عوامل عديدة مهدت لظهور الحركة الإسلامية في تونس، وهي الحركة التي كان عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها وأحد المساهمين الرئيسيين في بروزها إلى جانب شخصيات أخرى تركت بصماتها في المشهد السياسي التونسي.

في الحلقة الثانية من شهادته لبرنامج "شاهد على العصر"، يكشف مورو أن ثلاثة أحداث متتالية ساهمت في تحريك الشباب التونسي ودفعته لكي ينشد التغيير وهي: هزيمة 1967 ودور القضية الفلسطينية، وعزل الجنرال الفرنسي شارل ديغول عام 1968، ثم في عام 1969 الهزيمة التي مني بها البرنامج الاقتصادي للرئيس التونسي (الراحل) في ذلك الوقت الحبيب بورقيبة.

فهذه القضايا والأحداث زرعت الأمل في نفوس الشباب التونسي بإمكانية إحداث التغيير، مثلما يشير مورو الذي تحدث عن عوامل مهدت لهذا الواقع، منها دوره هو شخصيا في جلب الشباب إلى المساجد بعدما كانت مقتصرة على العجائز وأحيانا تكون فارغة إلا من ثلاثة أو أربعة مصلين.

ويذكر مورو في شهادته عدة شخصيات لعبت دورا في بلورة فكرة التغيير في تونس، بينهم راشد الغنوشي وأحميدة النيفر، وهما إلى جانبه -أي مورو- قاموا بتأسيس الحركة الإسلامية في تونس.

وكان لثلاثتهم مميزات استفادت منها الحركة الإسلامية، فالغنوشي رجل فكر وتنظيم، والنيفر كان يرى الإسلام دين حضارة، أما مورو فكان يمثل المشهد الشعبي وكان الخطيب والمدرس وأيضا من ينشط فرق الكرة وفرق الموسيقى والعمل العام عموما.

ويكشف أن الغنوشي درس في العاصمة السورية دمشق ثم توجه إلى العاصمة الفرنسية باريس من أجل الدراسات العليا، ولما رجع إلى تونس كانت لهما جلسات مع بعض والتقيا على نفس المنطلقات الفكرية ومنذ ذلك الوقت لم يفترقا.

مورو اعتلى المنبر في سن 16 (الجزيرة)

وكانت المرجعية الفكرية التي اعتمد عليها مورو والغنوشي والنيفر تقوم على أساس أن "الإسلام هو دين حياة"، وأن المجتمع يحتاج إلى الإسلام لحل مشاكله، وهي نفس المرجعية التي كانت تسوّق خلال الستينيات مع فكر جماعة الإخوان المسلمين.

ومن الشخصيات التي لعبت دورا مهما في نهضة التونسيين -كما يذكر مورو- الشيخ محمد صالح النيفر الذي كان قد غادر إلى ولاية قسنطينة بالجزائر بسبب اعتراضه على بعض سياسات بورقيبة، لكنه رجع إلى تونس عام 1970 وقاد المسيرة، وهو الذي أسس أول مدرسة لتعليم البنات في تونس.

الشباب والمسجد
ويروي مورو أن قصته مع الخطابة بدأت في سن السادسة عشر عندما اعتلى المنبر في جامع الزيتونة وقدم خطبة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الخطبة التي يقول إنها أحسن خطبه.

وفي مسجد سيدي يوسف الواقع خلف مقر رئاسة الحكومة بتونس، واضب ضيف "شاهد على العصر" على الصلاة رفقة ثلاثة آخرين فقط الإمام والمؤذن وشخص آخر، وبطلب من الإمام محمد صالح بن مراد الذي ألبسه "العمامة" و"الشاشية" التي يرتديها حتى الآن أصبح مورو يلقي خطبة الجمعة.

وفي غضون ستة أشهر ارتفع عدد المصلين في مسجد سيدي يوسف من ثلاثة إلى حولي ألفين شخص جلهم من الشباب، من هنا بدأت هذه الفئة ترتاد المساجد.

ومن القصص التي يرويها مورو أنه طلب وهو في سن العشرين من عميد الجامعة التي كان يدرس فيها التصريح له بالذهاب إلى الحج، فما كان من العميد سوى السماح له بالذهاب وطلب منه أن يقرأ له الفاتحة.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: عبد الفتاح مورو: مرجعيتنا الإسلام هو دين حياة

مقدم الحلقة: أحمد منصور                        

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 5/4/2015

المحاور:

-   ابن عاشور ومنهجه في التفسير

-   فصاحة ومهارة في الخطابة

-   دور علماء تونس في نشر الدعوة

-   بورقيبة وقضية إفطار رمضان

-   بداية الحركة الإسلامية في تونس

-   الشباب وارتياد المساجد

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، فضيلة الشيخ مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: توقفنا بالحلقة الماضية عند أستاذك محمد الفضل بن عاشور عميد كلية الحقوق والشريعة..

عبد الفتاح مورو: عميد كلية الشريعة وأصول الدين..

ابن عاشور ومنهجه في التفسير

أحمد منصور: وأصول الدين التي درست فيها أنت بالتوازي مع كلية الحقوق في الفترة ما بين عامي 1966 و 1970 ما الأثر الذي تركه ابن عاشور في حياتك؟

عبد الفتاح مورو: هذه شخصية فذة شخصية عظيمة لأنه إلى جانب العلم الذي يشترك فيه مع غيره هذا الرجل كانت له إطلالة من علو على تاريخ المحطات الأساسية التي مرت بها الثقافة والعلوم في العالم الإسلامي، يكفي أن تراجع كتاب التفسير ورجاله وهي مجموعة دروس محاضرات كان يلقيها بالجامعة لم يكتبها وإنما كان يرتجلها لتعلم أن الرجل في قدرته على استيعاب المسار الذي مر به علم التفسير يقدم لك علم التفسير وكأنه شخص يتحرك أمامك في محطات معلومة تستوعبها، هذا الرجل كان خطيباً وهو كان يقول لي أنا وارث الخطابة عن الأستاذ عبد العزيز الثعالبي.

أحمد منصور: الثعالبي أبرز خطباء القرن كما وصف.

عبد الفتاح مورو: الشيخ عبد العزيز الثعالبي بدون منازع هو أبرز خطباء القرن الـ20 وهذا الرجل تقلب خرج من تونس بـ1927 بعد أن أسس الحزب الدستوري سنة 1920..

أحمد منصور: الذي سرقه منه بورقيبة.

عبد الفتاح مورو: الذي أخذه منه بورقيبة في مغيبه وكان هدفه أن يهيئ ليكون عوضاً عن الخليفة المفقود الخليفة التركي، لأنّ العالم الإسلامي شعر بفقدان قيادةٍ فكان يهيئ مجموعة من الأفراد من بينهم الملك فؤاد الأول والمؤتمرات المتتالية التي أقامها كانت في نطاق إبراز دوره على المستوى العربي والمستوى الإسلامي، لكن الشيخ عبد العزيز الثعالبي كان بفكرة الجامعة الإسلامية كان يفكر في الجامعة الإسلامية وانطلق من تونس لينتقل إلى الشام وينطلق إلى الحجاز وينتقل إلى تركيا اسطنبول وانتقل إلى الهند وانتقل إلى العراق وانتقل إلى إندونيسيا، فالشيخ عبد العزيز الثعالبي تميز بحذقه للغة العربية والخطابة، الشيخ الفاضل بن عاشور كان يقول أنا وارث الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الشيخ الفاضل بن عاشور هذه شخصية ظهرت على مسرح الأحداث الاجتماعية وعلى مسرح الأحداث النقابية ناهيكم أنه أسس مع المرحوم المناضل العظيم النقابي الوطني الشهيد فرحات حشّاد أسسا سوياً الاتحاد العام التونسي للشغل وهو أول منظمة نقابية في العالم العربي وهي المنظمة القائمة إلى الآن سنة 1946 وتقمص فيها شخصية الرئيس كان رئيسها في حين أنّ المرحوم..

أحمد منصور: هو عالم من الزيتونة.

عبد الفتاح مورو: وهو عالم من الزيتونة بإمامته وكان يجوب البلد مشرقاً ومغرباً وشمالاً وجنوباً يجمع الناس ليحدثهم عن حقوق العمال في الإسلام ويؤسس لذلك بالكتاب والسنة، بقي مدة سنتين تقريباً ثم تفرغ للعمل العلمي هذا الرجل هو الذي أشرف مع المرحوم صادق بسيّس على مؤتمر فلسطين في الأربعينات.

أحمد منصور: يقال أنّ كان القضية الفلسطينية كانت حاضرة بشكل دائم في خطبه وخطاباته.

عبد الفتاح مورو: لم يفارق هذا الموضوع أبداً هذا الرجل كان عضواً في مجمع اللغة العربية وحضر في 1954 أو 1955 مجمع اللغة العربية بالقاهرة هو ووالده الشيخ الطاهر بن عاشور وكان كلاهما يجلس في مكان ناءٍ عن الثاني فكانا يتداولان الكلام يأخذان الكلمة وأحدهما يرد على الثاني حتى كتبت الصحافة المصرية كاد المؤتمر أن يكون عاشورياً، هذا الرجل عظيم هذا الرجل كان يرتجل دروسه من موقع إحاطةٍ بدقائق العلوم الإسلامية لم أر مثيلاً له، حتى أنني أذكر وأنا بالدرس معه كان يدرسنا يوم الأحد ساعتين كان يدرسنا الدراسات القرآنية ما يسمى بعلوم القرآن الدراسات القرآنية فلما دخل بدأ حديثه متأسفاً عن واقع الأمة الإسلامية وما آلت إليه من جحود لثقافتها وحضارتها وتاريخها وتغريباً، فأنا كنت أعتبر نفسي رجلاً قلت الكلمة ولكن خبأت رأسي حتى ﻻ يتفطن لي فقلت في آخر الصف هذا منكم أنتم يا علماء مسؤولون عن ذلك، سمع الكلمة وتعرف على صاحبها وتابع الدرس وحديثه، لما انتهى الدرس تجافيت أن يلتقيني حتى ﻻ يؤنبني فإذا بي أجده أمامي كان ينتظرني يحادث غيري من الطلبة حتى أصله لما وصلت وضع يده على كتفي وأخذني إلى مكتبه قال أنت شفت المكتبة؟ وأخذني على أنه يفرجني في المكتبة ثم خرجنا من المكتبة القضية لم تكن مقصودة المكتبة نزلنا من الدرج ونحن خارجون قرب الباب أشار إلى رخامة طولها مترين ونصف مكتوب عليها الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين موضوعة بالأرض، فاستوقفني وقال لي أنت شايف؟ قلت: ما هذه؟ قال هذه تنتظر منذ سنتين حتى تُعلّق لم يؤذن لنا بتعليقها، قلت له ليش سيدي؟ قال لي لأن السيد وزير التربية آنذاك وهو المرحوم محمود المسعدي كان يناقشنا في النسبة الزيتونية قال أزيلوا كلمة الزيتونة، الزيتونة ألغيت والشيخ كان مصراً على النسبة الزيتونية الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ثم نظر إلي ليجيبني عن الانتقاد الذي وجهته له، قال يا بني لو لم أحصل في الحياة إلّا على إمكانية الإبقاء على جامع الزيتونة في شكل هذه الكلية لكان غفر الله لي كل ما فعلته مع السلطة فهمت مرامي الرجل وإدراكه وفهمه، هذا الرجل حتى يعطى حقه هذا كان أول المشاركين في الدروس الحسنية التي كان يشرف عليها المرحوم الحسن الثاني في المغرب في رمضان، والحسن الثاني- رحمه الله- أحبه ليش؟ لأنه أمام الحظوة التي لقيها من العلماء بعض علماء المغرب أوعز إلى الملك قال والله هذا الرجل ليس عالماً هذا مجرد ناقل كلام فقط وليس عالماً ليش هذه الحظوة! فأراد الملك أن يمتحنه، حُدّد له ليلة إلقاء محاضرته موضوع أعده لما صعد المنبر وقال بسم الله الرحمن الرحيم، أستوقفه الملك.

أحمد منصور: وكان الملك رغم كل مساوئه فقيها.

عبد الفتاح مورو: كان فقيهاً وعالماً وذكياً وجهبذاً وأنا زرته هذا الرجل قبل أن تتكلم يجيبك عما ستقول عجيب عجيب جداً، ألمعيّ يقرأ في عقول الناس المخبأ، قال له يا فضيلة الشيخ حصل بيني وبين السادة العلماء خلاف في مسألة وجاب له مسألة من خفايا علم الأصول مسألة منسية لا يعرفها إلاّ الراسخون في العلم، فما هو القول السديد فيها؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ولم يتوقف إلاّ بعد ساعتين اثنتين بعد أن قرر المسألة بأصولها وفروعها وتفاريعها وردود العلماء فيها وأحال على الكتب التي نقلتها بشكل كبير كأنه يقرأ في كتاب فكانت ردة الفعل أن وقف الملك شخصياً وقبله من رأسه.

أحمد منصور: محمد الفاضل بن عاشور.

عبد الفتاح مورو: هذا محمد الفاضل بن عاشور، هذا الرجل أثر في شخصي في الحقيقة حتى أنه أن توفي كان له بعض أبنائه عندما يستمع إلى خطبة من خطبي يقول هذه رنة الشيخ الفاضل بن عاشور وهذا صوت الفاضل بن عاشور.

أحمد منصور: هذا كان سؤالي لك حول الشيء الذي ربما أقوله لك وربما تسمعه للمرة الأولى، وأنا في إطار التحضير للبرنامج التقيت بشخصيات كثيرة من بينها الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة فقال لي ما نصه: ما عرفت خطيباً في هذا العقد مفوهاً بفصاحة وبلاغة عبد الفتاح مورو.

فصاحة ومهارة في الخطابة

عبد الفتاح مورو: هذه شهادةٌ تحرجني لأنها صادرة من شقيق روحي وأخي لكن أتصور أنها وردت في نطاق المجاملة التي يُعرف بها الأستاذ راشد وأنا لا أدّعي لنفسي هذا المقام أبداً وأسأل الله أن يبوئني إياه.

أحمد منصور: لك قصة مع الخطابة ونشأتها ونشأتك معها وتأثرك بها حتى أصبحت خطيباً مفوهاً لسناً يعني يجري الكلام على لسانك كما يجري الماء، فكيف بدأت علاقتك بالخطابة؟

عبد الفتاح مورو: أنا تناولت الكلمة خطيباً إثر صلاة الجمعة بين الجمعة والعصر في جامع الزيتونة، عادتنا في تونس في جامع الزيتونة أن نؤخر صلاة الجمعة إلى ما يقارب العصر ساعة قبل العصر فلما نزل الإمام الشيخ مصطفى - رحمه الله - نزل من المنبر أنا تناولت الكلمة من المحراب هو يدخل من المقصورة وينتظر حتى يؤذن العصر، على غير العادة بدأ أحد الناس..

أحمد منصور: كان عمرك كم؟

عبد الفتاح مورو: 16 سنة.

أحمد منصور: أول مرة تخطب 16 سنة وفي الزيتونة..

عبد الفتاح مورو: أول مرة 16 سنة خطبت في الزيتونة أمام مجموعة من المصلين والموضوع كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه الخطبة هي الخطبة الوحيدة التي كتبتها وموجودة عندي وهي أحسن ما خطبت إلى اليوم لأنني كتبتها أعددتها مدة أشهر وأنا أدبلجها وأستشهد بالآيات والأحاديث والوقائع وكان مؤدّاها دعوة الناس إلى التصدي لظاهرة سب الدين لأنه في فهمي وإدراكي لم أكن أتحمل في سن الـ16 أن يسب الإسلام بالطريق العام وأن يُسبَّ الله بالطريق العام، واعتبرتها القضية..

أحمد منصور: كان هذا منتشر وقتها؟

عبد الفتاح مورو: كان منتشراً.

أحمد منصور:هذا بدأ مع العلمانية التي بدأت تنتشر؟

عبد الفتاح مورو: لا هذا كان طبعاً مسترسلاً وأمد عنده أصول اجتماعية على كل حال، فأنا ألقيت هذه الخطبة والشيخ تدخل ليثنيني بعث أعوانه ليثنوني على الخطابة فإذا يجدوا الناس منبهرين وبعضهم كان يبكي وأنا لما رأيتهم يبكون بكيت فبكوا كذلك تأثرت بهم وتأثروا بي فأحجم إلى أن انتهت الخطبة ودعاني إلى المقصورة وسألني ابن من أنا، قلت أنا ابن فلان كان يعرف والدي قال يا بني لو استأذنتني كلامك جميل، قلت يا سيدي أنا ﻻ أعرف على كل حال اغفر لي هذه الزلّة وهذه الخطيئة، وهذه الخطبة كانت سبباً لئن أتجول بكامل تراب الجمهورية وسني 16 سنة وجمعت عليها توقيع 100 ألف شخص وقعوا عليها رحت إلى القرى ورحت إلى المدن وتجولت فيها وحدي ومعي أوراق أضم الأوراق التي يمضي عليها الناس أضمها إلى الأصل حتى أصبحت تشكل كتاباً ولما رجعت إلى العاصمة أخذتها إلى مركز الوزارة الأولى التي كنا نسميها كتابة الدولة للرئاسة وعلى رأسها المرحوم الباهي الأدهم فلم يقتبلني ولكنه تقبلها في مكتبه ووجدت الرد منه بعد أمد لما خطب في منتدى كنت أحضره كطالب فقال هذا مُخطر هذا خطير...

أحمد منصور: خطير..

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: بشّر فيك بدري يعني، كان عمرك كم وقتها؟

عبد الفتاح مورو: عندما قال هو هذا الكلام كان عمري 19 سنة في السنة الثانية في كلية الحقوق ولشريعة، فقل كلية الشريعة أعطتني تقعيداً لعمل الدعوة ربطاً لعمل الدعوة بالأصول بالقرآن بالحديث فهم الفقه فهم الأصول، فأصبح المنطلق ليس منطلق مجرد عاطفة لأن بعض الدعاة الآن ينطلقون في دعوتهم من عاطفة جياشة عندما يكون إلى جانب هذه العاطفة قدرة على فهم أصول الإسلام وعلى ترتيب القضايا هذا يساعد على نجاح تلك الدعوة.

أحمد منصور: مسجد سيدي يوسف كثير من مكونات الحركة الإسلامية بعد ذلك قالوا إن هذا المسجد الذي كان يخطب فيه الشيخ عبد الفتاح مورو كان مهداً للقاءات والأشياء التي تشكلت فيها، أنت متى ألقيت أول خطبة في مسجد سيدي يوسف وهو مسجد في القصبة موجود وقريب من رئاسة الحكومة؟

عبد الفتاح مورو: هو خلف رئاسة الحكومة عندما يكون رئيس الحكومة في مكتبه يطل علينا، ونحن في المسجد وفعلاً فعلها المرحوم هادي نويرة عندما شاهد أن هذا المسجد الذي عندما دخلته لم يكن فيه من المصلين إلاّ 3 أنفار الإمام ونفران اثنان وأنا دعيت لأكمل نصاب الحنفية نصاب الحنفية 4 فأنا دعيت في الطريق العام لأدخله فدخلت فتعرفت على الشيخ محمد صالح بن مراد..

أحمد منصور: يعني حكوا لك تعال على شان نكمل الصلاة؟

عبد الفتاح مورو: نعم في واحد وقف في الباب وأنا مار قال يا ابني يا أخي تعال صل معنا كنت أنا رايح لجامع الزيتونة قال لي تعال صل معنا قلت له ليش؟ قال لي لأننا 3 فقط أنا والإمام والمؤذن 3 وأنت الرابع وقلت له 4 يمكن أن تتكون فيهم الصلاة قال لي نعم في المذهب الحنفي فدخلت وسألت الشيخ محمد صالح بن مراد..

أحمد منصور: أنتم مالكية في تونس.

عبد الفتاح مورو: إحنا مالكية لكن عندنا مساجد الحنفية هذا المسجد من المساجد الحنفية الذي بناه يوسف داي رحمه الله وكان قرب الحكومة وكان في القصبة والقصبة كان يملكها الباي والجنود الأتراك فهذا موقعهم..

أحمد منصور: والأتراك أحناف.

عبد الفتاح مورو: والأتراك أحناف وأنا والدتي تركية حنفية لكن والدي أندلسي مالكي، فعندما دخلت المسجد الإمام يصعد فوق المنبر ويخطب على 3 أنفار ويخطب ساعة كاملة يصعد من الساعة واحدة للساعة ثانية وهو يخطب رحمه الله..

أحمد منصور: فرصة جئتم، هذا الشيخ محمد صالح بن مراد.

عبد الفتاح مورو: محمد صالح بن مراد الذي كتب كتاب الحداد على مراءاة الحداد رداً على طاعة الحداد هذا الشيخ محمد صالح، وكان آخر مشايخ الإسلام الحنفية، أكبر مرتبة في جامع الزيتونة يقولون شيخ الإسلام الحنفي..

أحمد منصور: و3 يصلون عنده.

عبد الفتاح مورو: و3 مصلين فقط في هذا الجامع، في الجمعة الثالثة..

أحمد منصور: خلص بدأت تروح بقى تكمل النصاب يوم الجمعة.

عبد الفتاح مورو: أصبحت أتعود أصلي هناك ودائماً 4 الإمام والمؤذن والمزوال، المزوال هو الذي يقدم أمام الإمام يخرجه من المقصورة عنده واحد يخرجه من المقصورة وواحد يأذن..

أحمد منصور: يعني أنت المصلي الوحيد.

عبد الفتاح مورو: أنا المصلي الوحيد والآخرين كانوا حرفة، بعد 3 أسابيع الأسبوع الثالث أسرّ في أذني قال لي أنت ستخطب الخطبة القادمة، قلت أنا سيدي؟ قال لي أنت ما تقرأ في كلية الشريعة؟ قلت آه قال لي إيه قال لي إذن ستخطب، قلت ما أعرف أخطب أنا ما أعرف شو أعمل؟ قال لي الخطبة عنا فيها 4 أركان الحمد والصلاة على النبي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه أركان الخطبة لازم تقول الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون} حمد وصلاة وأمر ونهي، قلت أنا كيف أطلع فوق المنبر 11 درجة على شان نقول هذه الكلمتين ونهبط، ما نعرف شو نصلي بالناس قال لي الأسبوع القادم تأتيني بشاشية وعمامة لألبسك العمامة والجمعة التي بعدها تخطب بالناس فكان هو الذي ألبسني الإمامة، هذه الإمامة بذاتها هذا الشكل يعني هذا الشكل هو الذي ألبسني إياه وفي الأسبوع الثاني بعدها أنا صليت بالناس الجمعة هذا المسجد كان فيه 3 مصلين أصبح فيه في 6 أشهر ما يقرب 2000 كلهم شباب كنا نأتي بهم من المدرسة الصادقية على بعد 150 متراً آخذهم من المدرسة الصادقية ويأتون إلى هناك وهناك بدأت كثافة المنتمين إلى الحركة الإسلامية من الشباب.

أحمد منصور: أنت بدأت تخطب سنة كم في المسجد؟

عبد الفتاح مورو: 1966.

أحمد منصور: 1969 كانت البدايات الأولى للحركة الإسلامية والشيخ راشد الغنوشي يقول أن أول لقاء له بك كان في العام 1969.

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي صحيح.

أحمد منصور: كيف كانت الجلسة الأولى واللقاء الأول؟

عبد الفتاح مورو: والله هو الأستاذ راشد تبين أنه كان درس في دمشق ثم توجه إلى باريس للدراسات العليا والدكتوراه أفتقده أهله فأرسلوا له رسالة يدعونه إلى عيادة والدته المريضة وهذه كانت في الحقيقة غطاء لدعوته إلى تونس، لما رجع هو كان تعلم الدعوة على طريقة جماعة التبليغ في باريس، فجاء إلى جامع الزيتونة وجدني في مجموعة من الشباب نعد للخروج على طريقة جماعة التبليغ كذلك، لما جلسنا وجدنا أن منطلقات الفكرية والقضايا التي نطرحها هي قضايا واحدة فسألني ما الذي تقرأه من كتب؟ قلت أقرأ إحياء علوم الدين كنت أقرأه ومن بينها كتب قيادات الإخوان ومفكري الإخوان وعلى رأسهم سيد قطب في تلك الفترة الذي علا صيته فكان الظلال مرجعاً لي ومرجعاً له هذا ساعدنا أن نجتمع وفعلاً لم نتفارق منذ ذلك الزمن إلى اليوم ونحن معاً.

دور علماء تونس في نشر الدعوة

أحمد منصور: شيخ راشد في صفحة 35 من كتابه تجربة الحركة الإسلامية في تونس يقول: كان الناس في ذلك الوقت ينظرون إلى السلوك الإسلامي على أنه سلوك أهبل فبمجرد رؤية شاب مثقفٍ وقد أعرض عما هو معتاد في مناخات التحلل وأقبل على الالتزام بتعاليم الإسلام وتحول إلى داعية كان ذلك مثيراً للسخرية والاندهاش إلى درجة الشك في سلامة عقله، فقد يكون قد اعتراه قدرٌ غير قليل من الجنون أو الهبل أو أنه يحتاج إلى علاجٍ قبل فوات الأوان.

عبد الفتاح مورو: هذا كلام صحيح، أنا في 1968 أردت أن أتوجه إلى الحج أن أحج..

أحمد منصور: 1968.

عبد الفتاح مورو: 1968 كنت طالباً في الجامعة وكان الحج في تلك الفترة في شهر فبراير، فتوجهت إلى عميد الجامعة هو الأستاذ الشاذلي العيّاري الذي هو الآن محافظ البنك المركزي هذا كان استأذنا في الاقتصاد وكان عميد جامعتنا كلية الحقوق، فوقفت أمامه قلت له سيدي أنا، قال تفضل شو تحب؟ في مكتبه، قلت سيدي نحب نمشي الحج، قال لي نعم شو هو، قلت نمشي للحج، قال أنت تحج؟ قال لي روح امش، قلت له أنا جئت أستأذن لأني سأتغيب عن الدروس، قال لي أنت كم ستتغيب؟ قلت له 4 أسابيع، قال لي خذ لك 5 أسابيع، فمشيت خطوتين ورجعت له قلت له سيدي أحتاج إلى ترخيص حتى لا أُسجّل غائباً، قال لي عميد الكلية يكلمك لا تحتاج إلى ورقة، فتوجهت أنا..

أحمد منصور: هو رئيس البنك المركزي الحالي؟

عبد الفتاح مورو: هو الآن محافظ البنك المركزي الحالي وأنا أُحييه بالمناسبة لأنه أستاذي، لكن توجهه غير توجهي تماماً، فلما قربت من الباب شو قال لي الأستاذ الشاذلي العيّاري؟ قال لي يا عبد الفتاح، استدرت، قال اقرأ لي الفاتحة، عجبت، إذا كان موقفي أنا عجيب أني شاب عمري 20 سنة أطلب إذناً للذهاب إلى الحج فالأعجب أنّ عميد الجامعة يطلب من هذا الطفل أن يقرأ لو فاتحة، يعني أعاد في نفسه حركة الإيمان من جديد ورحت للحج وحجيت وسني 20 سنة..

أحمد منصور: هذه معلومة أول مرة أعرفها.

عبد الفتاح مورو: وكان الكثيرون يستبعدون أن يكون الشباب في هذا السن..

أحمد منصور: كان في شباب معك؟

عبد الفتاح مورو: في الحج لا.

أحمد منصور: من تونس؟

عبد الفتاح مورو:لا أبداً.

أحمد منصور: الوفد إلي رحت معه.

عبد الفتاح مورو: هم الذين حجوا من تونس في ذلك عام 213 حاجاً فقط لأنه كانت البلد في أشد أزمتها الاقتصادية وتعطلت أعمال الناس ولم يتوفر مالٌ، فكان المقبلون على الحج قليلين، وأنا حججت بـ30 ديناراً فقط..

أحمد منصور: تونسياً.

عبد الفتاح مورو: 30 دينار تونسي.

أحمد منصور: كان يساوى أو يوازي كم وقتها؟

عبد الفتاح مورو: الريال كان 120 يعني تقريباً 240 ريال.

أحمد منصور: ريال سعودي، الحج كله بتاعك.

عبد الفتاح مورو: الحج كله لأني رحت على ليبيا ومن ليبيا أخذت الطائرة وتوجهت إلى الحجاز وأصبحت بمجرد أن وصلت أُفتّش عن المطوّف، فوجدت المطوّف بعد يومين تفتيش في مدينة الحجاج، فقال لي أنت تقرأ؟ قلت له أقرأ، قال لي تكتب؟ قال اجلس فأجلسني على الطربيزة حذوه وأصبحت أكتب استمارات الحجاج ثم أرسلني مع الحجاج إلى المدينة المنورة فأصبحت وأنا سني 20 سنة أنا المطوّف، علمتهم الأدعية والصلاة على النبي وعندما أقبلنا على المدينة غنيت لهم طلع البدر علينا، وكانوا حجاج مختلفين من المغرب والجزائر وتونس وتعلقوا بي وأحبوني، وأصبحت واحد يعطيني بيضة والآخر يعطيني فخذ دجاجة والآخر يعطيني قطعة خبز وأصبحت مطوّفاً وفي هذه السنة ألقيت الخطبة بعرفة يا عمي بعرفة، خطبة مخيمنا لأنّه كانت المخيمات تلقي خطبا..

أحمد منصور: ما كان زي هذا الوقت الميكروفونات والتلفزيون.

عبد الفتاح مورو: فالمطوّف فوضني أن أُلقي الخطبة فألقيت الخطبة بفضل الله تعالى، يا سلام أحييت في قلبي آه آه تلك الذكريات العميقة، وأنت عارف عندما دخلت إلى مكة هذه كانت الأمنية أن أرى الكعبة وأن أرى مكان نزول الوحي والمكان الذي طاف به النبي صلى الله عليه وسلم برجليه ودخلنا المدينة المُنورة وشاهدت المكان الذي انطلقت فيهِ الحكومة والدولة الإسلامية، مقام العظمة هذا الذي لا يراهُ الكثير مِن الناس، كانت حَجةَ العُمُرِ في الحقيقة فتحَ اللهُ فيها عليّ حتى أني أُدخِلتُ المسجدَ النبوي وأنا في المدينة المُنورة عند شخص تونسي كانَ بائعَ خُضار اسمهُ مُحمد الغرفالي، كانَ بيتهُ قريباً مِن القُبة النبوية عندَ بيت أبي أيوب الأنصاري وأقمتُ في بيت أبي أيوب الأنصاري هذا الذي أُزيلَ الآن وراحت معهُ ذكريات، وفي الليل طَرقَ البيتَ شخصٌ لا أعرفهُ إلى الآن كانَ مُلتحياً طلبَ مني أن ألبس قميصي فلبست قميصي، قالَ لي توضأ توضأتُ، اتبعني تبعتهُ فإذا بهِ يوصلني إلى بابٍ صغيرٍ فيهِ درجٌ ينزلُ بي إلى المسجد النبوي، المسجد النبوي كانَ يُغلَق في تلكَ الفترة ليلاً، أدخلي طرقَ الباب فتحَ أحدُ الآغات هؤلاءِ الذينَ كانوا مُكلَّفينَ بحراسةِ المسجد، هذول سُمُر وطِوال يُسمَّونَ آغات، فتح الآغا قال لهُ هذا أدخلهُ وعندما يُريدُ الخروج افتحوا الباب للخروج، فإذا بهِ يُدخلُني داخل الروضة النبوية يفتحُ لي إلى مكانٍ فيهِ أستارٌ بيني وبينَ قبرهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم، والقبر لم يكُن فيهِ باب يُفضي إليهِ لكن كان فيهِ أستار على الجدار الذي يُفضي إلى البيت الذي فيهِ الرسول صلى اللهُ عليهِ وسلم وإلى الآن لا أعرفُ مَن أرسل هذا الرُجلَ إليّ حتى يُخرجني ويُدخلني إلى هذا المقام الذي أعلم أنَّ الكثيرين مِن الذينَ حجوا 20 مرة أو 30 مرة لم تطأ أقدامهُم ذلكَ المقامَ أصلاً، وفي مكة المُكرمة طُرِقَ عليَّ البابُ ليلاً فأُخِذتُ إلى الكعبةِ المُشرفةِ وقد فُتحت أبوابها وأُدخلتُ داخلَ الكعبة وسني 20 سنة وأعتبرُ ذلكَ كرامةً ورحمةً مِن اللهِ تعالى، أسألهُ أن يُفيضُ عليّ مِن رحمتهِ ما يجعلُني أهلاً للوقوفِ بينَ يديهِ وأنا غانِم.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: "سافرتُ إلى العاصمةِ وكانت مُفاجئتي كبيرة أن رأيتُ حلقةَ تدريسٍ تضمُ شيخاً اجتمعَ حولهُ بضعةُ عشراتٍ مِن الصِبية وبعضُ المُسنين، ولفتَ نظري وجودُ شابٍ كانَ ظاهرةً شاذةً حسبَ تقديراتي، تعرفتُ عليهِ فقادني إلى حلقةٍ لجماعةِ التبليغ أنشأها الباكستانيون مُنذُ سنة تضمُ 5 أنفارٍ يقومونَ بالدعوة، كانَ من بينِ الـ 5 شابٍ مُعمم هو الشيخ عبد الفتاح مورو وعرفتُ أنهُ كانَ طالباً في كُليةِ الحقوق فانضممتُ إليهم وانطلقنا نتواعدُ كُلَّ أُسبوعٍ على دعوةِ الناسِ للمساجد وتعليمهِم الصلاة، وانصرفتُ عن العودةِ إلى باريس"، راشد الغنوشي.

بورقيبة وقضية إفطار رمضان

عبد الفتاح مورو: نعم في شخص ثاني انصرفَ عن العودةِ إلى المكانِ الذي جاءَ منهُ هذا رجُل عظيم هو الشيخ محمد صالح النيفر الذي جاءَ سنة 1969 كذلكَ إلى العاصمة، هذا الرجُل غادرَ تونس في 1962 عندما أقدمَ بورقيبة على الأمرِ بالإفطارِ في رمضان، هو كانَ شيخاً لا يتحمَّل هذا التعدي على الدين فردَّ على بورقيبة في مجلةٍ تُسمّى مجلة المعرفة كانَ صاحبُ الامتيازُ فيها وصاحبُ الرُخصة صديقهُ الشيخ عبد القادر سلامة، وكتبَ الشيخ مُحمد صالح النيفر افتتاحيةً أفضت إلى إيقافِ هذهِ المجلة عن الصدور.

أحمد منصور: ماذا قالَ فيها؟

عبد الفتاح مورو: نددَ بموقف بورقيبة واعتبرهُ تعدياً على الإسلام واستهانةً بمُقدساتِ الأُمة.

أحمد منصور: حينما دعا الناس إلى الإفطار.

عبد الفتاح مورو: إلى الإفطار نعم، وهذا كانَ جُرأةً مِن الشيخ محمد صالح النيفر الذي عُرِفَ بجُرأتهِ، فأمامَ المُضايقات التي حصلت لهُ اضُطرَ الشيخ إلى مُغادرةِ تونس نحوَ الجزائر، راح إلى الجزائر العاصمة ثُمَّ تدرَّجَ شيئاً فشيئاً إلى أن انتقلَ إلى قسنطينة القريبة من الحدود التونسية وكانَ ينام في مقاصيرِ المساجد، هذا الشيخ العظيم ابن الأُسرة العظيمة وجدَ نفسهُ ينام على السجاد في المساجد.

أحمد منصور: لأن هو خرجَ من تونس طريداً.

عبد الفتاح مورو: هو خرجَ..

أحمد منصور: بعدما واجه بورقيبة.

عبد الفتاح مورو: واجهَ بورقيبة ولم يعُد مجال لهُ لئن يبقى في البلد لأن الباب المفتوح أمامهُ هو باب السجن، فلم يُرِد أن يتنازل عن قضيتهِ.

أحمد منصور: فهاجر.

عبد الفتاح مورو: ففضَّلَ أن يُهاجر وهاجرَ ثُمَّ استقرَّ بقسنطينة وأصبحَ إماماً بها، في سنة 1969 هذهِ السنة مفصلية فشلت تجربةُ التعاضُد يعني تجميع الملكية فَشِلَ.

أحمد منصور: هذهِ التجرُبة التي كانَ أحمد بن صالح يقودها وبدأت من 1964 إلى 1969، أفقرت التونسيين ودمَّرت اقتصادَ البلاد.

عبد الفتاح مورو: أفقرت التونسيين والعديدُ مِن التونسيين شنقوا أنفسهُم، فيمَن انتحر تُجار وفلاحين كانوا أصحاب أملاك وإذ بهِ يُشاهد بينَ عشيةً وضُحاها أنَّ قطعةَ الأرض التي يمتلكُها لم يعُد يمتلكُها وأصبحَ عاملاً فيها يتقاضى يومياً 250 مليم، ربع دينار باليوم وينتظرُ المحاصيل الزراعية حتى تُجمَعَ ليُعطى لهُ جُزءٌ ضئيلٌ منها، وأصبحَ مالكاً معَ الجماعة في ملكيةٍ جماعية يعني أفلسَ الناس أفلسوا، فالشيخ محمد صالح النيفر أُسرتهُ اتصلت بهِ وقالت اليوم بورقيبة في حالةِ ضَعف يُمكن أن ترجع إلى تونس لأنهُم يُبشِّرون بوضع سياسي جديد وفيه ديمقراطية، فرجعَ فجاءَ إلى جامع سيدي يوسف وجدني في جامع سيدي يوسف في حلقة وأنا أقرأُ عليهم رياض الصالحين وإحياء علوم الدين فانضمَّ إلى الحلقة، الرُجل مهيب وشيخ بعمامتهِ ويكبُرني سناً بـ 35- 40 سنة فتنحيتُ عن السارية وتركتُ لهُ المكان.

أحمد منصور: كُنتَ تعرفهُ؟

عبد الفتاح مورو: لا أعرفهُ.

أحمد منصور: لا تعرفهُ ولكن أنتَ وجدت شيخاً مهيباً دخلَ.

عبد الفتاح مورو: شيخ أيوه، فبعدَ أن انتهى المجلس وأبدى فرحهُ وسرورهُ بالظاهرة، قُلتُ لهُ مَن أنتَ يا شيخ؟ قالَ لي أنا مُحمد صالح النيفر، أنا أعرف عائلة النيفر فيها العديد الشيخ شادي النيفر، الشيخ طاهر النيفر، صادق النيفر إلى غير ذلك، فأكبرتهُ قالَ في اليوم الثاني أينَ تذهبونَ غداً؟ قُلنا نذهب إلى أريانا لي حلقة مثل هذهِ فالتحقَ بنا وجاءَ وجلسنا حولهُ وكانَ هو يُلقي الدرس، الرجُل أحبنا في الأُسبوع الأول فأفضى إليّ في اليوم الثالث أو الرابع قال لي: يا ابني أنتَ سببُ إعراضي عن الرجوعِ إلى قسنطينة.

أحمد منصور: آه يعني جاءَ زيارة وراجع.

عبد الفتاح مورو: اليوم أنا قررت أن أبقى بتونس لأنكَ فتحتَ أمامي لائحةَ تغييرِ الواقع، فتحتَ أملاً أمامَ عينيّ وفِعلاً الشيخ لم يرجِع إلى قسنطينة، ذهبَ لتوديعِ أهل قسنطينة في أوائل 1970 اصطحبني معهُ ورُحنا إلى الجامع الأخضر حيثُ كانَ الشيخ بن باديش يُلقي دروسهُ وكانَ الوداعُ في هذا الجامعِ ورجع استقرَّ في تونس وهو الذي قادَ مسيرتنا في الحقيقة، هو الذي ربّانا وأدبّنا وقادَ مسيرتنا، وهذا رجُل مغموط الحق نُسيَ من المُجتمع التونسي، هذا كانَ أديباً من الصِنف الأول صاحب دواوين شعر كانَ يكتُب كلاماً عظيماً، مُصلِح اجتماعي هو الذي كوَّن جمعية الفتاة المُسلمة البنت المُسلمة وهو الذي كوَّنَ أولَ مدرسةً لتعليم البنات في الثلاثينات.

أحمد منصور: وكانَ عندكُم تعليم البنات يعني عليهِ محاذير شديدة.

عبد الفتاح مورو: كانَ المُجتمعُ يرفُضُ ذلكَ أبداً فالشيخ محمد صالح النيفر هو الذي فتحَ أول مدرسةً لتعليم البنات ودعا التونسيين أن يُشاركوا في تعليمِ بناتهم لأنهُ قال حذَّرهُم قال إذا لم تُعلِّموا بناتكُن في هذهِ مدارس سيأتي وقتٌ يتعلمنَّ فيها في مدراسَ غربية ويهجرونَ الإسلام ويُعادونَ الإسلام، وفعلاً الذينَ لم يُمكِّنهُم آبائهُم وأُمهاتهُم مِن الدارسة في هذهِ المدارس وبقينا مُتشوفاتٍ للمعرفةِ ولم يدخُلنَّ بابَ المعرفةِ إلّا عن طريقِ المدارسِ الأوروبية أصبحنَّ مُعادياتٍ للتديُّن ومعادياتٍ للعروبة.

بداية الحركة الإسلامية في تونس

أحمد منصور: كيفَ شُكِّلَت الحلقة الأُولى للحركة الإسلامية في تونس؟

عبد الفتاح مورو: شوف سيدي يعني القضية ليست بينَ عشيّة وضُحاها القضية أننا في الفترة بعدَ 1969 بدأنا نتدرجُ في عملٍ لهُ واجهات في واجهة شعبية هي التي أنا عُنوانُها.

أحمد منصور: مسجد.

عبد الفتاح مورو: مسجد.

أحمد منصور: سيدي يوسف واللقاءات العامة.

عبد الفتاح مورو: فيهِ لقاءات عامة ودروس والدروس هذهِ تنتقل مِن مسجد إلى مسجد وكُل مسجد ندخُلهُ فيهِ وافدونَ جُدد لأنهُم بدؤوا...

أحمد منصور: والشيخ صالح النيفر ساب لك المسجد!!

عبد الفتاح مورو: الشيخ محمد صالح النيفر هو في أحدِ هذهِ المساجد، الذي حصلَ أنَّ هُناكَ خِطاباً جديداً تجاوزَ مُجرد...

أحمد منصور: لا أنا أقصِد شيخ الحنفية.

عبد الفتاح مورو: الشيخ محمد صالح بن مُرادّ.

أحمد منصور: بن مُراد.

عبد الفتاح مورو: الشيخ محمد صالح بن مُراد تركَ المسجد راح...

أحمد منصور: وسابهُ لك!!

عبد الفتاح مورو: سابهُ، بعد 6 أشهُر وأنا فوقَ المنبر وأنا انظُر رأيتُ رجليه لم أر قامتهُ وإنما رأيتُ رجليهِ في المجالِ المُخصًّص للرؤية وهو يمُر داخلاً المسجد، يدخُل المسجد.

أحمد منصور: كمُصلٍ.

عبد الفتاح مورو: كمُصلٍ.

أحمد منصور: وأنتَ على المنبر.

عبد الفتاح مورو: وأنا على المنبر، فأتممتُ خُطبتي بسُرعة لأني ارتبكت هذا شيخي وعندما نزلنا طلبتُ منهُ أن يؤمَّ الناس ويجوزُ أن يكونَ الإمام غيرَ الخطيب، فأمَّ الناس وقالَ لي هذهِ آخر مرة أخطُبُ فيها، أنا مُطمئن هذا الجامعُ أمانةٌ بينَ بيديك أنا لم أكُن أتصوَّر أنَّ هذا الجامع سيجمعُ هذا العددَ من الناس، تجاوز الـ 2000 شخص كانوا يُصلَّونَ في المسجد.

أحمد منصور: طيب هو كانَ شعورهُ إيه لمّا كان هُم يُدورا على واحد يُتمم الـ 4 مُصلين وجاءَ فوجدَ المسجد الناس تُصلي برا في الشارع؟

عبد الفتاح مورو: الشيخ محمد صالح بن مراد يعني أتصوَّرُ أنهُ لو كانَ قادراً بدنياً لوضعني على رأسهِ، هذا الرجُل فرِحَ فرحاً كبيراً وشعرَ بأنَّ هُناكَ إقبال لم يكُن هو قادراً عليهِ مِن حيثُ الخِطاب لكن شعرَ بأنَّ هُناكَ تعلُقاً بهذا الخِطاب الجديد الذي قدَّمناه والقائم على أنَّ الإسلام هو دينُ حياة، لم نعُد نتحدث عن الوضوءِ والصلاةِ فقط التي مجَّه الناس وإنما بدأنا نتحدث عن كونِ مُجتمعنا يحتاجُ إلى الإسلامِ لحلِّ مشاكلهِ.

أحمد منصور: أنا ده سؤالي لكَ، ماذا كُنتم تُحدثونَ الناس في ذلكَ الوقت وكانَ حديث الشيوخ كُلهُ بعد ما أغلقَ بورقيبة البابَ على الدين وعلى العُلماء وعلى الزيتونة أصبحَ بينَ الوضوءِ والصلاةِ وغيرها مِن الأمورِ الأُخرى؟

عبد الفتاح مورو: هو الخِطاب الذي كانَ يُسوَّقُ في الستينات والذي جاءَ مِن فكر الإخوان في تلكَ الفترة هو الخِطاب الذي يجعلُ مِن الإسلامِ حلاً لمشاكلِ الناس مُساعداً على الحياة الذي بدأ يتحدث عن واقع الناس، عن مُجتمع الناس، عن تخلُف الأُمة وكيفيةِ النهوضِ بها، وهذا الخِطاب كانَ مخفياً عن...

أحمد منصور: يعني فِكر الإخوان المُسلمين كانَ مرجعيتكُم الأولى في التكوين.

عبد الفتاح مورو: شوف سيدي إحنا الكُتب الوحيدة التي وصلتنا في تلكَ الفترة هي كُتبُ الإخوان خاصةً 1971 و1972 لمّا أُفرِجَ عن الإخوان في مصر انعقدَ في تونس أول معرَض كتاب، عقدتهُ الشركة التونسية للتوزيع والأُستاذ حبيب اللمسي حفظهُ الله اللي هو أسّسَ دار الغرب الإسلامي كان َهي المُكلَّفَ باستجلاب الكُتب من المشرق، وهذا الرجُل كانَ يعرف الفِكر السائد وفِكر الإخوان بشكل خاص فهو الذي أثّثَ المعرض بمجموعة مِن الكُتب مرجعيتُها هي أنَّ الإسلامَ دينُ حياة وأنَّ الإسلامَ يحُلُّ مشاكلُ الناس.

أحمد منصور: "أولُ ما يتبادرُ إلى الذهنِ عندَ الحديثِ عن الحركةِ الإسلاميةِ في تونس في السنواتِ التي مهّدت للتأسيس هو ذلكَ المناخُ الاجتماعيُّ السياسيُّ والنفسيّ الذي ميَّزَ الحياةَ العامة في أواخرِ الستينيات ومطلعَ السبعينيات فقد كُنا في حركتنا الأُولى ما بينَ عامَ 1970 و1975 نلتقي ونفترق من دونِ أن تكونَ لنا رؤيةٌ واضحةٌ للوضعِ العامِ في البلاد ومن دونِ امتلاكِ حدٍ أدنى مِن التحليلِ المُتماسك لِما آلت إليهِ الأوضاع"، احميده النيفر.

عبد الفتاح مورو: صحيح هذا يعني في تلكَ الفترة ككُلِّ فترةِ بدايةٍ تجمُعنا العموميات وكُنا نلتقي وأنا لا ينبغي أن أنسى أنَّ الأستاذ احميده النفير كانَ مِن المؤسسينَ لهذا العمل إلى جانب الأستاذ راشد الغنوشي ومُخاطبكُم، كانوا الثلاثة مؤسسين انضمَ إليهم بعدَ ذلكَ مجموعة مِن الأفراد كما صالح بن عبد الله وصالح كركر وغيرهم من الذينَ...

أحمد منصور: لكن النواة الأُولى راشد الغنوشي، عبد الفتاح مورو، احميده النيفر.

عبد الفتاح مورو: نعم وكُلٌّ لهُ صِفةٌ مُميزة.

أحمد منصور: ما الصِفات المُميزة لكُلٍّ منكم ثلاثتكُم؟

عبد الفتاح مورو: الأستاذ راشد الغنوشي رجُلُ فِكر ثُمَّ رجُلُ تنظيم، هو الذي جاب فِكرة التنظيم وكانَ يُؤثِّث لنشاطنا بخلفيةٍ فِكريةٍ موجهة وبرعَ في ذلك، أستاذ احميده النيفر كانَ يفهمُ الإسلامَ على انهُ دين حضارة ودين تحضُر لذلكَ لا يؤمنُ بالتنظيم.

أحمد منصور: كانت دراستهُ للفلسفة لها دورٌ في فِكره في..

عبد الفتاح مورو: لا هو درسِ آداب.

أحمد منصور: درسَ الآداب..

عبد الفتاح مورو: لكن الأستاذ راشد هو اللي درسَ فلسفة، وأنا كُنت المشهد الشعبي والخطيب والمُدرِّس وكُنت أُنشِّط كانَ عندنا فريق الكُرة أُنشِّطُهُ، فريق الموسيقى أُنشِّطُهُ، فريق زيارة المُستشفيات أُنشِّطُهُ، فريق المكتبات أُنشِّطُهُ يعني كُل العمل العام كُنتُ أُشرفُ عليه، نشر الكُتب وطبعها، يعني إحنا نشرنا مثلاً أقول لك لتعلم أنَّ ذلكَ العمل الصغير أمكنَ لهُ أن يفعلَ شيئاً.

أحمد منصور: هُنا النُقطة المُهمة، النُقطة المُهمة هُنا يعني هذهِ الأجواء التي أشارَ لها احميده النيفر هزيمة 67 وقعت، الفشل للتجرُبة الاقتصادية في تونس وقعت في 1969، ربما تغيير ديغول الرجُل الزعيم التاريخي لفرنسا انقلبوا عليهِ في الانتخابات في سنة 1968 وأبعدوهُ مِن الرئاسة، هل لعبت هذهِ التغيُّرات ربما أهلُ المشرِق موضوع ديغول ليسَ مُهماً عندهم لكن أنتم المغاربة العلاقة الثقافية مع فرنسا تلعبُ دوراً.

عبد الفتاح مورو: يعني 3 أحداث مُتتالية هي التي حرَّكت نفوسنا وحرَّكت عقولنا وجعلتنا نتحرك، هزيمة 67 أنا وُلدتُ مع قضية فلسطين، عِشتُ مع قضية فلسطين حياتي كُلها، قضية فلسطين هي جُزءٌ من حياتنا نحنُ التوانسة، لا تجِدُ بيتاً إلّا وكانَ فيهِ شخصٌ قد غادرَ في 1947 و 1948 مشياً على الأرجُل ليتوجه إلى فلسطين لمُساعدة الإخوان الفلسطينيين هُناك، القضية الثالثة التي حرَّكتنا لأنهُ القضية الأُولى قضية فلسطين القضية الثانية ما حدثَ في فرنسا في مايو 1968، هذا أثرَّ علينا نحنُ التونسيين كُنا مُتصلين بفرنسا واقعها، الجنرال ديغول ليسَ شخصاً عادياً هذا زعيم أنقذَ فرنسا في الحرب العالمية الثانية ولهُ مكانةٌ خاصة في تاريخ فرنسا هو الشخصية الثانية بعدَ نابليون، هذا الرجُل يدخُل الحُكم فإذا بالشعبِ يرفُضهُ في 1968 بعدَ سنواتٍ قليلة مِن مُمارسةِ الحُكم ويُعزَل ويرجع إلى كولومبي دي زوغرليز قريتهِ الصغيرة ليُتممَ حياتهُ نكرةً، إحنا شعرنا هُناك بأنَّ الشباب عِندهُ سَطوة وعندهُ قوة هذا اللي رجَّع الأمل فينا كشباب قادرين على التغيير عندها لم تكُن...

أحمد منصور: وأنَّ الزُعماء لا بُدَّ أن ينسحبوا في الأوقات المُناسبة مِن الحياة وإلّا أزاحهُمُ الناس.

عبد الفتاح مورو: لكن هذا الوعي لم يتبلور إلّا بعدَ عشرات السنين في شعوبنا عندما حصلت الثورات العربية التي نُسميها الربيع العربي، هذا كانَ له وقعَ على الذينَ كانوا يُتابعون الحياة الفرنسية كانَ عظيماً بالنسبةِ لنفسي أن يروح الجنرال ديغول ولذلك أصبحتُ أُفكِّر بأنهُ أنا قادر ولو فرداً واحداً، أنا قادر على أن افعلَ شيئاً، الأمر الثالث هي الهزيمة الاقتصادية التي مُنيَ بها برنامج بورقيبة، بورقيبة كان لهُ برنامج تنويري يقول هو تنويري تحديثي ولذلكَ وضعَ أُصولَ وأُسسَ الدولةِ التونسية الجديدة، وضع الإدارة التي...

أحمد منصور: التي تُحارب الدين وتفصِلهُ عن الحياة.        

عبد الفتاح مورو: هذا الجانب الذي لم نُوافقهُ فيهِ والذي اختلفنا معهُ في شأنهِ وهذهِ سبب وجودنا في الحقيقة، ونعتبر أنَّ لا بُدَّ من تقويمِ هذا المسار ولكن مش بالتراجُعِ عن الإحداثات التي حصلت في عهد بورقيبة والتي تُمثلُ ارتباطاً بالحياةِ العامة، يعين بورقيبة كفاهُ فخراً أن جعلَ ثُلثَ الميزانية للتربية والتعليم هذا عظيم واليوم أنا أشعر بأنَّ واقع الأُمة الإسلامية المُتخلِّف اليوم واقع هذا الصراع المرير الذي يعيشهُ المُسلمون الآن من أسبابهِ العميقة انعدام التربية والتعليم وعدمِ نشرها، هذا الحدث الثالث 1969 هو الذي جعلنا نُفكر في أنَّ لدينا ما نُقدِّم، لم يكُن واضحاً البديل لم يكُن واضحاً.

أحمد منصور: أنتم قعدتم مِن 1969 إلى كم وأنتم يعني كما يقول الشيخ راشد الغنوشي: "الحركة الإسلامية في تونس لها خصوصيتها ذاتِ خلفيةٍ فكريةٍ مُتنوعة تداخلت فيها مُحصلةِ التديُّن التونسيّ التقليديّ والثقافةُ الإصلاحيةُ المشرقية والثقافةُ العقلانيةُ الحديثة".

عبد الفتاح مورو: شوف هذا يجب أن يُربَط بتاريخ، تونس ليسَ غريباً عندما نقول بأنَّ البلاد الثُلاثي الذي كانَ معنياً بالإصلاح في القرن التاسع عشر يتكوَّن من الباب العالي لاسطنبول، مصر القاهرة وتونس، إحنا كُنا جُزءً من هذا الثُلاثي ورغماً عن صِغَرِ تونس وإمكانيتها البسيطة لكنها كانت في صدارة الأحداث يعني عندما غادرَ نابليون مصر محمد علي باشا الإحداثات التي أحدثها كانت تُترجمُ مُقابلَ ذلك بإحداثاتٍ مُوازيةً في بعضِ الأحيان تسبقُها كانت تتم في تونس، ولذلكَ نحنُ سبقنا في تحريرِ العبيد 1845 أول بلد عربي وإسلامي يُحررُ العبيد هو تونس 1845، أولُ بلد يضعُ دستوراُ 1860، أول بلد يُكلِّفُ برلماناً بالمفهوم القديم مجلساً 1861.

أحمد منصور: قبلَ مصر، سبقتُم مصر.

عبد الفتاح مورو: آه، هذا خير الدين باشا الزعيم المُصلِح الذي كتبَ أقومَ المسالك يتعلق فيها عن كيفية الحُكم.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: هذا الرجُل عندما عُزِلَ في تونس عزلهُ الصادق باي ولم يتحمَّل إصلاحاتهِ، أينَ راح؟ أصبحَ الصَدر الأعظم في اسطنبول وأصبحَ الوزير الأكبر هُناك ومارسَ الحُكمَ هُناك يعني قضية الإصلاح في تونس هي قضية مُتأصلة تاريخياً فينا، ليش؟ لأسبابٍ مُتعددة من بينها جامع الزيتونة، من بينها أنَّ بلدنا بلد التقاء حضارات، 25 ثقافة التقت في تونس، فنحنُ بقينا نُراوحُ مكاننا للتفتيشِ عن منهجٍ يكتمل فيهِ توجُّهنا، هذهِ السبعينات إلى حدود 1978-1979 كانت هذهِ قضيتنا لأنهُ في 1979 نحنُ أنشانا ما يُسمَّى بالجماعة الإسلامية...

الشباب وارتياد المساجد

أحمد منصور: ولكن أنا عندي معلش قبل كِده قبل ما أوصل لـ 1979 أنا عندي حركة استمرت 10 سنوات، يعني هل استغرقتم عِقداً كاملاً مِن الزمان حتى تتبلور لديكُم الأفكار والرؤى وتُحدد المسار والأهداف التي ينبغي أن تقوموا بها في المُجتمع التونسي؟

عبد الفتاح مورو: يقيناً، لأن نحنُ بالنسبةِ لنا لم يكُن عندما التقينا أول مرة في أذهاننا برنامج وإلى أينَ سيُفضي هذا البرنامج وأنَّا سنُصبحُ جماعةً إسلامية وحركةً إسلامية وسنُحرِّكُ الشارع وندخُل للجامعة وندخُل لاتحادات الشُغل وندخُل إلى مواقع الثقافة، لم يكُن هذا واضحاً لدينا...

أحمد منصور: هذا النفر القليل الثلاثة أفراد حينما التقوا للمرةِ الأُولى في العام 1969 وتوافقوا على القيام بعمل في المُجتمع التونسي لم يكُن يعلمونَ أنَّ هذا العمل سيتحوَّل إلى حركة هادرة ستُغيِّر التاريخ بعدَ ذلك؟  

عبد الفتاح مورو: أبداً، أبداً هذا لم يكُن ظاهراً في أذهاننا ولم يكُن قائماً في توجهُنا، نحنُ الذي جمعنا نُصرةُ الدين، قُلنا الشعب هذا يحتاج إلى تديُّن ويُعتدَي على دينهِ، يُعتدَي على صيامهِ، يُعتدي على مساجدهِ المساجد خالية، الشباب جُزء مِن هذا المُجتمع لا بُدَّ أن نُعوِّدهُ على المسجد وفي المسجد بدأنا نتحدث مع الشباب في القضايا المطروحة يعني الفرويدية ومش عارف ايش ونشوء الارتقاء وكُل هذهِ المبادئ والمذاهب التي أصبحت تقرعُ أسماعَ الشبابِ في تلكَ الفترة أصبحنا ندرُسُها ونرُدُ عليها وهذا ما جعلَ الشبابَ يُقبِلون، أصبحنا نُحدثهم بلُغةِ عصرهم ولا...

أحمد منصور: ودي ظاهرة كانت غير عادية، المساجد في تونس لم يكُن يطأها إلّا عواجيزُ الناس أصبحَ الشبابُ الآن يدخلونَ المساجد بفضلِ البداياتُ الأُولى التي بدأها رِجال الحركة الإسلامية في تونس بعدَ العام 1969، ابدأ منكَ الحلقة القادمة مِن فترةِ الحركة في مساجد تونس وبداية تكوين الحركة الإسلامية بعدَ اللقاءِ الأول الذي جمعَ عبد الفتاح مورو واحميده النيفر وراشد الغنوشي في العام 1969 شُكراً جزيلاً لك، كما أشكُركم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتكُم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاء الله نواصُلُ الاستماع إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مُؤسسي الحركة الإسلامية في تونُس ونائبِ رئيسيها، في الخِتام أنقلُ لكُم تحياتِ فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ بركاتهُ.