فاجأت الحركة الإسلامية في تونس نظام الرئيس (الراحل) الحبيب بورقيبة، وأعلنت في مؤتمر صحفي عقدته في السادس من يونيو/حزيران 1981 ميلاد حركة "الاتجاه الإسلامي"، وتقدمت في اليوم نفسه بطلب الترخيص لنشاطها العلني من وزارة الداخلية، لكن هذه الخطوة فتحت على الحركة ونشطائها أبواب الصدام والمطاردة وكذلك السجون.

ويروي عبد الفتاح -مورو أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية- في شهادته السادسة لبرنامج "شاهد على العصر" كيف أنه ورفاقه في الحركة قرروا عقد مؤتمر صحفي للإعلان عن ميلاد "الاتجاه الإسلامي"، بحجة أن المؤتمر الصحفي لا يحتاج إلى ترخيص، وكيف كان رد السلطة التي اتهمتهم بعقد اجتماع غير مرخص، وتوالت بعد ذلك اتهامات أخرى. 

فقد وجهت للإسلاميين في تلك الفترة ثلاث تهم، هي: أنهم دعاة عنف وانغلاق وتراجع عن النمط المجتمعي، وخاصة حقوق المرأة والحريات العامة والخاصة، وأنهم أتباع فكر إيديولوجي ديني قائم على أساس تكفير الغير، وأنهم لا يمانعون في الارتماء في أحضان أي نظام أجنبي، وهي التهم التي يقول مورو إنها ظلت تلاحقهم فترة طويلة.

ولكن رغم محاصرة نظام بورقيبة لهم، تمكن إسلاميو تونس من بسط سيطرتهم على الجامعات التي كانت في السبعينيات تحت تأثير اليساريين والشيوعيين، وباتت المدارس ترفع شعارات تتبناها الحركة الإسلامية، مما شكل -بحسب مورو- ضربة قاضية لنظام بورقيبة، الذي لجأ إلى مواجهة هذا الوضع برفع الحظر عن اليساريين بعد أن كان فرضه عليهم في الستينيات.

ويشهد ضيف "شاهد على العصر" أن معظم اليساريين -وليس كلهم- وقفوا ضد الإسلاميين، وأسهموا في قمعهم، ومع ذلك هناك من ساندهم في معركتهم من أجل التواجد القانوني، ومنهم المحامي والسياسي التونسي نجيب الشابي، وحزب الوحدة الشعبية والديمقراطيين الاشتراكيين وجزء من مناضلي الاتحاد العام للشغل.  

مورو يتهم اليسار بالمساعدة في قمع الإسلاميين (الجزيرة) video

اعتقال وتعذيب 
وواصل أعضاء "الاتجاه الإسلامي" تحركاتهم ونشاطاتهم في مختلف ربوع تونس، رغم أن وزارة الداخلية لم ترد لا بالإيجاب ولا بالسلب على طلب الترخيص الذي تقدموا به في السادس من يونيو/حزيران 1981، لكن الأجهزة الأمنية كانت تتربص بهم، فجاء اعتقال مورو في 17 يوليو/تموز 1981 في العاصمة تونس بعد أن ألقى خطبة في أحد المساجد.     

ونقل مورو بعد اعتقاله إلى معتقل "الغورجاني"، وفي اليوم التالي -أي 18 من الشهر نفسه- فوجئ ببقية نشطاء "الاتجاه الإسلامي" وبينهم الشيخ راشد الغنوشي يحلون على المكان نفسه. ويكشف مورو أن الجميع وضعوا في زنزانة ضيقة وشديدة الحرارة، ما عدا المتحدث الذي خصصت له زنزانة خاصة مقسمة إلى قسمين: واحدة له وأخرى لنساء جيء بهن من أجل استفزازه، قبل أن يغادرن بطلب منه.

وبتدخل من وسيلة زوجة بورقيبة التي كانت قد حضرت متخفية في إحدى خطبه بجامع القصبة، نُقل مورو إلى مقر وزارة الداخلية التونسية وحجز في غرفة بالطابق الثالث، وهناك كان شاهدا -كما يؤكد هو نفسه في شهادته- على حالات التعذيب التي كان يتعرض لها المعتقلون وبينهم الإسلاميون.

ويقر مورو بأنه ولا الغنوشي تعرضا للتعذيب في زنازين الداخلية في تلك الفترة، والسبب أن النظام كان يخشى من الفضيحة، كون مورو والغنوشي من الشخصيات المعروفة في الداخل والخارج.

وبحسب ضيف "شاهد على العصر"، فإن زنازين الداخلية كان يمارس فيها أبشع أنواع التعذيب والتنكيل، منها قلع الأظافر وممارسات غير إنسانية وغير أخلاقية، لكنه يصف ذلك التعذيب بأنه عبارة عن "بسكويت" مقارنة بما حصل للإسلاميين في التسعينيات في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.    

ويذكر أن مورو يدلي بشهادته عن الحركة الإسلامية في تونس، والتي أسست نواتها الأولى عام 1969، تحت اسم "الجماعة الإسلامية". وفي عام 1981 غيرت الجماعة اسمها إلى "الاتجاه الإسلامي" لتصبح عام 1989 "حركة النهضة".

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: بورقيبة عذّب الإسلاميين باستثنائي والغنوشي ج6

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 26/4/2015

المحاور:

-   دوافع الإعلان عن تدشين حركة الاتجاه الإسلامي

-   نشاط الحركة الإسلامية في الجامعات

-   أجواء سبقت اعتقالات 1981

-   أساليب تعذيب المعتقلين الإسلاميين داخل السجون

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً تحية لكم.

أحمد منصور: في السادس من يونيو عام 1981 قررتم أن تعلنوا عن ولادة حركة الاتجاه الإسلامي في تونس بعدما تمكّن النظام في الخامس من ديسمبر من وضع يده على كافة تشكيلات التنظيم السري لكم، تقدمتم بطلب إلى الحكومة بعد إعلان بورقيبة في 10 إبريل 1981 عن فتح المجال أمام التعددية السياسية لكن الحكومة لم تكن قد جاوبتكم إلى هذا الوقت، كنتم تتخوفون من اقتراب الصيف فيتم القبض عليكم جميعاً بعد أن تُغلق الجامعات والمدارس ولذلك بادرتم ربما في هذا الوقت لذلك، هل أعلمتم السُلطات بأنكم ستعقدون مؤتمراً صحفياً عالمياً تعلنون فيه عن ولادة الحركة؟

عبد الفتاح مورو: هو في الحقيقة نحن بعد قرارنا الداخلي في الإعلان عن تكوين حركتنا اخترنا يوم 6 يونيو لأمرين اثنين.

أحمد منصور: ما هما؟

دوافع الإعلان عن تدشين حركة الاتجاه الإسلامي

عبد الفتاح مورو: إعلان ذلك في ندوةٍ صحفية والقانون لا يفرض علينا أن نسترخص في ندوةٍ صحفية لأن هذه الندوة الصحفية هي عبارةٌ عن اجتماعٍ خاصٍ يتم في محلٍ خاصٍ مفتوحٍ لأناسٍ مخصوصين لا يخضع لاسترخاصٍ.

أحمد منصور: أنتم ستعلنون فيها انقلاب على النظام؟

عبد الفتاح مورو: لا، لا سنعلن تحركاً قانونياً لأن الذي أعلناه هو أننا كوّنا حركة وخرجنا بعد إعلان ذلك توجهنا إلى وزارة الداخلية وقدمنا الطلب.

أحمد منصور: لم ترد عليكم الداخلية؟

عبد الفتاح مورو: لم نقدم الطلب قبل.

أحمد منصور: لكن لم ترد عليكم حتى الآن؟

عبد الفتاح مورو: الوزارة لها 4 أشهر لتدرس الملف فإذا انقضت الأشهر الأربعة يعتبر ذلك رفضاً.

أحمد منصور: لم تنقضِ، لم تنقضِ؟

عبد الفتاح مورو: لا لا في 6، 6 يونيو هو يوم تقديم الطلب .

أحمد منصور: آه يوم تقديم الطلب؟

عبد الفتاح مورو: لم نقدمه من قبل.

أحمد منصور: نعم؟

عبد الفتاح مورو: لا قدمناه في نفس اليوم، نحن بعد أن أتممنا الندوة الصحفية والتي حضّرها صحفيون من العالم .

أحمد منصور: لأ قل لي لأن هذه الندوة الصحفية تعتبر ندوة تاريخية؟

عبد الفتاح مورو: ندوة تاريخية.

أحمد منصور: كيف رتبتم لها؟

عبد الفتاح مورو: هذه دعونا الصحافة وكانت الصحافة متشوفة لحضورها جاءت الصحافة الوطنية والصحافة العالمية، كل مراسلي وكالات الأنباء في العالم المعتمدون بتونس جاءوا لحضور هذه الندوة الصحفية.

أحمد منصور: معنى ذلك أن النظام كان عنده علم كامل بهذه الندوة؟

عبد الفتاح مورو: كان يعلم ذلك وعيونه جاءتنا للدخول فمنعتهم من الدخول.

أحمد منصور: كيف أنت في مكتبك كان؟

عبد الفتاح مورو: هذا مكتبي.

أحمد منصور: اللي جاءوا كانوا صحفيين ولا مخبرين؟

عبد الفتاح مورو: لأ صحفيين، 4.

أحمد منصور: بس أنت عارفهم إنهم يعملون مع النظام؟

عبد الفتاح مورو: بعض الصحفيين الذين يعملون مع النظام أنا منعتهم ليش؟ مش خشيةً من أنهم يحملوا الأمر إلى النظام، لأني أعلم أنه سيُلصق بنا تهمة اجتماعٍ غير مرخصٍ فيه، ينبغي أن أثبت بأن هذا الاجتماع خاصٌ وليس عاماً.

أحمد منصور: آه يعني أنت احتطت قانونياً وفق القانون وقتها؟

عبد الفتاح مورو: فأغلقت الباب والذي طرقوه.

أحمد منصور: ده أنت لبست زمايلك القضاة كلهم في الإضراب ورحت أنت بتتهنى بفرحك؟

عبد الفتاح مورو: لا يعني هذا ما، خليها يا أستاذ خليها يا أستاذ بسِتر الله، فأنا لم أفتح الباب لبعضهم فتحت الباب تفضل قال لي، أدخل قلت له لأ هذا اجتماع خاص رجاءً، ليش أنا صحفي؟ قلت له لأ أنا دعوت صحفيين محددين، بعد عندما علقت بنا تهمة الاجتماع غير مرخص بدأوا بقضية الاجتماع.

أحمد منصور: إيه اللي جرى في الاجتماع أنت والشيخ؟

عبد الفتاح مورو: لأ حضر خماسي؟

أحمد منصور: من هم؟

عبد الفتاح مورو: الأستاذ راشد الغنوشي رئيس الحركة، الأمين العام مخاطبكم، المسؤول عن الشؤون المالية اللي هو زاهر المحجوب، المسؤول عن العلاقات بن عيسى الدمني، المسؤول عن الاتصال بالصحافة الحبيب الموقني، 5 أنفار هؤلاء الخمسة، فعندما علقت بنا تهمة تكوين اجتماع غير مرخص فيه أنا تمسكت بأن الاجتماع خاص وهذا كان ذلك فحُفظت التهمة هيئوا لنا تهمة ثانية أنه إحنا قدِم علينا رمضان في شهر يوليو، أول يوليو كان أول رمضان.

أحمد منصور: نعم؟

عبد الفتاح مورو: فاحتفلنا يوم 16 يوليو بذكرى نزول القرآن.

أحمد منصور: اللي هي ليلة 17 نعم؟

عبد الفتاح مورو: ليلة 17، اللي هي ليلة 17 يوليو.

أحمد منصور: رمضان؟

عبد الفتاح مورو: واحتفلنا يوم 17 بذكرى غزوة بدر، أنا أوقفوني يوم غزوة بدر، أوقفوني في صلاة العصر في مسجد.

أحمد منصور: في المسجد؟

عبد الفتاح مورو: نعم؟.

أحمد منصور: قبضوا عليك من المسجد؟

عبد الفتاح مورو: مسجد.

أحمد منصور: أنا هاجي للقبض عليك، بس أنا عايز أعرف الآن  ما أثر هذا المؤتمر الصحفي والإعلان الرسمي عن ولادة حركة إسلامية رغماً عن النظام أمام الصحافة العالمية؟

عبد الفتاح مورو: هذا الجميع تكلم عنه بإسهاب بعضهم يذكر الخوف من هذه الحركة لكونها حركة ثنائية الخطاب ويُخشى منها.

أحمد منصور: كيف ثنائية الخطاب قل لي؟

عبد الفتاح مورو: لأنهم ينسبون إلينا العنف ويقولون نحن نتبرأ من العنف، ينسبون إلينا أننا أذناب لأنظمة خارجية، في بعض الأحيان قالوا نحن أتباع السعودية، بعض الأحيان في عهد القذافي نسبونا إلى القذافي، نسبونا إلى السلفية لكن السلفية بمفهومها العلمي القديم الذي لم يكن له علاقةٌ بالعنف.

أحمد منصور: نسبوكم لإيران طبعاً؟

عبد الفتاح مورو: نسبونا إلى إيران كذلك فكنا نحرص على إبراز أننا حزب وطني قضيتنا قضية تونس، كانوا يناقشوننا في هذا.

أحمد منصور: إيه أهم النقاشات اللي طرحها لاسيما الصحفيون الغربيون عليكم؟

عبد الفتاح مورو: 3 نقاط هي أساس المُؤاخذة على الإسلاميين.

أحمد منصور: ما هي؟

عبد الفتاح مورو: أولاً التراجع عن النمط المجتمعي وخاصةً عن حقوق المرأة هذه قضية حساسة بالنسبة للغرب، لأنهم يعتبروننا دعاة انغلاق وتراجع عن الحريات الخاصة والعامة، يعني نحن نريد.

أحمد منصور: مع أن الإسلام لم يمنح يعني أي شريعة في العالم حقاً للمرأة كما منحه الإسلام؟

عبد الفتاح مورو: يا أستاذ لأن إحنا شبابنا لا يستطيعون أن يفهموا ما قدمه الإسلام للمرأة وما قدمه الإسلام للإنسان المسلم، لأنك عندما تجد ناس ينتمون إلى الصف الإسلامي يتحدثون عن غلق الخمارات والتصدي للنسوة اللائي لا يلبسن لباساً شرعياً وأن توضع البويا على أرجلهن إلى غير ذلك من الاعتداءات المتوقعة على المرأة، هذا يفسح المجال لمن يعرف الإسلام أو لا يعرفه أن يتهمنا.

أحمد منصور: ثانياً؟

عبد الفتاح مورو: فالتهمة الأولى هي التراجع عن مجموعة من المكتسبات بتغيير النمط المجتمعي، الأمر الثاني هو استعمال العنف، نحن أتباع فكرٍ أيديولوجي ديني قائم على أساس تكفير الغير وعلى أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد فنحن متهمون بأننا عنيفون، والثالث أننا دعاة عالمية يعني أننا لا نتورع في أن نرتمي في أحضان أي نظام أجنبي باعتبار أن لا فارق بيننا وبينهم ما دمنا كلنا نتحدث عن الإسلام، هذه التهم الثلاث بقيت تلاحقنا مدة طويلة.

أحمد منصور: وفي الندوة الصحفية كانت هي المحور في الأسئلة؟

عبد الفتاح مورو: كانت هذه من بين الأسئلة الأساسية سُئلنا بعد ذلك أو في نفس الندوة عن برنامجنا الاقتصادي تفصيلنا هل نحن ليبراليون أم نؤمن بالاقتصاد المُسير وماذا نفعل بالبنوك مواضيع تتعلق بالنظام القانوني الذي سنتبناه هل نحن دعاة تطبيق الشريعة.

أحمد منصور: كان لديكم رؤية؟

عبد الفتاح مورو: كانت لدينا رؤية بدائية يعني هذه قضية مثلاً قطع اليد وقطع الرجل ونظام الجزائي وهذه دائماً لا بد الحجة تُقدم ضد الإسلاميين عندما يتحدثون عن أنظمة فيعني أدرنا، أنا أذكر أنه بعض الذين ساندونا الأستاذ الشابي مثلاً الأستاذ نجيب الشابي أحمد نجيب الشابي قد ساندنا في تلك الفترة، اتُهم بالصحافة الممولة من السُلطة بأنه آية الله نجيب لأنه كان في نجيب في أفغانستان.

أحمد منصور: آه؟

عبد الفتاح مورو: في تلك الفترة فوضعوا له وضعوا عمامة على رأسه في صورة مركبة وأخرجوه على أنه آية الله نجيب ووضعوا 4 أوراق، أوراق اللعب هذه، 4 أوراق إشارة إلى النساء الأربعة على أن..

أحمد منصور: يعني كان في سخرية واستهزاء بكم، لكن أثركم إيه على القوى السياسية، الآن ولدت قوى سياسية منافسة رئيسية؟

عبد الفتاح مورو: لا في قوى سياسية جدية كانت تساند وجودنا يعني أنا لا أنكر أن الديمقراطيين الاشتراكيين عنا الأستاذ نجيب الشابي عنا حزب الوحدة الشعبية محمد بن الحاج عمر هؤلاء كانوا إلى جانبنا في نضالنا من أجل التواجد القانوني وأن جزءاً من مناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل كانوا يساندون قيام حركة إسلامية مُعترفٍ بها بشكل قانوني على أن تُبرز هي خياراتها في المستوى الاجتماعي والمستوى الاقتصادي والمستوي السياسي.

أحمد منصور: الباني التأسيسي الذي أعلتموه في هذا اليوم اللي هو 6 يونيو 1981 هل صحيح أنه اُعد في 29 مايو قبلها بأسبوع تقريباً في بيت الشيخ محمد صالح النيفر؟

عبد الفتاح مورو: والذين أشرفوا على كتابته من بينهم الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ بن عيسى الدمني وكُتب في أسبوع لأنه هذه كان محصلة فكرٍ سائدٍ بيننا وحصيلة نقاشٍ حصل ولم يكن مستعصياً عليهم أن يدبلجوا ذلك في ذلك البيان الذي تراجعنا عن جزئيةٍ فيه بعد ذلك يعني تعرف أنت هذه البدايات.

أحمد منصور: نعم، يعني الشيخ محمد صالح النيفر أنا لم أكن ملماً بمعرفته قبل أن أُحضر هذه الحلقات ولكن بدأت أُنبش حتى أقرأ عنه فوجدته رجلاً يحمل تاريخاً طويلاً يعني ويحق أن يكون يعني أباً روحياً للحركة الإسلامية في تونس؟

عبد الفتاح مورو: يقيناً، هذا الرجل كما قلت أولاً هو انتمى إلى العمل النقابي في نقابة المدرسين بجامع الزيتونة وهذا كان أمراً مُستجداً، المطلبية لدى مشايخ الزيتونة تحتاج إلى بون شاسع حتى يحصلها، الشيخ محمد صالح النيفر كان ورائها وكان الشيخ طالب بن عاشور يأبى ذلك لأنه هو شيخ الجامع كانت الطلبات موجهة ضده، الشيخ محمد صالح النيفر هو الذي سعى إلى تربية المرأة وتعليم المرأة وفتح المعاهد، الشيخ محمد صالح النيفر هو الذي أسس حركةً تكاد تكون شبابية كشفية للشباب المسلم، للشباب المسلم كان ينقلهم من مكان إلى مكان ويعودهم على التمثيليات على الأغاني الهادفة.

أحمد منصور: يعني أنا هنا، أنا هنا أود من الحركة الإسلامية في تونس يعني أن تضع للرجُل قيمته الروحية والأدبية والتاريخية أيضا في الحركة لأني يعني للأسف لم أجد ذكراً كثيراً له ربما فيما وصلت، فيما وصل تحت يدي من، لكن لفت نظري شخصيته ولأنكم جميعاً سنكم متقارب هو كان أكبركم ولكنه كان رجلاً متقدماً عنكم جميعاً؟

عبد الفتاح مورو: نحن مقصرون في هذا الصدد لكن أذكر أن الدكتور عبد الجليل التميمي وهو الذي يرأس نادياً دراسياً يدرس التاريخ المعاصر لتونس ويعقد ندوات كل يوم سبت بتونس هذا الرجل سوا Seminar للشيخ محد صالح النيفر ومحصلته كان كتاباً عظيماً أبرز فيه كل الجوانب المخفية وهو يقول لي وقد التقيته منذ أسبوعٍ تقريباً.

أحمد منصور: يعني الكتاب صدر حديث؟

عبد الفتاح مورو: إيه صدر حديثاً منذ أشهر قليلة.

أحمد منصور: أنا لم أقع عليه للأسف؟

عبد الفتاح مورو: يقول هذا كشفٌ عظيم يقول وقعت عليه اكتشف الشيخ محمد صالح النيفر هذا الجهبذ الذي نساه التونسيون ولا أقول أن الحركة الإسلامية نسته ولكن انشغلت عنه بمسائل يومية ومن واجبها حيال هذا الرجل الذي حنا حنواً كبيراً على هذه الحركة والذي احتضنها ووجهها وأرشدها وحباها بعنايته ورعايته وصف توجهها من حقه علينا أن نرد له الاعتبار.

أحمد منصور: هو توفي متى؟

عبد الفتاح مورو: توفي في الثمانينات وأنا أُشعرت بوفاته حال وفاته لأنه أوصى بأن أُنزله أنا القبر.

أحمد منصور: وكنت أنت خارج السجن؟

عبد الفتاح مورو: وأنا كنت خارج السجن يعني في أوائل التسعينات الشيخ توفي.

أحمد منصور: طيب أنا سأبحث ربما في حلقة قادمة أشوف هذا وأنت حضرتك برضو شوف لأن أنا الحقيقة في كل المتناثرات كنت أجده ووجدت أنكم يعني لم تقدروه قدره؟

عبد الفتاح مورو: هذا صحيح.

أحمد منصور: أما كان يعني إعلانكم بهذا الشكل عن ولادة حركة الاتجاه الإسلامي في نظام استبدادي دكتاتوري أنك ستدخلون في صدامٍ عاجلاً أم آجلاً مع النظام؟

عبد الفتاح مورو: نحن قادمون على الصدام سواء أعلنا أم لم نعلن نحن كيان موجود.

أحمد منصور: كان لديكم استعداد للصدام؟

عبد الفتاح مورو: كنا مستعدين للصدام لأنه كنا نفضل أن يكون صدامنا ونحن ندافع عن قضية عادلة هي قضية التواجد القانوني خيراً من أن نصطدم مع النظام ونحن متهمون بأننا نعمل عملاً سرياً.

أحمد منصور: أنتم الآن دخلتم في جانب شائك جداً مع بورقيبة، لو أنكم حركة سياسية إلى جوار الحركات الكثيرة الموجودة ما حفل بكم كثيراً ولكن بورقيبة جاء ليهدم عصا الدين، ليهدم الدين بالعصا بالبلاد من 1957 وهو يطرق طرقات قوية في الدين ويريد أن يُؤمم الدين وسلوكيات الناس، حتى أنه دعا للولاية على الشعائر الدينية مسؤولية الوزير الأول قام بإلغاء الأوقاف أصبح المفتي موظف بالدولة أمم كل شيء بص لقي بعد 20 سنة الإسلاميين طالعين له بقولوا له نحن موجودين لنحقق في المجتمع ما سعيت أنت لهدمه طوال 20 عام؟

عبد الفتاح مورو: على كل حال بالنسبة لإدارة الشعائر الدينية أو انتساب الإفتاء إلى الوزير الأول هذا كان نظاماً سابقاً لبورقيبة وهو نظام إداري موروث عن فرنسا ولا ضير فيه، الضير في أن يطّوع القضايا الدينية لأهداف سياسية محددة وأن يعني يحرم علماء الأمة من أن يبدوا رأيهم بشكل صريح في القضايا التي يطرحها، أنا لا أنكر على بورقيبة وعلى غيره أن يكون له فهمٌ محددٌ للدين لكن أن يُسوقه باعتباره هو الفهم الوحيد وأن يجعل السُلطة تحميه ويمنع من يقول الرأي المخالف فهذا الخلل في ذلك، ونحن أردنا أن نكسر هذا الاختصاص لأنه بشرنا باختصاصٍ باعتباره هو حامي حمى الوطن وحامي حمى الدين، أردنا أن يكون أمر الدين شورى بين المسلمين جميعاً ونحن تقمصنا مسؤولية هذا العمل لكن أردناها أن تكون عملاً واضحاً قانونياً، والأيام التي سبقت لم تختر فيها السرية وإنما عندما عاجلتنا الأحداث أصبحنا نتصرف تصرفاً لم يسمح لنا بأن نعلن عن أنفسنا فوجدنا الفرصة سانحةً فأعلنا عن ذلك أما قضية العلانية هي قضية أساسية في فهمنا وإدراكنا، نحن لسنا خفافيش ظلام الذي يعمل العمل السري ويبتعد عن الوضوح يخفي شيئاً، ما الذي نخفيه نحن، التدين لا نخفيه، الموقف السياسي لا نخفيه.

أحمد منصور: تخفون التنظيم، تخفون التنظيم؟

عبد الفتاح مورو: التنظيم هو أداة ستكون قائمةً عندما نُمكن من الترخيص، الأحزاب الآن أليست فئة تنظيمات فيها تنظيمات فيها إدارة فيها مسؤولية فيها تقاسم أدوار فيها مجالس فيها شورى فيها تنفيذ فيها مجلس مِلي هذه كلها تحتوى عليها الأحزاب، أن يكون ذلك في وضح النهار وبنظر القانون وتحت رقابته أفضل من أن يكون سرياً .

أحمد منصور: قبل أن تعقدوا المؤتمر الصحفي لم، بعد انكشافكم في ديسمبر وحتى المؤتمر الصحفي في إبريل؟

عبد الفتاح مورو: لا في يونيو.

أحمد منصور: في يونيو عفواً لم تكن المظاهرات تتوقف في البلاد؟

عبد الفتاح مورو: صح.

أحمد منصور: وكانت حركة الاتجاه الإسلامي تحديداً بالذات طلبتها في الجامعات كانوا على رأس هذه التظاهرات، أحمد بنور وزير الأمن آنذاك في شهادته معي على العصر في الحلقة التاسعة يقول إن المظاهرات والإضرابات التي قامت بها حركة الاتجاه الإسلامي في الجامعات والمدارس وعموم البلاد هزت النظام؟

عبد الفتاح مورو: صح.

نشاط الحركة الإسلامية في الجامعات

أحمد منصور: وقال أن الأمن اكتشف أن حركة الاتجاه الإسلامي تنتشر في كل ربوع تونس وأن بورقيبة أُصيب بالذهول حينما وضعنا المخطط أمامه؟

عبد الفتاح مورو: صحيح، أولاً الجامعة انحسر فيها تأثير اليساريين والشيوعيين لأن الجامعة كانت بيد اليسار.

أحمد منصور: نعم؟

عبد الفتاح مورو: عندما في السبعينات أنا عندما درست في أواخر الستينات لم يكن هناك خطيبٌ واحدٌ يتحدث خارج إطار اليسار، الوحيد الذي كان يتحدث هو أنا وكسبت شعبيتي من علاقاتي بالشباب لكن لم يكن متبلوراً لدى الناس أني أتحدث باسم تيار ديني كنت أتحدث باعتباري فرداً، بداية من السبعينات إلى نهاية السبعينات وقع تدحرج كبير وانحسر المد اليساري وعوضه المد الإسلامي وأصبحت القيادة  بعد حين يعني بعد بضعة أعوام قيام الإتحاد، إتحاد الطلبة الإسلامي الذي قام بالجامعة، فهذا كان بالنسبة لبورقيبة ضربةً قاضيةً أن نتواجد بالجامعة ونحتكر العمل فيها أو نصبح أكبر فريقٍ فيها فهذا يعتبر مخالفاً لتوقعاته.

أحمد منصور: المدارس، المدارس الثانوية في عموم تونس؟

عبد الفتاح مورو: ثم بعد أن نزلنا إلى المدارس وأصبحت الندوات تُقام في كل المدارس وأصبح التلاميذ يشاركون في التظاهرات ويرفعون الشعارات التي تتبناها الحركة الإسلامية، هذا أشعر بأن المستقبل لصالحنا لأنك عندما تتحدث عن شباب وطلبة تتحدث عن مستقبل البلد بعد 20 سنة هؤلاء سيمسكون الدولة.

أحمد منصور: ما هي الأجواء التي سبقت إلقاء القبض عليكم، أنتم قُبض عليكم كقيادات في 18 يوليو 1981، أنت قُبض عليك قبلها بيوم 17؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: محمد مزالي في شهادته معي على العصر قال أن بورقيبة أبلغ محمد مزالي قال له لقد وجدنا عبد الفتاح مورو في أحواز تونس؟

عبد الفتاح مورو: هو لم يجدوني في أحواز تونس، أنا وجدوني في، لا أنا رحت يوم الجمعة رحت القيروان، وبتواطؤ مع إمام الجامع الأعظم الشيخ عبد الرحمن خليف.

أحمد منصور: اللي هو المسجد الرئيسي في القيروان مسجد عقبة؟

عبد الفتاح مورو: عقبة بن نافع .

أحمد منصور: نعم

عبد الفتاح مورو: وهذا الرجل كان مناضلاً وهذا بورقيبة حكم عليه حكماً قاسياً بالإعدام سابقاً وأُفرج عنه بعد لئن وجهد، هذا الرجل تم تواطأ بيني وبينه هو إمام الجامع فهو تخلف عن خطبة الجمعة يومها ليترك لي المجال بأن أتصرف في الجامع دون أن يتحمل هو مسؤولية ذلك وكانت رغبتي أن لا يتحمل المسؤولية لأن نحن نرغب في أن يبقى الشيخ.

أجواء سبقت اعتقالات 1981

أحمد منصور: أنتم حسيتوا خلاص أنكم جايين جايين؟

عبد الفتاح مورو: إحنا حاسين بأننا محاصرون، هذا الحصار هل يفرض علينا أن نتوقف، نحن كان حرصنا على أن نبقى بالمساجد وأن تبقى دعوتنا قائمة بالمساجد هذا كان هدفاً في حد ذاته لم نتخلف عن المساجد فأنا رحت يوم الجمعة وألقيت خطبةً بعد الجمعة وقبل العصر.

أحمد منصور: في مسجد عقبة بن نافع في القيروان؟

عبد الفتاح مورو: في مسجد عقبة بن نافع وكان يوم جمعة في رمضان.

أحمد منصور: 17 رمضان تفتكر؟

عبد الفتاح مورو: 17 رمضان وكان قدوم الناس قدوم كبير جداً لأن الناس بُشروا بذلك وعندما دخلت دخلت متخفياً دخلت بسيارتي وأُدخلت سيارة بمحل من المحلات وخرجت في سيارة ثانية أنت عارف الطريقة هذه ففوجئوا بي وأنا بالمحراب، تمت محاصرة المسجد.

أحمد منصور: من الأمن؟

عبد الفتاح مورو: إيه.

أحمد منصور: يعني معنى كده إنهم كانوا يلاحقوك قبلها؟

عبد الفتاح مورو: يعني كانوا على بينة كيف.

أحمد منصور: أنت كنت مختفي طيب قبلها؟

عبد الفتاح مورو: لا لم أكن مختفياً وأنا كنت أتنقل من مكان إلى مكان ولا يعرفون أين سأكون فوجدوني بجامع القيروان بجامع عقبة بن نافع، حاصروا المسجد فوقع إخراجي من بابٍ مغلقٍ لم يُفتح منذ سنوات أخرجوني من هذا الباب المغلق لم يكن أمامه أمن فوجدوا أني غادرت المسجد ولاحظني شرطة المرور لاحظتني بعد 15 كيلو تقريبا.

أحمد منصور: كنت سُقت سيارتك؟

عبد الفتاح مورو: سُقت سيارتي وتوجهت إلى.

أحمد منصور: ولبسك ده ما شاء الله؟

عبد الفتاح مورو: بلباسي.

أحمد منصور: وما حدش سيعرفك؟

عبد الفتاح مورو: والحمد لله فلاحقوني لكنهم لم يستطيعوا اللحاق بي ووصلت بعد الغروب إلى تونس كان يوم جمعة، يوم السبت كان عندي درسان اثنان مناسبة الاحتفال بذكرى القرآن وغزوة بدر فرحت إلى أحد المسجدين واصطحبت الشيخ الشاذلي النيفر وحضر معي الشيخ الشاذلي النيفر، لم يستطيعوا أن يهاجموني هناك، لأن السيخ الشاذلي النيفر موجود.

أحمد منصور: اللي هو كان إيه الشيخ الشاذلي النيفر؟

عبد الفتاح مورو: الشيخ الشاذلي النيفر هو شخصية علمية وتاريخية وله حظ عند بورقيبة لأنه كان منتمياً للحزب الحاكم ولم يريدوا إزعاجه ولا إقلاقه.

أحمد منصور: طب مهم يقدروا يمسكوك في البيت ما كنتش تنام في البيت؟

عبد الفتاح مورو: أمسكوني بعد أمسكوني بعد عندما جاء الإذن أمسكوني في الجامع الثاني بعد صلاة العصر وأنا أُفسر الحمد لله رب العالمين، فقط الفاتحة حديث لا غبار عليه لا علاقة له بالسياسة أبداً فأرسلوا بعض المنتمين إلى الحزب الحاكم من هذه الشُعب التي كانت موجودة بالمنطقة هم الذين شوشوا علي بدأوا يقولون الدين السياسية تكلم في السياسة تكلم في الدين تكلم في السياسة وكذا أدخلوا لغطاً فاضطررت إلى فض المجلس لما خرجت وجدت سيارتي قد ثقبت عجلاتها الأربع عندها تقدم مني الأمن وقالوا لي نحن نحميك اركب معنا السيارة وسنكلف من يُصلح السيارة، هم أخذوني إلى المخفر مباشرةً وفهمت أن القضية ابتدأت.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: يعني أنت بالعِند فيهم ذهبت إلى القيروان وألقيت الخطبة في مسجد عقبة بن نافع وتُلقي الخطب في المساجد وأنتم أساميكم عندهم وتنظيمكم على قائمة القبض عليكم، أحمد بنور يقول أن الشيخ راشد الغنوشي ذهب إلى المنستير وألقى خطبة في قصر الهلالات والشرطة طردوه فلما عرف بورقيبة اعتبر ذلك تحدٍ له مسقط رأسه فأصدر أمره بالقبض عليه؟

عبد الفتاح مورو: قصر هلال هو المكان الذي تم فيه مؤتمر تكوين الحزب الدستوري الجديد.

أحمد منصور: 34؟

عبد الفتاح مورو: 34 الذين خرجوا عن الحزب القديم كانوا في قصر هلال.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: فاعتبر بورقيبة أن هذا تحدي.

أحمد منصور: طيب هو الشيخ راشد قاصدها بردو؟

عبد الفتاح مورو: أيوه هو قاصدها وراح لقصر هلال وألقى خطبة هناك.

أحمد منصور: هو كانَ الشيخ راشد يحب يعمل لبورقيبة كِده وبورقيبة يكره راشد الغنوشي.

عبد الفتاح مورو: واللهِ أنا مش عارف الحُب بينهما قائمٌ بينهما أو لا لكن لا أتصوَّر، لكن أنا أقول ما الذي تُريدنا أن..

أحمد منصور: هو كان يسمع راشد الغنوشي كما كانَ يذكُر مزالي والآخرين كانَ يسمع راشد الغنوشي العفاريت تركبهُ.

عبد الفتاح مورو: هو لا يتحمَّل المسكين لا يتحمّل، لكن الآن أصبح مُتحمل الأستاذ راشد، مقبول، لكن ما الذي تُريدنا أن نفعلهُ ونحنُ مُعطلَون أو شِبه مُعطلين.

أحمد منصور: أنتم قررتم الآن مش تقعدوا تختبئوا، قررتم تطلعوا تواجهوا وتحضروا...

عبد الفتاح مورو: يا أخي أنا مهيأ لأن أدخُل السِجن، أدخُل السِجن وأنا قابع في بيتي و أدخُل السِجن وأنا أتحرك، ولذلك نحنُ قبلنا أن ندخُل السجن ونحنُ نتحرك ونتحرك تحرُك مقبول سيسودهُ الشعب وتسودهُ المُعارضة وهذا الذي حصلَ فعلاً.

أحمد منصور: احك لي بقى بعدَ ما قبضوا عليك.

عبد الفتاح مورو: أنا قبضوا عليَّ بعد...

أحمد منصور: 18 يوليو.

عبد الفتاح مورو: 18 يوليو أخذوني إلى.

أحمد منصور: 1981.

عبد الفتاح مورو: المُجمّع مُجمع الذينَ يوقفونَ قبلَ أن يُحالوا للتحقيق..

أحمد منصور: كُلهُ مجرمين وكلهُ يعني..

عبد الفتاح مورو: آه مُجرمين...

أحمد منصور: مش سياسيين.

عبد الفتاح مورو: في مخفر يُسمى الغُرجاني، الغُرجاني هذا اسمهُ يُخيف.

أحمد منصور: لا زالَ موجود إلى الآن؟

عبد الفتاح مورو: موجود الغُرجاني لكن لم يعُد الإيقاف يتم فيه أصبح يتم في محلات ثانية، الغُرجاني هذا يُجمَعُ فيهِ كُل الذينَ يُضبطون...

أحمد منصور: زي لزُغل في مصر كده، يقول لك سيودوك لزُغل يعني...

عبد الفتاح مورو: فأخذوني الغُرجاني قُبيلَ الغروب.

أحمد منصور: في رمضان صائمين.

عبد الفتاح مورو: رمضان، أُقيم الأذان، الشُرط الذينَ كانوا موجودين بالمخفر تهيَّبوا أن يُخاطبوني لأنهم شافوا عِمامة وجُبَّة يعني لم يُمسَك على سُكر ولا مُسِكَ على عُنف، فيعني اقترب مني واحد منهم قالَ لي تفضل تعشى معنا، الذي لاحظتهُ أنهُ الطربيزات التي بسطوها فيها كم شوربة؟ 40- 30 شوربة إناء شوربة، كم إناء كذا كم!! مُتماثلة، ماذا يُمكِن؟ تبيَن أنَ هذهِ هي الأطعمة التي يأتي بها أهلُها لتُسلَمَ لأبنائهم الموقوفين.

أحمد منصور: المساجين!!!

عبد الفتاح مورو: فكانَ يستولي عليها هؤلاءِ الأعوان..

أحمد منصور: يعني يفطروا في رمضان على أكل حرام..

عبد الفتاح مورو: يأكلونَ ما شاءوا والبقية يعطونها إن وجدوا مجالاً، فأنا أكلت منها وأنا لا أعلم، وعلى كُلِ حالٍ مسموح لي أن آكُل منها، وبقيت في هذا المكان أرقُبُ ما الذي يحصُل كانَ الباب...

أحمد منصور: يعني دول صائمين ويفطروا حرام أكل جاءَ..

عبد الفتاح مورو: ويحتاجوا مَن يُفتي لهُم، فكُنتُ أُراقب الباب، بداية من الساعة 10 ليلاً أو الساعة 11 ليلاً.

أحمد منصور: كُل ده وما أحد قالَ لكَ أنتَ في!!!

عبد الفتاح مورو: أبداً، لا أنا عارف أني في الغُرجاني.

أحمد منصور: لا لا ما حدش جاءَ يُكلمك.

عبد الفتاح مورو: لا كلموني ولا، كُنت أشوف يُفتَح الباب فإذا صالح كركر داخل، يُفتَح الباب صالح بن عبد الله  داخل، يُفتَح الباب علي النوير داخل، يُفتَح الباب راشد الغنوشي دخل ففهمتُ أنَ القضية لا تتعلق بي..

أحمد منصور: اجتماع بقى، اعملوا اجتماع.

عبد الفتاح مورو: هذهِ قضية للمجموعة، أنا والأستاذ راشد ميّزونا، إحنا بقينا في هذهِ الفُسحة خارجَ الغُرَف وكانت في غُرَف مُكتظة، كُل الذينَ جاؤوا يُدخلونهم هذهِ الغُرفة، وصل الوقت أنهم أصبحوا غيرَ قادرين على الجلوس فأصبحوا واقفين وكانوا يُدخلونَ إليهم من كِوةٍ خرطومَ المياه ليُخففوا من شِدة الحرارةِ التي كانوا يعيشونها بالتكاثف ونحنُ في يوليو.

أحمد منصور: كُل دول من الحركة!!

عبد الفتاح مورو: من الحركة وغير الحركة، هُم جمعوا الحركة وغير الحركة.

أحمد منصور: آه يعني..

عبد الفتاح مورو: جمعوهم في غُرفةٍ واحدة، جمعوهم مع المُجرمين، بالنسبةِ إليّ والأستاذ راشد بقينا ننتظر، أنا فتحوا لي غُرفةً خاصة وأدخلوني فيها فتبينَ أنهُ هذهِ الغُرفة مقسومة إلى قسمين فيها أرشيف، خزانات حديدية وراءها نساء يضحكن فتبيَنَ أنهُنَّ المومسات اللائي وقعَ القبضُ عليهن.

أحمد منصور: في رمضان!!

عبد الفتاح مورو: وأصبحَ هؤلاءِ النسوة يُطللن عليَّ شِبه عارياتٍ أو عاريات بالقصد.

أحمد منصور: أعوذُ بالله. 

عبد الفتاح مورو: بالقصد بتحريضٍ من هؤلاء وأنا أدور وجهي من هذا الصوب من هذا، والأستاذ راشد بقيَ في الخارج ثُمَّ أدخلوهُ غُرفةً مُكتظة، أنا الوحيد اللي بقيت في غُرفة وحدي.

أحمد منصور: لا ما أنتَ حاطين لك الـ...

عبد الفتاح مورو: حطوهم في هذهِ الزمارة لكن من بعد شالوهم لأنَّي أنا تظلمت، جاءَ هذا المسؤول عن المخفر اسمهُ رقروقي فتظلَّمت لهُ، قالَ عيب عيب عيب، أخذوهم وأبقوني في هذهِ الغُرفة وحدي وأصبحوا لا يُدخلونَ إليها إلّا خواصَ الموقوفين وتبيَّنَ أنهُم مَن؟ بعضُ المجانين حتى لا يتحمّلوا عبءَ إدخالهم مع المجموعة الأُخرى، فأصبحتُ أُعاشرُ المجانين، جالس معَ المجانين، لكن محنتي لم تطُل لأنهُ في تلكَ الفترة..

أحمد منصور: كم يوم بقيت؟

عبد الفتاح مورو: أنا بقيت يوم السبت ويوم الأحد ، الاثنين صباحاً في شخص رجُلٌ فاضل من رجال تونس كانَ صحفياً الأستاذ الحبيب شيخ روحه والذي كانت لهُ صداقة وعلاقة أُخوة معَ السيدة وسيلة بورقيبة، زارها صباحاً بعدَ أن أُشعِرَ بأني موقوف وهي تعرفُني وهو الذي جاءَ بها في سالفِ الأشهُر لتحضر خُطبة الجُمعة التي كُنتُ أُلقيها في جامع القصبة وجاءت مُتنكرةً حتى لا يتعرَّف النسوة، فراحَ لها صباحَ الاثنين عندَ الإفطار وقالَ لها فُلان هذا اللي صليتِ وراءهُ تراهُ في الغُرجاني، معقول هذا!! قالت لهُ طيب نُكلمُ سيد الرئيس، وأخذتهُ إلى السيد رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة وقُدَّمَ لهُ الأمر على أنهُ لا يليق هذا مُحامي ويوضع معَ المُجرمين المفروض، قال أنا قُلت خذوهُ حطوه مع المُجرمين؟ خذوهُ للداخلية، فأخذوني للداخلية ووضعوني في الطابق الثالث في غُرفةٍ خاصةٍ بي، لكن العجيب أستاذ أنهُ بمُجرد أن دخلت هذهِ الغُرفة كانَ في شخص يُوَّزعُ الطعام على هذهِ الغُرف لأن هذا القسم قسم سياسي، في غيرنا موقوفين.

أحمد منصور: من اتجاهات سياسية أُخرى.

عبد الفتاح مورو: اتجاهات سياسية أُخرى أو نقابيين أو كذا أنا لم أتعرَّف عليهم لكن أشعُر بأنَّ بقية الغُرَف كانت مسكونة، أنا كُنتُ وحدي والغُرفة تُغلَق من الخارج، فأستمعُ إلى وقعِ حديدٍ على حديد كأنهُ شوكة أو ملعقة يُضرَبُ بها على آلة حديدية، تبيَّنَ أنَّ هذا الشخص الذي يضرب يُشعِرُ هؤلاءِ الموقوفين بقدومهِ لأنهُ سيُطعمهم سيُعطيهم الطعام، وكانوا كُلهُم مُزوَّد كُل واحدٍ مُزوَّد بصحنٍ يُخرجُ صحنهُ عندما يفتحُ لهُ الباب فيوضع لهُ فيهِ الطعام، أنا الوحيد ما كانَ عندي صحن لأنني بمُجرد قدومي لم أزوَّد بصحنٍ، ففتح عليَّ الباب وكانَ الرجُل يرمُقني ولسانهُ يهدر ضِدي، يقول:"أنتم!! أنتم تُعاندون بورقيبة!! بورقيبة يمحقُكُم"، ويُشيرُ إليَّ بيده لأقتربَ منهُ، يقولُ كلاماً ولكن يفعلُ فعلاً مُضاداً.

أحمد منصور: آه يعلّي صوتهُ في..

عبد الفتاح مورو: يُعلّي صوتهُ حتى يستمع إليهِ زُملاؤهُ ويُشيرُ إليَّ بالقُرب منهُ، لمّا اقتربتُ منهُ وقدَّمَ لي الصحن وضعَ لي فيهِ طعامي ثُمَّ أدخل يدهُ إلى طبقٍ وأخرجَ قطعةً ثانيةً من اللحم ومدها ليدي، فأنا قُلتُ لهُ ضعها بالإشارة، قالَ هذهِ كُلها وأرجع العظم حتى لا أُحاسب، لأنهُ سيُحاسب كيفَ أعطاني، وفي هذهِ الحركة بعدَ أن يسُب ويشتُم ويقول لي أنتم يا كلاب بورقيبة أحسن منكُم، سيمحقكُم، يقول الله ينصركُم، الله يعينكم، الله ينصركم الله يعينكم، وأصبحَ هذا الرجُل كُل يوم يأتيني بالطعام ليُشعرني: الشيخ كمال الترزي يُسلِّم عليك، الشيخ عبد العزيز بن جعفر يُسلِّم عليك، الشيخ فُلان يُسلِّم عليك.

أحمد منصور: وأنتَ لا تعرفهُ!!

عبد الفتاح مورو: أنا لا اعرف الرجُل.

أحمد منصور: وهو سجان!!

عبد الفتاح مورو: وهو سجّان، والعجيب أستاذ أني قوبلت في هذهِ المرحلة سواءً في مرحلة الإيقاف أو بعدَ ذلكَ حتى في السِجن بسجانينَ مُتعاطفين، كانَ يسُب ويشتُم ولكنهُ يُقبِّلُ الأيادي ويسألُنا الدعاء، ويقول أنتم أحبابنا، أنتم إخواننا وأنا بشكلٍ خاص لأنَّه جُلهُم من العائلة التونسية التي أعرفها والتي لي علاقةٌ بها فوجدتُ حفاوةً لدى هؤلاءِ، لم أشعُر في يومٍ من الأيام بدفء الحياةِ إلّا مع هؤلاء.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: كانَ في واحد، كانَ في واحد نصف مجنون هذا وقعت لهُ في أُسرتهُ هو فني بترول وقعت لهُ في حياتهُ.

أحمد منصور: مشاكل.

عبد الفتاح مورو: مشاكل مع زوجتهُ فطلَّقَ زوجتهُ ثُمَّ تشوَّق لابنتهِ وأُصيب مسكين بشبهِ خبالٍ، هذا الرجُل وجدتهُ في مسجد من المساجد ليلة رمضان، وجدتهُ وأنا أدخُل المسجد لإقامةِ درسٍ في الليلة الأُولى من رمضان، فقالَ لي يا شيخ: أنا أحضر معكم للجامع، قُلتُ لهُ أهلا وسهلاً مرحباً بكَ، لا أعرفهُ اسمهُ بلقاسم الدردوري، قُلتُ لهُ تفضل يا عم بلقاسم مرحباً بك، قال لي أن أسكُر أشرب الخمر، قُلت لهُ تشرب الخمر في رمضان؟ قالَ لي لا، قُلتُ لهُ طيب تدخُل، قالَ لي تراني بعدَ رمضان أسكر، قُلتُ لهُ طيب في آخر أيام رمضان نتفق على الكمية التي ستشربها، فدخلَ معي وأصبح يؤثث المسجد وأصبح حمامة المسجد وأصبح هو اللي يُهيئ الكراسي، يُهيئ للناس ويجيب الماء وكذا، في ليلة 27 عند الاحتفال بالختم وقفت أمامَ الناس بعدَ الدرس قُلتُ لهُم هذا السيد بلقاسم الدردوري وعدنا بأن نتفق معهُ على كمية الخمر التي سيشربها بعد رمضان، قالَ لي لا أنا تُبت، قُلتُ لهُ ليسَ من حقكَ أن تتوب، أنتَ التزمت أن تشرب الخمر بعدَ رمضان ولذلكَ نُنفذ الالتزام، هو يقول لا وأنا أقول لهُ تشرب وهو يقول لي لا وأنا أقول لهُ تشرب وأنا عارف هذهِ طريقة بالتدرُيجية، الرجُل لزمني وأصبحَ يستعملُ دراجةً دهنها باللون الأخضر وأصبحَ يتحرك من مكان إلى مكان ويقول أنا سفير الإمام الشاذلي ويكتُب على كُل جدران البلد الصلاةُ عماد الدين، الصلاةُ عماد الدين، الصلاةُ عمادُ الدين، لم يترُك طريقاُ إلّا وكتبَ على جُدرانهِ حتى الناس أصبحوا يتذمرون لأنهُ ألحقَ الوساخةَ بمحلاتهُم لكن يقول لهُم الصلاة عماد الدين، الصلاة عماد الدين، فهذا الرجُل عندما سمع بإيقافي أصبحَ يأتي أمامَ مبنى وزارة الداخلية وأنا بطابقها الثالث ويُحددُ المكانَ الذي أنا فيهِ ليُشندَ قصيدةً في الصلاة عماد الدين، قصيدة مُكسرة الكرايم معناها ما هيش لا سوية لا فُصحى لا عامية لكن أصبحَ يؤنسني كُل الساعة 12، كُل يوم الساعة 12 انتظرهُ لأستمعَ لبلقاسم الدردوري وهو يؤنسني وهو تحت وأنا فوق، وأنا مُعرَّضٌ لما لا أعلمهُ، الأمر الثاني في تلكَ الفترة كُنت أستمعُ إلى التعذيب كاملةً..

أحمد منصور: من الزنازين الأُخرى.

أساليب تعذيب المعتقلين الإسلاميين داخل السجون

عبد الفتاح مورو: زنازين أُخرى وأستمع إلى أصوات أبنائنا، آه، اعرف الصوت هذا صوت فُلان، هذا صوت فُلان، لم ينلنا العذاب لا أنا ولا الأستاذ راشد، نحنُ بقينا آخرَ المجموعة تحقيقاً معنا وكُنا في محلينِ أحدُهما فوق الثاني..

أحمد منصور: يعني أنتَ في زنزانة فوق وهو تحتك ولا العكس؟

عبد الفتاح مورو: هو تحتي، أنا في الثالث وهو في الثاني فكُنت أستغل الفُرصة لأُخاطبهُ ليلاً ويبلغُ ذلكَ الصوت إلى الحُراس فلا يتدخلون، ليسَ...

أحمد منصور: كيفَ كُنتَ تُكلمهُ؟ من السقف؟

عبد الفتاح مورو: كانَ في شبابيك تُفضي إلى ساحةٍ خلفيةٍ، هو لهُ شُباك وأنا لي شُباك فكُنت أفتح شُباكي وهو يفتح شباكُهُ وأُخاطبهُ من هُناك، لم يتدخل الشُرطة لم يتدخلوا..

أحمد منصور: الحُراس.

عبد الفتاح مورو: لمنعنا من ذلك لأنهُم كانوا يبدو أنهُم كانوا مُتعاطفين، الأمر الثالث..

أحمد منصور: مُتعاطفين ولا ليأخُذوا معلومات برضهُ!!!

عبد الفتاح مورو: لا هي ما كنش في معلومات سرية نقولها وإنما للاطمئنان فقط، لأطمئن عليهِ لأطمئن كذا أصابهُ شيء أم لم يُصبهُ شيء، أمر آخر ساهمَ في عدم تعذيبنا أنهُ نحنُ لم نُنكر أننا في تنظيم لأنهُ عندما سُئلنا...

أحمد منصور: أنتم طلعتم في مؤتمر صحفي.

عبد الفتاح مورو: وده بالأخير و عندما سُئلت قالَ لي أنتَ تنتمي للاتجاه الإسلامي، قُلتُ لهُ لا، قالَ لي لمَ جيء بك؟ قُلتُ لهُ لا مؤسس الاتجاه الإسلامي، قالَ لي أكتب؟ أُكتب، فكتبَ، الشيء الوحيد الذي لم أبوحُ بهِ أني لم أذكُر اسماً واحداً لأنهُم كانوا يُفتشونَ على الأسماء، مَن جاءكُم في 1979؟ ومَن في 1978؟ ومَن كذا، هذهِ لا أعرفها ولذلك يبدو أنَّ عميد المُحامين الأستاذ فيصل القلوي الشابي الذي هو الآن مُستشار السيد رئيس الجمهورية، هذا الرجُل فعلَ فعلاَ إيجابياً حيالنا لمّا أشعرَ بأنهُ لا يحقُ لهُم أن يعتدوا عليَّ وأنا مُحامٍ وأنَّ هذا سيُكوُّنُ فضيحةً عالميةً فتوجسوا خيفةً لم يمسوني ولم يمسوا الأستاذ راشد الغنوشي بسوءٍ أبداً لأنهُم وجدوا الأبحاث سهلةً معَ البقية، الذينَ امتنعوا من إعطاءِ المعلومات داسوا عليهم، عذَّبوهم، ضربوهم وكانت فيه انتهاكات كثيرة لهؤلاءِ الشباب، حصلوا على كُل المعلوماتِ التي يرغبونَ فيها وجمعوها، عندما جاءوني وجاءوا الأستاذ راشد كُلٌّ على حدا نحنُ لم نملك إلّا أن نعترفَ بالواقع لكن حُجتي القانونية كانت في يدي، كُنت أقول: "أنا كُنتُ أنتمي إلى تنظيمٍ قدَّمتُ طلباً مُسكَت بعد شهرٍ ونصف من تقديمِ الطلب، نحنُ في فترةِ العفو التي تسمحُ لنا بالنشاطِ في انتظارِ حصولِ قرارٍ سلبيٍّ أو إيجابيٍّ".

أحمد منصور: تذكُر مَن الذي حقق معك؟

عبد الفتاح مورو: آه أنا جابوا لي واحد سموهُ الحاج، الحاج وفي شخص أُثني عليهِ لأنهُ بعد مُدة طويلة من الإيقاف وأنا في هذهِ الغُرفة بعدَ...

أحمد منصور: أنتم 5 أسابيع أُوقفتم قبلَ المُحاكمة.

عبد الفتاح مورو: نعم .

أحمد منصور: قبلَ أن تبدأ المُحاكمة استمررتم 5 أسابيع في التحقيقات.

عبد الفتاح مورو: يُمكِن بعد 15 يوم وأنا لا اعرفُ مصيري فُتِحَ عليَّ الباب ودخلَ شخص، هذا الشخص كانَ لابس لباس عادي تماماَ كأنهُ لباس السوقة يبدو انهُ بوليس سريّ مُتنكر لكن هو في الداخلية، وكانَ أحول فعندما نظرَ إليّ قالَ لي هكذا أنا نظرت إلى الجهة اليُمني بشكل عفوي يعني لم أكُن أقصد ذلك وإنما اللي هو عينهُ كانت تذهب، فأنا نظرتُ هُناك، قال لي: إيه مَن معكَ حتى تنظُر أنتَ لليمين؟ فأنا قُلتُ لهُ لا يعني أنا أُفتش على لباسي كانت هُنا، قالَ لي أنتَ ما عندك لباس هيا المُدير يُناديك، فأخذني للمُدير، صعدنا الطابق  فدخلتُ إلى غُرفة مهيبة، كراسي من الجلد، 4 كراسي ورجُل جالس على طربيزة ورائها مكتب كبير فوقفَ وسلّم عليّ، الرجُل أسمر البشرة شوية اسمهُ الأستاذ الصيد، أنا أُحييه، مرحبا، قالَ لي أهلاً عبد الفتاح مرحبا مرحبا، قالَ لي أتذكُرني؟ قُلتُ لهُ لا، قال لي نحنُ درسنا سوياً في كُلية الحقوق عند مدموزيل نكرانج كانت أُستاذتنا، قُلتُ لا أذكُر ذلك، قال لي أنتَ لا تذكُرني لأني ما فيّ شيء مُميز بالنسبةِ إليك لكن نحنُ كُلنا نذكُركَ بميزتكَ، أهلاً وسهلاً، قالَ لي تشرب شاي ولا قهوة؟ فأنا عفوياً أنا في حالة تحقيق قُلتُ لهُ هي بالاختيار عندكم؟ قال لي نعم بالاختيار، قُلتُ لهُ أشربهم الاثنين شاي وقهوة، فراح يدعو المُساعدين يجيبوا، لا قُلتُ لهُ يا سيدي هذا هزار فارغ، قالَ لي ليش تورطت هذهِ الورطة؟ قُلتُ ألم تقُل أنكَ تعرفني؟ قال لي نعم، قُلتُ هل طرأَ عليَّ تغييرٌ في حياتي أو سلوكي أو قناعاتي؟ قالَ لي لا أنتَ هكذا مُنذُ مُدة، قُلتُ إذن أنا صاحبُ محنة، ممحون نُسميه إحنا في تونس، ممحون، صاحبُ محنة وصاحبُ المحنة ندعو لهُ بالفرج لا نلومهُ، فهذا الرجُل نادي قالَ لي أنا سأُكلِّفُ مَن يتولى استنطاقَك، قالَ نعيِّن لك الحاج، فأنا فرحت قُلت هذا الحاج أجدُ فيهِ الرحمة، قبل أن يأتي الحاج قالَ هذا أفسد واحد عندنا، نعم قُلت لهُ، قالَ هذا يسُب ربي بالمقلوب.

أحمد منصور: أعوذُ بالله.

عبد الفتاح مورو: أستغفرُ الله، فعندما جاءَ الحاج هذا قال لهُ هذا الرجُل أنتَ ستستنطقهُ، هذا الرجُل مريض بالسُكري لا تمُسه بسوء، إذا ماتَ أنتَ مسؤول عن روحهُ، إذا تكلَّم سجّل ما قالهُ، إذا سكتَ قُل امتنعَ من الجواب ولا تحملهُ على الرد، مهما يقول من كلام سجلهُ كما هو، ولأول مرة تمَ الاستنطاق بشكلٍ قانونيٍّ أمينٍ لأنَّ رئيسهُ أمرَ بذلك، عندما خرجَ هو الرجُل أنا قُلت هذا السي الصيد قُلتُ لهُ باركَ الله فيك بهذهِ الهدية أشكُرك على الهدية، أنتَ أهديتني للفاجر هذا، قال لي على كُل حال سيكونُ تحتُ نظري والله معكَ، هذهِ الكلمة اللي قالها وهو الذي أخرجني بعدَ ذلكَ من الزنزانة ليوصلني إلى السيارة التي انتقلت فيها إلى المحكمة للتحقيق أمامَ قاضي التحقيق، كانَ يوم عيد بالنسبةِ إلينا أن خرجنا من زنزانات الداخلية كأننا راجعون إلى بيوتنا، وإحنا رايحين للسجن لكن كُنا نعتبر السجن رحمة بالنسبة للتعذيب الذي كانَ يُسلَّطُ على الناس داخل زنزانات الداخلية.

أحمد منصور: عرفتَ شيئاً من هذا التعذيب؟ حكا لكَ إخوانكَ شيئاً منهُ؟

عبد الفتاح مورو: آه عندهُم هذا التعليق، هذا عندهُم قلع الأظافر، الضرب على الأماكن الحساسة، الكشف أمام الغير، اضطرارهم أن يكونوا مُلتحمينَ ببعضهم وهُم عُراة تنكيلاً فيهم لأنهُم مُتدينون، هذا السباب والشتائم، أن يُسيلوا عليهم قاذورات من بقايا البشرية توضع على رؤوسهم وعلى أبدانهم، أن يُدخلوا عصاً في أماكن مُحددة من أجسادهم، أن يُمسكونهم من أماكن حساسة ويضغطوا عليهم فيها، يعني أنواع من التنكيل والاعتداء وهذهِ بالنسبةِ إلينا نحنُ الذينَ أوقفنا 1981 هذهِ تُعتبر بسكويت، تُعتبر حلويات بالنسبة لما حصلَ بعدَ ذلك في التسعينات عندما أصبحَ النظام نظام بن علي.

أحمد منصور: سآتي إلى نظام بن علي، في نفس اليوم اللي تم إيقافكُم فيهِ 18 يوليو 1981 بورقيبة قامَ برفع الحظر عن الحزب الشيوعي نكايةً فيكم.

عبد الفتاح مورو: واقتبلَ الأمين العام للحزب الشيوعي المرحوم محمد حرمل وأعلنَ ذلكَ بالصحافة وبالإذاعة بصوتهِ، قالَوا لهُ يا مُحمد أنا أُرجعُ لكَ الترخيص الذي سُحِبَ منكم في الستينات لتعملوا لنتعاون على الإخوانجية، لنتعاون على الإخوانجية، فرسخ في أذهاننا أن هُناكَ توطئا بينَ اليسار والسُلطة الحاكمة، وهذا التواطؤ لم يكُن شاملاً لكُل اليساريين حتى أكونَ صادقاً مع نفسي لكن جُلهُم كانَ مُتواطئاً في اتجاهِ قمعِ الإسلاميينَ وقهرهم وتبريرِ مواقفِ السُلطةِ القامعة لأنني أذكُر مع مرور الزمن ومع قدوم بن علي أصبحت كثير من الجمعيات العالمية المُدافعة عن حقوق الإنسان تُساءِل النظام التونسي عن القمعِ المُسلَّطِ على الإسلاميين وعن الاستبداد الحاصل لهُم والتعذيب والتنكيل والتشريد والتجويع فكانَ النظام يُرسِلُ بعضَ النُخبةَ اليسارية، أقول بعضها حتى لا أعتديَ على الشُرفاءِ منهم، بعضهم مُرتزقة يروحون لتبريرِ هذهِ المواقف يقولونَ لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، هؤلاءِ يستعملونَ الديمقراطية سُلمَ للوصول إلى الحُكم فإذا وصلوا ضربوا السُلمَ أسقطوه أرضاً حتى لا يعلو أحدٌ غيرهُم، كيفَ انتم تُدافعونَ عن هؤلاءِ الذينَ هُم أعداء الديمقراطية؟

أحمد منصور: التحقيقات استمرت معكُم من 18 يوليو 1981 وحتى بداية المُحاكمة أمامَ المحكمة الابتدائية في 26 أغسطس 1981 وخلالَ هذهِ الفترة جرت أشياء كثيرة خلالَ الأسابيع الـ 5 هذهِ أبدأَ بها معكَ في الحلقة القادمة مع مُحاكمتكم في العام 81 شُكراً جزيلاً لك، كما أشكُركم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتكُم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نُواصلُ الاستماع إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضةِ التونسيةِ ونائبِ رئيسها، في الختام أنقُلُ لكُم تحيات فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكُم والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.