كشف عبد الفتاح مورو -أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية- في شهادته الخامسة لبرنامج "شاهد على العصر"، أنه اقترح على الشيخ راشد الغنوشي والمكتب التنفيذي التقدم بطلب الترخيص لنشاط الحركة الإسلامية، بعد كشف نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تنظيمها السري يوم 5 ديسمبر/كانون الأول 1980.

وقال إن الحركة قررت الانفتاح على المعارضة ودخول الحياة السياسية بشكل قانوني خلال المؤتمر الثاني للحركة والذي عقد في سوسة يوم 10 أبريل/نيسان 1980 بالتزامن مع خطاب بورقيبة الذي أعلن فيه عن التعددية السياسية في تونس.

وكان مورو قد تحدث في الحلقة الرابعة من شهادته عن دخول الحركة مرحلة جديدة في تاريخها خلال مؤتمر أغسطس/آب 1979 الذي عقد بولاية منوبة بحضور ستين شخصا.

وأشار إلى حصول تطور فكري وتنظيمي في تاريخ الحركة الإسلامية من عام 1969 إلى 1981، وقال إن إنجازات لم تكن متوقعة حصلت، حيث انتشرت المساجد في المؤسسات التعليمية والإدارات العمومية والمصانع رغم معارضة النظام، وأصبحت ظاهرة التدين قائمة، وكأن تونس انتقلت من بلد إلى آخر.

وقال مورو إن بورقيبة الذي أعلن عن التعددية السياسية كان متخوفا من المسمى الإسلامي، ولم يكن في تصوره أن يكون الإسلاميون ضمن مرحلة الانفتاح، رغم أن الحركة الإسلامية -يضيف مورو- كانت تتبنى مبدأ تجنب العنف.

يُذكر أنه عام 1969، التقى مورو بالغنوشي وأسسا النواة الأولى للحركة الإسلامية في تونس تحت مسمى "الجماعة الإسلامية". وفي العام 1981 غيرت الجماعة اسمها إلى "الاتجاه الاسلامي" لتصبح عام 1989 "حركة النهضة".

القضاء
من جهة أخرى خصص "ضيف شاهد على العصر" جزءا من شهادته للحديث عن القضاء في عهد بورقيبة الذي قال إنه كان يصفي خصومه عن طريق هذا الجهاز، وإنه استخدمه لتحقيق مآربه شأنه شأن بعض الأنظمة العربية.

مورو يروي حكاية أحد القضاة ممن توددوا لنظام بورقيبة (الجزيرة) video

وأشار إلى وجود نماذج من القضاة الفاسدين خلال حكم بورقيبة، ولكن أيضا كانت هناك نماذج لقضاة نزهاء كرسوا مهنتم لتحقيق العدالة بين الناس.

وذكر مورو بعض الروايات والذكريات التي عاشها أثناء توليه مهنة القضاء ثم المحاماة، منها تحويله إلى التحقيق بعد اضراب للقضاة حصل عام 1976، بتهمة "سلوك يتنافى وسلوك القاضي المثالي" التي صدرت ضده لكثرة تردده على المساجد، وهي الحادثة التي جعلته يستقيل من القضاء ويتجه إلى المحاماة.

ومن الروايات التي ذكرها في شهادته أنه واجه بورقيبة بعد تعيينه -أي مورو- في منصب رئيس جمعية القضاة، ففي أكثوبر/تشرين الأول 1975 وخلال حفل سنوي وقف مورو أمام الرئيس (الراحل) عند مدخل المحكمة وسلمه رسالة الخليفة عمر بن الخطاب رضي عنه إلى أبي موسى الأشعري بشأن القضاء.

يقول مورو إنه خشي وقتها أن يقع نظر بورقيبة على اسم عمر بن الخطاب "لأنه كان يغار منه لكونه رجل دولة ناجحا"، ووسط تلك الأجواء الاحتفالية طلب منه أن يهتم بقضية أجور القضاة. والطريف في الأمر -يواصل ضيف "شاهد على العصر"- أن القضاة الذين كان يتحدث باسمهم ويدافع عن حقوقهم غادروا وتركوه وحيدا مع الرئيس.

ونجح مورو بالفعل لاحقا في افتكاك بعض الحقوق للقضاة، ومنها زيادات في الأجور.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: الظاهرة الإسلامية انتشرت بتونس رغم قبضة بورقيبةج5

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 26/4/2015

المحاور:

-   بورقيبة وتصفية خصومه عبر القضاء

-   قضاة فاسدون في عهد بورقيبة

-   أول إضراب لقضاة تونس عام 1976

-   الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية ونائب رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: مرحباً أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: وقفنا في الحلقة الماضية عند انكشاف التنظيم الأول للجماعة الإسلامية في 5 ديسمبر 1981، لكن قبل أن أغوص في تفاصيل هذا الأمر..

عبد الفتاح مورو: في 5 ديسمبر 1980.

أحمد منصور: 1980 عفواً، قبل أن أغوص في تفاصيل هذا الأمر أود أنّ أُعرّج قليلاً على حياتك الوظيفية لاسيما وأنك بعد تخرجك في العام 1970 درست في كليتي الشريعة والحقوق في آن واحد تخرجت منهما في العام 1970 عملت قاضياً، هل القضاء في تونس مختلف عن الدول العربية بحيث في الدول العربية يبدؤون من النيابة مثلاً زي مصر وبعض الدول ثم ينتقلون للقضاء بعد ذلك، أنت عملت قاضياً مباشرةً؟

عبد الفتاح مورو: نحن نظامنا يسمح بأن تدخل القضاء وأن تُختار إما في النيابة أو في القضاء الجالس، كلاهما سواسية.

أحمد منصور: وأنت اخترت القضاء الجالس.

عبد الفتاح مورو: أنا لم أختر وإنما عُيّنت في القضاء الجالس ورضيت بذلك وكان إيجابياً انتمائي..

أحمد منصور: من البداية من أول يوم عمل لك كنت قاضياً.

عبد الفتاح مورو: كنت قاضي نعم.

أحمد منصور: ما الذي تركته مهنة القضاء في نفسك؟ أنت بقيت قاضياً إلى العام 1976، من 1970 إلى 1976.

عبد الفتاح مورو: إلى نهاية 1976.

أحمد منصور: إلى نهاية 1976 ست سنوات تقريباً، ما الذي تركته المهنة في نفسك؟

عبد الفتاح مورو: والله هذا عمل شريف وأنا كنت أتوق أن أكون قاضياً منذ صغري لكنني عندما دخلت القضاء فوجئت بواقعٍ جديد لم أكن أتوقعه..

أحمد منصور: ما هو؟

عبد الفتاح مورو: هو ما كان يحصل من تلاعبٍ من بعض القضاة في القضايا التي كانت تهم النظام.

أحمد منصور: كيف؟

بورقيبة وتصفية خصومه عبر القضاء

عبد الفتاح مورو: أنت عارف أنّ بورقيبة صفّى خصومه عن طريق القضاء، وهذه المحنة الكبرى، بورقيبة صفّى أولاً بقايا الملوكية صلاح الدين البكوش وغيره من الذين عملوا مع الباي الذين تعاملوا مع فرنسا الذين عملوا مع صالح بن يوسف خصمه الذي صفّاه جسدياً وأحال من تعاون معه على القضاء ليحاكموا في محاكماتٍ كبيرة، اتهم جزءاً من قوات الجيش بتهيئة مؤامرة وتّمت المحاكمة فيها سنة 1962، والعجب كل العجب أنّ هذه الأنظمة التي قامت على نظمٍ تدّعي أنها ديمقراطية والتي أقامت أنظمتها على التفريق بين السلطات واعتبار أنّ القضاء سلطة مستقلة والحرص على إعطاء القاضي كامل حقوقه ليكون قادراً على أداء واجب العدل بين الناس، هذه الأنظمة هي التي استعملت القضاء لقضاء مآربها والتي كانت تُخيّر من القضاة أضعفهم تمسكاً بهذه القيم أو أكثرهم زللاً أو أكثرهم خطئاً أو أكثرهم كذا لتستعمل هذه الهنات لديهم وتطوعهم لخدمة مصالح هذه الأنظمة.

أحمد منصور: يعني ما يقوم به النظام القضائي في مصر من استخدام القضاء أداة هو نفس الطريقة الممتدة لكل الأنظمة المتفردة التي ترسخ الديمقراطية.

عبد الفتاح مورو: هذا أسلوب خطير جداً.

أحمد منصور: القاضي الذي يتدنى إلى هذا المستوى كيف ينظر إلى نفسه وكيف ينظر زملاؤه إليه؟

عبد الفتاح مورو: هو يبرر لنفسه ما يحصل منه باعتباره فرداً لا يستطيع أن يقف أمام آلة كبيرة هي آلة الدولة، لكن هذا ليس مبرراً لأنه في تصوري الذي ينتمي للقضاء والذي يحظى باحترام جميع الناس كلما مر يُحترم لماذا؟ لأمرٍ واحد وهي قدرته على الصداح بالحق أو التمسك بالحق وقدرته على أن يقضي بين الناس بالعدل ولو كان ذلك الحكم سيرديه هو أو يردي أحد أقاربه، هذا المعنى نجده ماثلاً في بعض القضاة وأنا في تلك الفترة عشت مع قضاةٍ زانوا القضاء التونسي..

أحمد منصور: أمثال؟

عبد الفتاح مورو: أمثال الأستاذ صلاح الدين بن جعفر مثلاً، الأستاذ محمود باباي، الأستاذ صلاح الدين بن جعفر وأنا كنت في القضاء كنت أتسلل من مكتبي لأحضر محاكماتٍ كان يرأسها وكان يقضي ضد إرادة النيابة العامة المكلفة من قبل بورقيبة وكان يفضح التدخلات بالجلسة يفتح الملف ويقول نبتدئ هذه المحاكمة هذا محامٍ من الكاف اتُهم بأنه ارتكب جنايةً وهذا كان بإيعاز من بورقيبة لأنه معارض من أتباع صالح بن يوسف، فالأستاذ صلاح الدين بن جعفر {بسم الله الرحمن الرحيم} فتح الملف بعد أن تم النداء على المتهم وعلى المحامين قال نبتدئ هذا الملف بهذه الورقة ويبدأ يقرأ: من رئيس الكتابة الخاصة من رئيس الجمهورية إلى السيد الوكيل العام وبعد..

أحمد منصور: النائب العام يعني.

عبد الفتاح مورو: النائب العام، فقد كلفني سيادة رئيس الجمهورية بأن أعرض عليكم هذه الأوراق المتعلقة بفلان هذا المتهم اسمه بودالي وهو يرغب بمحاكمته وإصدار حكمٍ قاسٍ في شأنه لكونه من المنتمين إلى اليوسفية دون أن يكون في الملف ما يستوجب مؤاخذته لأنه لا يؤاخذ من أجل الانتماء إلى اليوسفية وإنما يؤاخذ من أجل جرمٍ أُلصق به، وعندما وضع القضية في إطارها تفطّن الجميع إلى أنّ القضية ملصقة به وتجرأ بأن يصدر قضاءً عادلاً في شأنه ويقضي بعدم سماع الدعوى، أنا أكر بعد أحداث 26 يناير 1978 وكنت قد أُصبت بهذه الرصاصة، فكنت عندما رجعت إلى المحكمة كل القضاة يتشوفون لملاقاتي والنظر لمكان الجرح وسؤالي فأنا كنت أمام مكتب من المكاتب أتكلم بصوتٍ عالٍ فتفطّن..

أحمد منصور: كنت محامياً في ذلك الوقت.

قضاة فاسدون في عهد بورقيبة

عبد الفتاح مورو: كنت محامياً، رئيس الدائرة المرحوم محمود باباي فتح باب مكتبه وأدخلني وتلطّف بي وأشربني قهوة، نحن جالسون هذه الأحداث بعد 26 يناير ويدق جرس الهاتف وهذه شهادة أسوقها لله، يدق جرس الهاتف قال لي هذا وزير العدل أُخاطبه، لا أسمع وزير العدل لكن أسمع الرد، يبدو حسب الرد أنّ وزير العدل أشعره بأنّ رئيس الجمهورية يسلم عليه وقد اختاره لئن يرأس محكمة أمن الدولة التي ستقضي في شأن الحبيب عاشور وكل القيادات التي تقود الاتحاد العام التونسي للشغل واختاره لصرامته، ماذا كان رد الرجل رحمه الله وهو الآن بين يدي ربه ويشهد له هذا الأمر، قال له: سلم على السيد رئيس الجمهورية وحيّه وأشكره على الثقة وقل له أنا مجرد قاضٍ لا أقضي إلا حسب ملف وإذا كان الملف ناطقاً بالإدانة فسأقضي بالإدانة بدون توصية، أما إذا كان الملف خالياً من أي ركن من أركان الإدانة فلن أقضي إلا بعدم سماع الدعوة مراعاةً لواجبي بين يدي الله تعالى ووضع السماعة، لم يختره بورقيبة لئن يرأس هذه المحكمة واختار غيره، كانت في نفوس زكية تتجاسر على أن تنطق بالحق أستاذ زين العابدين شمّام مثلاً وأمثاله عدد كثير من القضاة، أستاذ محسن برناز والذي هو ما زال حي إلى الآن وأُحييه، هؤلاء أُناس كانوا يخشون الله تعالى كان إذا أشار إليهم الوكيل العام للجمهورية في تلك الفترة وهو الشخصية التي تقوم بتمرير أوامر رئيس الدولة لسائر القضاة كانوا يمتنعون بأدب، يقول له سيدي أعطني الملف أطلع على الملف، بعد يوم أو يومين يرجع له الملف يقول له سيدي هذا الملف غير ناطق بالإدانة أنا لو عُرض عليّ في دائرتي سأقضي بعدم سماع الدعوة، فيُضطر الوكيل العام إلى سحب الملف من هذا القاضي وإحالته على أولئك الذين يتزلفون أو الذين ينتظرون أن يُكلّفوا بمقابلٍ أو بدون مقابل، وأذكر أنّ احدهم الذي حكم فعلياً ضد الحبيب عاشور هذا بعد أن قاضاه في القضية راح يتزلّف ليلتقي بورقيبة، فبورقيبة كان حضر في يوم 25/7 ذكرى إقامة الجمهورية في بلدنا كان ينعقد حفلٌ ليلتها في مبنى البرلمان باعتبار البرلمان هو الذي نطق بإعلان الجمهورية وهذا يتكرر كل سنة والاحتفال يشمل قيادات الدولة ورؤساء الإدارات الكبرى، فكان هذا القاضي المسكين رحمه الله وغفر له لا أذكر اسمه كان يتحيّن فرصةً ليقابل بورقيبة فطلب من مدير البروتوكول أن يجمعه بالرئيس، فقال له الرئيس والله هذا اليوم لقاء احتفالي وفي البروتوكول لا نفرض على رئيس الدولة أن يكلم زيداً أو يكلم عمرواً، رئيس الدولة يتنقل بين الناس ليحييهم فإن شئت أن تتصدى له فتصدى له، فراح يتصدى ويتزلّف كل ما أراد أن يخاطبه إلا ورئيس الدولة عفوياً يتنقل إلى أن وجد فرصةً معه فقدم نفسه قال سيدي أنا فلان الفلاني، قال ومن فلان الفلاني؟ قال أنا الذي حكمت على الحبيب عاشور، فلم يرد عليه بكلمة تركه وانتقل إلى مجموعة أخرى يحدثها..

أحمد منصور: احتقره!

عبد الفتاح مورو: بعد يومين أو 3 أيام عُقد المجلس الأعلى للقضاء، ولأول مرة يُنقل الخطاب داخل المجلس بالصوت والصورة كان يُنقل بالصورة فقط حمايةً لسرية هذا المجلس، فالرئيس أردا أن يُنقل كلامه فقال لوزير العدل: أين فلان؟..

أحمد منصور: على هذا القاضي.

عبد الفتاح مورو: هذا القاضي، قال سيدي الرئيس ليس عضواً معنا في المجلس، تكلم كلاماً آخر ثم قال: أين فلان؟ قال: والله سيدي الرئيس مش معنا، قال يا وزير هذا جانٍ ويدفع بالناس وقال لي أنا حكمت على الحبيب عاشور..

أحمد منصور: بورقيبة فضحه هكذا.

عبد الفتاح مورو: قال أنا قلت له يحكم على الحبيب عاشور؟ أنا قلت له؟ أنت تراه؟ قال له: إيه، قال له: قل له أنت حكمت على الحبيب عاشور والرئيس قرر العفو عليه، وعفا عنه في ذلك المجلس، هذا اسمه إهانة اعتداء على كرامة هذا الشخص ليش؟ لأنه سمح أن يعتدي عليه.

أحمد منصور: وأمثاله وهم كُثر في القضاء.

عبد الفتاح مورو: كثيرون، في واحد ثاني أقول لك أنا كنت عاصرته باعتباري قاضياً، كان من أكبر القضاة وهذا الرجل هو الذي أفضى إلي بعد أن مرض المسكين في سنة 1975 رحت أنا لزيارة المدرسة الصادقية عند الاحتفال بمرور مائةٍ على بعثها سنة 1975..

أحمد منصور: وكنت قاضياً فيها.

عبد الفتاح مورو: كنت قاضياً فوجدته يجر رجله ويده اليسرى..

أحمد منصور: وهو كان من كبار القضاة.

عبد الفتاح مورو: من كبار القضاة ومرض المسكين، فأخذت بيده وتوددت له ورأيت فيه تقدم السن وحالة المرض، فإذا به يستجلبني في ركنٍ من أركان المدرسة بعيداً عن الناس وتدمع عينه، قال لي: يا عبد الفتاح، نعم سيدي، قال لي: أنا كنت صديق للوكيل العام وكنت كلما حانت نهاية السنة أتودد إليه بحكم الصداقة حتى إذا بلغت سن الـ60 وهو سن التقاعد طلبت منه أن يستخدم حق الدولة في استخدامي مدة 5 سنوات أخرى وهذا حق ممنوح للدولة..

أحمد منصور: في مصر أوصلوها 70.

عبد الفتاح مورو: فاستعملني في السنة الأولى والثانية لما وصلت 64 ناداني قال لي: الصداقة بيني وبينك لن تسمح لي بتجاوز هذه المرحلة، أنا أنصحك بأن تتصل ببورقيبة ربما يأذن بإبقاء استخدامك، فقال بورقيبة كان في تلك الفترة في زيارة لمدينة في الجنوب تسمى قابس وهذا القاضي هو من قابس، فاستغل الفرصة وتنقل باعتباره إطاراً من إطارات المنطقة ليتقابل مع بورقيبة والذي أعانه أنّ الوالي في قابس كان قاضياً وأصبح والياً فعنده علاقة بهذا الوالي، فاتصل به وقال له يا فلان..

أحمد منصور: قدمني، {اذكرني عند ربك}.

عبد الفتاح مورو: فهيأ له الفرصة ودخل على الرئيس في مجلس في الولاية بعد أن استقبل كل إطارات المنطقة خلص إليه في هذه الجلسة، فحدثه عن ماضيه، وماضيه ما هو؟ النضالي قال له نحن من قابس وكنا مناضلين وفي عهد الاستعمار نحن سوّينا هجمات على المستعمرين وسوّينا كذا وسوّينا كذا ونحن شباب، قال له بارك الله فيك شكراً لك، قال له حتى بعد الاستقلال سيدي، قال شو بعد الاستقلال، قال له بعد الاستقلال سيدي، قاله: شو بعد الاستقلال؟، قاله: بعد الاستقلال أنا كقاضي حكمت في قضية المؤامرة وأنا أصدرت أحكام الإعدام وأنا في نتصف الليل كلمني السيد ما يُضاهي الوزير الأول يعني كاتب الدولة للرئاسة وقال لي الرئيس يسلم عليك وقال له بالليل خذ ورقة وقلم واكتب فلان إعدام، فلان إعدام، فلان إعدام..

أحمد منصور: هذه مؤامرة 1962.

عبد الفتاح مورو: مؤامرة 1962، وهو الذي كان يرأسها رحمه الله وغفر له، فقال: أنا كنت متردد فإذا بالسيد الوزير يقول لي طيب، طيب هو الرئيس يقول لك نحن بصدد بناء الدولة احكم بالإعدام للزجر وأنا سأستعمل حقي في العفو، قال أنا حكمت عليهم سيدي وتنفذ فيهم الإعدام إلا اثنين لم يُنفذ فيهم لأنّ السيدة وسيلة تدخلت لمنع إعدامهما، فهو يحكي لبورقيبة هذا الكلام قال له: نعم سيدي!! قال له اسمع يا سي فلان ذكره باسمه، قال له: إن كنت حكمت بالعدل فهذا واجبك أما إن كنت حكمت بالظلم فجهنم تنتظرك ستُشوى فيها ستُحرق فيها، هو نقل لي هذا الكلام، قال لي عندها أنا وقفت انتهت المقابلة لست أدري ما الذي فُعل بي، كان في لاوعي فخرج من هذه الغرفة وبادر الدرج لكنه في حالة اللاوعي وضع رجله خارج المكان المحدد فسقط 23 درجاً وهو يُضرب إلى أن وصل أرضاً، ولما لحقه الوالي ولحقه الناس وأخذوا بيده قال لهم لا، لا، هذا الذي أستحقه هذا بداية عقاب الله لي، وأنا هذا الكلام سمعته عنه وسمعته منه مباشرةً.

أحمد منصور: شيخ هذا نموذج الآن، نحن الآن نشوف أمامنا قضاة يحكمون عياناً بياناً بمظالم فاحشة في الظلم وما ذكرته هو نماذج أنّ هذا ممتد على مدار التاريخ وأنّكم في عهد بورقيبة عايشتم هذا وأنت كقاضٍ عايشت هذا بنفسك، وفي النهاية يقول الحاكم للقاضي كما يقول الشيطان إنّ الله وعدكم وعد الحق وعدتكم فأخلفتكم يعني دبروا حالكم كما قال له بورقيبة يعني، ما أطرف قضية عُرضت أمامك؟

عبد الفتاح مورو: والله أنا الآن مهنتي في القضاء أُضيف إليها مهنتي في المحاماة بعد ذلك وأصبح ورائي 40 سنة من التجربة وتراكمت فيها أنواع القضايا المتعددة وخاصةً في تخصصي الذي هو المادة الجزائية..

أحمد منصور: الجنايات يعني.

عبد الفتاح مورو: الجنايات، واذكر قضية مرت قبل 6 أعوام أو 7 أعوام، قضيتان طريفتان: قضية مدنية وقضية جنائية، القضية الجنائية خبازٌ وُجد مقتولاً في مدينة فوشانة قريب من العاصمة فعلقت التهمة بشخصٍ وحُكم عليه بالإعدام، أهله طلبوا مني أن أقوم بالاستئناف أنا لم أكن أنوبه في الطور الأول فاستأنفت القضية وكان يدور بخلدي أن التهمة غير ثابتةٍ على الرجل لا لكونه صرّح وإنما لكون الملف فيه ثغرات ليس من شأنها أن تجعل القاضي مطمئناً لئن يقضي بثبوت الإدانة والفعل، وفعلاً حرصت مدة سنة ونصف كاملة والقضية تُطرح أمام محكمة الاستئناف حرصت على أن يُعاد التحقيق فيها، وفعلاً وهذا أمرٌ نادر أُعيد التحقيق فيها والقاضي كان متفهماً شاعراً بمسؤوليته وانتهى في الأخير إلى حكمٍ هذا الحكم صدر منتصف الليل بعد مرافعةٍ مطولةٍ مني واختلت المحكمة للقضاء فحرصت على أن أبقى في المحكمة إلى منتصف الليل لأستمع للحكم، قال الحاكم بعد المداولة: قضت المحكمة نهائياً حضورياً بقبول مطلب الاستئناف شكلاً وفي الأصل بنقد الحكم الابتدائي والقضائي مجدداً بعدم سماع الدعوى، هو قال بعدم سماع الدعوى وأنا كنت قريباً من قفص الاتهام حيث يقف المتهم وإذا بالرجل يسقط أرضاً ويُغمى عليه، يُحمل بعد 3 أيام أسلم الروح توفي..

أحمد منصور: رغم تبرئته.

عبد الفتاح مورو: لأنه بُرّئ لم يكن يتوقع أن يخرج من الحكم الأول إلى الحكم الذي كان يتمناه ولكن حيل بينه وبين هذا الحكم، قضية ثانية كانت نهايتها كذلك قضية مدنية، أحد أصدقائي له نزاعٍ يتعلق بأصلٍ تجاري ذي قيمةٍ في مكانٍ هامٍ وسط العاصمة بملايين الدنانير، هذا قضيته استمرت ابتدائياً واستئنافياً ونقضاً لدى محكمة التعقيب، راح لمحكمة التعقيب 3، 4 مرات وحُكم ضده فاستأنفنا الحكم وآخر مرحلة من مرحلة التقاضي يُقضى لصالحنا، بعد انتظار لـ7 أعوام - 8 أعوام، فرفعت السماعة وأنا مسرور وفرح أهلاً سيد عبد العزيز كيف حالك طيب، قلت سيد عبد العزيز ربحنا القضية، قال لي: نعم؟! قلت له ربحنا القضية، كيف ربحنا قال لي، قلت له ربحنا القضية لصالحنا، وإذا بالسماعة تسقط من يده وانقطع الخط بعد ذلك توفي، هذه لُمت نفسي فيها وتعلمت أنه بالنسبة للمحامي يجب أن يكون صادقاً مع حليفه وزبونه لكن في أحكام يجب أن يُهيئ لإيصالها لذلك الحليف لأنها ربما تقضي عليه، الفرح يقتل ورأيت في هاتين القضيتين كيف أنّ الفرح قتل صاحبه.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: رغم صغر سنك إلا أنك أصبحت أميناً عاماً ثم رئيساً لجمعية القضاة، كيف أنّ جموع القضاة وثقت بك وأنت كنت صغير السن؟

عبد الفتاح مورو: هو رئيسي السيد الوكيل العام رحمه الله محمد فرحات هو الذي كان يسأل ما الذي جعلكم تختارون هذا الرجل من طرف البلد إلى طرف البلد بإجماع جميع القضاة يُختار نائباً عنهم ويُختار أميناً عاماً لجمعيتهم وهو لم يقضِ في العمل القضائي إلا سنةً واحدة؟ وهذا حصل فعلاً وأنا تقمّصت هذه المهمة بكل جدية لأنه في تلك الفترة لم يكن لي من مطمعٍ أبداً لم أكن أحسب، غيري من الذين يعملون في داخل هذه الجمعية ربما بعضهم حسب فكان لا يتقدم إلا بمقدار ولا يتأخر إلا بمقدار عسى، أنا لم يكن بحسابي لا عسى ولا حتى ولذلك هذا ساعدني على أن أمضي قدماً، وفعلاً أنا وقفت أمام الرئيس الحبيب بورقيبة عندما جاءنا إلى المحكمة في أكتوبر 1975 افتتاح السنة القضائية طلبت من القضاة أن يقفوا ورائي ولبست لباسي الرسمي لأخاطبه ولأُشعر بأني أُمثّل هؤلاء الذين هم ورائي، وكان المطلب هو الجانب المادي الذي كان متدهوراً، لأنه نحن كقضاة في تلك الفترة في عام 1975 كان دخلي 80 دينار أقل من 70 دولار وأقل، ودخل القضاة مثلي هكذا، ثم لرفع المستوى الأدبي للقضاة بتوفير كل الضمانات حتى يكون قضائهم عدلاً وغير ذلك، في تلك الفترة وقفت أمام بورقيبة في مدخل المحكمة وهو متوجه إلى المحكمة وكان هذا حفل سنوي يُشرف عليه الرئيس بورقيبة ويعتز بذلك لأنه محامٍ قديم، فكانت عندما يأتي المحكمة يتذكر مرافعاته ويتذكر ما فعله لفائت القضاة، فأنا أعددت له هديةً فيها رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: أما بعد فإنّ القضاء فريضةٌ متبعة وسنةٌ فافهم إذا أُدلي إليك فإنه لا ينفع نفاذٌ بحقٍ لا نفاذ.. ما إلى ذلك من نص، فأعددتها وقدمتها للسيد رئيس الجمهورية لتكون فاتحةً للحديث ثم خشيت أنّ رئيس الجمهورية عندما يشهد اسم عمر بن الخطاب، هو كان يغار من عمر بن الخطاب لأنه يعتبره رجل دولةٍ ناجح، بورقيبة لا يريد أن يُذكر أي ناجح يقول أنا الناجح الوحيد، بعد أن قدمتها خشيت أن يقع نظره على اسم عمر بن الخطاب فشغلته بالحديث، قُلت لهُ سيدي الرئيس وأنا شاب صغير يا أستاذ وهذه أول مرة أُقابل رئيس دولة لا أعرف شو رئيس دولة، قُلت لهُ سيدي الرئيس هذهِ ليسَت هدية، قال كيفَ؟ ما إيش هي؟ قُلتُ هذا اعتراف بالجميل من أبناءِ العدلية لأبِ العدلية الذي وضع غرسهُ وأصبحَ يزورهُ كُلَّ سنةٍ لينظرَ ما الذي أنتجَ هذا الزرع، فاسترسلَ في دقائقَ معدودة يُذكّرُني بماضيهِ كيفَ وحّدَ القضاء وكيفَ رفعَ شأنَ القُضاة وأنا كُنتُ لا أستمعُ إليهِ كُنتُ أعِدُّ الجُملةَ بعدها، فقُلتُ لهُ بكُلِّ حال سيدي الرئيس أبنائك وأشرتُ إلى مَن ورائي، قُلتُ لهُ أبنائكَ القُضاة الشُبان يعتزونَ بهذهِ الثقة وهذا الإنجاز فتبيَّنَ أنَّ اللي ورائي هو سفير إسباني وسفير فرنسا، القُضاة فروا وبقيت وحدي، وقُلتُ لهُ هُم يعتزون ويُسلِّمونَ عليكَ ويقولوا إيش سويت لنا في مطلبنا؟ قال إيش مطلبكُم؟ فاقتربت منهُ وقُلت بصوت شِبه خافت لكنهُ علني قُلتُ لهُ: قضية الأُجور سيدي الرئيس، فازورَّ عني، أُجور!! على اعتبار شيء مهين أن يُقالَ ذلكَ في هذا الاحتفال، فامتدت يدي إلى زندهِ، مسكتهُ مِن يديهِ خلافاً لما يقتضيهِ البروتوكول والآداب مع رئيس الدولة، قُلتُ لهُ سيدي الرئيس اليوم عيد العدلية وقُدومك إلى هذا المَجمع عيدٌ على عيد، سُفراء ووزراء وجيش يضربُ الموسيقى وأنا أقفُ أمامَ رئيس الدولة أُحدِّثهُ عن زيادة الأُجور أليسَ ذلكَ عاراً؟ أُنظُر سيدي الرئيس والعرقُ يتصببُ من جبيني حشمةً وحياءً لكن إحنا اخترنا نجوع أو نستحي مِن أبينا، قررنا أن نستحي من أبينا أفضل من أن نجوع، رجع قال هي وصلت لهذا الحد!! أنا على كٌلِّ حال أوصلتُ القضيةَ لهُ واعتبر أنَّ ما حصلَ عليهِ القُضاة من زياداتٍ عظيمةٍ ومن ضماناتٍ ماديةٍ يتمتعونَ بها إلى الآن كانَ نتيجة ذلكَ السعي وكِبارُ القُضاة الآن لا ينسونَ أنَّ أمينهُم العام قد فعلَ ذلكَ لصالحهِم وحقق لهُم ما كانوا يصبونَ إليهِ وقد تمَّ ذلكَ بشكل فعلي.

أول إضراب لقضاة تونس عام 1976

أحمد منصور: لكن في العام 1976 أنتَ قُدت أول إضراب في تاريخ القضاء في تونس.

عبد الفتاح مورو: قَدتهُ بشكلٍ مُلتوٍ.

أحمد منصور: كيفَ؟

عبد الفتاح مورو: لأني أنا قررتُ الإضراب ولكن تمَّ يوم 26 مايو، يوم 26 مايو هو يومُ دُخلتي على زوجتي فكانَ يومَ عُطلة بالنسبةِ إليّ وأنا فكرتُ في الأمرِ قبلَ ترتيبِه، وكُنتُ أعلم أنَّ القضية ستلصقُ برأسي فلمّا فرغوا من الإضراب وهذا الإضراب كانَ أول إضراب..

أحمد منصور: إيه سبب الإضراب؟ إيه سبب...

عبد الفتاح مورو: سببُ الإضراب هو عدمُ استماعِ الحكومة وخاصةً رئيسها المرحوم الهادي نويرة الذي كانَ يبغضُ القُضاة في تلكَ الفترة، عدم استماعهِ إلى مطالبنا واستهانتهُ بنا وكُنا كُل ما طلبنا..

أحمد منصور: يعني بورقيبة رغمَ مرور سنة تقريباً على لقائك بهِ في 1975 لم يُلبِ الطلبات!!

عبد الفتاح مورو: لم يُلبِ الطلبات، ليش؟ لأنهُ كانَ يستشيرُ وزيرهُ الأكبر ووزيرهُ الأكبر كانَ لا يرى مُوجباً لذلكَ، فاضُطررنا لئن نقوم بهذا الإضراب، طيب رتّبنا أن يكونَ في يومٍ موعود وهو 26 مايو يومَ زواجي وأنا أخذت ترخيصاً في أن أتغيَّبَ عن.

أحمد منصور: عن المحكمة.

عبد الفتاح مورو: المحكمة لمُدةِ أُسبوعين بدايةً من نصف مايو، فهي بـ 26 مايو كُنتُ مُتغيِّباً وكانَ رئيسُ محكمةُ النقض هو الذي أخذني بسيارتهِ لأرفعَ زوجتي من بيتها إلى بيتي.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: هو أخذني بسيارتهِ، هذا الرجُل كانَ هو رئيس مجلس التأديب.

أحمد منصور: ضِدك.

عبد الفتاح مورو: يعني هو دعاني بعدَ شهرين تقريباً عندما أُحِلتُ على مجلس التأديب وقفتُ أمامهُ وكانَت التُهمة..

أحمد منصور: القُضاة تجاوبوا وأضربوا يوم 26 مايو؟

عبد الفتاح مورو: أضرب 78 قاضياً.

أحمد منصور: عدد كبير!!

عبد الفتاح مورو: عدد كبير جداً.

أحمد منصور: حُوِّلتَ أنتَ للتحقيق بعدها؟

عبد الفتاح مورو: أنا حُوَّلت للتحقيق ومثلت أمام رئيس محكمة التعقيب الذي في الآن نفسهُ رئيس مجلس التأديب، مجلس التربية نقولُ لهُ.

أحمد منصور: اللي هو شالك يوم الفرح من..

عبد الفتاح مورو: هو شالني يوم الفرح ونسيَ، فلمّا وقفتُ أمامهُ قال لي أنتَ مُتهَّم بالإضراب والتحريض عليهِ، قُلتُ لهُ أولاً بالنسبة للقُضاة الذينَ أضربوا هل في واحد منهُم ذكرني باعتباري مُحرِّضاً؟ فنظروا في الدفاتر لم يجدوا تحريضاً، طيب أنتَ أضربت، قلتُ لهُ لا سيدي ما أضربت، قالَ لي عملت، قُلتُ لهُ لا ما عملت، قُلتُ لهُ لم أكُن في العمل، قال إذن أضربت، قُلتُ لا سيدي أنا كُنتُ مُسترخصاً للزواج ويومها أنتَ أخذتني بسيارتكَ من بيتي إلى بيتِ زوجتي لأحملها إلى عُش الزوجية، قال هي أنا أخذتك لكن هذا متى كان؟ قُلت يوم 26 مايو، فاضطُر أن يقضيَ في شأني بعدَم سماعَ الدعوى وأُسقطَ في يد مُدير الحزب الحاكم لأنهُ الذي كانَ وراءَ الرغبةِ  في إدانتي، ليش؟ لنشاطي الإسلامي مُش لموضوع القضاء فوجدوا فُرصةً، فأحالوني بعدَ أُسبوعين مرةً ثانيةً على نفس المحكمة لمؤاخذتي بتُهمةٍ جديدة، ايش هي؟ سلوكٌ يتنافي وسلوك القاضي المثالي هذا الاستدعاء، إيش هو السلوك الذي يتنافي وسلوك القاضي المثالي؟ فأنا رحت إلى مُقرر اللجنة الذي يُمثّل وكيل الدولة فيها الذي يُتابعني، قُلتُ لهُ سيدي باللهِ هذه التُهمة يعني غير مُفسَّرة أرجو زيادةَ بيان، فكتبَ لي بيدهِ الكريمةِ فوقَ الاستدعاء سلوك يتنافي وسلوك القاضي المثالي، قُلتُ لهُ أكتُب لي يتمثلُ في إيش، فرجعَ وقالَ لي يتمثلُ في كثرةِ الترُددِ على المساجد.

أحمد منصور: فُصلتَ من القضاء..

عبد الفتاح مورو: لم أُفصَل، لم أًفصَل، لم أُفصَل...

أحمد منصور: لكن كانت التُهمة..

عبد الفتاح مورو: هذهِ التُهمة، فأنا رُحت إلى المجلس أمام يوم المُحاكمة وكانت المُحاكمة في محكمة التعقيب في محكمة النقض برئاسة المرحوم حمّادي بن سلامة رحمهُ الله، هذا الرجُل عادل فاضل، هذا اللي أخذني ليلةَ الزواج وهذا الذي برَّأني في الأُولى، فقالَ لي يا سيد الشباب أنتَ دائماً جاي علينا ماشي، قُلتُ لهُ سيدي أنا جئت من تلقاء نفسي!! انتم ناديتموني، قال يا ترى عندك تُهمة سلوك يتنافي وسلوك القاضي المثالي، قُلت لهُ رجاءً سيدي أن تُدِّقق ما هو هذا السلوك حتى أستطيع الرد عليه، قالَ لي أنتَ مش جايب مُحامي يُدافع عنك؟ قُلتُ لهُ لا أنا ما عندي مال عشان أُكلِّف مُحامي ولذلك أنا أُدافع عن نفسي، قال آه، فتحَ الملف فوجدَ سلوك يتنافي وسلوك القاضي المثالي يتمثلُ في كثرة الترُدد على المساجد، نعم قالَ لي!! أنتَ تحبني ندخُل جهنم!! قُلتُ لا سيدي ما قُلت لك أدخُل لجهنم، معناها قال لي شو تحب؟ قُلتُ لهُ نحبك تحكُم عليّ، أُخرج عليّ قالَ لي بعدم سماع الدعوى أنا ما نيش ولد حرام نحكُم عليك لأجل التردُد على المساجد، أنا نفسي أجيء للخُطب بتاعك والدروس لأستمع إليها، برا يا ولدي يرحم والديك، برا يا ولدي يرحم والديك، خرجت من القضاء بعدَ ذلكَ بأشهُرٍ قليلة لأني شعُرت بأنَّ الوضعَ توتر.

أحمد منصور: أنتَ الذي استقلتَ من القضاء.

عبد الفتاح مورو: أنا.

أحمد منصور: وانتقلت إلى المُحاماة.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أنا هُنا أرجع لـ كان شكل التنظيم بعد ما انكشفَ تنظيمُكُم في 5 ديسمبر ماذا قررتُم بعدَ انكشاف التنظيم؟

عبد الفتاح مورو: هي كانت بالنسبةِ إلينا مُصيبة قاضية لأنهُ وجدنا أنفسنا أمامَ انكشافٍ في وضعٍ لا نستطيعُ أن نُبررهُ وكُل عمل للأعوام السابقة ضاعَ في فترةِ غفلة، فاجتمعنا أنا اقترحت على الأستاذ راشد المكتب التنفيذي قُلت إحنا سنُحاكَم؛ سنُحاكَم ليش لا نتقدَّم بطلب تأشيرة، نطلب ترخيصها، يعني إحنا هذا الانكشاف يدُل على أننا تنظيم، نحنُ اليوم أمامَ واقعٍ ثابتٍ، هذا التنظيم نحنُ نُريدُ أن نكسوهُ بالصِبغةِ القانونية فلنتقدَّم إلى وزارة الداخلية بطلبِ تمكيننا من ترخيصٍ، وفعلاً عقدنا ندوة صحفية.

أحمد منصور: لكن قبلَ الندوة الصحفية.

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي.

أحمد منصور: أنتم انكشفتم في 5 ديسمبر 1980، بورقيبة في إبريل 1981 تحدَّث عن النظام التعُددي في مؤتمر الحزب في 10 إبريل تحديداً وكأنَّ هذا كانَ مخرجاً منهُ من الضغوط الاقتصادية الموجودة، هل تقدَّمتُم بطلب الترخيص رسمياً للحزب قبلَ أن يُعلِن بورقيبة عن التعددية الحزبية؟

عبد الفتاح مورو: لا بعدَ إعلانهِ لكن...

أحمد منصور: في الفترة من انكشافكُم في 5 ديسمبر 1980 إلى إعلان بورقيبة في إبريل الفترة دي كُنتم تعملوا فيها إيه؟

عبد الفتاح مورو: إيش كُنا نعمل، كُنا نهيئ قواعدنا في الداخل إلى القبولِ بهذهِ المرحلة الجديدة، هي مرحلةُ طلبِ التأشيرة.

الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية

أحمد منصور: العلنية اﻵن، مرحلة الانتقال من السرية إلى العلنية.

عبد الفتاح مورو: نعم وهذهِ قضية صعبة يا أستاذ.

أحمد منصور: كيف؟

عبد الفتاح مورو: ﻷنني أنا...

أحمد منصور: إيه الصعوبات اللي واجهتموها؟

عبد الفتاح مورو: أنَّ أبنائنا في الجامعة كانوا ضِدَّ هذا الطلب...

أحمد منصور: يُريدون أن يبقوا في العمل السري!!

عبد الفتاح مورو: ﻻ يقولون أنتَ تطلُب تأشيرة وتطلب تأشيرة قانونية من مَن؟ من حاكمٍ ليست لهُ شرعية ونحنُ ﻻ نستمدُ شرعيتنا منهُ، نحنُ نستمدُ شرعيتنا من الله، ما نقومُ بهِ هو أمرٌ دينيّ شرعيتهُ مُستمَّدة من كتابِ الله وسُنةِ رسولهِ، فاضُطررتُ وأنا الباعث على هذهِ الفِكرة بعلمِ الجماعة والتنظيم اضُطررتُ لأن أعقِدَ 50 لقاءً في طوال هذهِ المُدة، كُل لقاء فيه 40 طالباً.

أحمد منصور: آه يعني مُحاولة ﻹقناع الطلبة تحديداً..

عبد الفتاح مورو: وكُنتُ أجلسُ معَ كُلِّ 40 ﻷتناولَ معهُم القضية وأخذاً ورداً، قبوﻻً.

أحمد منصور: هذا نِتاج للفِكر الذي علمتموهُ لهؤلاء الطلبة طوال تلكَ المُدة.

عبد الفتاح مورو: هو هذا نِتاج ما ترسَّبَ في أذهانِ الجميع لكن القيادة كانت أكثرَ وعياً بالمرحلة وكانت تُدرِكُ بأنَّ المرحلة تقتضي منا أن ننتقلَ للعلنية والعلنية تقتضي أن نستجيبَ لدواعي القانون، ولذلكَ إيش حُجتي كانت عندما أجلس معهُم؟ أقولُ يا أبنائي أنتَ شرعيتكَ كيان ككيان كإنسان مُستمدة مِنَ اللهِ تعالى، إذن ليش تحتاج إلى بطاقة هوية؟ ليش تحتاج إلى رسم صداق؟ ليش تحتاج إلى رُخصة سياقة؟ هذهِ قضية تنظيمية، نُنظِّم حياتنا بهذا الشكل والشرعُ علَمنا أن نُنظِّمَ حياتنا، فمِن تنظيمِ حياتنا أن نحرِصَ على أن يكونَ لنا موقعٌ قانونيٌّ يتحدد فيهِ حقوقنا وتتحدد فيهِ واجباتنا ويُعلَم مَن ينتمي إلينا ومَن ﻻ ينتمي، إذا بقينا في السرية يأتي هيان ابنُ بيان ينسِبُ نفسهُ إلينا، يُطيلُ لحيتهُ ويلبسُ قميصاً يقومُ بعملية إرهابية ويكتبهُ علينا، ﻻ يحقُ لنا أن نسكُت على هذا الوضع، وتهيئَ لدى الشباب بفضلِ الله تعالى.

أحمد منصور: نسبة القَبول كانت كم لهذا الطَرح؟

عبد الفتاح مورو: هي زادت عن 50% يقيناً وهو ما جعلنا نطمئِن إلى المرحلة ونتقدَّم.

أحمد منصور: وماذا عن غيرِ الطلبة والجماعة كانت آنذاك مُتغلغلة في كُلِّ أركانِ المُجتمع؟

عبد الفتاح مورو: بقيَّة قواعِد الحركة لم يكُن لديهم إصرارٌ كإصرارِ الطلبة.

أحمد منصور: لكن الطلبة باعتبارهم الشباب و...

عبد الفتاح مورو: باعتبارهم ثوريين وباعتبارها قوة.

أحمد منصور: كانت المُعاناة معهُم.

عبد الفتاح مورو: آه، هؤلاء صَعُبَ اﻷمرُ علينا معهُم ليش؟ ﻷنهُم يُنظِّرونَ لقضيتهم أمّا الباقونَ لم يكونوا يُنظِّرون.

أحمد منصور: مرحلة الجماعة اﻹسلامية كِده استمرت 10 سنوات تقريباً مِن 1969 إلى أكثر مِن 10 سنوات، إحنا اﻵن في 1981.

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي.

أحمد منصور: تقييمَك إيه للتجرُبة دي؟ اﻵن أنتم اﻵن نقلتم في 1979 قررتُم أن يكون اسم الحركة الجماعة اﻹسلامية كان 1979، لسه لحد ده الوقتِ الجماعة اﻹسلامية.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: لكن لمّا قررتُ أن تُصبِحوا علنية وتدخلوا في إطار الحزب السياسي قررتُم أيضاً أن تَغيِّروا اﻹسم إلى اﻻتجاه اﻹسلامي.

عبد الفتاح مورو: هو هذا اﻹسم ليسَ نٍتاج اختيارٍ مِنّا وإنما عندما حصلت أحداث 1980 وبدأت الصحافة المُستقلِّة والتي من بينها الصحافة التي يُشرف عليها الأستاذ حسيب بن عمّار بدأت تُناقشُ هذا الوضع الجديد الذي انتهى إلى قضية قفصة.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: والخلل الكبير اللي حصل في البلاد وفُتِحَ حوار شاركت فيِهِ المُعارضة الرسمية وخاصةً حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحركة الوحدة الشعبية وبدأَ يتداول، كانَ الأستاذ حسيب بن عمّار في جريدتهِ يُعلِن على المواقف المُختلفة فيكتُب موقف الحزب الشيوعي مثلاً، موقف الديمقراطيين الاشتراكيين، الحزب الشيوعي لم يكُن مُعترفاً بهِ في تلكَ الفترة مش صحيح، قبلَ الحزب الشيوعي كانَ الديمقراطيين الاشتراكيين...

أحمد منصور: اعتُرِفَ بهِ يومَ القبض عليكُم ومُحاكمتكم.

عبد الفتاح مورو: هذا سنأتيه.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: عندما يأتي إلى تيّارنا يقول بـ إيش يُسمينا؟ يقول جماعة اﻹتجاه اﻹسلامي.

أحمد منصور: آه.

عبد الفتاح مورو: جماعة اﻹتجاه اﻹسلامي.

أحمد منصور: يعني جاءت من حسيب بن عمّار.

عبد الفتاح مورو: جاءت من الأستاذ حسيب بن عمّار رحمهُ الله، كان يكتب يقول جماعة الاتجاه الإسلامي فأصبحا نُدعى في الأطراف السياسية بالاتجاه الإسلامي، روح للاتجاه الإسلامي، كلَّم الاتجاه الإسلامي، جاءَ الاتجاه الإسلامي، عندما تقدمنا بالمطلب إحنا اشتهرنا بهذا الاسم لأنهُ إيش معنى الاتجاه الإسلامي، فاخترنا هذا الاسم لم يكُن صعباً علينا أن نختارَ هدا الاسم.

أحمد منصور: كانَت القوانين وقتها هو بورقيبة طلع كانَ بورقيبة يقول الحاجة الصُبح وينساها بالليل أو يغيِّرها بالليل، لمّا طلع في 10 إبريل 1981 وأعلنَ عن التعُددية السياسية هل كانَ يعني ما قالهُ وأصبحَ هُناكَ القوانين التي تُهيئ لذلك ولا كلمة قالها كده للترضية وامتصاص غضب الناس؟

عبد الفتاح مورو: هو كانَ للأستاذ محمد المزالي دور في إقناع بورقيبة بالتقدم خطوةً نحوَ التعُددية لأنهُ أشعرهُ في كُل جلساتهِ أشعرهُ بأنَّ وضعَ الانسداد الذي حصلَ في البلد لا يُمكِنُ أن يُنفسهُ إلا انفتاحٌ على المُعارضة لكن بورقيبة كانَ مُتوقفاً في شأنِ المُعارضة الإسلامية لأنَهُ هذهِ المُعارضة الإسلامية لا يعرفُ ماهيتها يعرفُ أنها مُنتسبة للإسلام، هذهِ في الحقيقة نحنُ لم نُقدِّم برنامجاً سياسياً بعد ولذلكَ ما أمكن التعرُّف علينا، وبورقيبة كانَ مُتخوِّف من المُسمّى الإسلامي ﻷنَّ المُسمّى اﻹسلامي يردُهُ إلى جامع الزيتونة ولصالح بن يوسف وهو يخشى الارتداد إلى هذا الواقع، فلم يكُن في تصوُّرهِ حسبَ ما نقل الأستاذ محمد المزالي أن نكونَ نحنُ معنيينَ بهذا الانفتاح بل كانَ يُعِد لخِلاف ذلِك، لأنهُ بعدَ الانكشاف كان...

أحمد منصور: بس أنا لاحظت حاجة أنتم من أول ما اكتُشفتُم في 5 ديسمبر والتنظيم بقيَ بالكامل تحتَ يد السُلطة وفي 2-3 معتقلين من الاتجاه اﻹسلامي لم يُعتقَل أحد.

عبد الفتاح مورو: ليش؟ ﻷنَّ دوائر اﻷمن تترصد للوقت المُناسِب، إيش هو الوقت المُناسب؟ هو الصائفة.

أحمد منصور: إيش معنى الصيف؟

عبد الفتاح مورو: الصيف يعني تتعطل الجامعة.

أحمد منصور: آه هُم خافوا من مُظاهرات وانعكاس ذلكَ على الطلبة.

عبد الفتاح مورو: خافوا من مُظاهرات الجامعة، الناس ينشغلون، الموظفون والعُمال يخرجونَ في إجازات يعني ﻻ نستطيعُ أن نُحرِّكَ الشارع.

أحمد منصور: لكن أنتم أدركتُم إن خلاص كَل أسمائكُم، كُل تنظيمكُم تحت يدين...

عبد الفتاح مورو: ﻻ هذا ثابت لدينا إحنا بقينا...

أحمد منصور: وأنتم تترقبوا متى يقبضوا عليكُم.

عبد الفتاح مورو: ننتظر متى تتحرك الآلة.

أحمد منصور: فلمّا بورقيبة رمى هذا في 10 إبريل وتحدَّثَ عن التعدُدية التقطتموها مُباشرةً.

عبد الفتاح مورو: وبادرنا.

أحمد منصور: وقد تقدَّمتُم بالطلب.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أنا هُنا برضهُ عايز ده مِفصَل تاريخي في تاريخ الحركة اﻹسلامية في تونس، وأنا عايز أقول من 1969 إلى 1981 كانت مرحلة أو إلى 1979 كانت مرحلة ثُمَّ بدأت مرحلة تتبلور من 1979-1981 حينما تقدَّمتُم بالطلب الرسمي لـ، وهُنا عملية تقييم عن التطور الفِكري والتنظيمي الذي طرأ على الحركة اﻹسلامية في تونس في خلال هذهِ الفترة، الشيخ راشد يقول: "في بدايةِ القرن الـ 15 للهجري ماذا بقيَ في تركيب اﻹتجاه اﻹسلامي من عناصر يُمكِن نسبتها إلى التديُّن التقليدي أو السلفي وذلكَ بعد مواقف اﻹتجاه خِلال مؤتمرهِ الاستثنائي في نيسان/ إبريل عامَ 81، أنتم عقدتُم مؤتمر؟

عبد الفتاح: نعم.

أحمد منصور: بعدَ خِطاب بورقيبة.

عبد الفتاح مورو: في نفس اليوم.

أحمد منصور: في نفس اليوم.

عبد الفتاح مورو: أنا كُنتُ أرأسُ هذا المؤتمر وكُنا معنا مذياع ننقُلُ فيهِ أخبار مؤتمر الحزب الحاكم في نفس اليوم، في نفس..

أحمد منصور: أنتم اخترتم عشان اﻷمن سيبقى مشغول هُناك؟

عبد الفتاح مورو: اخترنا يعني تزامنَ مع ذلك، ربما من الناحية اﻷمنية وإحنا عقدناه في مدجنة، فرَّغناها من الدجاج ودخلنا مكانَ الدجاج وكانت في سوسة، في سوسة يعني مَعقل الحزب.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: ورُحنا إلى هُناك واخترنا أن يكون في تلكَ الفترة بالذات لانشغالهم هُم في مؤتمرهم وكُنا إحنا نُتابع مؤتمرهُم ونُقررُ على ضَوءِ ما يُعلَنُ في مؤتمرهم.

أحمد منصور: كم عدد الحضور تقريباً؟

عبد الفتاح مورو: أنا لا أذكُر لكن المئات كانت موجودة.

أحمد منصور: آه عُقِد في سوسة، إيه القرارات الأساسية التي اتُخذت في هذا المؤتمر الثاني للحركة في 10 إبريل نفس اليوم اللي أعلن فيهِ بورقيبة التعُددية في 1981؟

عبد الفتاح مورو: هو في الحقيقة إحنا أعلنا عن مشروع أو بداية مشروع هو مشروع الانتشار، هذا المشروع الذي سُميَ في سنة 1982 مشروع الأولويات الذي هو تحديد المنهج الفكري للحركة  ثُم تثبيت مؤسسات الحركة من الناحية الإدارية يعني تنظيمها والانفتاح على المُعارضة وأن نكونَ طرفاً فاعلاً في المُعارضة، ومن بينِ المُقررات وهو ما يهمُنا هو التقدمُ بطلبِ تأشيرةٍ للدخول إلى الحياة السياسية بشكلٍ قانوني.

أحمد منصور: أنا لاحظت حاولت أرجع للمؤتمر والأوراق بتاعتكُم والأشياء من المصادر اللي توَّفرت تحتَ يدي وهُنا عايز أقول إن حركة النهضة أهملت إلى اليوم في تدوين تاريخها وأنا عانيت مُعاناة شديدة وأنا أحضر حلقاتك طول الشهور اللي فاتت، حتى الرسالة تصل ويعني أفضل مَن كتب كان أُطروحة الدكتوراه تقريباً لعلي علاني يعني إلى حدٍ ما تعب عليها شوية لكن المصادر الأُخرى كُنت أجيب كلمة من هُنا وجُملة من هُنا فأُرهقت لكن إلى حدٍ ما ركبت مُربعات الصورة.

عبد الفتاح مورو: كُن مُطمئناً سأُبلغهُم قلقكَ، لا أبلغهُم أنتَ مُباشرةً...

أحمد منصور: طيب وأنا بلَّغت الشيخ راشد حتى وأنا أبحث في الموضوع واضطررت أني كُنت أقابل الناس وأسمع منهُم، أنا لقيت 3 حاجات: أول حاجة أن نظام بورقيبة هو العدو الرئيسي المُهدد للجماعة، اتفقتُم على هذا؟

عبد الفتاح مورو: نعم، هذا ضمني.

أحمد منصور: إقرار مبدأ تجنُب العُنف في عملنا السياسي.

عبد الفتاح مورو: هذا مُعلَن وبشكلٍ منتظمٍ.

أحمد منصور: تطوير علاقات الجماعة مع مُختلَف شرائح المُجتمع ودي نُقطة مُهمة جداً عندي الآن أنكم كُنتم جماعة معزولة جوا المُجتمع ولكن لم يكُن لكُم أنتَ كُنتَ الواجهة المُنتشرة لكن بقية الناس ما كنش لهُم الانتشار والتعامُل مع الـ ، كُنتم تعتبروا الشيوعيين والاشتراكيين والناس دول يعني وباءً لا ينبغي...

عبد الفتاح مورو: أعداء، أعداء.

أحمد منصور: بالضبط، فالآن في تغير جوهري فِكري في فِكر الجماعة والتنظيم.

عبد الفتاح مورو: شوف الذي حصلَ في الـ 13 سنة هذهِ أو الـ 11 سنة أو 10 سنوات أولاً ما فوجئنا بهِ من انتشار وقَبول، الأمر الثاني شعورنا بأن هذا القَبول نحنُ نُعطلهُ بسببِ أفكارِ مُسبقةٍ تحولُ بيننا وبينَ الكثيرينَ من خصومنا أو منَ المُتفرجينَ علينا اللي كانَ مفروض أن نُجيرهُم لقضيتنا أو نفتحَ معهم حواراً، ففي 1981 ما حصلَ مِن إنجازٍ فاقَ ما نتوقعهُ بل لم يكُن بأيدينا في الحقيقة هو بيدِ اللهِ تعالى يقيناً، وهذا ينبغي أن نبرأَ إلى اللهِ تعالى من أن ننسُبَ إلى أنفسنا أنا أنجزنا شيئاً لأن الإنجاز كانَ فوقَ المُتوقع.

أحمد منصور: كان في وجود قوي للطلبة لاحظتهُ في المؤتمر بشكل أساسي؟

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي.

أحمد منصور: التمثيل تغير من الشيوخ التقليديين إلى وجوه جديدة أيضاً بدأت تظهر، مجلس الشورى أصبح لهُ تشكيل يعني أخذ شكل جديد بالنسبة للحركة وأخذتُم القرار بالتقُدم وبصفتكَ أنتَ مُحامي تقدَّمت بالطلب.

عبد الفتاح مورو: تقدمت بالطلب نعم.

أحمد منصور: نعم، من الأشياء اللي لاحظتها برضهُ في هذهِ المرحلة أن حصل تغيير جذري في فِكركُم بالنسبة أنكم كُنتم عملية المُقاطعة اللي كانت تتم لطوائف وأنا ذكرتها بدأت رجعت ثاني: "إن الحركة الإسلامية في تونس برزت في السبعينيات في أعقابِ اهتزاز الثقة في المشروعِ الوطنيِّ بأثر انهيار المشروع التنمويّ وبروز ظواهر التصدُّع في المُجتمع وفي عناصر الهويةِ الإسلاميةِ العربية برزَ التيارٌ الإسلاميُ استجابةً للطلبِ على الهوية واستعادة الرباط الاجتماعي والمعنى الوجودي والقيمة الخُلُقية فكانَ الإحياءُ العقدي والديني والتصدي للعناصر المُعادية للهوية وإحياء المساجد في الجامعات والثانويات ثُم في المصانع والإدارات والأحياء مراكز لإنعاش الروح ومحاضن للأُخوة في مُجتمعٍ يتمزق"، الشيخ راشد الغنوشي.

عبد الفتاح مورو: هذا صحيح، هذا وصف لواقع يعني انتشر في فترتنا نحنُ، المساجد في المؤسسات التعليمية وصلت إلى الثانويات، الجامعات بدونِ مُنازع، المصانع، الإدارات العمومية رغماً عن اعتراض الدولة، ومَنعها من فتح المساجد داخل المؤسسات الإدارية لكن كثير من المؤسسات الإدارية أصبحت فيها مساجد وأصبحت ظاهرة التدين ظاهرة قائمة، بدأَ يظهر بالطريق العام شباب يروح إلى المساجد يُؤثثها، يجتمع فيها، فتيات مُتحجبات بدأَ عددهُن يكثرُ شيئاً فشيئاً، أصبحت الظاهرة الإسلامية قائمة، مجلة المعرفة بدأت تطبع 2000 نُسخة، أصبحت تطبع 40.000 نُسخة وتُوزع وكُل أُسبوع، كما قُلت المنشورات الإسلامية حدِّث ولا حرج وبعددٍ كبير يعني أصبحنا عندما نُقارن نجِد أنفسنا كأننا انتقلنا من بلدٍ إلى بلدٍ آخر والكثيرونَ لا يُصدقونَ بأنَّ هذا يحدُث في تونس وبحضور بورقيبة.

أحمد منصور: رغم أن الدولة لم تعترف بالطلب الذي تقدمتُم بهِ من أجلِ الترخيص الرسمي لكُم كحزب تحتَ مُسمّى حزب الاتجاه الإسلامي، في الـ 6 من يونيو عام 1981 وقفتَ أنتَ إلى جوار الشيخ راشد الغنوشي في مؤتمر صحفي في مكتبكَ كمُحامي للمُحاماة وأعلنتُم عن ولادة حزب الاتجاه الإسلامي.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: في الحلقة أبدأَ معكَ مِن هذهِ اللحظة التي هزت النظام في تونس ووجهت كُل أنظار الغرب إلى ولادة حركة إسلامية بشكل مُعلَن تتحدى النظام وتُعلِن عن نفسها دونَ ترخيص حتى الآن أمامَ العالم أجمع وفي مؤتمر صحفي، شكُراً جزيلاً لك، كما أشكُركُم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتكم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نُواصلُ الاستماع إلى شهادة الشيخ عبد الفتاح مورو أحدِ مؤسسي حركةِ النهضة التونسية ونائبِ رئيسها، في الختام أنقلُ لكُم تحيات فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكُم، والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.