومة تونس في تلك الفترة محمد مزالي (1980-1986) أخبره أنه عندما قرأ على بورقيبة مستهل الرسالة "تحية تليق بمقامكم" استوقفه الأخير قائلا له "أنا أعلم أن مقامي عندهم هو مقام كلاب"، ويقصد مقامه عند الإسلاميين.

ويكشف في السياق ذاته أن جميع قادة الاتجاه الإسلامي رفضوا بشكل قاطع خلال سجنهم أن يطلبوا العفو من الرئيس، رغم إلحاح مزالي ومدير السجن عليهم للقيام بمثل هذه الخطوة التي يقول مورو إن الهدف منها كان إخراج بورقيبة من المأزق الذي كان يمرّ به.

وبحسب ضيف "شاهد على العصر" فقد كانت هناك محاولات ووساطات للإفراج عنه وعن بقية رفاق السجن من الإسلاميين، قام بها مزالي وكذلك وزير الداخلية وقتها، إضافة إلى القيادي الإسلامي الدكتور توفيق الشاوي الذي جاء عدة مرات إلى تونس للغرض نفسه، وهو ما جعل بورقيبة يبدي بعض الليونة في موقفه إزاء هذه القضية.

إقامة جبرية
ويكشف مورو في شهادته السبب وراء الإفراج عنه شخصيا ووضعه تحت الإقامة الجبرية عام 1983، حيث أبلغه مزالي في أغسطس/آب  من ذلك العام بقرار بورقيبة الإفراج عنه بعد مقال قوي ولين منسوب لوالدة مورو نشر في جريدة "الرأي" التونسية.

وكان بورقيبة أكد أن قرار الإفراج هو بسبب الظروف الصحية التي يمر بها مورو، لكنه شدد على هذا الأخير بعدم ممارسة أي نشاط سياسي.

وخلال إقامته الجبرية كان مرو شاهدا من شرفته على مظاهرات 29 ديسمبر/كانون الأول 1983 التي اندلعت احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الأساسية على رأسها الخبز.

ويذكر أن قادة الاتجاه الإسلامي اعتقلوا في يوليو/تموز 1981 بعد أن وجهت لهم ثلاث تهم قانونية هي "الاعتداء على كرامة رئيس الجمهورية بسبّه وشتمه"، و"الاحتفاظ بجمعية غير قانونية"، و"إشاعة أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو النظام العام"، وهي التهم التي بسببها حاكمهم نظام بورقيبة وأدخلهم السجن بأحكام مختلفة ورد ذكرها في الحلقة السابعة من شهادة مورو.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو يروي قصة الرسالة الشهيرة إلى بورقيبة ج8

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 17/5/2015

المحاور:

-   الحياة داخل السجن

-   وساطات عديدة للإفراج عن الإسلاميين

-   رهن الإقامة الجبرية

-   اتصال سري مع حمادي الجبالي

-   رسالة إلى بورقيبة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: بعدما حُكم عليكم بالسجن في سبتمبر عام 1981 تم إجراء واحدة من أكثر الانتخابات البرلمانية تزويراً في تاريخ تونس في شهر نوفمبر عام 1981، أنا سألت محمد مزالي وكان رئيساً للحكومة آنذاك في شهادته على العصر فقال أن وزير الداخلية آنذاك إدريس قيقة أبلغه أن أوامر بورقيبة أن تكون النتيجة 100% لأن الشعب التونسي كله مع بورقيبة وأنه بعدما تحدث معه أن الأمر سيصبح فضيحة عالمية وضغوط وذهب مع وسيلة هو وإدريس قيقة ووالي تونس بريوشي وغيّروا الأرقام قبل إعلان النتيجة ومنحوا المعارضة بعض المقاعد القليلة، وأنتم في السجن تابعتم هذه الانتخابات؟

الحياة داخل السجن

عبد الفتاح مورو: نعم تابعناها بكل اهتمام لأنه في السجن، أنا أرغب في أن أفتح قوسين قبل الجواب على هذا السؤال إذا تسمح لي، يعني أنا كنت أشرت في الحلقة السابقة إلى بعض وقائع السجن والتي من بينها ما حصل داخلنا في الزنزانات وأريد أن أذكر ذلك لأن هذا شكل من أشكال التجربة التي تمر بها كل الحركات الإسلامية وغير الإسلامية، تعرف أن المتابعة مرت في أذهاننا بمراحل ثلاث كانت علم يقين عندما أُبلغنا بأن النظام يتابعنا أصبحت حق يقين بصدور الأحكام وأصبحت عين اليقين بدخولنا السجون، الذي يدخل السجن وإن كان متهيئاً من قبل للمتابعة ولكن عندما يحس بالإنفراد والبعد عن أهله والوضع السيئ الذي يعيشه وطول يوم وليل السجن الذي يتجاوز 48 ساعة اليوم والليلة هناك ليس 24 ساعة 48 ساعة لأن الانتظار وخلوك من الشغل يجعلك يطول عليك المقام، كنا نحسب الأيام وواضعين ورقة ونُثبت عليها عصا واحد اثنين ثلاثة أربعة إذا تم خمسة نحيطها بدائرة، كنا نحسبها هذا الوضع يجعل الإنسان يتساءل مع نفسه ما الذي جعلني أصل إلى هنا لماذا دخلت هنا؟ ارتكبت جرم؟ لم ارتكب جرماً طيب أنا أُخذت في جماعة من المسؤول عن هذا فيبدأ بالتفتيش عن المسؤول ويحدد المسؤولية، عندما جاء تحديد المسؤولية بدأت الآراء تتضارب وفعلاً أصبحنا كلما اجتمعنا في جلسة طعامٍ صباحاً ظهراً عشاءاً إلا وكان الحديث ما الذي فعلت أنت ما الذي فعلت أنا أنت تذكر أني قلت لك كذا ولم تفعل كذا لم تسمع كلامي لو سمعتَ لو سمعتُ، هذا انتهي بنا آخر المطاف إلى فرقةٍ بين مجموعتين، مجموعة سُميت مجموعة الآداب المدرسة الأدبية وفيها الأستاذ راشد، هؤلاء فلاسفة لا يحسنون الحساب لا يُقدرون المواقف حق قدرها يخطئون وقابلتهم في المقابل مدرسة ثانية هي مدرسة خريجي المدرسة العلمية أستاذ.

أحمد منصور: المهندسين و.

عبد الفتاح مورو: وكان يتزعمها الأستاذ صالح كركر الذي.

أحمد منصور: صالح كركر اقتصادي؟

عبد الفتاح مورو: اقتصادي، اقتصادي وإن كان هو الاقتصاد من العلوم الغير صحيحة يعني ليس من العلوم الصحيحة لكن هو كان ينسب نفس إلى هذه المدرسة.

أحمد منصور: يعني الشيخ راشد الغنوشي وأنت ومن معكم وصالح كركر ومن معه؟

عبد الفتاح مورو: لا أنا لم أدخل في النزاع.

أحمد منصور: آه.

عبد الفتاح مورو: هم ادخروني ولذلك أنا كنت أولاً كبران الجماعة يعني المشرف على حضورها.

أحمد منصور: المشرف على السجن يعني المجموعة في الزنزانة.

عبد الفتاح مورو: آه مشرف أنا المشرف.

أحمد منصور: أنت المسؤول عنهم يعني أمام إدارة السجن؟

عبد الفتاح مورو: إيه وأنا بالانتخاب هذا.

أحمد منصور: هم انتخبوك؟

عبد الفتاح مورو: انتخبوني وأصبحت إمام الخمسة وإمام الجمعة.

أحمد منصور: يعني أنت فعلياً بقيت المسؤول في داخل السجن؟

عبد الفتاح مورو: أنا المسؤول داخل السجن.

أحمد منصور: حتى الشيخ راشد يسمع لك؟

عبد الفتاح مورو: كلهم لأني أنا لم أدخل في النزاع أصلاً والإدارة مخاطبها هو فلان فإذا طلب أحدهم مطلباً يقولون له مُر عن طريق الكبران عن طريق كبرانك.

أحمد منصور: اسمه الكبران مسؤول الزنزانة الكبران؟

عبد الفتاح مورو: الكبران، كبران هي كلمة فرنسية كابورال في السجن رئيس الفريق اللي في 10 يُسمى كابورال، مش عارف إيش يسموه في العسكرية.

أحمد منصور: في السجون عندنا آه ماشي.

عبد الفتاح مورو: في الجُند.

أحمد منصور: عريف، عريف عريف.

عبد الفتاح مورو: رئيس الـ 10 هو الكابورال، نسميه كبران تحريفاً، فهذا جعل الجماعتين تتخاصمان ثم هذه الخصومة خصومة لكن خصومة متأدبة يعني ما فيش.

أحمد منصور: يعني يتكلموا مع بعض وكله؟

عبد الفتاح مورو: يتكلموا مع بعض لكن ما كنش في سب وشتم يصل إلى حد الإهانة.

أحمد منصور: يعني مجموعة صالح كركر حملّت الغنوشي المسؤولية أنه راجل فيلسوف ومفكر؟

عبد الفتاح مورو: أيوه.

أحمد منصور: وما يتحاسب وأنه هو الذي تسبب في محنة الحركة؟

عبد الفتاح مورو: أيوه وهذا تمهيداً ربما لمرحلة قادمة في أن يُزاح ويأخذ القيادة غيره هذا فهمت هكذا، لكن أنا أشرت لهذه النقطة لأن هذه النقطة بدت آثارها في الخارج بالمراسلات التي كانت تخرج منّا لأسرنا أو للحركة وأنت عارف أنه كان في طريق قانوني يسمح لنا بالمراسلة مرة بالأسبوع لكن صداقاتنا مع بعض الحراس فتحت أمامنا طريقاً غير قانونيةٍ لمراسلات هم كانوا يتعهدون بأخذ هذه الرسائل منا ويتوجهون إلى مدينة بنزرت البعيدة عن موقع سجننا تقريباً 10 كيلو ويضعونها بالبريد ويوجهونها للجهات التي نرغب فيها ويفعلون ذلك بدون مقابلٍ.

أحمد منصور: وسراً.

عبد الفتاح مورو: وسراً.

أحمد منصور: يعني كده الحراس تعاطفوا معكم.

عبد الفتاح مورو: تعاطفوا معنا وهذا فتح لنا مجال المراسلة دون رقابة السُلطة.

أحمد منصور: يعني كده أقدر أقول أن فترة سجنكم كانت أرقى كثير من فترة الداخلية في أثناء التحقيق، السجن كان وضعه مختلف.

عبد الفتاح مورو: يقيناً والذي ساعدنا على ذلك هو التعاطف العام الذي كان تلقاه قضيتنا.

أحمد منصور: سواء من المساجين أو من إدارة السجن.

عبد الفتاح مورو: وشعور الجميع بأننا مضطهدون بدون موجبٍ ولا سببٍ، إيش معنى جمعية غير مرخص فيها، الناس لا يرتقي إلى أذهانهم أن هذه جريمة 10 سنوات سجن ليش؟ هذا كان إمام في جامع وهذا كان مدرس في جامعة وهذا كان يُلقي محاضرات في الجامعة الفلانية وهذا مدرس في المدرسة الفلانية خيرة الشباب هم الذين أوقفوا، حتى أرجع إلى سؤال حضرتك.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: وأنت تسأل عن الانتخابات التي حصلت.

أحمد منصور: لا أنا سأرجع لهذه ثاني سأرجع للخلافات ثاني والقيادة اللي كانت بره بس كمل لي كمل موضوع الانتخابات لأن في، أنا ليه كلمتك عن الانتخابات لأن بعض الدراسات أشارت إلى أن القبض على قيادات النهضة ومحاكمتهم كان الهدف تفويت الفرصة عليهم ألا يشاركوا في الانتخابات التي كان يُتوقع أن يكتسحوها إن تمت بنزاهة؟

عبد الفتاح مورو: هذا أحد الأسباب لكن السبب الرئيسي أن بورقيبة وجد نفسه أمام مجموعةٍ منظمةٍ رقم المنتمين إليها رقم كبير اكتسحت الجامعة واكتسحت الكليات والمدارس وأصبحت موجودة بالمصانع وموجودة بمواقع مختلفة في البلد فلا يستطيع أن يسكت على هذه المجموعة كيف يقاومها؟ رأى أن يقاومها بالطريقة التقليدية الكلاسيكية وهي قضية التهم والمحاكمات عن طريق المحاكم.

أحمد منصور: أنتم مش وحدكم اللي حوكمتم هناك 25 قضية و 25 محاكمة تمت في الفترة من 1981 لـ 1984 لقيادات النهضة على مستوى الجمهورية؟

عبد الفتاح مورو: نعم، نعم لكن البداية كانت بنا.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: نحن القيادة الرئيسية ثم بعد ذلك بدأت مجموعات مختلفة تحاكم في نفس الاتجاه.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: وكانوا يتصورون أن بهذه الطريقة سيقطعون دابر هذه الحركة ما داموا قد أدخلوا قياداتها السجن لن يبقى لها وجود لا وكيان ونسوا أن هذا زاد في تعاطف الناس معنا، لأن الناس كانوا يتابعوننا باعتبارنا مضطهدين ومظلومين، وأنا أقول عندما أُفرج عني أنا وأخرجوني بعد سنتين من السجن ووضعوني في الإقامة الجبرية قامت احتفالات في المساجد لأن العملية تمت في رمضان وكان الناس يأتون بالشاي والقهوة والمرطبات والحلويات إلى المساجد على مرأى ومسمعٍ من الجميع وكان الناس يتهادون في تلك الليلة لأنهم سمعوا بأن فلان أُفرج عنه وأُرجع إلي بيته، هذا يعني التعاطف لأن التعاطف لم يكن معي شخصياً وإنما كان تعاطف مع القضية وتعاطف مع الحركة، سألتم عن الانتخابات أنا أقول هذه الانتخابات تابعة لها الحزب الحاكم أراد أن يُضعف.

أحمد منصور: طبعاً كنتم تقدروا تهربوا الراديو طالما السجانين؟

عبد الفتاح مورو: لأ جاءونا بالتلفزيون بداية من يناير من يناير بعد المحاكمة إحنا حوكما في  1981.

أحمد منصور: لأ بس إحنا هنا لسه ما كنش في تلفزيون إحنا الانتخابات في نوفمبر أنتم حوكمتم في سبتمبر؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: حُكم عليكم في سبتمبر والانتخابات في نوفمبر والتلفزيون جاء لكم في يناير 1982.

عبد الفتاح مورو: نعم لكن كنا نتابع عن طريق الراديو.

أحمد منصور: الراديو.

عبد الفتاح مورو: كنا الراديو المهرب.

أحمد منصور: أيوه طبعاً طالما السجانين متعاطفين معكم كل شي بيتحل.

عبد الفتاح مورو: فكنا نتابع وكنا تُهرب لنا الصحافة.

أحمد منصور: حتى الصحافة؟

 عبد الفتاح مورو: وصحافة المعارضة جريدة الرأي بشكل خاص التي كان يُصدرها الأستاذ حسيب بن عمار والتي كانت هي ثقل المعارضة ورأي المعارضة ولسان المعارضة وكان لقولها موقعٌ فصلٌ، هذه كانت تُهرب لنا فتأتينا جريدة الرأي في كل أسبوع ونقرأها بكل اهتمام ثم نحرقها ليلاً، النظام أراد أن يظهر في مظهر الوحدة الوطنية فسمى القائمة التي أشرف عليها قائمة الجبهة الوطنية.

أحمد منصور: والباقيين؟

عبد الفتاح مورو: والجبهة الوطنية فيها إتحاد الشغالين إلى جانب الحزب الحاكم وفيها بعض الشخصيات الوطنية من بينها بعض المشائخ فجابوا الشيخ الشاذلي النيفر الذي بيني وبينه علاقة الابن مع والده وجاءوا به رئيساً لقائمة تونس وهو الذي يرأس الجبهة الوطنية في تونس وأُدخل البرلمان ليصبح نائباً في البرلمان نكالةً فينا، نحن افتتكنا منكم الشيخ الشاذلي النيفر الذي كما قلت يوم إيقافي كان معي في درسٍ حضرت معه في درس في الملاسيم، هذا لإرادة افتكاكِ وإشعارنا بأننا معزولون لكن الشيخ الشاذلي رحمه الله بقي يراسلني وأنا في السجن رغماً صفته تلك وبتعاطف معي وكان يراسلني باسمه وكنت أرد عليه باسمه.

أحمد منصور: في رسائل بريدية؟

عبد الفتاح مورو: رسائل بريدية تأتي بشكل رسمي عن طريق إدارة السجن وكان يدور فيها الأحاديث التي تحث على الصبر وانتظار الفرج عبادة إلى غير ذلك من أنواع المواساة ولم تضعف علاقته بنا بل بقي على ثقةٍ منا ومن حركتنا.

أحمد منصور: مزالي قال في شهادته معي على العصر "لقد شعرت بالحزن والأسف كلما تذكرت هذه الانتخابات وأنها كانت منعرجاً في تاريخ حكومته".

عبد الفتاح مورو: لأن هذه جاءت نقيض الشعار الذي أُعلن بعد مؤتمر إبريل 1981 والذي يُبشر بفتح عهدٍ جديد هو عهد الديمقراطية تبين أن هذه الديمقراطية ليست إلا ديمقراطيةً آليةً مظهريةً وأن المقصود هو مزيد الاستحواذ على مكانةٍ يتفرد فيها الحزب الحاكم بالحُكم.

وساطات عديدة للإفراج عن الإسلاميين

أحمد منصور: في شخصية تاريخية بارزة من الإخوان المسلمين غُمطت حقها أيضاً مثل شخصيات كثيرة هو الدكتور توفيق الشاوي، توفيق الشاوي كان رجل دولة يحمل مواصفات رجل الدولة كان يحترمه بورقيبة كان يحترمه بن بيلا كان الملك فيصل له علاقات خاصة به وله احترامه ومكانته لعب دوراً كبيراً في محاولة الصُلح والإفراج عنكم في تلك المرحلة؟

عبد الفتاح مورو: وعني بشكل خاص .

أحمد منصور: كان يحبك ويقدرك؟

عبد الفتاح مورو: هذا كان يحبني ويقدرني والتقيت فيه مرات متعددة عندما كنت أروح العمرة أو الحج قبل الإيقافات وهذا الرجل بمجرد أن أوقفنا قدِم إلى تونس بعد يعني في بداية سنة 1982 ولما جاء لزيارة بورقيبة كان بورقيبة واعياً بأن هذا الرجل لم يأتِ إلا للحديث عن قضية الإسلاميين وعلاقة بورقيبة بالدكتور الشاوي ترجع إلى الدراسة في فرنسا.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: درسا سوياً في فرنسا.

أحمد منصور: وكان له دور كبير في نضال المغرب العربي كله الجزائر والمغرب وتونس.

عبد الفتاح مورو: ناضل في شأن المغرب العربي وكانت علاقته مستمرة مع بورقيبة وبورقيبة يقدره ويحترمه ويخصه بعناية خاصة، فجاء وأشعر علالة العويتي بأنه قدِم هو ذكر لي بعد ذلك بأنه عندما دخل على بورقيبة، بورقيبة قال له يا توفيق شفت إيش عملوا الإخوانجية، قال إيش عملوا؟ قال اغتالوا أنور السادات قال له يا ريت هم اللي اغتالوه مش هم اللي اغتالوه ناس آخرين، قال فأُسقط في يدي فلم أستطيع فتح ملفكم لأن الرجل صدمه من الأول، قال جاء في المرة القادمة مناسبة احتفال بورقيبة بعيد ميلاده لما قدِم قال أنا دخلت في مكتب بورقيبة لشرب الشاي والتهيؤ بعد ذلك للعشاء، فقال له بورقيبة اسمع هذه قضية الإخوانجية هذه قضية تونسية بحتة لا تقبل التدخل، قطع عليه الطريق، جاء في العام الثاني هذين الزيارتين تمتا في عامٍ واحد في العام الثاني جاء وجاء معه بابنته أو بنت كانت تدرس في مينشن في ميونخ.

أحمد منصور: هو له ابنة واحدة.

عبد الفتاح مورو: ابنة واحدة.

أحمد منصور: من زوجته الألمانية، نعم.

عبد الفتاح مورو: أنا أعرف زوجته الثانية زوجته امرأة فاضلة.

أحمد منصور: ابنة السنهوري نعم، توفيت.

عبد الفتاح مورو: ابنة السنهوري، توفيت رحمها الله ورحمه هو الله، فقال لي عندما جاء وجاء بابنته معه  قدمها لتوفيق الشاوي، توفيق بورقيبة، بورقيبة قال أنت عندك بنت، قال إي عندي بنت وتقيم في ألمانيا، آه قال أهلاً وسهلاً ومرحبا فربت على خديها واقتبلها باعتبارها ابنته فقالت له سيدي الرئيس والله أنا لي أمنية لم تتحقق.

أحمد منصور: هي البنت؟

عبد الفتاح مورو: البنت هذا نقلاً عن الأستاذ توفيق رحمه الله، قال لها إيش هي الأمنية؟ قالت له أنا وددت أن أولد بتونس لأكون تونسية، فقال لها أنتِ مولودة في ألمانيا إيش ناقصك؟ قالت له ينقصني شيء واحد، قال لها إيش هو؟ قالت له لو كنت تونسية لتمتعت بأحكام مجلة الأحوال الشخصية، يا سيدي، بورقيبة يسمع هذا الكلام وهو يتهيأ لعيد ميلاده، إييييه حضرة .

أحمد منصور: يعني عرفت المفتاح.

عبد الفتاح مورو: حضرة؛ حضرة ونبيتة، هذه اللي أقرها الأستاذ توفيق.

أحمد منصور: طبعاً.

عبد الفتاح مورو: قال لي بورقيبة انبسط انبساطاً كبيراً وانفتح عليها وقال إيه الطفلة العظيمة اللي عندك أنا فعلت وساويت وأمرت وأذنت وكتبت وقلت وبدأ يتحدث عن تحرير المرأة وقانون الأحوال الشخصية وإلى ذلك، قال طوال المائدة وهو في حالة انبساط كبير وانشراح وإقبال، قال لي عندما أتممنا الطعام وانتقلنا لشرب الشاي، قال له الأستاذ توفيق قال سيدي الرئيس أنت تعرف أنك أب؟ وأن الشعب التونسي كله أبنائك؟ قال: نعم أنا أبنائي وشعبي، قال له تعرف أن الإخوانجية، لأ قبل ما يقول له الإخوانجية قاله تعرف أن الأب حيال أبنائه يكون صارماً عندما تجب الصرامة ويكون رحيماً عندما تجب الرحمة وأن الصرامة وحدها لا تكفي يجب أن تعقبها الرحمة وأنت عارف أن الأخوانجية هؤلاء أبنائك يكفيهم ما قضوا في السجن، قال له عجايب يا توفيق أنت عامل لي مسرحية جايب لي ابنتك تكلمني فيها عن الأحوال الشخصية ومسألة الأحوال الشخصية ويا ريتها تونسية وأنت تفرش كنت تفرش، قال فانبسط الجميع وبورقيبة لم يرد رداً سلبياً قال لي فأدركت أنه سيكون من نتائج ذلك الإفراج، واللي قال لي الدكتور توفيق الشاوي وأنت ذكرت حبيباً لقلبي رجلاً عزيزاً علي أنه جاء بإذن من الملك فهد- رحمه الله- الذي أذِن له بالسعي في حل هذا الإشكال بالنسبة لهذا الشخص ولمن معه وذكر هذا الشخص بشكلٍ خاص لما نمي إلى علمه من معلوماتٍ تتعلق به.

أحمد منصور: أنت كان لك علاقة بينك وبين الملك فهد بعد كده سآتي لها لكن لا نريد أن نُغمط الدور التاريخي للدكتور توفيق الشاوي.

عبد الفتاح مورو: يقيناً.

أحمد منصور: فيما سعى فيه.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: محمد مزالي يقول أنه بعد الحُكم عليكم لم يدّخر جهداً للإفراج عنكم وأنه أقنع بورقيبة بعد عدة أشهر من سجنكم بالإفراج عن عبد الفتاح مورو لأسباب صحية في الظاهر وأنه استغرق عدة جلسات مع بورقيبة لإقناعه هذا الأمر وأن الدكتور حمودة بن سلامة من الديمقراطيين الاشتراكيين تحدثت عنه، أيضاً ساعد ولعب دوراً في هذا الأمر؟

عبد الفتاح مورو: في شخص لا يمكن أن أنساه وهو الدكتور محمود بن ناصر الذي عالجني بعد أن ظهرت عليّ آثار مرض يتعلق بالقلب، كان رئيس قسم القلب في المستشفى الرئيسي بتونس العاصمة، اليوم مستشفى شارل نيكول والذي هو محاذي للسجن فكنت أُحمل للدكتور محمود بن ناصر للمعالجة وهذا الرجل كان يعرفني لأني كنا نلتقي في بعض السفارات وكان يُدعى إلى سفارة المملكة السعودية في حفلاتها وأنا كنت أحضرها وأرى منه استعداد ومحبة لهذا الخطاب الذي أسوقه، لما حُملت إليه قال لي أنت هنا؟ قلت له نعم، عالجني واعتنى بي ثم شعر بأن الأمر ربما يتطور مرض القلب مع مرض السكري وربما عطفاً منه كذلك ضخّم الأمر وأذكر أني عندما عولجت في المستشفى بحضور 120 من أعوان الأمن المختلفين الذين كانوا يحرسون المبنى حولي.

أحمد منصور: 120 عشانك أنت؟

عبد الفتاح مورو: نعم 120 عشاني أنا، كان من جملة الزوار الذين زاروني بالليل وزير الداخلية.

أحمد منصور: كان إدريس قيقة؟

عبد الفتاح مورو: الأستاذ إدريس قيقة، جاء أنا فتحت عيوني فوجدته عند رأسي جاء لأنه زميل دراسة مع محمود بن ناصر، محمود بن ناصر حذره من مغبة بقائي بالسجن قال له شوف الرجل هذا سيموت، في شيء ثاني فعله هذا الرجل كان يقتبلني يومياً بعد أن يُؤتى بي من السجن عندما كنت غير مقيم بالمستشفى قبل أن أُقيم يُؤتى بي كل يومٍ للمعالجة، فكان يعالجني في غرفةٍ فسيحةٍ كان هناك باب أول وباب ثاني، فالحراس عندما يأتون يأمرهم بالبقاء في الباب الأول وأُدخل أنا لسرية المعالجة.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فكنت كل مرةٍ أزوره أجد لديه طبيباً مختلفاً يأتون من الباب الخلفي الذي يفتح على كلية الطب وكان زملائه في كلية الطب يزورونه باعتباره من كبار الأطباء فتسنى من خلال هذه الزيارات المتعددة أن أتعرف عليهم فرداً فرداً ولكن الذي حصل بعد أسبوعين وثلاث أسابيع أنني كلما قدمت وجدتهم كلهم، كلهم مجتمعين.

أحمد منصور: في انتظارك.

عبد الفتاح مورو: كلهم كانوا ينتظرون قدومي، وكانت توزع علينا البريوش والقهوة.

أحمد منصور: قعدة حلوة يعني.

عبد الفتاح مورو: وكانوا يستمعون بكل اهتمام إلى الخطاب الذي أُسوقه وأنا أتحدث في كل فنٍ من الفنون، وكان فيهم يعني جهابذة الأطباء كانوا هناك، بن عياد وما أدراك، عميد كلية الطب كان موجوداً وغيره نسيت الأسامي، في مرة من المرات جمعهم تجاوز 11 نفراً، قالوا لي.

أحمد منصور: كلهم أساتذة في الطب.

عبد الفتاح مورو: كلهم أساتذة في الطب وعلمانيون إلى النخاع يقيناً، قالوا لي أنت إخوانجي؟ قلت له نعم، قال لي إحنا إخوانجية كلنا إخوانجية على طريقتك وصافحوني يعني عاهدوني على الإخوانجية، أزيدك يا أستاذ أنه في مرة من المرات عندما قدِمت أُدخلت إلى مكتب محمود بن ناصر.

أحمد منصور: هنا يعني الدخول إلي قلوب الناس يحببهم.

عبد الفتاح مورو: لا إله إلا الله، لأن هؤلاء الناس ما كنت أطمع أبداً أن أجلس إلى واحدٍ منهم بل العطف تناول كل الإطار الطبي الذي اتصلت به لأن فترة الإقامة الجبرية استغللتها للخروج يومياً من بيتي بعلة التداوي عند طبيبٍ أخصائي في الأذن والآخر في العين والآخر في الأسنان والآخر في القلب فكنت على مدار الأسبوع يأخذني أعوان الأمن إلى طبيبٍ خاصٍ مختلفٍ، 6 أيام في الأسبوع وأنا أتنقل فتعرفت على أطباء تونس كلهم، هؤلاء الناس بذلوا العناية والرعاية وكانوا يطببونني بدون مقابل لا يأخذون مالاً يتعبون، الذي داواني في الأسنان بقي 6 أشهر يتابع وضع أسناني.

أحمد منصور: ده هو مش عايز يخلص.

عبد الفتاح مورو: بدون مقابل أبداً.

أحمد منصور: بس مش ستعرف تتكلم وهو يعالجك.

عبد الفتاح مورو: نعم، يدفعون يشترون الدواء، يعني عناية عظمى، والإطار الطبي هو أكبر إطار وقف إلى جانبي مع إطار المحامين، شيء عظيم جداً، الصحافة بعد ذلك، هذول كلهم وقفوا معنا جميعاً، مرة وأنا أدخل إلى بيت الدكتور محمود بن ناصر أنا أدخل إلى غرفة غرفته فوجئت بشخصٍ يجلس هناك، أتعلم من هو؟ هو الأستاذ محمد مزالي وهو رئيس حكومة، وأنا سجين.

أحمد منصور: كان ينتظرك يعرف أنكَ قادم.

عبد الفتاح مورو: كان ينتظرني بترتيبٍ من الأستاذ محمود بن ناصر، فلما دخلت أنا رأيت رئيس الحكومة أنا توقفت اترجَّ عليَّ الأمر، فدرت..

أحمد منصور: كُنت في السِجن ولا الإقامة الجبرية؟

عبد الفتاح مورو: لا كُنت في السِجن، أنا وقتها في السجن.

أحمد منصور: يعني أنتَ كِده شُفت مزالي وأنتَ في السجن.

عبد الفتاح مورو: وأنا في السجن.

أحمد منصور: لأنَّ لقاء الإقامة الجبرية مُختلف.

عبد الفتاح مورو: بَعد، هذا في السِجن وهذا اللقاء لم يعلَم بهِ أحد حسبَ تصريحهُ هو.

أحمد منصور: أنا لم أجدهُ في أيِّ مصدر.

عبد الفتاح مورو: هو قالَ لي، قالَ في ذلكَ اليوم لأنَّ هو خرقَ كُل البروتوكولات.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: جاءَ فنظرت لمحمود بن ناصر قُلت لهُ فهمني شنوه؟ أفهمني ما الذي يحصُل؟ قالَ لي مثل تونسي يقول"يا ملك الموت بينك وبين صاحبك"، يا ملك الموت بينكَ وبين صاحبك.

أحمد منصور: خلصوا مع بعض.

عبد الفتاح مورو: قالَ لي بينكم هذهِ بينكم وخرجَ من الباب الخلفي وتركنا، فالأستاذ محمد مزالي رحمهُ الله قالَ لي تفضل اجلس، قُلت لهُ: لا لا سيدي الوزير أنتَ رئيس حكومة ومُمثل السُلطة وأول شخصية في تونس بعد بورقيبة وأنا سجين محرومٌ من كُلِّ حقوقي المدنية ومحرومٌ من حق الحُرية، لا يليقُ أن أجلس بحضرتكُم، لا أستطيعُ إلّا أن أبقى واقفاً.

أحمد منصور: أنتَ تدي لهُ يعني.

عبد الفتاح مورو: آه، الرجُل تأثر، أنا تأثرت كذلكَ لكن أمسكت نفسي، قُلتُ لهُ يا سيدي أنا خدام حضرتك وأنا واقف أمامكم تفضلوا سيدي تأمرون بشيء، قال لي كيفَ هذا أنا جاي أتحدث معك!! قُلتُ لهُ لا يليقُ بالسيد رئيس حكومة أن يتحدثَ مع سجين، أنا لا أملكُ حُريتي وأنا في وضعٍ لا يجوزُ لي معهُ إلّا أن أنثنيَ أمامَ أمركُم، إيش تأذنون سيدي؟ يعني رجُل رأيتُ في وجههِ التأثُر، قالَ يا رجُل اجلس يا رجُل اجلس إحنا جايين نحل المُشكلة، وأشعرني بأنهُ يحملُ هم هذهِ القضية وأنهُ تحمّلها دونَ وعيٍ منهُ لأنَ بورقيبة ورطهُ فيها وأنَّ سيكونُ لذلكَ نتيجة وطلبَ مني أن أتقبلَ الأستاذ حموده بن سلامة ليكونَ الواسطة بيني وبينهُ.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: هل صحيح هو طلب منكَ سواء هو بشكل مُباشر أو حمودة بن سلامة أنك تكتب طلب عفو لبورقيبة للإفراج الصحي عنك؟

عبد الفتاح مورو: لأ هذا طُلِبَ مني ومن الأستاذ راشد وبقية المساجين يومياً كانَ يُطلبُ منا.

أحمد منصور: وأنتم رفضتم.

عبد الفتاح مورو: إحنا رفضنا جميعاً، لم يصدُر من واحدٍ منا طلبٌ أبداً، فكانوا يأتوني يعني يأخُذني إلى مكتبهِ مكتب مُدير السجن الذي يعتلي السقيف الذي يخرجُ منهُ الزوار، إحنا كُنا في الغُرفة يزورونا ثُمَ هُم يخرجونَ من السقيف، مُدير السجن لهُ مكتب فوقَ السقيف فيأخُذني لأُطلَّ من النافذة التي تُطلُ على الشارع وأنظرُ إلى زوجتي ووالدتي وأبنائي وهُم يتعثرون بطريقٍ حجري ليصلوا على بُعد 400 متر إلى السيارة التي جاءت بهم وكانوا يبكون يقيناً بعدَ الزيارة يخرجونَ كُلهم يبكون ليؤثرَ على عاطفتي، يقول لي أنتَ ترضى زوجتك ترضى أبنائك يبكون!! قُلت لهُ لا أرض، يقول لي طيب ورقة بسيطة قُل سيدي الرئيس أطلبُ عفوكم الإمضاء فُلان، قالَ لي هذا والدك، قُلت أنا والدي الجيلاني مورو مش الحبيب بورقيبة وأنا لم أفعل شيئاً ضِد بورقيبة ولذلكَ لا أطلب العفوَ منهُ، وبقيَ يزُنُ على رؤوسنا طوال المُدة أنا والأستاذ راشد وبقية الجماعة..

أحمد منصور: معنى ذلكَ أنَّ بورقيبة كانَ يأمل ويتمنى أن تكتبوا لهُ طلباً للعفو.

عبد الفتاح مورو: يعني هو في مأزق يُريدُ أن يخرجَ منهُ بماء الوجه بالنسبةِ إليهِ أن طلُبَ نحنُ ذلكَ ونحنُ لم نُسعفهُ.

أحمد منصور: كيفَ اتُخِذ قرار الإفراج الصحي عنكَ في أغسطس عامَ 1983 وبقيتَ رهنَ الإقامة الجبرية في بيتك مُدة عام حتى أُفرِج عن الجميع بعدَ ذلكَ؟

عبد الفتاح مورو: الليلة ليلة 27 رمضان وفي اليومِ السابقِ لها كانَ يوم خميس، وهذهِ ليلة 27 رمضان كانت يوم جُمعة، يوم الخميس صدرت جريدة الرأي بمقال منسوبٍ إلى والدتي بإمضائها، الذي كتبهُ.

أحمد منصور: حمودة بن سلامة.

عبد الفتاح مورو: لأ الأستاذ صلاح الدين الجُروشي.

أحمد منصور: آه صلاح الجُروشي، لأن صلاح الجُروشي قالَ أنهُ أيضاً يتوسط في الأمر.

عبد الفتاح مورو: نعم، الأستاذ صلاح الجُروشي هو الذي كتبَ هذا المقال وأبلى البلاء الحسن في هذهِ الفترة وباتفاقٍ مع الأستاذ حمودة بن سلامة وقعَ نشرُ هذا الخطاب الموجه إلى بورقيبة، كانَ خِطاباً قوياً وليناً، استعملَ الطريقتين؛ قويّ فيهِ شدة ولكن فيهِ فتح باب التفاهم، يبدو أنَّ الوضع كانَ مُتهيئاً لصدور هذا القرار، لا أتصور أنّ هذا المقال أثرَ في 24 ساعة ولكن جاءَ في فترة تهيئ فيها الأمر، تهيئ ليش؟ لأنَّ بورقيبة الأستاذ محمد بن مزالي اتصلَ فيهِ وهذهِ الفترة كانت فترة أغسطس وكانَ بورقيبة يتهيأ للاحتفال بعيدِ ميلادهِ 3 أغسطس، قبلَ 3 أغسطس الأستاذ محمد مزالي هو الذي قالَ لي هذا تعلق بذلك بـ 1983 أو 1984 أفرج عني وأُفرج عن المجموعة أنا لستُ مُتحققاً، لكن الواقعة قال كُنا بالطائرة وبورقيبة ينظُر من علو ويتهيأ لدخول المُنستير مدينتهِ وكانَ فيهِ نفسهُ مُنشرحة وكانَ يجلسُ إلى جانبهِ محمد مزالي وقُبالتهُ وزير الداخلية الأستاذ إدريس قيقة واتفقا على أن يعرضا عليهِ الأمر لكن بطريقة فيها تداول فالأستاذ إدريس قيقة قال لهُ: يا سيدي الرئيس الإخوانجية، ينتظرُ ردةَ فعلهِ، إذا قال له كلاب يقول لهُ الأخر مش كلاب فقط كلاب خنازير، وإذا كانَ ما قال كلاب يكمل الحديث، فقال لهُ عندما قال لهُ الإخوانجية الآخر ما رد لأنهُ بورقيبة كانَ في وضع آخر، فقال لهُ سيدي الرئيس أراهم تابوا، قالَ كيف تابوا؟ قال لهَ ثَمة فُلان هذا أراهُ مريض وتعب ولكن عندهُ آراء إيجابية و..

أحمد منصور: هذا بعد ما إدريس قيقة ما زارك في السجن.

عبد الفتاح مورو: بعد إدريس قيقة ما زارني في السجن، هذهِ الفتة في الطائرة هي اللي هيأت بورقيبة لاتخاذ قرار في الإفراجِ عني لكن وضعي في الإقامة الجبرية.

أحمد منصور: لكن أنتَ إدريس قيقة لمّا زارك في المستشفى عفواً إيه اللي دار بينك وبينهُ؟

عبد الفتاح مورو: لم يدُر بيني وبينهُ أيّ حديث..

أحمد منصور: هو فتحت لقيته..

عبد الفتاح مورو: فتحت عينيَ وجدتهُ ينظرُ إليَّ.

أحمد منصور: لكن مزالي؟

عبد الفتاح مورو: مزالي هذا الكلام اللي قالهُ يعني شعُر بالمسؤولية وقال لي أنا في مأزق أُريد أن أخرج من هذا الوضع وعلى كُلِّ حال الدكتور حمودة بن سلامة يتصل بك.

رهن الإقامة الجبرية

أحمد منصور: طلع قرار الإفراج عنك في أغسطس 1983 على أن تبقى رهن الإقامة الجبرية في البيت، كانَ في حراسة على بيتك؟

عبد الفتاح مورو: شوف سيدي هذا القرار اتُخذَ يوم جُمعة بعدَ أن زارتني زوجتي وأبنائي ووالدتي صباحاً وكانَ يسمحوا بالزيارة يومياً لأنني كُنتُ رهينَ المُستشفى، الساعة 11 تقريباً أو قبل الساعة 11 اتصلَ بي مُدير المُستشفى ليُشعرني بأنَّ إدارة السجن تطلبُ مني إعطائهم تلفون والدتي فأعطيتهم التلفون ولم أفهم السبب، بعدَ قليل الساعة 11 جاءَ أحد أقاربي صهري سي علي جاءَ يجري ودخلَ المُستشفى وقالَ لي أنتَ أفرجوا عليك، قُلتُ لهُ أين؟ قال لي الآن في الإذاعة أنا راكب بالسيارة وسمعت في الإذاعة أنه وقع الإفراج، قُلتُ لهُ أنتَ ما تفكر روح روح برا امشي، قال لي والله والله سمعت، بعدَ قليل جاءت الطامةُ والعامة: مُدير إدارة السجون، مُدير السجن، مُدير المُستشفى، والي البوليس، والي مدينة تونس، شخصيات كُبرى الساعة 1 تقريباً.

أحمد منصور: ظهراً.

عبد الفتاح مورو: و..

أحمد منصور: يوم الجمعة!!

عبد الفتاح مورو: يوم الجمعة..

أحمد منصور: ما صلوا دول!!

عبد الفتاح مورو: لا هذول يُصلون يوم السبت، قرأوا عليَّ القرار قرار الإفراج..

أحمد منصور: كان مكتوب فيهِ إيهِ؟ تفتكر منهُ إيه الصيغة؟

عبد الفتاح مورو: يقول نظراً لحالتهِ الصحية قررَ رئيس الجمهورية الإفراج عنهُ من سجنهِ ووضعهِ تحتَ الإقامة الجبرية على أن لا يُمارس أيّ عمل سياسي وأن تُضبَطَ تراتيبُ تطبيقِ هذا الأمر بقرارٍ من وزير الداخلية يضبطُ فيها الناس المسموح لهُم أن يزوروني في الإقامة الجبرية.

أحمد منصور: قرار الإفراج الصحي عنكَ من بورقيبة نفسهُ ليسَ من وزير...

عبد الفتاح مورو: بورقيبة نفسه، بورقيبة نفسه، فعندما تُليَ هذا القرار أنا كُنت جالس فوقفت، قالوا لا لا لا أنتَ وضعك الصحي لا يسمح بالوقوف اجلس، قُلتُ لهُم كيفَ رئيس الدولة يتكلم وأنا جالس، قالوا لا اجلس، فأُذِنَ بالجلوس، بعدَ أن قُرِأَ هذا خرجوا هُم بقيَ مُدير إدارة السجون سي عُمر شيشية رحمهُ الله، سي عُمر قالَ لي طيب والدتي كانت حاضرة وزوجتي كانت حاضرة فقالوا لي اجمع أغراضك، قُلت لا، قالوا كيف؟ قُلت لهُم مش خارج، قالوا كيف مش خارج، ظنوا أني أُهزر على عادتي، قُلتُ لهم لا مش خارج، قال لي مُدير السجن ليش؟ قُلتُ لهُ أنا هُنا في المُستشفى ليسَ بأمركَ ولا أمر رئيس الجمهورية أنا دخلتُ المُستشفى بأمر طبيبي الدكتور محمود بن ناصر ولا أُغادر المُستشفى إلا بإذنٍ من الدكتور محمود بن ناصر، قال لي لكن إحنا رئيس الدولة أفرج عنك أُخرج وبكرى ارجع لهُ، قُلتُ لهُ لا يجوز لا يجوز، قال لي إيش نّسوي؟ قُلتُ لهُ أنتَ خُذ أعوانك وحُراسك خُذهم معكَ وأنا أبقى بالمُستشفى فلم يجد بُدّاً من أخذِ حُرساهِ وذهبَ، والدتي وزوجتي ظنتا أنَّ القضية قضية هزار قضية فقالت يا ابني هيا، قُلت لها لا، قالت كيفاش ولدي أنت بعيد على بيتك أكثر من سنتين وتبقى!! قُلت لها يا سيدتي أنا هُنا بأمر طبيب أردتُ أن أردَ الجميلَ لصاحبهِ.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: هذا كان موقف عظيم أثرَ على الأستاذ محمود بن ناصر، فلمّا جاءَ محمود بن ناصر في اليوم الموالي وكانَ يتصوَّر أني خرجت فتحَ باب الغُرفة اللي كُنت بها فوجدني، وقال إيش تعمل هُنا!! قُلتُ لهُ إيش نعمل هُنا!! قُلتُ لهُ سي محمود، قال لي مش أمبارح في التلفزيون الأستاذ محمد مزالي قال بورقيبة أفرج عن الأستاذ فُلان، قُلتُ لهُ صحيح هو أفرجَ عني لكن أنتَ لم تُخرجني والإذنُ لكَ، قال لمُساعدهِ سي علي بن هاني هو طبيب مُباشر الآن يا علي قال لهُ هذا موقف لم أر مثلهُ في حياتي، وبقيَ هذا الرجُل يُكِنُ لي من الاحترام والمودةِ الشيءَ الكثير لأجلِ هذا الموقف البسيط وأصرَ على أن يأخذني هو بسيارتهِ في ذلكَ اليوم وأن يحملَني إلى بيتي رغمَ أن كون أهلي جابوا سيارة.

أحمد منصور: أنتَ فترة الإقامة الجبرية كانَ برنامجك فيها اليومي إيه؟

عبد الفتاح مورو: فترة الإقامة الجبرية يعني جُلها قراءة لكن في بعض الأوقات أترصدُ مرورَ الذينَ يخرجونَ من الإدارات القريبة من بيتي، أوقات الذُروة للخروجِ أو للدخولِ للإدارات يمرونَ أمامَ بيتي.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فكُنتُ أجلسُ في الشُرفة أتعمدُ الجلوسَ في الشُرفة لأُحييَ الناس وكانوا كثيرٌ منهم يتعمد أن يمُرَ من أمام بيتي ليراني فكانوا يُسلِّمون وأردُ السلام عليهم.

أحمد منصور: أنتَ تابعت مُظاهرات الخُبز اللي كانت بدأت في 29 ديسمبر واستمرت لـ 2 يناير وكانت مُظاهرات دامية أيضا، تابعتها وأنتَ في الإقامة الجبرية.

عبد الفتاح مورو: أنا تابعتها من سطحِ البيتِ الذي أقطنهُ لأنَّ هذا البيت هو قريب من باب سويقة، من ساحة باب سويقة وكانت الصِدامات جُلُها تتمُ في هذهِ الساحة، فكُنت أصعد لا لأرى الناس لأنني لا أستطيع أن أراهم ولكن أسمع طلقات النار وأرى النار عندما تشتعل أرى أثارها، تابعتها مُتابعة كُليّة وكانت واقعةً رهيبةً لأنَّ هذهِ الواقعة ماتَ فيها عدد كبير من الشباب.

أحمد منصور: رغم إن قيادات النهضة مُعظمها كانَ في السجون وكثير أيضاً من أبنائها لكن لعبوا الطلبة ولعبوا النهضة دور فاعل في أو حركة الاتجاه الإسلامي آنذاك..

عبد الفتاح مورو: لأ وجدوا مناخاً أو الغضب العام وثانيا الغضب الذي نشأَ عن ارتفاع ثمنِ المواد الأساسية التي من بينها الخُبز وما تبعهُ من مواد.

أحمد منصور: بورقيبة رضخ وألغى الزيادة في الأسعار في 6 يناير.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: محمد مزالي بدأَ يقود مُفاوضات في هذهِ الفترة من أجلِ الإفراج عن حركة الاتجاه الإسلامي ليُنقذَ نفسهُ من الوضع الاقتصادي المُتردّي لم ينجح في تحقيق شيء فيهِ فأرادَ أن يقوم بدور سياسي، وصل الأمر إلى أن استدعاكَ أنت محمد مزالي هو قالَ لي في شهادتهِ على العصر في الحلقة السادسة، " استدعيتُ عبد الفتاح مورو في بيتي بعدَ الإفراجِ عنهُ وتناظرنا ليلةً كاملة"، هل تذكرُ ما دارَ بينكَ وبينهُ؟

عبد الفتاح مورو: هو هذا اللقاء تم بالترتيب من الأستاذ الدكتور حمودة بن سلامة.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: ابن السيد حمادي بن سلامة الذي ذكرتهُ سابقاً أخذني في السيارة ليلةَ زفافي.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: هذا ابنهُ وكِلا الرجُلينِ رجل فاضل ولهُ فضلٌ عليّ والدكتور حمودة بن سلامة كانَ يتصل فيها، في مُدة من الزمن، ففي فترة الصائفة..

أحمد منصور: أنتم كانَ في بيتك رهن الإقامة الجبرية يسمحوا للناس يزوروك!!

عبد الفتاح مورو: يسمحون بقائمة فيها 100 نفر.

أحمد منصور: في اليوم!!

اتصال سري مع حمادي الجبالي

عبد الفتاح مورو: لأ 100 نفر لا يزيدون، يُمكِن أن يزوروني لكن إذا كرروا يُشعَرون بأنهُ لا يجوز كَثرة الزيارة، وهذهِ 100 نفر جُلهُم من أُسرتي وأُسرة زوجتي وبعضٌ من أصدقائي وأحبابي الذينَ لا علاقةَ لهُم بالعمل السياسي فكانوا يسمحون لهُم بالزيارة، كانَ الدكتور حمودة بن سلامة يزورني من بينِ المسموحِ لهُم وبإذنٍ من وزارة الداخلية وبإذن من رئيس الحكومة وكانَ الحديث يتناول يعني الموقف، كيفَ يُمكن الخروج؟ جاءت فِكرة عرض مبادئنا على السُلطة على بورقيبة وجاءت قضية الرسالة هذهِ الرسالة الشهيرة التي كتبتُها والتي استوجبَت كتابتها مُدة طويلة من الزمن من المُشاورات بيني وبينَ القيادة الفعلية المُمثلة في الأستاذ حمادي الجبالي الذي كانَ يأتيني مُتنكِراً كُل مرة بشكلٍ يأتيني وأنا في الإقامة الجبرية ويمُرُ أمامَ الشُرطة ولا يتفطنُ أحدٌ لهُ.

أحمد منصور: حمادي الجبالي كانَ هو في ذلكَ الوقت والقيادات في السجون انتُخبَ رئيساً للـ..

عبد الفتاح مورو: للحركة.

أحمد منصور: للنهضة للحركة في الخارج.

عبد الفتاح مورو: نعم، كانَ يزورني تقريباً أُسبوعياً وبعد 10 أيام يأتيني ويأتيني مُتنكراً؛ كُل مرة يلبس باروكة من نوع وكذا ويُغيِّر مظهرهُ وكانَ يمُر أمامَ الأمن فالأمن مُتساهل معي يسألوني أقول لهُم هذا قريبي فيدخُل، ليسَ مُرسَّماً في الـ 100 نفر كانوا يتركونهُ، عرضتُ عليهِ مشروعَ الرسالة وبقيَت مُداولات كبيرة داخلَ الحركة ثُمَ وجهنا مشروعَ الرسالة إلى الجماعة اللي بالسجن والجماعة اللي بالمهجَر، جماعة السجن يعني الأستاذ راشد وجماعتهُ.

أحمد منصور: يعني الرسالة التي أرسلتها إلى بورقيبة الشهيرة هذهِ تاريخياً.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: لم تكُن نِتاج فكرك وحدك وإنما كانت نتاج لنقاشات ما بينَ القيادة في السجون.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: والقيادة في الخارج مُمثلة في حمادي الجبالي وقيادة النهضة الهاربونَ في الخارج أيضاً!!

عبد الفتاح مورو: نعم هذهِ كانت بوفاقٍ من الجميع واستوجبَت وقتاً طويلاً مُداولات.

أحمد منصور: لأنَّ البعض تناولها إن دي عبد الفتاح مورو هو الذي أرسل الرسالة.

رسالة إلى بورقيبة

عبد الفتاح مورو: أنا أرسلتها تحمّلتُ مسؤوليةَ إرسالها لكن هذهِ ترتيبها ونصُها كانَ باتفاق مع الجميع، من بينِ الشكلياتِ التي توقفت من أجلها الرسالة كيفَ نُخاطبُ هذا الرجُل؟ فأنا كُنتُ أقول سيادة رئيس الجمهورية، إيش سيادة رئيس الجمهورية!! إحنا لو كُنا مُعترفينَ بسيادتهِ ما كُنا لنفعلَ معهُ هذا كما فعلوا في صُلح الحُديبية هذا، لو كُنا مُعترفين لما، إيش نقول لهُ؟ نقول لهُ يا كلب!! نقول لهُ يا قرطوز!! شو نقول لهُ؟ نقول لهُ رئيس الجمهورية، قالوا كيفَ تعترف بهِ رئيس جمهورية؟ أليسَ رئيس جمهورية؟ هو رئيس جمهورية أحببت أم كرهت، إقناعهم بهذا استوجبَ وقتاً، التحية كيفَ نُحييه؟ قُلت لهُ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ قالوا لأ قُل لهُ السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ لا سلامَ بيننا وبينك، يا ولدي!!!

أحمد منصور: هذهِ العقلية لا زالت موجودة عند الإسلاميين إلى اليوم.

عبد الفتاح مورو: آه يا ولدي كيفَ!! قالوا أبداً، قُلت لهُم طيب أنا هذهِ الرسالة سأُحييه كيف؟؟ سأقول لهُ تحيةً تليقُ بمقامكُم فقبلوا، وأرسلنا الرسالة بعدَ تهذيبها، كان موضوع الرسالة إيش هو؟

أحمد منصور: "إنَّ حركةَ الاتجاه الإسلاميِّ التي تنطلقُ من مواقفها وأهدافها ووسائلها من فهمها الشمولي للإسلام تؤكِّدُ اليومَ مثلَما أكدت في مُناسباتٍ سابقةٍ عديدة أنها لا تُقدمُ نفسها ناطقاً رسمياً باسمِ الإسلام ولا تطمعُ يوماً في أن تكونَ كذلك ولا هي تضعُ في نيتها وتخطيطها استعمالَ المسجد منبراً للدعاية الحزبية، إنَّ حركتنا يا سيادةِ الرئيس لترفضُ رفضاً قطيعاً مسلكَ العُنف وهي تعتمد الحوار والإقناعَ ومُقارعةِ الحُجةِ بالحُجة".

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: هذا يعني أهمُ ما فيها.

عبد الفتاح مورو: نعم وهذا الكلامَ كانَ عن رويةٍ وكانَ عن وفاقٍ داخليٍّ بيننا.

أحمد منصور: استغرق كم شهر حتى تُرسَل في 4 يوليو 1984 إلى بورقيبة؟

عبد الفتاح مورو: استغرق في تصوري 3 أشهُر، في تصوري 3 أشهُر؛ أولاً لبُعد المسافات ولصعوبة الاتصال بمَن هم في السِجن حتى تتحين الفُرصة ولكن أولاً يعني للإشكالية القائمة لأنَّ كانَ في أذهانِ الكثيرين مَظنة أننا ربما يتأول هذا على أننا طالبو عفوٍ.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: ولو لم نُصرِّح بهِ.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فكُنا حريصين على نشرِ نصِ الرسالة..

أحمد منصور: رغمَ دِقتها دق صياغتها، ذكائها الشديد، دورها في إقناع بورقيبة برضهُ وجدت من ينتقدها ويعتبرها طلباً للعفو من دكتاتور.

عبد الفتاح مورو: هذهِ العقلية القائمة لدى بعض شبابنا من الإسلاميين وهي عقلية قائمة للبعض الآخر إلى اليوم يا سيدي الكريم وهذهِ عَقبة من عقبات العمل السياسي، على كُلِ حال نحنُ نتصور أنَّ التطور الطبيعي الذي نمُرُ بهِ يجعلنا أن نتفهم الواقع..

أحمد منصور: أحمد بنور، أنتم عملتم اتفاق؟

عبد الفتاح مورو: اتفاق إيش؟؟

أحمد منصور: أحمد بنور يقول إنَّ عبد الفتاح مورو ثُمَ راشد الغنوشي وافقوا على الرسالة وباقي القيادات في السجن، معنى ذلك إن كان تواصلك مع القيادات في السجن كان بعلم الأمن والداخلية!!

عبد الفتاح مورو: لا أتصورُ ذلك، ربما هذهِ معلومة جاءت بعد، بعدَ الواقعة لأنهُ لو كانوا يعلمونَ ذلكَ ربما كانوا اعترضوا وصولَ الرسالة أو أشعرونا بأنهم على بينةٍ منها..

أحمد منصور: مزالي قال إنهُ راجع مرة أُولى وثانية وثالثة بورقيبة حتى وافقَ على إطلاق سراحهم وبعدين لمّا وافق على إطلاق سراح كُل مَن في السجون قالَ إلّا راشد الغنوشي، فيقول أنهُ استخدمَ الدهاء معهُ وقال لهُ أنتَ حينما اعتقلتك فرنسا في سنة 1963 وأطلقوا الجميع ما عداك أصبحتَ أنتَ الزعيم فلو أبقيَتَ الغنوشي هو في السِجن سيُصبح هو الزعيم.

عبد الفتاح مورو: هذا حصلَ..

أحمد منصور: فقال خلاص يخرُج.

عبد الفتاح مورو: هذا حصلَ فعلا، وقُرأَت عليهِ هذهِ الرسالة قُرأت على بورقيبة، ونقلاً عن الأستاذ محمد مزالي رحمهُ الله قال لهُ بسم الله الرحمن الرحيم سيادة الرئيس تحيةً تليقُ بمقامكُم، قال لهُ كيفَ قال؟ قال لهُ قال تحيةً تليقُ بمقامكُم، قال لهُ وعليهِ مقامي مقام كلاب عندهُم آه قال لهُ مقامي مقام كلاب، قال لهُ لا سيدي حاشاك أبداً، قال لهُ إيش يعني؟ قالوا مقامي مقام كلاب يعني مقامكم قال لي مقامكم أنا كلب عندهُم، قال لهُ لا سيد رأسي يعني مقام عظيم، قال لهُ أنا فاهم شو قاعد يقول فاهم شو قاعد يقول وهو بورقيبة داهية يُدرِك المرامي، لكن سألتموني عن اللقاء الذي حصلَ مع الأستاذ محمد مزالي.

أحمد منصور: أبدأ بهِ الحلقة القادمة تفاصيل اللقاء الليلة الطويلة التي قامت بينكَ وبينَ مزالي لاسيَّما وأنَّ مزالي روى لي أنكَ أفحمتهُ في هذهِ الليلة فأُريدُ أن أعرف كيفَ أفحمتهُ وكيفَ كانَ لقاءً مُقدراً أن يكونَ وقتناً قليلاً امتدَ إلى الفجر، شُكراً جزيلاً لك.

عبد الفتاح مورو: باركَ الله فيك.

أحمد منصور: كما أشكركم مُشاهدينا الكرام على حُسنِ مُتابعتكم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نواصلُ الاستماع إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي الحركة الإسلامية التونسية حركة النهضة ونائبِ رئيسها، في الختام أنقلُ لكم تحيات فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ.