قال الشيخ عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية، إن الروافد الفكرية للحركة الإسلامية في تونس تميزت بالتنوع، ولم تكن "عابدة " أو" ناسخة" لفكر واحد، وشدد على ضرورة أن ينبع فكر الإسلاميين من واقعهم واحتياجات الناس لهم.

وكشف أن الحركة تأثرت بفكر السياسي السوداني حسن الترابي، وبفكر الإمام الخميني في إيران، رغم إقراره بأنهم كإسلاميين أخطأوا التقدير عندما اندفعوا في تأييد الثورة الإيرانية عام 1978.

وكشف مورو، في شهادته الرابعة لبرنامج "شاهد على العصر" أنه قام رفقة أحميدة النيفر، وأمير الجماعة الإسلامية بلبنان في تلك الفترة، بزيارة الخميني بالعاصمة الفرنسية باريس قبل ذهابه إلى طهران، ونقل عنه قوله لهم إن الطريقة المثلى لتقريب الناس من الإسلام هي "اقضوا حاجات الناس بالإسلام يقبل الناس على الإسلام".

ووصف اللقاء الذي جمعهم بالخميني بأنه كان إيجابيا، وأنه تم التركيز فيه على الوضع في إيران. كما كشف أنه أكل رفقة الخميني لأول مرة طبق العدس.

وأقر ضيف "شاهد على العصر" بأنهم كحركة إسلامية كانوا "مندفعين" في تأييدهم للثورة الإيرانية، وكان ذلك "خطأ وسوء تقدير" بسبب نقص الخبرة لديهم، وأكد أنه لم يزر إيران وكذلك راشد الغنوشي.

وبشأن الحركة الإسلامية التونسية وكيفية بلورة فكرها، قال مورو إنها بدأت في "تونسة" فكرها ورجعت إلى الخلفية الإصلاحية لتونس بعد مظاهرات 26 يناير/ كانون الثاني 1978 التي أعلن عنها اتحاد الشغل رفضا لسياسة نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة

ولأن الحركة الإسلامية لم تكن ظاهرة في المشهد السياسي التونسي، فقد شارك مورو في تلك المظاهرات بصفة فردية، ما أدى لإصابته ونجاته من الموت بأعجوبة بعد أن خرقت الرصاصة التي كانت موجهة إلى صدره المصحف الذي كان يواظب على حمله.

ووفقه، فقد قام مدير الأمن وقتها، زين العابدين بن علي (الرئيس المخلوع) بقمع واضطهاد تلك المظاهرات التي قادها اتحاد الشغل.

انشقاق
وتعرضت الحركة الإسلامية في تلك الفترة إلى انشقاق، حيث تبنى أحميدة النيفر فكرا متجددا في مختلف مناحي الحياة، وبقي ومجموعته يشتغلون بالعمل الفكري، ما أدى لانعزالهم عن المجتمع، مثلما يقول مورو الذي أوضح أيضا أن الحركة تلك الفترة لم تكن قادرة على حل مشاكل الشباب والإجابة عن تساؤلاتهم.

مورو يتحدث عن الاختلاف في الحركات الإسلامية (الجزيرة) video

ودخلت الحركة مرحلة جديدة في تاريخها خلال مؤتمر أغسطس/آب 1979 الذي عقد بولاية منوبة بحضور ستين شخصا، يقول مورو إنه عقد في وقت تبلورت فيه رؤى الحركة وباتت لها خلفية اجتماعية وقادرة على أن تقدم نفسها بديلا للمجتمع التونسي.

وناقش المؤتمر عدة مسائل منها مسألة الانتماء لـ جماعة الإخوان المسلمين، لكنها أجلت بسبب حساسيتها بالنسبة لهم كتونسيين في تلك الفترة، كما تم وضع قانون أساسي للجماعة وانتخاب قيادة جديدة برئاسة الغنوشي ومورو نائبا له.

وتعتبر فترة بداية الثمانينات مرحلة صعبة في حياة مورو ورفاقه، إذ تمكنت قوات الأمن من وضع يدها على التنظيم السري للحركة الإسلامية، وهو الحادث الذي سيكشف تفاصيله "ضيف شاهد على العصر" في شهادته الخامسة الأحد المقبل. 

يُذكر أنه عام 1969، التقى مورو بالغنوشي وأسسا النواة الأولى للحركة الإسلامية بتونس تحت مسمى "الجماعة الإسلامية". وعام 1981 غيرت الجماعة اسمها إلى "الاتجاه الاسلامي" لتصبح عام 1989 "حركة النهضة".

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: مورو: أخطأنا باندفاعنا في تأييد ثورة إيران ج4

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 19/4/2015                      

المحاور:

-   مشاركة الإسلاميين في مظاهرات عام 1978

-   أزمة الهوية الفكرية للحركة الإسلامية

-   تأييد الحركة الإسلامية للثورة الإيرانية

-   مؤتمر تأسيسي جامع

-   قيادة جديدة للحركة

-   أحداث قفصة عام 1980

-   عمل سري وآخر توثيقي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامجِ شاهدٌ على العصر حيثُ نواصلُ الاستماعَ إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضةِ التونسيةِ ونائبِ رئيسها، شيخ عبد الفتاح مرحباً بك.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

مشاركة الإسلاميين في مظاهرات عام 1978

أحمد منصور: في العام 1978 اندلعت التظاهُرات في 26 يناير في أنحاءِ تونس وشاركت حركة الجماعة الإسلامية أو حركة النهضة في هذهِ التظاهُرات، شاركتَ أنتَ فيها، ما هي الأجواءِ التي سبقت هذهِ التظاهُرات؟

عبد الفتاح مورو: هي كانت فترة تشنُّج في تلكَ الفترة بينَ الحزبِ الحاكم واتحاد العُمّال، اتحاد العُمال هذا اتحاد لهُ تقاليد ولهُ ماضي عريق ولهُ نضالات، وهذا الاتحاد لم ينفك يحشرُ نفسهُ في القضايا السياسية لأنها قضايا مصيرية بالنسبةِ للشعب ويعتبرُ ذلكَ من أسبابِ تواجدهِ وكيانهِ ولذلكَ كانَ من حقهِ أن يتجاوزَ القضية النقابية والقضية المطلبية إلى الحديثِ عن الحُريات في البلد والخِلافُ الذي حصلَ بينَ الحبيب عاشور والهادي نويرة، الحبيب عاشور كانَ الأمين العام للاتحاد والهادي نويرة كانَ رئيسَ الحكومة قائمٌ على إرادة استحواذ الحزب على هذا الاتحاد وتدجينهِ وتعطيلهِ مصالحهِ واعتبارهِ مُجيَّراً لسياسة الدولة هذا ما أباه الحبيب عاشور، قامت وساطاتٌ بينَ الطرفين أرادت أن تُهدِّئَ الأمر، من بين الوسطاء الأستاذ حسيب بن عمار رحمهُ الله الذي كانَ في المُعارضة ولكن يتسمُ بحكمةٍ ورأي ولهُ قبولٌ من الطرفين.

أحمد منصور: كانَ من مجموعة المستيري.

عبد الفتاح مورو:: كانَ من مجموعة المستيري ولكن في الأخير تغلَّبَ العقل الصِدامي على العقل التوفيقي وأعلنَ الاتحاد لأولِ مرةٍ في تاريخهِ إضراباً عاماً ليوم الخميس الذي نُسميه الخميس الأسود 26 يناير 1978، هذا إضراب عام يعني إيقاف اقتصاد البلد.

أحمد منصور: الحياة.

عبد الفتاح مورو: إيقاف الحياة ، لهُ مردود اقتصادي سلبي لكن لهُ مردود سياسي لأنهُ لأول مرة تُرفَعُ عصا الرفض أمامَ نظام بورقيبة وفعلاً حصلَ صِدام دامي لأنَّ مُديرَ الأمن في تلكَ الفترة بن علي.

أحمد منصور: زين العابدين بن علي.

عبد الفتاح مورو: أخذَ الأمرَ على عاتقهِ وأراد أن يُبيَّنَ أنهُ قادرٌ على قمعِ هؤلاءِ المُتظاهرين الذينَ خرجوا بالطريق العام وأنا أُصبِت، أُصبِت برصاصةٍ مُسددةٍ نحوَ صدري لكن من قدرِ اللهِ تعالى أنَّ هذهِ الرصاصة 9 ملم صادفَت المُصحف الذي كُنتُ دائمَ حملهِ والذي كانَ يوضعُ بجيبي الأيسَر فخَرقت المُصحفَ جميعاً وخرقت كُلَّ لباسي ودخلت تحتَ الجِلد واستقرت مُباشرةً تحتَ الجلد فكُنتُ أحدَ الذينَ أسعفهُم اللهُ تعالى بالحياةِ مُجدداً من بينِ مئاتٍ من الذينَ ماتوا عندما فتحتُ عينيَّ بالمُستشفى وجدتُ الطبيبَ يقول أيَّ خيرٍ فعلتَ أنتَ؟ فأنا لم أفهم فأراني جُثثَ الذينَ كانت أمعائهُم وقلوبهم وأكبادهُم مُلقاةً على الأرض نتيجةَ هذا الاضطهادِ الذي حصل، كانَ لهذهِ العملية وقعٌ تحريكيٌّ في نفوسنا نحنُ الشباب والشباب الإسلاميين بشكلٍ خاص لأننا جوبهنا بواقعٍ اجتماعيّ جديد، جوبهنا بطلبات بمطلبيةٍ لدى جُزءٍ كبيرٍ من شعبنا يجب أن ننحازَ إليهم لكن ما هي الآلية الإسلامية التي نملِكُها؟ ما هي الخلفية الفكرية التي تجعلُنا إلى جانبِ هؤلاء؟ لم نجِد في أدبياتنا التي اضطلعنا عليها، يبدو أنَّ هذهِ الأدبيات كانَ جُزءٌ منها مخفيَّاً عنا لم نصِل إليه، لكن الأدبيات التي كانت مطروحةً علينا لم تُمكِّننا من أن نجِدَ فيها ما يُمكنُ أن يشفيَ الغليل ويُقيمَ نظريةً اقتصاديةً اجتماعيةً في عملنا، فتوجهنا عندَ ذلكَ إلى خلفياتنا التونسية ورجعنا إلى ماضينا الإصلاحي وإلى الحركة النقابية التي كانت في تونس قبلَ الاستقلال لنُجيِّر أنفسنا إليها وبذلكَ بدأَ التفكير في تَونسةِ فِكرنا والرجوعِ إلى خلفيتنا الإصلاحية في بلدٍ عَرفَ الإصلاحُ فيه مُدةً طويلةً تمادت قرناً ونصفَ القرن وزُعماءِ الإصلاحِ يكتبون ويدبجون ونحنُ كُنا بمعزلٍ عن هذا الفِكر فوجدنا المُناسبةَ سانحةً لئن نتوجهَ إليهِ مُجدداً.

أحمد منصور: وجدتُم ماذا وجدتم في هذا؟ وأنتَ حينما تحدثتَ عن الاتحاد التونسي للشغُل قُلتَ أنَّ مؤسسهُ هو عميد كُلية الشرعية.

عبد الفتاح مورو: الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.

أحمد منصور: محمد الفاضل بن عاشور.

عبد الفتاح مورو: ليسَ المؤسسَ الوحيد يعني هو شاركَ في التأسيس..

أحمد منصور: وكانَ رئيسهُ، هو أول رئيس.

عبد الفتاح مورو: نعم هو أول رئيس نعم.

أحمد منصور: لكن عُرِفَ عن الاتحاد التونسي للشغُل أنهُ كانَ يضمُ اليسار ويعني الطبقات غير الإسلامية انتم هُنا في مُشاركة شعبية مُباشرة هنا.

عبد الفتاح مورو: شوف سيدي غيابُنا نحنُ عن هذهِ المجالات هو الذي أفسحَ المجالَ للتياراتِ الأُخرى بأن تقودها، مَن كانَ يمنعُنا من أن ننضمَ إلى الاتحادات النقابية؟ لولا أنَّ الذينَ سبقونا لم يكونوا يفهمونَ من الإسلامِ إلّا فرضَ عينٍ وفرضَ كفايةٍ وحلالا وحراماً مُتعلقَ بالعبادةِ فقط، الشيخ الفاضل أرادَ أن يُوسِّعَ هذهِ النظرة لكن لم يجِد مَن يتحمَّلُ معهُ هذا العبء فبقيَ فِعلهُ نشازاً خارجاً عن إطارهِ، اضُطررنا نحن أن ننبشَ في كُتبنا وننبشَ في ماضينا وفي تاريخنا وأن نجدَ لدينا أدبياتٍ تُساندَ العاملَ وتدعو إلى إعطائهِ حقهُ قبلَ أن يجفَ عرقهُ وأصبحنا نتحدثُ عن تقييمِ العمل وقيمةِ العمل، هل أن الإنسان يُعطى كفايتهُ حسبَ حاجتهِ أو يُعطى حسبَ بذلهِ وعطائهِ وما يُقدِّمهُ ما نُسميهِ بالقيمةِ المُضافة التي يُضيفها بعملهِ لقيمةِ الشيء فيُجازى على القيمةِ المُضافة التي قدَّمها لا على حاجتهِ فقط وأصبحنا نستنسخُ نظرياتٍ مُتعددةٍ ونُطوِّرها بالشكل الذي جعلنا قادرين على أن نُصبحَ جُزءاً من العمل النقابي في بلدنا.

أحمد منصور: أنا لاحظت هُنا شيئاً أيضاً أنكم وصلتُم في فِكركُم في هذهِ المرحلة من اعتبار عيد العُمال عيداً للشيوعيين إلى أن أصبحَ عيدُ العُمال يُحتفلُ بهِ في المساجد وأصبحت الجماعة الإسلامية في ذلكَ الوقت تحتفلُ أيضاً بعيد العُمال وتُشاركَ العُمال في عيدهم.

عبد الفتاح مورو: أردنا أن نفتك من غيرنا الاحتكارَ الذي فرضهُ علينا غيابنا، نحنُ غِبنا فاحتكرَ غيرُنا هذهِ الاحتفالات، هذهِ الاحتفالات هي راجعةٌ لنا لأنَّ عندما ترجع للإسلام تجِد أنَّ الرسول صلى الله عليهِ وسلم والقُرآنُ ينزلُ عليهِ لأولِ مرة عندما تأتي زوجهُ لمُساندتهِ وتهدئتهِ تقولُ: "واللهِ ما يُخزيكَ ربكَ أبداً إنكَ تحملُ الكل وتقري الضيف وتُكسِبُ المعدوم وتُعينُ على نوائبِ الحق"، إحنا الجانب الاجتماعي القُرآن المكي جُلهُ يا أستاذ هو في العمل الاجتماعي بل عمل الدعوة في 13 سنة السابقة للهجرة كانَ قائماً على أمرين: العقائد، تصحيح العقيدة والأمر الثاني العمل الاجتماعي، لم تأتِ تفصيلاتُ التشريعات ولم تشغل الرسولَ صلى الله عليهِ وسلم إلّا قضايا التضامُنُ الاجتماعي. والآيةُ تقول: "أرأيتَ الذي يُكذبُ بالدين فذلكَ الذي يدُعُّ اليتيم ولا يحُضُ على طعام المسكين"، في جوانب إيجابية نسيناها نحن وهي التي تتعلقُ بالعملِ الاجتماعي، العمل الاجتماعي هو من صميمِ عقيدتنا من صميمِ ديننا، ينبغي أن يتطوَّرَ فهمُنا لواقعنا حتى يُصبحَ هذا ليسَ خِطاباً فقط وإنما واقعَ مُمارسةٍ بل حلولاً تُقدَّمُ للمُجتمع لرأبِ الصَدع ولردِّ الاعتبارِ لهذا الذي يبذُلُ حياتهُ عرقاً وتعباً وغيرهُ يُثري من ورائهِ وهو لا يجدُ إمكانيةً لئن يقوتَ أهلهُ وأبنائه معَ الحرصِ على أن لا ننساقَ في حربٍ طبقية...

أحمد منصور: هل كان مُشاركة الجماعة الإسلامية في تظاهُرات الخميسِ الأسود 26 يناير 1978 كانت مُشاركة جماعية ولا مُشاركة فردية فقط، أنتَ طلعتَ بخيارك؟

عبد الفتاح مورو: لا هذهِ لم تكُن إلّا مُشاركةٍ فردية ولم يكُن أحدٌ مِنّا يحمِلُ فيها رايةً أو لافتةً أو عُنواناً..

أحمد منصور: لا، لا أنتم خرجتُم بتوجيه أقصد الجماعة قررتُم ولا أنتَ خرجت لوحدك؟

عبد الفتاح مورو: لا، لا.

عبد الفتاح مورو:لا أنا خرجت لأني كنت مضطرا لأن أخرج وأنا في مقدمة أحداث الوطن في تلك الفترة، أنا أعتبر نفسي زعيماً إصلاحياً على مستوى صغير، لكن زعيم إصلاحي يجب أن أظهر في هذه المناسبة، وظهرت في هذه المناسبة وكانت النتيجة ما تعلم، لكن نحن لم نكن ظاهرين كحركةٍ إسلامية أو حركةٍ دعويةٍ بل أفراداً.

أحمد منصور: كل المصادر تؤكد أنّ المجرم الرئيسي في هذه العملية هو زين العابدين بن علي، 26 يناير 1978، ورغم ذلك أصبح رئيساً للحكومة ثم رئيساً للدولة حتى أسقطته ثورة الياسمين في يناير 2011.

عبد الفتاح مورو: ليش؟ لأنّ الأنظمة عندما تشيخ تفقد الرابطة بينها وبين شعوبيها، رابطة الثقة ورابطة التحريك التي تملكها الأنظمة الفتية والأنظمة القوية تُفقد شيئاً فشيئاً، ما الذي يصبح رابطاً للشعوب بقياداتها؟ هو السلطة المعاقبة، قُدّم بن علي في تلك الفترة لأنّ الحزب الدستوري بدأ يفقد سلطته على قاعدته على شعبه، لم يعد مقنعاً في خطابه لم يعد قادراً لئن يُجند الناس، بورقيبة في الستينات كان قادراً على أنّ يُجنّد الناس مجرد خطاب يتحرك الشعب كله، في السبعينات 1978 أمام تفاقم الوضع الاقتصادي وحالة الفقر والفوارق الاجتماعية التي حصلت بعد الطفرة المالية التي جاءت في أوائل السبعينات بواسطة المرحوم الهادي نويرة وُجد فقر لدى الطبقة الشغيلة ولم يستطع الحزب الحاكم أن يُقنع بإيجاد حلٍ لهذه الفوارق، إذاً تقدم من يملك العصا ليقود الناس تحت الضغط، وهذه كل الأنظمة إذا استعملت العصا ضد شعوبها تُنذر بضعفها وإمكانية سقوطها وقرب سقوطها.

أحمد منصور: ما انعكاس ذلك على بورقيبة ونظامه؟

عبد الفتاح مورو: هو بورقيبة كان دائماً وأبداً يختفي وراء وزرائه يتركهم يعملون ثم يظهر في الأخير ليُبرز أنه لم يكن على علم أو ليس موافقاً ويُقيل هذا ويُبعد هذا، وفعلاً الهادي نويرة بقي لعشرية كاملة فجاءت أحداث سنة 1980 التي سنتحدث عنها ربما ساعدته على التخلص من الهادي نويرة، وبذلك أمكنه أن يضع المسؤولية على الهادي نويرة وشلته وجماعته، لكن بورقيبة لم يكن مطمئناً، الاطمئنان الكبير لزين العابدين بن علي.

أزمة الهوية الفكرية للحركة الإسلامية

أحمد منصور: في أزمة كبيرة حصلت داخل الحركة الإسلامية في ذلك الوقت وأنتم تبلورون الفكر، ما بين فكر المشارقة والمغاربة والنقاش الداخلي والعودة إلى جذور الفكر التونسي وقعت أزمة حول الهوية الفكرية للحركة الإسلامية في ذلك الوقت، كنت أنت داخل الصف عايشت هذه التجربة، تحدث عنها الغنّوشي فقال: أدّت هذه الحركة النقدية إلى تمزيق الجماعة فخرجت عنها مجموعةٌ اسمها اليسار الإسلامي بدأت بنقد سيد قطب ثم الإخوان المسلمين ثم الفكر السلفي عامةً وانتهت بصدامٍ مع النص الإسلامي الأصلي.

عبد الفتاح مورو: على كل حال هذه النتيجة توصّل إليها الأستاذ يتحمل هو مسؤوليتها، أما الشق الأول فهو صحيح كون هذه الحركة بدأت تنقد سيد قطب، نقدت فكر الإخوان بعد ذلك نقدت الفكر السلفي وأصبحت ترى أنّ الأصول التي تقوم عليها حركتنا لا تفِ بما يجب من حداثةٍ ولم تكن تتسم إلا بالرجعية والمرجعية القديمة وأنها غير قادرة على أن تحل مشاكل الشباب غير قادرة على أن تجيب على تساؤلاتهم، وهذه المجموعة أرادت أن تخرج من هذا الرداء الذي اكتسيناه وأن تجد لنفسها رداءً أوسع.

أحمد منصور: كانت محنة داخل الحركة النقاش المفاصلة المراجعة الفكرية؟

عبد الفتاح مورو: نعم الأستاذ أحميدة النيفر أبرز ذلك في كتاباته في المعرفة وأصبح الكثير من الشباب يتأذى من المقالات التي يكتبها، وفي مرة من المرات جاء الأستاذ أحميدة النيفر فوجد أنّ مقالته قد اقتطع منها فقرة كبيرة تنقد الإخوان وتنقد سيد قطب وسأل فقيل له أنّ ذلك بفعل الأستاذ راشد الذي لم يتحمل هذا النوع من النقد، فأفضى الأمر إلى انفصال خرجت مجموعة..

أحمد منصور: ما طبيعة فكر المجموعة التي كان يقودها أحميدة النيفر والتي انفصلت عن الحركة؟

عبد الفتاح مورو: هذه نسميها الفكر التقدمي التي أرادت أن تجدد في شتى مناحي الحياة الاجتماعية وأن تتجاوز في بعض الأحيان الأستاذ راشد قال النص، لكن هي تجاوزت في الحقيقة فهماً محدداً للنص ربما يطال بعض النصوص..

أحمد منصور: إلى أين وصلت بعد ذلك؟

عبد الفتاح مورو: هذه بقيت مجتمعةً حول مجلة تسمى مجلة 15/21 في القرن الـ15 في القرن الـ21 يشرف عليها الأستاذ أحميدة النيفر والآن هذه المجموعة بقيت تشتغل في العمل الفكري وكونت نوادي مثل نادي الجاحظ مثلاً، وهي تقوم بعمل فكري تنويري..

أحمد منصور: أحميدة النيفر كان ثالثكما في تأسيس الحركة في البداية، الآن هذا الانشقاق ما أثره عليكم؟

عبد الفتاح مورو: والله نحن أقدنا في الحقيقة طاقة كنت أتمنى أن تكون فاعلةً في الداخل وأن تنتظر لئن يُستجاب لرغباتها أو تساعد المجموعة على الارتقاء بفهمها، انعزالها وانقطاعها عن الحركة لم يساعد الحركة على أن تتجاوز هذه المطبات التي تجاوزتها بعد ذلك.

أحمد منصور: هل انحصر هؤلاء كما قال الغنّوشي وانكفئوا على نفسهم، حتى أنّ بعضهم عمل في سياسة تجفيف الينابيع بعد ذلك مع وزير تجفيف الينابيع؟

عبد الفتاح مورو: انكفأت ليش؟ لأنها لم تكن تؤمن بالتنظيم، والتنظيم يعني الهيكلية الإدارية شيء أساسي للانتشار فبقيت مجموعةً معزولةً تشتغل بالعمل الفكري يقوم على أساس محاضراتٍ أو على أساس كتاباتٍ في بعض الصحف في بعض الجرائد، وهذا الذي جعلها تنكفئ على نفسها ولا تحظى بالقبول الشعبي لأنه ليس لها واجهة شعبية.

أحمد منصور: أنتم أيضاً في الجماعة الإسلامية جاءكم رافد فكري جديد أُعجبتم به هو رافد فكر حسن الترابي لاسيما فيما يتعلق بالتعليم والمرأة.

عبد الفتاح مورو: أستاذ حسن الترابي أثر تأثيراً كبيراً في هذا المنحى، وحذق الرجل وقدرته على فهم الأصول وفكره التقدمي كان مجلبة للاهتمام لدينا، وساهم في قضية المرأة بشكل خاص لأنه نحن موقفنا في قضية المرأة كان موقفاً قابعاً على النصوص القديمة، وكنا نكتفي بنقد مجلة الأحوال الشخصية ولا نقدم شيئاً جديداً بأن نقول كلاماً عاماً بأنّ الإسلام يعتني بالمرأة ويحب المرأة ويريد تعليم المرأة، لكن أن نبوأ المرأة مكانةً تجعل حقوقها حقوقاً ثابتةً وأن تُعطى هذه الحقوق من موقع لا العطف والرأفة وإنما من موقع الاستحقاق فهذا استوجب منا تطوراً في فهمنا الذي أسهم فيه والذي قاده هو الأستاذ حسن الترابي حفظه الله والأستاذ راشد الغنّوشي هو الذي سوّق لهذا الفكر في جماعتنا.

أحمد منصور: أنا هنا وقفت معك عند هذه الأشياء لأنّ الروافد الفكرية المختلفة التي أخذت منها حركة النهضة فكرها وهي تبلور مسيرتها اختلفت إلى حدٍ ما عن الإخوان المسلمين في مصر الذين وقفوا عن مدرسةٍ واحدة، أنتم أخذتم من مدارس مختلفة وإن كانت مدرسة الإخوان المسلمين مدرسة رئيسية ولكن الروافد المختلفة هي التي جعلتكم أكثر انطلاقاً وحرية في الفهم والمعرفة.

عبد الفتاح مورو: نحن لم ننطلق من صورةٍ محددةٍ وفكرٍ محددٍ، نحن انطلقنا من واقع عملي أردنا هذا الواقع العملي أن نؤثثه شيئاً فشيئاً كلما حصل أمامنا مطب إلا وفتشنا عن المرجعية الفكرية التي تساعدنا، لم تكن لنا نظرية معرفية مسبقة هي التي سعينا إلى وضعها وضع التطبيق، وإنما كنا نساير العمل اليومي عملنا عمل دعوي فقط، شيئاً فشيئاً تُطرح علينا قضايا نحتاج أن نجد جواباً عنها فكنا نفتش حيثما نجد الجواب نعتمده، وبذلك أصبحت مصادر فكرنا مصادر متنوعةً وهذا التأثيث هو الذي ساعدنا على أن لا نكون عبيداً لفكرٍ واحدٍ وأن لا نكون ناسخين لفكرٍ واحد، وفهمنا بأنّ الواقع هو الذي يفرض علينا فكرنا وأنّ الفكر لا يُنقل من مكانٍ إلى مكان، ولا يحق لنا أن نقول بأنّ الفكرة نجحت في المكان الفلاني يجب أن تنجح عندنا، مو صحيح.

أحمد منصور: شيخ الكلام الذي أنت تقوله هذا كلام مهم جداً لأني وجدت أزمات كثيرة داخل الحركات الإسلامية وحتى الأحزاب السياسية نابعة من المجيء بفكر لتطبيقه على واقع لا يتوافق معه، أنت الآن تؤصّل لشيء مهم جداً وهو أنه يجب أن ينبع الفكر من احتياج الناس ومن واقعهم وليس من فكرٍ مستورد أو سياسة مستوردة، ليس معنى أنّ النظام الأميركي نجح بهذه الطريقة أنه لو جبته عندي سينجح، أو أنّ الإخوان إذا نجحوا في مصر يمكن نظام مصر يُطبّق في تونس أو في الجزائر أو في المغرب أو في غيرها.

عبد الفتاح مورو: هو هذا أصولنا العقائدية وأصولنا الفكرية القديمة تؤكد ذلك، أنت تعلم أنّ المدارس الفقهية تأثرت بالواقع الذي عاشت فيه ولذلك كان فقه مالك في المدينة المنورة غير فقه الشافعي في العراق أو فقه أبي حنيفة في الكوفة أو فقه الشافعي عندما انتقل إلى مصر، بل إنّ الإمام الشافعي له رأيان رأيه في القديم ورأيه في الحديث بدليل أنّ الرأي يتأثر بالواقع، في فترة النسخ أصبحنا ننسخ بها كلام غيرنا أصبحنا نعتقد أنّ الفكرة تكون صالحةً في أي مكان وأصبح الاجتهاد البشري نطلق عليه القداسة ونطلق عليه كونه صالح لكل زمان ومكان، الإسلام صالح لكل زمان ومكان لأنه قام على أساس أصولٍ أخذت بعين الاعتبار الاجتهادات الحادثة، أما الوقائع المادية التي تطبقها حركةً في مكان كذا فليست بالضرورة هي نفسها التي تُطبّق في مكان كذا، ومن نتائج هذا أننا أصبحنا نعي أنّ الاختلاف في التيارات الإسلامية ليس سبب فُرقةٍ، ليش الفُرقة؟ لأنه نحن في وقت من الأوقات مسكتنا الحركة الإسلامية الأم مسكتنا بفكرة أنّ الاختلاف في المنهج هو فُرقة خروج عن الوحدة المطلوبة..

أحمد منصور: تقصد الإخوان المسلمين؟

عبد الفتاح مورو: الفكر الذي كان يسود والذي من بين مؤسسيه الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية في باكستان وغيرها..

أحمد منصور: أنت تؤكد على ضرورة خصوصية فكر كل جماعة فيما يتعلق بواقعها وبلدها.

عبد الفتاح مورو: أنا يمكن أن أُخالفك في الرأي إيش كان فيه، أنا أُخالفك لأنّ اجتهادي غير اجتهادك وواقعي غير واقعك وظروفي غير ظروفك، ولأنّ ما يعيه مواطنينا يعيه مواطنوك.

أحمد منصور: ولذلك بعض مأساة المسلمين في أوربا على سبيل المثال أن يأتوا بشيخٍ مشارقي في يومٍ وليلة ليفتيهم بأمور مجتمع مختلف كلياً وجذرياً عنها.

عبد الفتاح مورو: لا سيدي هذه مصيبة المصائب وأنت فتحت عليّ باباً لأنّ هذا هو الآن الذي أُشاهده وأنا أجوب أوروبا نجد أنفسنا قد نقلنا مشاكلنا وتخلفنا ونزاعاتنا نقلناها بحذافيرها إلى الغرب مع أنه لا شيء يفرض علينا ذلك، لو وعينا أننا في  بلدٍ إسلامي ترك لنا مجال العمل الإسلامي وأنّ علينا أن نعي واقعنا وأن نستنبط من واقعنا حسب الأصول التي نؤمن بها لنؤثث هذا الواقع ما كنا لنتوصل إلى هذا الخلاف اليوم، أنت تدخل أي قرية أو مدينة في أوروبا مدينة بسيطة في إيطاليا تجد فيها 8 مساجد، رحت لأجمع الأئمة المشرفين على هذه المساجد في مدينة واحدة لا أذكرها فقيل لي لا يجتمعون، ليش؟ قال لي لأنّ هذا يُناقض هذا وهذا يُخالف هذا، طيب الاجتماع شو فيه؟ قال لا يجتمعون، فأنا رحت جمعتهم استجابوا لي حياءً، فسألت واحداً منهم: كم وراءه مصلين 40 والآخر عنده 30 والآخر عنده 10، فسألت واحد منهم قلت له آخر مرة نزل عليك الوحي يا شيخ متى؟ قال لي أي وحي، قلت له مش أنت ينزل عليك الوحي؟ قال لي لا ينزل علي الوحي تسخر مني؟ قلت له أنت الذي تجعل السبعة مساجد الأخرى خارجة عن الملة والدين من أين جاءكم أنها خارجة عن الملة والدين؟ أنتم كلكم لا تزيدون عن 300 نفر في مدينة فيها كم ألف من الإيطاليين، أنتم تجدون فرصةً أن تختلفوا، علامَ تختلفون؟ تختلفون على حقائق نسبية هي نسبية بالنسبة لكل واحدٍ منكم، ليش؟ لأنّ الشيخ هذا يُقلّد مذهبه في بلده وعندما يصوم رمضان ينتظر الرؤية التي تصدر من بلده، بينما الثاني ينتظر الرؤية التي تصدر من البلد الثاني، فيختلف المصلون في مدينةٍ من مدن إيطاليا حول إمكانية الاتحاد في الصيام وفي الفطر، ليش هذا؟ لأنهم حملوا معهم مشاكل بلدانهم، ولعلّ أكبر مشكلة تعترض المسلمين الآن في أوروبا أنهم لم يقدموا ممثلاً كفؤاً للسلطات في بلدانهم حتى يتعامل معهم كدينٍ محترمٍ معترفٍ به.

تأييد الحركة الإسلامية للثورة الإيرانية

أحمد منصور: في يناير عام 1979 نجحت الثورة الإيرانية بالإطاحةِ بشاه إيران محمد رضا بهلوي وذهبت الجماعة الإسلامية في تونس بعيداً في تأييدِ الثورة الإسلامية.

عبد الفتاح مورو: أولاً أنا رُحت أنا والأستاذ أحميدة النيفر لزيارةِ الخُميني قُبيلَ رُجوعهِ يعني في شهر يناير 1979 ورجع...

أحمد منصور: في باريس في فرنسا.

عبد الفتاح مورو: في باريس، إحنا رُحنا إلى فرنسا لنجتمعَ بهِ كانَ بالنسبةِ إلينا أُمنية كُبرى وأنا رُحت مع الأستاذ أحميدة، وحظينا بزيارتهِ كانَ معنا الأستاذ فيصل مولوي التقينا هُناك ورُحنا سوياً.

أحمد منصور: أمير الجماعة الإسلامية في لُبنان.

عبد الفتاح مورو: نعم رحمهُ الله كانَ رجُل فاضل وطيب و..

أحمد منصور: وكانَ قاضياً مثلك.

عبد الفتاح مورو: وكانَ قاضياً نعم.

أحمد منصور: نعم.                      

عبد الفتاح مورو: لكنَّ يعني شتانَ بينَ الثرى والثُريا رجُل عظيم هذا، فتأثرنا بلقاء الأستاذ الخُميني الإمام الخُميني كان إمام الإمام الخُميني، ولم نعِ الفوارقَ بيننا وبينهُم  باعتبارنا نحنُ سُنة وهُم شيعة لأنَّ...

أحمد منصور: يعني ما الذي جرى في اللقاء؟

عبد الفتاح مورو: إحنا رُحنا لنزورهُ فوجدنا طابوراً قالوا تنتظرونَ 3 أيام وكانَ ثلج كثيف في هذهِ القرية فقررنا الرجوع، لمّا رجعنا إلى السيارة لنركَبها وجدنا شاباً مُعمّماً بعمامةِ الإيرانيين لابس لباس إيراني وجههُ صبوح هكذا، فسلَّمنا عليهِ سلَّم علينا فتبيَّنَ أنهُ أحمد ابن الإمام الخُميني، فقالَ: انتم من فين؟ قُلنا إحنا الاثنين من تونس وهذا من لُبنان وجئنا لنُقابل الإمام ولكن مُنعِنَا من ذلكَ لأنهُ في طابور وانتظار، قالَ انتظروا قليلاً، انتظرنا بعدَ  5 دقائق جاءنا قالَ ستتغدونَ معهُ.

أحمد منصور: مع الإمام الخُميني!!

عبد الفتاح مورو: مع الإمام الخُميني، فدخلنا غُرفة بسيطة جداً فيها سجاد بالأرض ليسَ فيه كراسي وجلسنا أرضاً، جاءَ الإمام الخُمني كانَ مُصفرَ الوجه، قاتم، لا يضحك يتكلم كلام هادئ.

أحمد منصور: بالعربية؟

عبد الفتاح مورو: كانَ يتكلم بالفارسي وكانَ في واحد يُترجمُ لنا لكن عندما نتكلم نحنُ بالعربية يفهمُنا فلا يحتاجُ إلى مُترجم، فأجلسني إلى جانبهِ ولأولِ مرة آكل طبق عدس أول مرة بهذا الخُبز الفرنسي الأبيض، فلاحظتُ أنهُ طِوالَ الجلسة وكُنا نتبادلُ معهُ الحديث.

أحمد منصور: ما الذي دارَ بينكُم وبينهُ؟

عبد الفتاح مورو: أسئلة عديدة من بينها ما هي الطريقة المُثلى لتحبيبِ الناسِ في الإسلام؟ جوابهُ كانَ هذا أذكُرهُ قال: أُقضوا حاجاتِ الناسِ بالإسلام يُقبِلُ الناسُ على الإسلام، حلوا مشاكلَ الناسِ بالإسلام.

أحمد منصور: نفس ما قُلتهُ المدخل الاجتماعي.

عبد الفتاح مورو: نعم هذا الكلام...

أحمد منصور: الخدمات الاجتماعية للناس.

عبد الفتاح مورو: أخذتهُ مِنَ الإمام، حدّثناهُ كلاماً عاماً إحنا لكن وإحنا خارجين..

أحمد منصور: أنتم كُنتم تتوقعوا أنهُ في ثورة جاية في إيران وأنهُ راجع وأنهُ مروح والشاه ماشي والكلام ده!!

عبد الفتاح مورو: كُنا نتوقعُ رجوعهُ لكن أن ينتصرَ بهذا الشكل لم يكُن احدٌ منا يتوقعُ ذلك، ما كانَت عندما..

أحمد منصور: أنتم كانَ هدف الزيارة إيه!!!

عبد الفتاح مورو: سيدي!!

أحمد منصور: هدف الزيارة كان إيه؟

عبد الفتاح مورو: إحنا كُنا في مُحاضرات في باريس فسألنا عن الخُميني لأنَّ الحديث كانَ يدورُ حولَ الخُميني فقالوا هو موجود في هذهِ القرية قريبة من باريس ويُمكِن زيارته، سألنا يُمكنُ زيارتهُ أم لا؟ فرُحنا لزيارتهِ، هي كانت بالمُناسبة كانت في مُحاضرات ألقيناها بمُناسبةِ انتهاءِ السنة كانَت في عُطلة، ففي نهاية السنة...

أحمد منصور: كريسماس، لأنَّ يناير والكريسماس وكذا.

عبد الفتاح مورو: نعم يعني الانطباع كانَ إيجابياً أنَّ هذا الرجُل شيخ مُتقدِّم في السِّن وصلَ الـ 80 تقريباً في تلكَ الفترة وهو مُكابِد مُنذُ أمدٍ على نُصرة القضية الإسلامية وفي نظامٍ بشعٍ كنظامِ الشاه قائم على الديكتاتورية والظُلم والاستبداد ومُعزَّز من أميركا ومُكبِّل للمنطقة ومُكبِّل لخيرات المنطقة وفي ذهننا ما الذي حصلَ في الخمسينات عندما وقعَ الاستيلاء على البترول وخيرات وهو قضية مُصدَّق، هذا كُلهُ كانَ في أذهاننا فكُنا نعتبر أنَّ الإمام الخُميني يُقدِّمُ صفحةً جديدةً في تاريخِ إيران وفي تاريخِ العالم الإسلامي.

أحمد منصور: هل استقبلكُم كإخوان مُسلمين مثلاً؟

عبد الفتاح مورو:  لا لا أبداً أبداً، وسألنا من فين؟ إحنا قدَّمنا أنفُسنا هذا اثنين من تونس وواحد مِن، لم يُذكَر الإخوان أبداً في هذهِ القضية أبداً.

أحمد منصور: نعم إيه انطباعاتكُم عن اللقاء؟ خرجُتم من اللقاء بإيه؟

عبد الفتاح مورو: كانَ إيجابياً بالنسبةِ لنا، إحنا فخرٌ لنا أن نتقابل مع الإمام الخُميني، ما الذي أعطانا؟ هي مُجرد كلام عام هو ذكرَ وضعيةَ إيران وركّزَ على هذهِ الوضعية وعلى نضالهِ ونضالِ الجماعةِ الإسلاميةِ من حولهِ.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: الغنوشي اعترفَ بأنَّ التفاعُل الكبير مع الثورة الإيرانية كانَ فيهِ تجاوزٌ لمُقتضياتِ المصلحةِ لدى الجماعة الإسلامية في تونس.

عبد الفتاح مورو: لم تكُن لنا خلفية وزن تصرُفاتنا، كُنا اندفاعيين واندفعنا في قضية كانَ المفروض أن نُعدَّلَ موقفنا منها لئنَّ ننتصر لقضيةِ إيران في تلكَ الفترة وبهذا الشكل الذي جعلَ النظامُ يتخوَّف منا وينسُبنا إلى كَوننا رافضاً للنظام الإيراني مؤتمرينَ بأوامرهِ معَ انهُ لم يحصُل ذلكَ أبداً، لم يحصُل ذلكَ أبداً أصلاً، هذا كانَ خطئاً منا خطأَ تقدير لأنَّ كُنا ينقُصنا العمل السياسي والفهم السياسي والإدراك...

أحمد منصور: هل ذهبتُم لزيارةِ إيران؟

عبد الفتاح مورو: أنا شخصياً لم أزُر إيران ولا مرةً بعدَ الثورة أبداً.

أحمد منصور: لكن هل ذهبَ وفد من الحركة؟

عبد الفتاح مورو: لا أذكُر أنهُ ذهب، الأستاذ راشد لم يذهب حسب علمي أمّا أنا يقيناً لم أذهب إلى إيران إلى اليوم.

أحمد منصور: الفترة مِن الخميس الأسود في يناير 1978 مروراً بالانقسام في الحركة في 1978 أيضاً إلى الثورة الإيرانية في 1979 جعلت الحركة تعكِفُ على صياغة مرحلة فكرية وسياسية جديدة لها، في حوارات داخلية كانت داخِل الحركة بشكلٍ كبير، قررتُم أن تعقِدوا أول مؤتمر وفي بعض أراءِ بعض المُراقبين أنَّهُ ثاني أو ثالث مؤتمر للحركة وأنهُ دامَ 3 أيام في الفترة بين 11-13 أغسطس 1979، حضر هذا المؤتمر في ضاحية منوبة في تونس 60 شخص تقريباً.

عبد الفتاح مورو: نعم.

مؤتمر تأسيسي جامع

أحمد منصور: ما أهمية هذا المؤتمر الذي يُعتبَر المؤتمر التأسيسي الجامع للحركة الإسلامية في تونس؟

عبد الفتاح مورو: هذا المؤتمر تمَّ في فترة تبلورت فيها رؤانا، أصبحَ لنا رؤية اجتماعية، رؤية اقتصادية بدايات، رؤية سياسية وأصبحنا نزعُم أنَّ لنا خلفية بالجامعة، عندنا خلفية شعبية وأننا قادرون على أن نُقدِّمَ بديلاً لمُجتمعنا.

أحمد منصور: استغرقتُم 10 سنوات لتكوينِ هذهِ الرؤية وهذا الفِكر!!

عبد الفتاح مورو: هو 10 سنوات هي فترة قليلة في الحقيقة في تاريخ الحركات إذا أردتَ أن تُغيَّرَ وضعَ بلدكَ، لأن إحنا أمامنا صرحٌ بُنيَ مُنذُ قرون، صرح التخلُف عَقِبهُ بعدَ ذلكَ صرحُ المُستعمِر وآثارُ المُستعمرِ علينا ثُمَّ الطبقة السياسية الأُولى التي حكمت البلد والتي لم تكُن تعي الوعيِّ الكامل بمُتطلبات الوطن من حيثُ ثقافتهُ، فِكرهُ، آرائهُ، تجاوزتها واستبعدتها لأنهُ تربَّت في عالمٍ بعيدٍ عن واقعِ بلدها، إحنا احتجنا إلى وقت طويل لئن نُؤثِّثَ لهذا الفِكر ونُقدَّمهُ للناس في شكلٍ مقبول وربما كُنا نحتاجُ أكثرَ زمناً لو كانَ المقصود مش بلورة الفِكرِ فقط وإنما الحصولُ على رضا شعبيٍّ بهِ لأن أن تُقدِّمَ فِكراً هذا يحتاجُ منكَ وقت لكن أن تجعلَ هذا الفِكر مقبولاً من شعبِكَ ويقبلهُ النُخبةُ في وطنكَ فهذا يحتاجُ مِنّا إلى وقتٍ طويل ولعلَّ صِراعنا اليوم هو لتحقيقِ هذا القَبول..

أحمد منصور: مَن الذينَ تذكُرهم مِن الـ 60 شخصية اللي حضروا المؤتمر التأسيسي في منوبة 1979؟

عبد الفتاح مورو: أذكُر صالح كركر، علي نوير، صالح بن عبد الله، مش عارف هي الأسماء بعضها ضاعَ من ذهني لكنها مكتوبة لأنها كانت موضوعَ مُساءلةٍ عندما أُوقفنا في سنة 1981.

أحمد منصور: كُل الأسماء!!

عبد الفتاح مورو: المُسائلة انصبَّت على هذا المؤتمر..

أحمد منصور: على الـ 60 شخص.

عبد الفتاح مورو: على الـ 1979، على ما حصلَ عام 1979 لأنهُم لم يجدوا ما ينسبونهُ إلينا من مُخالفةِ القانون أبداً، فكانت رأس الجرائم أننا عقدنا اجتماعاً غيرَ مُرخَّصٍ فيه وأننا أنشأنا جمعيةً غيرَ مُرخَّصٍ فيها.

أحمد منصور: 60 شخص يروحوا يجتمعوا في مكان في دولة أمنية بوليسية وما حدش ينتبه لهُم ويقعدوا 3 أيام، ما معنى هذا؟

عبد الفتاح مورو: وإحنا تخيَّرنا المكان، هذا مكان في ضيعة قريبة مِن تونس العاصمة وترجِعُ بالملكِ لصهري الذي تزوجتُ شقيقتهُ، وأنا طلبتُ منهُ أن يُمكِّننا من ذلك وأن ننتقلَ إليهِ أفواجاً، فقالَ لي مُمكن لكن فيها حبس؟ قُلتُ لهُ يا عمي سعدي فيها حبس، قالَ لي سجّلني معكُم، قُلتُ لهُ ليش نُسجلك معنا؟ عشان تدخُل معنا الحبس!! أرى نُخليك إذا دخلنا إحنا الحبس جيب لنا القُفة وفعلاً لنُرتبَ الأمر سوَّينا عقد، عقد كراء تسويغ سوَّغ لي هذا البيت فأخذتُ عقد تسويغ بيني وبينهُ، فلمّا انكشِفَ الأمر وسوئلنا قال مِلك مَن؟ قُلتُ ملك سعدي الشحمي، قالَ طيب عشان يأخُذوه، قُلت لا أنا مُتسوغ المحل، الرجُل لا علمَ لهُ بالموضوع أصلاً هو سوغني محلهُ، وبذلكَ خرجَ هو من المُساءلة وكانَ رِفداً لنا عندما كُنا بالسِجن.

أحمد منصور: كانَ يجب لكُم القُفة يعني.

عبد الفتاح مورو: أيوه يجيب القُفة نعم.

أحمد منصور: في 3 حاجات أنا لقيت مِن المصادر إنَّ هذا المؤتمر ناقشهُم بس صوِّب لي: أول حاجة مسألة الانتماء لتنظيم الإخوان المُسلمين، هل ناقشتموها في مؤتمر منوبة 1979؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: وماذا وصلتُم إلى النتيجة؟

عبد الفتاح مورو: أُجِّلَ النظرُ فيها نهائياً إلى موعدٍ لاحقٍ.

أحمد منصور: رغمَ أنَّ راشد الغنوشي في مُذكراتهِ أو تجرُبة الحركة الإسلامية قالَ إنهُ التقى عُمر التلمساني مُرشد الإخوان في العام 1979 نفسه.

عبد الفتاح مورو: يُمكِن هذا أنا لا عِلمَ لي بهِ لكن هذهِ القضية كانت قضية حساسة وهي قضية حساسة بالنسبة للتونسيينَ، نحنُ نأنف أن نكونَ تابعينَ لمؤسسةٍ تعملُ خارجَ وطننا سواءً كانت مؤسسة إخوان أو غير إخوان.

أحمد منصور: يعني أنتم هُنا فِكرياً ما عندكم مُشكلة لكن تنظيمياً وقفتُم.

عبد الفتاح مورو: لا قضية الفِكر قضية هذهِ مُشاعة بين الناس.

أحمد منصور: مفتوحة.

عبد الفتاح مورو: مفتوحة، أنا آخُذ فِكر فُلان أو فِكر فُلان.

أحمد منصور: يعني أخذتُم مِن الإخوان المُسلمين ما يُناسبكُم، أخذتُم من فِكر التُرابي ما يُناسبكُم، من فِكر مالك بن نبي ما يُناسبكُم، من فِكرِ علّالي الفاسي ما يُناسبكُم، من أفكار أُخرى ومن الفِكر التونسي القديم.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: الفقه التونسي القديم  أخذتُم ما يُناسبكُم، يعني كُنتم مفتوحين في الفِكر وبالنسبةِ للتنظيم ارتأيتم..

عبد الفتاح مورو: بالنسبة للتنظيم هذهِ كانت قضية يتوقفُ فيها الجميع أو الجُل ولذلكَ أُجِّلَ النظرُ فيها ولم نُصادِق عليها للحساسية كما قُلت.

أحمد منصور: تحديد الموقف من أحميدة النيفر ومجموعتهِ!!

عبد الفتاح مورو: آه يعني كانت هذهِ مُفاصَلة بيننا وبينهُ، شعُرنا بأنَّ القضية لا يستطيع أحدٌ أن يُقرِّبَ بينَ الفريقين فقبلنا بالواقع.

أحمد منصور: وضعتُم قانون أساسي للجماعة الإسلامية في ذلكَ الوقت؟

عبد الفتاح مورو: نعم.

قيادة جديدة للحركة

أحمد منصور: انتخبتُم قيادة جديدة؟

عبد الفتاح مورو: انتخبنا قيادة كانت قيادة الأستاذ راشد دائماً وأبداً.

أحمد منصور: راشد الغنوشي الرئيس وأنتَ نائبهُ.

عبد الفتاح مورو: نعم سيدي.

أحمد منصور: راشد الغنوشي شكَّلَ مكتب تنفيذي وفي يناير 1979 مجلس الشورى قرر أن يتفرَّغ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ونجيب العياري لقيادةِ الحركة.

عبد الفتاح مورو: لكني لم أتفرَّغ.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: أنا..

أحمد منصور: أنتَ كُنتَ مُحامي في ذلكَ الوقت.

عبد الفتاح مورو: أنا الوحيد الذي لم اقبل تفرُّغاً.

أحمد منصور: لكن الآخرين تفرَّغوا!!

عبد الفتاح مورو: يبدو.

أحمد منصور: إيه انعكاس مؤتمر 1979 على البداية الجديدة للجماعة الإسلامية في تونس؟

عبد الفتاح مورو: بدأنا نُحِس بأنَّ هُناكَ قضية هامة تجمعُنا، ثَمة إدارة، ثَمة رئاسة، مُساءلة ثُمَّ ثَمة خطوط، خطوط سير ينبغي أن نتِّبعها لم تبق القضية قضيةً عفويةً، والجانب التنظيمي هو الذي فرضَ ذلكَ علماً بأني أنا قضية التنظيم لم يكُن لي فيها لا باعٌ ولا ذِراع وإلى الآن.

أحمد منصور: أنتَ بتاع عمل عام.

عبد الفتاح مورو: أنا العمل العام.

أحمد منصور: هذا دوركَ الرئيس، أنتَ واجهة الجماعة العامة بالنسبة إلى الناس.

عبد الفتاح مورو: وهذا..

أحمد منصور: وتوزيع الأدوار هذا الشيء مُهم في نجاح الحركة.

عبد الفتاح مورو: هذا سبب ربما سنعي آثارهُ مُستقبلاً عندما انصبَّ بأسُ نِظام بن علي على الحركة، أوقفَ التنظيم ولم يوقِف الشخصية التي لا علاقةَ لها بالتنظيم، أنا بقيت خارج السِجن.

أحداث قفصة عام 1980

أحمد منصور: سآتي لها، 27 يناير 1980 وقعت أحداث قفصة، القذّافي عمل مجموعة وهجموا على قفصة وبورقيبة استنجد بالفرنسيين وبالحسن الثاني، هل كانَ لهذا دور في إن بورقيبة بدأ يُفسِح المجال للحُريات قليلاً؟

عبد الفتاح مورو: بورقيبة شعُرَ بعُزلتهِ وشعُرَ بأنَّ القضية أصبحت قضية سِلاح وتمرُّد ومن داخلِ أرضِ الوطن وأنَّ بعض أجوارنا بدؤوا يلعبونَ على هذا الواقعِ الجديد وبدؤوا يُساعدونَ على التخريب، وشعُرَ بورقيبة أنَّ مكانتهُ التي كانت في الـ 1960 لم تعُد هي مكانتهُ في الـ 1980 ولذلكَ رأى أن يتلافى ذلكَ بانفتاحٍ ولذلك كانت أعقاب الـ 1980 بدأَ الحديث عن التعُددية والانفتاح وأنَّ بورقيبة سيسمحُ في خطابٍ تم بعدَ تكليف محمد المزالي رحمهُ الله أصبحَ بورقيبة في خطاب أبريل في سنة 1980 يُعلِن بأنهُ لا يرى مانعاً من تكوينِ أحزابٍ سياسية للعائلات السياسية المُختلفة.

أحمد منصور: أنتَ هُنا اتُهمت من جانب مجموعة داخِل الجماعة الإسلامية بأنكَ ضغطتَ على الشيخ راشد الغنوشي حتى يقبل بتعيين بعض النساء في اللجنةِ التنفيذية للحركة!!

عبد الفتاح مورو: أنا لا أملكُ إمكانيةُ الضغط ولكني نصحتُ في هذا الاتجاه وكُنتُ أرى أنَّ هذا يعني هذا التوجُّه أمر صائب، واقِع المرأة في حركاتنا الإسلامية كانَ دائماً أن واقعَ الخلفية ما واقع الصدارة، ما الذي يمنعُنا أن تكونَ الفتاة مُتقدِّمةً في العملِ الإسلامي ونحنُ في بلدٍ قامَ التحديثُ فيهِ على إعطاء المرأةِ كاملَ حقوقها، ينبغي أن لا تتخلَّف المرأة الإسلامية عن شقيقتها المرأة التونسية الأُخرى لتكونَ هي كذلك في مُقدمةِ نشاطِ الوطن.

أحمد منصور: أنتم سبقتم الحركات الإسلامية الأُخرى في هذا الجانب.

عبد الفتاح مورو: صحيح، صحيح، ولم اندم على ذلكَ ويبدو أنَّ الحركة لم تندم.

أحمد منصور: في نفس هذهِ الفترة وقعت تغيُّرات سياسية كبيرة في تونس الهادي نويرة أُصيبَ بجلطة في 25 فبراير 1980 اُستدعيَ محمد مزالي وعُيِّنَ وزير أول في 24 أبريل 1980، إيه أثر تعيين مزالي عليكم في النهضة ومزالي كانَ رجُل التعريب وكانَ إلى حدٍ ما يوصَف بأنهُ عروبي في وسط هذهِ القوقعة المُتغربّة حولَ بورقيبة؟

عبد الفتاح مورو: يعني أعطانا أملاً جديداً في الحقيقةً تصوَّرنا الرجُل رغمَ كونهِ مُحاطاً بكثيرٍ من الأعداء في داخلِ حزبهِ نفسهِ فإنَّ تصريحهُ مُنذُ مُدة بأنهُ معَ التعريب وعملهُ في وزارة التربية للتعريب وقد عرَّبَ جعلنا نستبشرُ خيراً بتكليفهِ وفعلاً هذا حصلَ، حصلَ إيجابيات..

أحمد منصور: هو قالَ لي وأنا سجّلت معهُ شاهد على العصر قالَ أنهُ أرادَ أن يترُكَ بصمةً مُميزةً في الرجال الذينَ عملوا حولَ بورقيبة.

عبد الفتاح مورو: وسعى لذلكَ وترك.

عمل سري وآخر توثيقي

أحمد منصور: في 5 ديسمبر 1980 وقعَ خطأٌ كبير داخل الحركة الإسلامية الجماعة الإسلامية تمكَّنت قوات الأمن وضعَ يدها على التنظيمِ السري للجماعة.

عبد الفتاح مورو: هذهِ شوف هذهِ سلبيةِ العمل السري، نحنُ أردنا أن نجمعَ أمرين عمل سري لكن مُوَّثق.

أحمد منصور: تكتبوا.

عبد الفتاح مورو: نكتُب، ليش؟ لنُساءلَ بعضنا ونُحاسِبَ بعضنا، حرِصنا مُنذُ المُنطلقِ أن يكونُ كُل قراراتنا، كُل لقاءاتنا مكتوبةً مؤيدةً بوثائِق، هذا حِرصاً منا على أن يكون هُناكَ مُسائلة وهذهِ ربما من الإيجابيات التي تميَّزت بها الحركة الإسلامية في تونس عن مثيلاتها في مواقعَ أُخرى.

أحمد منصور: طيب خليني أسألك هُنا سؤال هل قُرب سنكُم من بعضكُم عدم وجود شيخ كبير هو الذي يُوجِّه ويُفكِّر هو الذي لعِبَ دوراً في أنكُم كُنتم قريبين من بعض، تُساءلون بعض، تُناقشونَ بعض؟

عبد الفتاح مورو: هو انطلاقنا معَ بعض جعلنا نحتاجُ إلى بعض وشعورنا بأننا مُكمِّلونَ بعضنا لبعض هو الذي لم يجعل واحداً منا يتمرَّدُ على الآخرين ولا يتسلطَنُ عليهم ولا يُصبحُ شيخاً لهُم، لا يستطيعُ فُلان أو فُلان أن يعتبرني تلميذاً لهُ ولا أنا أستطيع أن أعتبرهُ تلميذ مع كونهم في حاجةٍ إليّ، هذا الشعور بالحاجةِ المُشتركة وانطلاقنا بدونِ أغراضٍ ذاتيةٍ، إحنا انطلقنا في العمل هذا بفضلِ اللهِ تعالى مُخلصينَ لله ونرجو أن يكونَ الإخلاصُ دائماً معنا إلى اللِقاء بحيثُ ما كنش في أغراض ذاتية أو أغراض منفعية قريبة تجعلُ بعضنا يشكُ في بعض أو يتحكمُ في بعض، هذا ساعدنا.

أحمد منصور: وأنا أُحضِّر استغرقت مُدة طويلة، زُرتكَ عِدة مرات في تونس والتقيتُ مع الشيخ الغنوشي والتقيت معَ آخرين حتى من مسؤولي الطلبة كانوا في الجامعات، أنا أُلاحظ الشيخ راشد يُكِّن لكَ مكانة خاصة دوناً عن باقي الآخرين، الآخرين ربما يكون لهُم انتقادات عليك لكن الشيخ راشد لا يتكلم عنكَ كتابةً إلّا ويقول الشيخ عبد الفتاح ولا يتكلم عنكَ في حضور إلّا ويقول الشيخ عبد الفتاح ويُثني عليكَ بشكلٍ دائم في هذا الأمر، العلاقة التي ربطتكَ بالغنوشي هل كانَ لها دورٌ أيضاً في انكَ أنتَ الواجهة المُعلَّنة وهو الواجهة التنظيمية أو هو الدور التنظيمي؟ هل لعبت دوراً في تماسُك هذهِ الجماعة وتطورها إلى أن وصلت أن يُصبحَ لها هذا التأثير الكبير في الشارع التونسي؟

عبد الفتاح مورو: هي هذهِ العلاقة الذي كرَّسها هو الواقع، إحنا التقينا مع بعض كداعيين لكن شيئاً فشيئاً انتشرتُ باعتباري واجهةً لهذا العمل لاستعمالي اللهجة العامية واتصالي بالناس وقُربي من الناس، الأستاذ راشد أستاذ مُفكِّر كانَ يشتغلُ على الكِتاب يُباشرُ الناس في الدعوة ولكنهُ كانَ صاحبَ فِكر فانسحبَ إلى الفِكر أكثر من اتصالهِ بعامةِ الناس، هذا الواقع تكرَّسَ ووجدنا انهُ واقع طيب جداً لأنهُ ليسَ فيهِ مُباراةٌ بينَ الطرفين وإنما فيهِ تكامُل بينها.

أحمد منصور: قُبضَ على صالح كركر وابن عيسى الدمني وكانَ بحوزتهما أكثر من 2000 صفحة عن التنظيم السري للجماعة الإسلامية، الأستاذ راشد الغنوشي قالَ: " إنَّ النظام التونسي حصلَ على كنزٍ من المعلومات عن الحركة لم يكُن يحلمُ بهِ أو يخطُرُ لهُ على بال".

عبد الفتاح مورو: الذي حصلَ عليهِ النظام هو أنهُ أدركَ لأولِ مرةٍ أننا نحنُ تنظيمٌ سريٌّ بشكلٍ هرميٍّ، كانَ يتصوَّرُ كُلَّ شيء إلّا هذا، كان يُوقفنا الأستاذ راشد في الفترة السابقة يُسألُنا عن الدرس، عن الخُطبة، ليش قًلت كذا؟ ليش قُلت كذا؟ لم يكُن ينصرفُ إلى ذهنهِ أنَّ هُناكَ تنظيم، وضعَ أصبعهُ على الاتجاه الصحيح من تلكَ الفترة، بدأَ الآن يُتابعنا كتنظيم.

أحمد منصور: الخطأ الأكبر في إنَّ كُل هذهِ الأوراق تتواجد في وقتٍ واحد معَ شخصين!!

عبد الفتاح مورو: هذا خطأ مردُّهُ كما قُلت انهُ ليسَ لنا تقاليد ولم نستطع أن نوِّفِقَ بينَ السريةِ والتوثيق، لا تستطيعُ أن تُوفر خاصةً في تلكَ الفترة لم يكُون في لا كمبيوتر ولا غيرهُ كُلهُ ورق وكتابة على ورق، لا تستطيع أن توِّفِقَ بين السرية والتوثيق خاصةً وأنَّ هؤلاءِ الناس الذينَ يحملونَ هذهِ الوثائق أصبحوا معروفين، يكتُبون، يظهرونَ في الإعلام فأيِّ شُرطي يرى من بعيد صالح كركر أو ابن عيسى الدمني يعرفهُ يكفي أن يُتابعهُ والأخطاء تحصُل وكذا كانت خطأ يعني في تلكَ الليلة، والجماعة كان...

أحمد منصور: انتم عاملين اجتماع نصف الليل..

عبد الفتاح مورو: في الساعة 5.

أحمد منصور: في بيت واحد.

عبد الفتاح مورو: 5 الفجر يا عمي الحاج.

أحمد منصور: 5 الفجر!!

عبد الفتاح مورو: آه 5 فجراً وتخلَّفوا لأنهُ كان الفجر وقتها الساعة الـ 6 إلا 5 دقائق فواحد منهُم تخلَّفَ ونَسيَ المفتاح فرجعَ ليأتي بالمفتاح ووقفَ الجماعة في بهوِ البيت فتفطنَ الشُرطة لذلكَ والقضاء والقدر فعلَ فعلهُ لكن الخطأ واقع.

أحمد منصور: انكشفَ تنظيم الجماعة الإسلامية في تونس وتحتَ يدِ نظام بورقيبة كنزٌ هائل، صُدِمَ بورقيبة حينَما حملَ لهُ وزير الأمن ووزير الداخلية التنظيم وقالوا لهُ لقد اختُرقنا، في الحلقة القادمة ابدأ معكَ من انكشاف تنظيم الجماعة الإسلامية وما فعلهُ بورقيبة لكُم والمُحاكمة الأُولى التي جرت في العام 1981 شُكراً جزيلاً لك، كما أشكُركُم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتُكم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاءَ الله نُواصل ُالاستماعَ إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركةِ النهضةِ التونسيةِ ونائبِ رئيسها، في الختام أنقلُ لكُم تحيات فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكُم، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.