رغم تأثرها بفكر جماعة الإخوان المسلمين، فإن الحركة الإسلامية في تونس تشبعت في بدايتها تكوينها برافدين اثنين من المغرب العربي، هما: المفكر الجزائري مالك بن نبي، والسياسي المغربي علال الفاسي، ولكل منهما تجربته الخاصة، كما يشير الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حزب حركة النهضة التونسية. 

فالحركة الإسلامية التونسية -بحسب مورو- اكتشفت ابن نبي من خلال الملتقيات الفكرية التي كانت تقام في بعض الولايات الجزائرية، ولفت انتباهها فكره الناقد لـ سيد قطب، والذي كان دافعا لها -أي الحركة الإسلامية- في الخروج من العموميات التي قال مورو إنها موجودة في فكر بعض زعماء الإخوان.

ويثني مورو -في الحلقة الثالثة من شهادته لبرنامج "شاهد على العصر"- على شخصية ابن نبي، ويقول إنه كان سابقا لعصره، وأعاد إلى الأذهان فكر ابن خلدون، ولكنه يرى أن هذا الرجل (ابن نبي) وقع ضحية تواضعه وفكره التقدمي.

ويقر ضيف "شاهد على العصر" بأنهم كحركة إسلامية تونسية لم يفطنوا إلى ما عدها التجربة الفذة للعالم المغربي الفاسي الذي أسس حزب الاستقلال (1960 ـ 1967)، ولا أحد أثار ضجيجا بشأنه، وقال إنه يجمع بين الدين والسياسة.  

ويقول إن الإسلاميين في تونس كانوا يركزون اهتمامهم على دعوة الناس للإسلام دون تبني القضايا السياسية، كما يقر في شهادته أيضا بأن الحركة الإسلامية في تونس والمنطقة العربية عموما تحمل "خطابا رجعيا" لا يثير قضايا الشباب ولا يسهم في حملهم على أن يكون لهم خلفية ثقافية وفكر فاعل.

وبحسب الشيخ التونسي، فإن عدم اهتمام الإسلاميين في تونس بالقضايا السياسية هو الذي جعل الرئيس الراحل  الحبيب بورقيبة لا يفطن إليهم عندما كانوا يتحركون في فترة السبعينيات.

فلم يتحدث الإسلاميون في بداية ظهورهم عن السياسية ولم يرفعوا شعار "عداء السلطة"- مثلما يؤكد مورو- وإنما انصب تركيزهم على دعوة الشباب واستمالتهم إلى المساجد، وتقديم خطب تتناول الوعظ والإرشاد.

مورو يشرح علاقة الإسلاميين بنظام بورقيبة (الجزيرة) video

 

ورغم أن بورقيبة للم يتيفطن في البداية لتحركات الإسلاميين، فإنه كان يخشى تغلغلهم وسط الناس، ويخشى مشروعهم الذي كان يصفه بالرجعي، بحسب ضيف "شاهد على العصر" الذي يؤكد أيضا أن خلاف الإسلاميين مع بورقيبة في تلك الفترة لم يكن بشأن الدعوة التحديثية التي كان ينادي بها، ولا في أسلوب إيصالها للناس.

نفور الشباب
وينتقد ضيف "شاهد على العصر" الرئيس الراحل من منطلق أنه أراد أن يفرض الدعوة التحديثية فرضا على التونسيين والشباب عموما، ولذلك نفر منه وبقيت تلك الدعوة عملية فوقية.

ويقر بالمناسبة أن الشباب التونسي ينفر من الإسلاميين اليوم "لأننا لم نبق أوفياء للشباب مثلما كنا في السابق في الستينيات والسبعينيات، وانشغالنا بالعمل السياسي هو الذي أفقدنا قواعدنا في المساجد".    

ويضيف أن تغيب الحركة الإسلامية عن المساجد أوجد فراغا، بحكم تجفيف المنابع الذي قام به الرئيس المخلوع  زين العابدين بن علي والبعد عن مشايخ جامع الزيتونة، ويقول مورو" اليوم احتل المساجد غيرنا من أصحاب الفكر السطحي والظاهري الذي لا يراعي الواقع".

ويوصي مورو الحركة الإسلامية بأن تمارس وجودها وكيانها في المسجد لأنه محل تربية الأمة.  

ويذكر أن مورو ذكر في شهادته الثانية أنه إلى جانب راشد الغنوشي وأحميدة النيفر، قاموا بتأسيس الحركة الإسلامية في تونس.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: عبد الفتاح مورو: انشغالنا بالسياسة أفقدنا قواعدنا ج3

مقدم الحلقة: أحمد منصور                          

ضيف الحلقة: عبد الفتاح مورو/ أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية

تاريخ الحلقة: 12/4/2015

المحاور:

-   بورقيبة والمسألة الدينية

-   المسجد محل تربية الأمة

-   أول اجتماع تأسيسي للجماعة الإسلامية

-   دعوة الشباب واستمالتهم إلى المساجد

-   إقبال الناس على التديُّن

-   حادثة الاعتقال عام 1972

-   مدى تأثير مالك بن نبي في فكر الجماعة الإسلامية

أحمد منصور: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ وأهلاً بكُم في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج على شاهدٌ على العصر حيثُ نواصِلُ الاستماعَ إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركةِ النهضةِ التونسيةِ ونائبِ رئيسها، الشيخ عبد الفتاح مرحباً بكَ.

عبد الفتاح مورو: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: "كانَ عددٌ من خُطباءِ المساجدِ لا يتحرَّجونَ مِن تكليفِ أحدِ شبابِ الحركةِ للخُطبةِ يومَ الجُمعة، إمّا طلباً للراحةِ أو لقِلةِ عنايةِ الخطيبِ الرسميِّ بالخُطبة المُكلَّفِ بها وقد تمثَّلَ ذلكَ بصِفةٍ خاصةٍ في الفترةِ التأسيسيةِ في جامعِ سيدي يوسف بالقصبة الذي كانَ تولى الخُطبة فيها الشيخ عبد الفتاح مورو أقدم وجه تونسي ساهمَ في إبرازِ الحركة الإسلامية، وقد تمكَّنَ في وقتٍ وجيزٍ من أن يستقطبَ عدداً مًهمّاً مِن المُصلين من بينهم موظفونَ في الوزاراتِ القريبة وتُجارٌ من سوقِ الذهبِ المُجاورِ للجامع فضلاً عن تلاميذِ المدارسِ الثانويةِ القريبة، وقد كنتُ أنا شخصياً من بينِ الذينَ تعرّفوا إلى عناصرِ الجماعةِ قبلَ تكوِّنها من خِلالِ حضورِ خُطبِ الشيخ مورو في سيدي يوسف"، هذا أحميدة النيفر ثالثكمُا أنتَ وراشد الغنوشي في تأسيس حركة النهضة في كتاب الإسلام السياسي في تونس،أنا سؤالي هُنا الدولة فين؟ بورقيبة 14 عاماً وهو يُحارِب التديُّن ويقضي على جذورهِ وعلى أُصولهِ فجأةً مسجد بجوار رئاسة الحكومة كانَ يُصلِّي فيهِ 4 أشخاص أصبحَ المئات بل الآلاف ربما يؤمّونَ الصلاةَ فيه وخطيبٌ شابٌ وشبابٌ يجتمعون يتحدثون في موضوعات غيرَ التي يتحدث فيها باقي الناس، فين الدولة؟ فين الأمن؟ فين السُلطة؟

عبد الفتاح مورو: طيب كيفَ وقعَ الأمر؟ أنا كانت عندي علاقة بمُدير الشعائر الدينية المسؤول عن المساجد وهو الشخصية نافذة في الوزارة الكُبرى الوزارة الأُولى الشيخ كمال التارزي رحمهُ الله، الشيخ كمال التارزي كانت علاقتي بهِ علاقة التلميذ بأستاذهِ وكانَ يستنجبُني ووضعَ ثقتهُ فيّ حتى وصلَ الأمرُ بهِ إلى أن يُنيبَني عنهُ في خُطبةِ الجُمعة التي كانَ يُلقيها في المرسى في مسجدهِ وبقيت 7 أسابيع مُتتالية أُقيمَ خُطبةَ الجُمعة في مغيبهِ لأنهُ تغيَّبَ في مؤتمرٍ بالهند وباكستان، مَن سيُبلغُ السُلطةَ؟ هوَ، هو كانَ راضياً عن هذا الوضع.

أحمد منصور: ما كنش في مُخبرين ولا أمن ولا شيء؟

عبد الفتاح مورو: كان في مُخبرين بدؤوا يشعرونَ بالخطرِ وجُلُّهُم من المُتصلينَ بالحزبِ الحاكم وهؤلاءِ هُمُ الذينَ فرضوا على الشيخ كمال التارزي أن يُزيحني من جامع سيدي يوسف وفعلاً أزاحني من جامع سيدي يوسف لكن لم يُتخَذ في شأني قرارُ إبعادٍ فأصبحتُ بهذهِ المُناسبة أتجوَّلُ في المساجدِ جميعاً وصليت إماماً في 50 مسجد من...

أحمد منصور: بدل المسجد واحد.

عبد الفتاح مورو: بدل المسجد واحد 50 مسجد بالعاصمة يعني من منوبة لحلق الوادي لباردو لأريانا لأيِّ مكان كُنتُ أدعى في كُلِّ أُسبوع في بعض الأحيان أُسبوعين 3 أسابيع مُتتالية ولكن العجيب يا أستاذ أني عندما أُقيمُ الخُطبة في جامع مِن الجوامع تتغير نوعية المُصلين، يكثرون لي تكوُّن الشباب، الخُطبة الثانية أو الثالثة لا نجِد أينَ نضعُ الناس، فأصبحنا في كُل مسجد نتركُ أثراً إمّا مكتبة أو سِدة، نبني سِدة من الخشب.

أحمد منصور: خارج المسجد!!

عبد الفتاح مورو: داخلَ المسجد في الفضاء بينَ...

أحمد منصور: للتعلُم؟

عبد الفتاح مورو: لا للجلوسِ بها للصلاة لأن المساجد لم تعُد تستوعب، فجُلُّ المساجد التي خطبتُ فيها تركتُ فيها أثراً حِسيَّاً مادياً موجوداً إلى الآن.

بورقيبة والمسألة الدينية

أحمد منصور: كيفَ فشلَ يعني عملية التغريب المُتوحشة التي قامَ بها بورقيبة على مدار 14 عاماً كيفَ فشلت أمامَ شبابٍ صِغار لم تتبلور الأفكار الإسلامية في أذهانهِم بعد؟

عبد الفتاح مورو: هو كُل عمل فوقي يبقى لهُ أثر!! العملُ الفوقي لا يتركُ أثراً هو خِلافنا مع بورقيبة ليسَ التحديث وإنما في الأُسلوب الذي فرضَ مِن خلالهِ التحديث، عِوَضَ أن يجعل القضية قضية اهتمامِ الشعب بإطاراته ونُخبتهِ وقياداتهِ ويتحاور معَ الناس ويُؤصِّلَ لهذهِ الدعوة التحديثية أرادَ أن يفرضها فرضاً و يستبقَ الزمن فبقيت عمليةً فوقيةً لم تنفُذ إلى أعماقِ الناس، وكذلكَ كُلُّ عملٍ لا يؤصَّل لا يُمكنُ أن يجِدَ لهُ من الشعبِ مَن يؤازرهُ ويأخُذُ بزمامهِ، الدعوة التحديثية يجب أن تتحولَ إلى خيارٍ شعبي، يجب أن تتحول إلى خيارِ النُخب ثُمَّ خيار الشعوب، خيار الشباب، الشباب لم يُستشَر كانَ مُهمّشاً لذلكَ اقبلَ علينا وجاءنا، اليوم بينَ قوسين أقولُ لك الشباب ينفروا منا لأننا لم نبق أوفياءَ لذلكَ السمة الذي كُنا عليهِ سابقاً.

أحمد منصور: آه هذهِ نُقطة مُهمة، ما جذبتُم بهِ الشباب في 1969 والسبعينيات يعني لم تُحافظوا عليهِ فنفرَ منكُم الشباب الآن.

عبد الفتاح مورو: تخلَّفوا، اليوم انشغالنا بالعمل السياسي وميلَتنا ميلةً واحدةً إلى العمل للمواجهة السياسية هو الذي أفقدنا قواعدنا في المساجد، تغيَّبنا عن المساجد ليش؟ لأنَّ الواقع فرضَ علينا في بلدٍ الأطراف السياسية الأُخرى تنعى علينا أن نجمعَ بينَ الصِفة الدينية والصِفة السياسية وفرضوا علينا إذا تحلَّينا بالصِفة السياسية أن نتخلى عن المساجد، تخلينا عن المساجد وُجِدَ ذلكَ الفراغ أولاً بحُكمِ التجفيف، تجفيف المنابع الذي قامَ بهِ بن علي سابقاً، بُعد الشُقَة مع مشائِخ الزيتونة الذينَ تُوفوا الواحدَ تلوَ الآخر والذينَ بقوا الآن ليسَت لهُم علاقةَ بذلكَ التعليمِ الزيتوني مُباشرةً اليوم احتلَّ المسجدَ غيرُنا، اخترعوا هذا الفِكر السطحي، الفِكر الظهاري الذي لا يُقيمُ معنىً لمقاصد الشرعية ولا يُقيمُ معنىً للتسبيب والذي لا يُراعي الواقع ولذلك..

المسجد محل تربية الأمة

أحمد منصور: يعني أنتَ توصي الحركة الإسلامية بضرورة العودة للمساجد مرةً أُخرى.

عبد الفتاح مورو: بأن تُمارسَ وجودها وكِيانها في المسجد، المسجد هو محلُّ تربيةُ الأُمة، الذي يُريدُ إصلاحَ الأُمة يجبُ أن ينطلقَ من المسجد، الحركة الإصلاحية تنطلقُ من المسجد بوعيٍّ، بفَهمٍ، بإدراك، بفِكرٍ يأخُذُ بعينِ الاعتبار تطوَّر الزمن لكن يُبقي على الأُصولِ ثابتةً ولذلك أيِّ حركةٍ سياسية لا يكونُ لها رِدفٌ وراءها من حركةٍ فكريةٍ وحركةٍ شعبيةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ لا يُمكنُ أن ينجح، الذينَ نجحوا هُمُ الذينَ لا أقولُ وظّفوا الدينَ للسياسة وإنما أعطوا للتربيةِ الدينية والتكوينِ الديني مكانهُ، أعطوا للشؤونِ الاجتماعية مكانها وكانوا بذلكَ قادرين على أن يُؤثّثوا الفِكرَ السياسي الذينَ يدعونَ إليهِ.

أحمد منصور: كُنتُ أُحاورُ سياسية فرنسية فقالت لي إنَّ الأحزابَ الكُبرى في الغرب بدأت تشيخ وتندثر لأنها انفصلت عن الشارع وعن حياةِ الناس، هل تعتقد أنَّ الحركة الإسلامية أيضاً ابتعادها عن الحياة اللصيقة بالناس وانشغالها كثيراً بالسياسة أوقعها في أخطاء ومُشكلات كثيرة وصرفت الناس عنها؟

عبد الفتاح مورو: هي بانقطاعها عن واقعِ الناس وعن واقعِ الشبابِ بشكل خاص واهتمامات الشباب أصبحت تتحدثُ عن واقعها هي عندما كانت بصددِ التكوين، فهي تُحدِّثُ الناسَ عن تاريخ عن ماضي، أنتَ تجلسُ إلى أي قيادة إسلامية إلّا مَن عصمَ الله لا تجِدهُ يتحدث إلّا عن أستاذهِ وعن شيخهِ وعن خُطبةِ شيخهِ في ذلكَ الزمان كما أتحدث أنا عن خُطبتي سنة 1970، لكن الذي يهُمُ الشاب اليوم هو ما يُقارِعهُ من واقعٍ مُتغيِّرٍ، الأفكار التي تُطرَحُ عليهِ، هذهِ التجُمعات العالمية الجديدة، قضية المعاش اليومي كيفَ يُمكِن لهذا الإنسان أن يتفصى من تَبعات الحياةِ الاستهلاكية وأن يُصبَحَ فاعلاً، أن تكونَ لهُ خلفية ثقافية، أن يكونَ لهُ فِكرٌ فاعلٌ، أن يُجنَّدَ لخدمةِ قضايا الأُمة، اليوم قضايا الأُمة هي التحرُر في العالم، هي قضية العالم يجب أن نتبناها نحن، هي قضية الظُلم والاستبداد، هي قضية الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بينَ جُزءٍ من العالم يقودُ العالم وجُزءٍ آخر لا يصِلُ إلى توفيرِ الحد الأدنى مِن الحياة، هذا اهتمامُنا وإسلامُنا يفرضُ علينا أن نهتم بذلك، اليوم نهتمُ بقضايا 40 وقضايا30 نهتم بقضايا 2015 وقضايا 2015 هي كما ذكرت، إذا لم يكُن لنا حضورٌ معَ الناس لا نستطيعُ أن نُساعدَ الناسَ على تقديمِ الحلول ولذلكَ أنتَ تجِدُ أنَّ خِطابنا أصبحَ خِطاباً ارتدادياً خِطاباً رجعياً، خِطاباً يُثيرُ فينا قضايا الشوق إلى الإسلام ومحبة الإسلام الماضوي دونَ أن يُمهِّدَ لحياةٍ إسلاميةٍ تُعايشُ الواقع الذي نعيشهُ، ما الذي يجعلُنا اليوم لا نجلسُ معَ الشباب لنعلمَ سببَ إعراضهِم عن الدين؟ سببَ هرتقتهِم؟ سببَ عدمِ إيمانهِم بالله؟ ما الذي يجعلهُم لا يؤمنونَ بالإسلام؟ ما الذي يجعلهُم عندما يُذكَرُ القُرآنُ أمامهم يبتعدون؟ يجبُ أن نفهم ذلك، الشباب اليوم عندهُ قضايا جِنس يجب أن لا نستحي مِن أن نطرحها معهُم ونتحدثَ معهم في علاقةِ الفئتين من الشباب مِن الذكورِ والإناث، أنتَ عارف اليوم في عالمنا الإسلامي اليوم ناس يعيشونَ بعقلية القرن الرابع هجري، اليوم في بلادِ المُسلمين اليوم.

أحمد منصور: يتهيأ لي القرن الرابع كان َفيهِ تقدُم أفضل.

عبد الفتاح مورو: ربما أكثر، اليوم في عالمنا تُمنَعُ الفتاة مِن التعرُّفِ على خطيبها والخطيبُ يُمنَعُ من التعرُّفِ على خطيبتهِ في عام 2015، يا سيدي فين نحنُ اليوم؟

أحمد منصور: "نشأت الحركةُ الإسلاميةُ لتُجيبَ على مثلِ هذه الأسئلةِ الكُبرى حولَ الوجودِ والتاريخِ والدينِ ونظامِ الحياةِ والموقفِ من الحداثةِ والمسألة الفلسطينيةِ والعلاقةِ معَ الغرب والموقف الغربيّ مِن الإسلام والمُستقبلِ العربي"، راشد الغنوشي صفحة 43 من كتاب مِن تجرُبة الحركة الإسلامية، في سنة 1970-1971-1972 كانت الأمور دي واضحة عندكُم؟

عبد الفتاح مورو: كيف!!

أحمد منصور: كانت هذهِ القضايا واضحةً لديكُم؟

عبد الفتاح مورو: كانت تُطرَحُ علينا، هذهِ قضايا بدأنا تطرقُ أسماعنا وبدأنا نجتمع في حلقاتنا الدراسية كانت الحلقة يوم السبت بينَ العصرِ والمغرب حتى نسمحَ للشباب الذينَ لا يُصلِّون بأن يدخلوا المسجدَ ولا يُحرَجون بإقامةِ صلاة.

أحمد منصور: يا سلام.

عبد الفتاح مورو: فنأتي بعدَ العصر ويخرجونَ قبلَ المغرب لكن هذا حوَّلهُم بعدَ أمدٍ قليل إلى روُّادِ المسجد يُصلِّون ويقرؤون القُرآن، كُنا لا نتحرَّج مِن أن يدخُلَ المسجد شبابٌ مُخالفٌ لنا في المبادئ، أنا أذكُر أني التقيتُ بالأستاذ صلاح الدين الجورشي كانَ يسارياً في تلكَ الفترة والتقيتُ بهِ بالطريقِ العام لأُدخلهُ المسجد على طريقةِ جماعةِ التبليغ فلما دخلَ استمعَ للخطاب لم يُقنعهُ الخطاب لأنَّ هذا خِطاب وعظي والرجُل لهُ قضايا، فعندما خرجنا قُلتُ لهُ بكرى تجيئنا قال لي لأ هذا الكلام اللي قُلتهُ لا يهمُني، شو تُحِب؟ قال لي أُريد أن أجلس معكَ لأُثير بعضِ القضايا، فقُلتُ لهُ طيب، قالَ لي أنا أدعوكَ إلى إحدى المقاهي، أنا لم أكُن من روادِ المقاهي فدخلتُ المقهى بسببِ هذهِ الواقعة وفهمت أنَّ مِن واجبنا أن ندخُلَ المقاهي كذلكَ، دخلت المقهى وجلستُ معهُ 3 جلسات أو 4 جلسات كفَت لئن يقتنعَ وأصبحَ من قياداتِ العمل الإسلامي، الذي كانَ يسارياً وكانَت تُطرَحُ عليهِ هذهِ القضايا فلا يجِدَ لها حلاً فوجدَ إمكانيةَ آفاقٍ جديدةٍ تفتحُ أمامهُ رؤية أصبحَ هو من روادها بعدَ ذلك.

أول اجتماع تأسيسي للجماعة الإسلامية

أحمد منصور: أنا قضيت وقت طويل يعني حتى في نقاشاتي معكَ في التحضير في تونس ومع بعض قيادات الحركة وأنا أُحاولُ أفهمَ تلكَ المرحلة لأني كان في ضبابية كثيرة في الاجتماعات والنشأة وغيرها، بعض المصادر قالت: "إنَّ أول اجتماع تأسيسي للجماعة الإسلامية التي أصبحت حركة الاتجاه الإسلامي ثُمَّ حركة النهضة بعدَ ذلكَ كانَ في شهرِ أبريل عام 1972 وسُميَّ اجتماع الأربعين، عُقِدَ في احد ضواحي العاصمة في مرناق".

عبد الفتاح مورو: في مرناق نعم.

أحمد منصور: أنتَ أخبرتني و...

عبد الفتاح مورو: هذا حصلَ حصل، هذا حصل.

أحمد منصور: آه طيب.

عبد الفتاح مورو: لكن هذهِ إرهاصات لأنَّ هذهِ...

أحمد منصور: عليّه علّاني برضهُ يذكُر في أُطروحتهُ عن النهضة في صفحة 47 عن زياد كريشان قولهُ :" إنَّ اجتماع الـ 40 في أبريل 1972 تبنى فيهِ الحاضرون الفِكر الإخواني وسمّوا أنفسهُم الجماعة الإسلامية".

عبد الفتاح مورو: لم نتبن بصراحةٍ الفِكرَ الإخواني لأنهُ كانَ قضيةً شائعةً بيننا وبينَ غيرنا، ولذلكَ لا أذكرُ إننا اتخذنا قراراً في ذلكَ وهذا يُتخذُ في شأنهِ قرار.

أحمد منصور: لكن إيه الشكل اللي اتفقتُم عليهِ في ذلكَ الوقت كأول اجتماع في العدد الكبير هذا؟

عبد الفتاح مورو: هي تعاهدنا على أن نخدُمَ الإسلامَ في بلدنا، وكانَ هذا في مرناق في دار الشيخ عبد القادر سلامة، رُحنا في يومين أو في 3 أيام.

أحمد منصور: مَن الشيخ عبد القادر سلامة؟

عبد الفتاح مورو: عبد القادر سلامة هو صاحب مجلة المعرفة وهو صديق الشيخ محمد صالح النيفر وهو الشخص الذي راعانا بعنايتهِ ورعايتهِ طِوالَ مُدةَ حياتهِ إلى أن توفي إلى رحمةِ اللهِ تعالى وكانَ لهُ فضل كبير، هو من خريجي الزيتونة مارسَ التجارة ولكنهُ من خريجي الزيتونة ومِن أصحابِ القضية الإسلامية يعني على مُستوى الشيخ محمد صالح النيفر تقريباً، هذا الرجُل...

أحمد منصور: هل اخترتُم مسؤولاً في هذهِ الجلسة؟

عبد الفتاح مورو: اخترنا مسؤولٌ الأستاذ راشد الغنوشي نعم.

أحمد منصور: يعني أول اختيار في أول اجتماع كبير في العام 1972 كانَ راشد الغنوشي.

عبد الفتاح مورو: نعم وكُنتُ أنا مُساعِدهُ.

أحمد منصور: وكُنتَ أنتَ نائبهُ.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: سميتم...

عبد الفتاح مورو: يبدو أننا سميناها أمانة عامة أو شيء من هذا يعني..

أحمد منصور: آه الأمين العام.

عبد الفتاح مورو: كُنت أنا الأمين العام وهو الرئيس لكن مش بالشكل الذي نشهدهُ اليوم يعني لا كانت في كتابة ولا كانت في مرجعية إدارية وما كانت في مُخططات واضحة، كُنا في تلكَ الفترة نُديرُ وجودَنا حيثُ وُجدنا، أينَ وُجدنا في تلكَ الفترة؟ وُجدنا في المساجد، مع الشباب، في جمعية المُحافظة على القُرآن هذا كانَ غِطاءً قانونياً يسمحُ لنا بالحَراكِ وسطهُ، ووجدنا أنفسنا بالجامعةِ التونسية وهذا فتحٌ، هذا فتحٌ.

أحمد منصور: بداية العمل بينَ الطلبة في الجامعة متى بدأ؟

عبد الفتاح مورو: 1971.

أحمد منصور: 1971.

عبد الفتاح مورو: 1971، أنا خرجت من الجامعة في أواخِر 1970 وتركت الجامعة، أنا عندما كُنت في الجامعة كُنت أُصلي وحدي في كُليةِ الحقوق حتى أني أصررت على أن أحصُلَ على ترخيصٍ في مسجدٍ ولمّا ضايقتُ الكاتب العام للكُلية تبرَّعَ بعدَ ضيقٍ تبرَّعَ عليَّ بمكان عرضهُ متر و20 وطولهُ متران وكُنتُ أُصلي فيهِ وحدي، مَن كانَ يُساندني؟ كانَت يُساندُني فتاةٌ قسيسةٌ مسيحيةٌ اسمُها مادموزيل لوسي بلوفست فرنسية، كانت تزاول معي بنفس القسم بنفس المكان الحقوق، وكانت عندما أخرج لصلاة الظهر أو العصر كانت تأتي أمام نافذة هذا المكان وتقول أنا أسانده لأنه لا يوجد من يسانده فأنا أسانده لأنه يقيم شعائر دينه ولو كنت من دينه لدخلت معه، فوجدت مساندة من هذه الفتاة حتى في تلك الفترة زارنا وزير التربية في تلك الفترة الأستاذ محمد مزالي، كان وزير التربية فرآني من بعيد في ساحة الجامعة وأنا بهذا اللباس المميز فأراد أن يتعرف ودعيت لمقابلته وأشعر قبل أن أصل بأنني أطالب بمسجد، فسألني قال أنت راغب في مسجد؟ قلت له نعم، قال لي أنا أسألك الصلاة فرض عين أو فرض كفاية؟ أنا عارف أنه السؤال للسخرية مني فقلت له يا سيدي هذا الجواب يتوقف على مكانة المسؤول عنه إن كان من أعيان الناس من وزرائهم وملوكهم فالصلاة بالنسبة إليه فرض كفاية يقوم بها غيره فإذا كان من عامة الناس فهي فرض عين، قطع الحديث لأنه فهم المرامي...

أحمد منصور: أنت سخرت منه أكثر.

عبد الفتاح مورو: أنا لم أسخر منه إنما سخرت من الفكرة، لأن هذا الرجل أقدره وهو توفي إلى رحمة الله تعالى وأنا أكن له كل الاحترام والتقدير لكن هذه الواقعة يجب أن أقولها.

دعوة الشباب واستمالتهم إلى المساجد

أحمد منصور: هنا مجلة المعرفة التي كان الشيخ عبد القادر سلامة يصدرها التي تعبر عن أفكاركم كنتم تكتبون فيها الكتابات المختلفة، أيضا أصبحت جمعية القرآن الكريم التي أشرت إليها هي مكان التي، كل هذا والدولة لا تتعرض لكم بشيء.

عبد الفتاح مورو: جمعية المحافظة على القرآن عمل قانوني وكنا سننا سنة المحاضرات كان الشيخ الفاضل بن عاشور من بين المحاضرين يوم الأربعاء وغيره من المشايخ منهم الشيخ مختار بن محمود رحمه الله، وهذا العمل لم يلفت النظر، الذي لفت النظر هو تحركاتنا خارج الجمعية وخروجنا للمساجد وتحركاتنا الملفتة الاستعراضية عندما نتنقل في حافلات، أنا كنت أشرف على تحركات الشباب فكنت كل يوم أحد أخرج من أمام قصر الحكومة 8 إلى 10 حافلات...

أحمد منصور: ما شاء الله 8 إلى 10 حافلات.

عبد الفتاح مورو: نعم يوم الأحد...

أحمد منصور: أنت يعني ولا يهمك أحد.

عبد الفتاح مورو: هو عمل ليس فيه إساءة لأحد لكن تفطنا بعد ذلك أننا وفرنا الحُجة لمن يخشانا بأن يجد سبيلا لتعطيل عملنا وكنا أغرارا لم نكن نأخذ حذرنا، هذه الحركة..

أحمد منصور: كنتم تعملون إيه في الحافلات هذه؟

عبد الفتاح مورو: في الحافلات نأخذ الشباب إلى المنتجعات إلى الجبال إلى الشواطئ في الصيف ليمارسوا هواياتهم من اللعب لكن يكونون في جماعة مأمونة، ثم أصبحنا نعد 4  أو 5  حافلات للفتيات يشرف عليها الشيخ محمد صالح المتقدم في السن سنه 85 وهو يأخذهم إما إلى شواطئ خاصة بالنساء كان في شواطئ خاصة بالنساء في تلك الفترة أو إلى حدائق خاصة يتبرع أصحابها للفتيات بأن يأتين ويقضين ذلك اليوم في اللعب والضحك والسباحة دون أن يقلقهن أحد، وهذا وفر لشبابنا تكوينا متوازنا أصبح الذي ينتمي إلينا لا ينتمي إلينا لمجرد كونه يقرأ القرآن أو يصلي أو يسمع خطبة وإنما يمارس الحياة العادية كونا فرق كرة القدم بين الأحياء، وأصبحنا نشرف على نهائيات هذه المباريات وأنا أوزع الكأس على الفريق الفائز، متى؟ في الخامسة فجرا قبل أن يفيق الناس، لأننا كنا نستغل بعض الملاعب بدون إذن السلطة لكن بإذن الذين يشرفون عليها من الحراس، كانوا يحبوننا ومن أبنائنا المقربين إلينا فلا يرون مانعا من إفساح المجال لشبابنا بأنهم يمارسوا هواياتهم الرياضية ولم يكن في ذلك خلفية سياسية البتة، أذكر أن جمعية المحافظة على القرآن رحنا في ضاحية من ضواحي تونس تسمى بن عروس وهي منطقة صناعية كل الذين يقطنونها من ضعفاء الحال والمتوسطين، هذه سوينا فيها في فترة الصافة إملاء قرآنيا في الجامع الأكبر فيها، هذا الإملاء كم جمع طفل...

أحمد منصور: يعني إيه إملاء، مسابقة للقرآن؟

عبد الفتاح مورو: إملاء الشيخ يملي يذكر الآية والأطفال يعيدون، هذا نسميه إملاء، وهذه خاصية لتونس التحفيظ عن طريق الإملاء، هذا المسجد جمع 5 آلاف من الأطفال...

أحمد منصور: متى في أي وقت هذا؟

عبد الفتاح مورو: هذا في 1974.

أحمد منصور: هذا بورقيبة كان نايم على ودانه.

عبد الفتاح مورو: هذه استفاق منها لأنه هؤلاء الأطفال الشيخ ورائه 10 من المساعدين هو يملل {الحمد لله رب العالمين} هم يعيدون هؤلاء المشايخ.

أحمد منصور: والـ5 آلاف ورائهم.

عبد الفتاح مورو: والـ500 كل شيخ عنده 500 هم يحيطون به..

أحمد منصور: من 10 هذا زمانهم سمعوا بورقيبة..

عبد الفتاح مورو: فالمسجد كله يتحرك يقول {الحمد لله رب العالمين} لم أر شخصاً في هذه المدينة يستمع لـ{ الحمد لله رب العالمين} تنطلق من 5 آلاف صوت إلا ويبكي ولو كان قلبه حجراً، فمر رئيس البلدية لا أذكر اسمه رحمه الله، قال ما هذا؟ قالوا هذا إملاء قرآني، قال شو إملاء قرأني من يشرف عليه؟ قالوا جمعية المحافظة على القرآن، فاتصل بمدير الحزب كان محمد الصياح في تلك الفترة قال له غُزينا في عقر دارنا انتهى الموضوع، 5 آلاف تصور يا أستاذ يعني 10 آلاف رجل هؤلاء في حي شعبي كلهم يلبسون أحذية متشابهة حتى لا يحصل مشكل كل واحد عنده كيس بلاستيكي في يده مربوط في يده موضوع فيه حذائه حتى لا يختلط بأحذية الناس، يدخلون منتظمين يخرجون منتظمين لم يتظلم أحد، يأتي الناس ليتفرج على أبنائهم، هذه المدينة عرفت سلماً وأمناً مدة شهرين ليس فيها عراكٌ في الطريق العام ولا سبٌ ولا شتيمة أبداً، 5 آلاف يقرؤون القرآن وكل البيوت تستمع، ماذا كان رد فعل محمد الصياح؟ اتصل بالشيح الشاذلي النيفر قال له ما هذا؟ قال له عبد الفتاح هو المشرف على الإملاء، قال يُطرد من الجمعية وإلا تغلق الجمعية فطردوني من الجمعية..

أحمد منصور: كنت قاضياً وقتها.

عبد الفتاح مورو: أنا كنت قاضياً نعم.

أحمد منصور: سآتي لمهام عملك ولكن هذه كانت نهاية علاقتكم بجمعية القرآن الكريم.

عبد الفتاح مورو: النهاية المباشرة فقدنا جولة من جولات السباق فقدناها..

أحمد منصور: والسبب أنكم غزوتم المساجد بتحفيظ الطلبة القرآن.

عبد الفتاح مورو: نحن لم نراع التدرج، أنا أقول هذا الكلام لأنه كان من المفروض أن تقوم بنفس الفعل في مساجد متفرقة..

أحمد منصور: يكون العدد قليل..

عبد الفتاح مورو: ويكون العدد مقبول.

أحمد منصور: ومجلة المعرفة ما قصتكم معها؟

عبد الفتاح مورو: مجلة المعرفة هذه المجلة عندما تعرفنا على الشيخ محمد صالح النيفر والشيخ عبد القادر سلامة تفطنا أن الشيخ عبد القادر سلامة هو الذي كان صاحب الامتياز صاحب الرخصة فقال هذه المجلة أُوقفت، رحنا سألنا فقالوا لا لم توقف لم تسحب منه الرخصة وإنما عُطّل عددٌ، فجمعنا مالاً قليلاً أتذكر أنني جئت بـ10 دنانير أفتكر هذا وأنا طالب جئت بـ10 دنانير للمساهمة في رأسمال..

أحمد منصور: إعادة إصدار المجلة.

عبد الفتاح مورو: إعادة إصدار المجلة وفي العام نفسه قمنا بعمل نشر للكتابِ الإسلامي، أذكُر أني كتبتُ رسالةً سمّيتهُا الصلاةُ عماد الدين في كيفية تعليمِ الصلاة ولكن باعتباري أنا شاب صغير لا يعرُفني احد رُحت للشيخ محمد صالح النيفر قُلتُ سأكتبُ اسمك باعتبارك أنتَ المؤلِّف حتى تحظى بالقبول، راجعها قبِلها، طبعناها، أقول لك يا شيخ هذهِ طبعتُ منها مليونَ نُسخة.

أحمد منصور: مليون نُسخة!!!

عبد الفتاح مورو: مليون، على مدى 10 سنوات مليون نُسخة، لم يبق بيتٌ في تونُس إلّا وصاحبهُ يحمل الصلاةُ عماد دين، كُنا نبيعهُا بالتكلُفة فغَزَت كُلَّ البلدِ والذينَ تعلموا الصلاة تعلموا بكتاب الصلاة عماد الدين، وأصبحَ من عادةِ الناس عندما يأتونَ المساجد ينتظرونَ كُل يوم جُمعة أن تُباعَ لهُم رسالةٌ في بابِ المسجدِ، كتاب يعني طبعنا كُل الذي تتصوره 520 عنواناً يا أستاذ.

أحمد منصور: موضوعات في إيه؟

عبد الفتاح مورو: موضوعات ما تتصورهُ من الثقافة الإسلامية.

أحمد منصور: والنظام...

عبد الفتاح مورو: بعض الكُتُب سرقناها.

أحمد منصور: والنظام سايبكُم!!

عبد الفتاح مورو: بعضها نُصرِّحُ بهِ وبعضها راحَ في الظلام، يعني زينب الغزالي مثلاً طبعنا كتابها خِلسةً ووزعناهُ بتونس علانيةً، لم...

أحمد منصور: أيام من حياتي.

عبد الفتاح مورو: أيام من حياتي، هذا الكتاب طُبِعَ في 10 ألف نُسخة ووزِّعَ 5000 نُسخة في أُسبوع، الأسبوع اللي بعدهُ طبعنا 5000 نُسخة طُبعَت ووزِّعت في أُسبوعاً واحداً، بروتوكولات حُكماء صهيون طبعنا منهُ 20 ألف، مش عارف ايش يعني حوارٌ مع الشيوعية في أقبية السجون.

أحمد منصور: هذا عبد الحليم خفاجي.

عبد الفتاح مورو: عبد الحليم خفاجي كتبنا 5000 نُسخة طبعنا، بعض الكتب اعتدينا فيها على حقوق التأليف يقيناً لكن لا لربحٍ لأن هذهِ...

أحمد منصور: وإنما لنشرِ الوعي..

عبد الفتاح مورو: نبيعهُا بالتكلِفة، في بعض الأحيان استأذنا أصحابها وفي بعض الأحيان لم نستأذن، وأسألُ الله أن يغفِرَ لنا ذلك.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: طيب حتى لا أتجاوز أنا بعض المصادر قالت إن اجتماع الأربعين هذا أنتَ قُلت اُختير الشيخ راشد رئيس وأنتَ أمين عام لكن كيفَ كانَ دور أحميدة النيفر نائباً لهُ وصالح كركر نائباً ثانياً أم كانَ لهُم دور في هذا؟

عبد الفتاح مورو: كان لهُما دور لكن ربما رئيس مجلس الشورى، ربما رئيس مجلس الشورى.

أحمد منصور: بعض المصادر هُنا قالت إنَّ النظامَ هو الذي غضَّ الطرفَ عنكُم لمواجهة اليساريين الذينَ كانوا يُشكِّلونَ خطراً شديداً على بورقيبة ونظامهِ في ذلكَ الوقت.

عبد الفتاح مورو: لا أتصورُ هذا صحيحاً لأسباب: أولاً لأن بورقيبة مع عِدائهِ للحزب الشيوعي مدَّ يدهُ لليساريين لتنفيذِ البرنامج الاقتصادي الذي كانَ يفتقدهُ هو والأستاذ أحمد بن صالح هو يُمثلُ توجُّهاً يساريا في تلكَ الفترة واستعانَ بهؤلاءِ المُنتمينَ إلى التيار اليساري دونَ أن يترُكَ لهُم إمكانيةَ التغلُّبَ عليه، الأمر الثاني أنَّ بورقيبة لم يسمح لنا مُباشرة بالتواجد بهذا الشكل لأنهُ لم يكُن يُدركُ هذا الواقعَ والذي بلغَ إليهِ مِن معلومات هي معلوماتٍ بسيطة تتحدثُ عن شبابٍ يتحركونَ في المساجد لشأنٍ دينيّ ونحنُ في تلكَ الفترة لم نرفَع رايةً غيرَ الرايةِ الدينيةِ أبداً، وكُلُّ ما وجّهناهُ مِن انتقادٍ للسُلطة كانَ في انتقاد خياراتها والتي كانَ يعتبرُها تقدُميةً واعتبرُ أنَّ الشعبَ يُمالئهُ فيها فلم يكُن مُتأثراً مِن نقدنا لهُ لأن...

أحمد منصور: لم تكونوا تتحدثوا في السياسة وإنما ركزّتُم في الخِطاب على مُقاومة الإلحاد والشيوعية واليسار والفِكر المُتغرِّب والعودة إلى جذور الهوية العربية الإسلامية لكن لم تكونوا تتحدثوا في السياسة بشكلٍ يُقلقهُ.

عبد الفتاح مورو: إحنا في فترة من الفترات وإحنا كُنا في جمعيةِ المُحافظة على القُرآن وكان أمينها العام الأستاذ الحبيب المُستاوي رحمهُ الله ورئيسها الشيخ الشاذلي النيفر عندما انفصلَ بعضُ قياداتِ الحِزب الدستوري عن بورقيبة في 1971 وعلى رأسهِم الأستاذ أحمد المستيري ومعهُم 7 وزراء غادروا الحزب الدستوري وهذا كانَ أمراً عظيماً في تلكَ الفترة أن تُشَّق الطاعة..

أحمد منصور: سجّلنا مع أحمد المستيري شهادتهُ على العصر.

عبد الفتاح مورو: في وجه بورقيبة، مَن انضمَّ إلى هؤلاء؟ انضمَّ إليهم الشيخ الحبيب المستاوي، الشيخ الحبيب المستاوي بصِفتهِ الدينية باعتباره خريج الزيتونة أرادَ أن يجِدَ لنفسهِ قوةً خلفهُ تُعطيهِ مكانةً لدى الجماعة التي انضمَّ إليها ففكرَ في أن يستجلبنا نحن الشيخ راشد والشيخ أحميدة وأنا وعرضَ علينا أن ننضمَّ إليه، لم يجِد أُذناً صاغيةً منا جميعاً رغمَ كَونهِ فاجئنا وأخذنا فُرادى لأنهُ لم يكُن في حُسباننا أن نقوم بأيِّ عمل سياسي، قُلنا لهُ إحنا بتاع ربي عندنا عمل ديني ما عندنا دخل في السياسية ولا نُريد أن نعمل سياسياً وكُنا صادقينَ في ذلك، النظام هو الذي فرضَ علينا أن يُصادِمنا وجعلنا عدواً لهُ، يعني إحنا عندما حوكمنا سنة 1981 ما هو السببُ في مُحاكمتنا؟ لم يصدُر منا ما مِن شأنهُ أن يُسيءَ للنظامِ أبداً.

إقبال الناس على التديُّن

أحمد منصور: سآتي لكَ في مُحاكمة 1981 ولكن برضه في هذهِ الفترة أحميدة النيفر يقول: " إنَّ الجماعة الإسلامية كانت تملئُ الفراغَ الهائل الذي صنعتهُ السُلطةُ الحاكمةُ مِن حولها وفي كاملِ البلاد وهذا أحد أسباب إقبالِ الناس على التديُّن في تونس في ذلكَ الوقت".

عبد الفتاح مورو: يقيناً وبخِطابٍ جديد، الناس فارقت المساجد عندما أصبحت خُطبة الجُمعة تقتصرُ على وعظٍ وإرشاد وتذكيرٍ بأحكامٍ فقهية، كُلُّ الدروس التي كانت تُلقى في المساجد ويُلقيها المشايخ المُتقاعدونَ مِنَ الزيتونة أو الذينَ كانوا بالزيتونة وأُخرجوا منها بعدَ أن أُغلقَت أبوابها، ما هي مواضيعها؟ مواضيعها هي الرسالة لعبد الله بن أبي زيد القيرواني، بعض الأحكام الفقهية المُتعلِّقة بالمُمارسات اليومية، الرتابة هذهِ جعلت لا يُقبلُ على هذهِ الدروس إلّا قُدماءُ المُصلين الذينَ شابَ قرناهُم في العبادة، أمّا الشباب والطبقة الشغّلية والفتيات والنساء فكانوا جميعاً مُبعَدين عن هذا الواقع، رأينا لأول مرة فتياتٍ يدخُلنَ المسجد يا أستاذ وفي سنة 1970 و 1971، أول فتاة تلبسُ حجاباً في تونس وتخرُج لابسةَ الحجابِ هذا كانَ شيئاً عظيماً، الأستاذة هند شلبي وما أدراك بنت الشيخ أحمد شلبي إذا بها تلبس حجاباً وتفرض وجودها في الـ 1970، في الـ 1969 والـ 1970 في تلكَ الفترة بالذات وبعد نصف سنة تخرج فتاة ثانية كانت تعمل بمؤسسة بنكية لتلبسَ حجاباً، هذا كانَ أمراً مُلفِتاً وكانَ في الحقيقة أمراً عظيماً يعني هذا كَسب في تونس.

أحمد منصور: المساجد رغمَ عملية التغريب اللي كانَ بورقيبة يقوم بها لكن أنا وجدتُ معلومة غريبة جداً نقلها علية علّاني في أطروحتهِ عن الحركة الإسلامية في تونس يقول:" أنَّ عدد المساجد في تونس قد ارتفعَ مُنذُ العام 1960 مِن 793 مسجد فقط إلى 1498 مسجد في عام 1978 مع حضور كبير للشباب لحضور الخُطَب والدروس"، فترة السبعينيات كانَ فيها رِدة تونسية نحوَ الإسلام.

عبد الفتاح مورو: يقيناً لكن بناءَ المساجد لا علمَ لي بمَن قامَ بذلك، الذي أذكُرهُ أني عندما كُنتُ إماماً كُنتُ استنجدُ بالناس لتأثيثِ مسجدٍ من المساجد فيكفي كلمة فوقَ المنبر ليجتمعَ لدينا ما يكفي لتأثيثِ المسجدِ وزيادة، حتى أنهُ كُنتُ في جامع القصبة وهو جامع وسطَ الأوساط الحكومية ولا يؤمُّهُ إلّا الموظفون ضاقَ المسجد بروادهِ عندما أصبحتُ إماماً، في الخُطبة الثانية لم نجِد أينَ نضعُ الناس كانوا بالطريق العام فطلبت من الناس أن يجمعوا مالاً لبناءِ سِدة خشبية على كامل المسجد حتى تستوعبَ ما يقرُب من 1000 شخص تقريباً زيادة، وكُنتُ قاضياً يومَ السبت عندما دخلت المكتب إذا بشخصٍ يتقدمُ إليّ لم أتعرّف على اسمهِ إلّا بعدَ 15 سنةً، هذا الرجُل قال لي أنا جئتُ في شأنِ السِدة قُلتُ لهُ طيب روح للإمام الخامس وادفع أنا لا أجمعُ مالاً يا أخي وأنا خِفتُ من التُهمة، قال لي لا أنا أُريد أن أبنيهُ وحدي، قُلتُ لهُ وحدك؟ قال لي وحدي، قُلتُ لهُ طيب روح جيب النجار وتفضل اتفق، قال لي بحضورك، فجاءَ النجار بعدَ أن قاس قالَ هذا يجب فيهِ 6000 دينار في تلكَ الفترة، 6000 دينار.

أحمد منصور: مبلغ كبير!!

عبد الفتاح مورو: مبلغ كبير 6000 دينار، كانَ راتبي في القضاء في تلكَ الفترة 71 دينار يعني تقريباً 90 مرة راتبي، فقالَ لهُ طيب، أنا تدخّلت قُلتُ لهُ أنا أُريد أن نُصليَّ عليها الجُمعة القادمة يعني أن يتم بناؤها في ظرف 7 أيام، 6 أيام.

أحمد منصور: يعني الرجُل وافقَ على الـ 6000.

عبد الفتاح مورو: آه وافق.

أحمد منصور: وأنتَ لم تسألهُ مَن أنت؟

عبد الفتاح مورو: أنا لم أسألهُ، فقالَ النجار قالَ لا أستطيع أن أُقيمها إلّا في أُسبوعين لكن إذا أردتُم في أُسبوع هذا يستوجبُ مبلغاً زائداً حتى نعملَ ليلاً.

أحمد منصور: نعم.

عبد الفتاح مورو: المبلغ الزائد 1500 فأصبحت 7500 دفعها الرجُل وأقامَ السِدة والجُمعة القادمة كانَ الناسُ في السِدة، وأنا وقفتُ في المنبر قُلتُ لهُم نحنُ جمعنا 1000 دينار في المحراب هذهِ لا أستطيعُ أنا أفعلَ بها شيئاً لأن في شخص بنى السِدة من مالهِ، هذهِ اتركُها على ذِمتكم لتؤثثوا بها المسجد أثاثاً ثانياً، اشتروا بها بُسُطاً واشتروا بها ساعة واشتروا بها مكتبة وكذا، فأقول الاندفاع اللي كانَ موجود عندَ الناس اندفاع كبير جداً لأنها كانت عبارة عن صحراء لا يتجرّأ أحدٌ على أن يدخُلَ الساحة الدينية حتى لا يكون مُعادياً لبورقيبة فإذا بهذهِ الساحة الدينية تُفتَحُ أمامهم، رأوا شباباً يتحركون لم يُمَس واحدٌ منهُم فأقدمَ الناسُ على ذلك، هُم تشجعوا بوجودنا، تشجعوا بالإنجاز الذي كانَ لدينا لكن نحنُ لم يكُن لدينا مال ولا قُدراتٌ تتجاوزُ الإمكانيات البسيطة التي كانت عندنا.

حادثة الاعتقال عام 1972

أحمد منصور: في حادثة بحثتُ عنها كثيراً ولكن لم أجِدها في المصادر المُختلفة وهي أنهُ قُبِضَ عليكم في سوسة في مارس 1972.

عبد الفتاح مورو: نعم هذهِ في مارس 1972 كانَ الأستاذ راشد الغنوشي كانَ بالقيروان يُدرّس، كُنتُ أنا بتونس، كان بعض الشباب في سوسة فأردنا بمُناسبةِ الاحتفال بيوم عيد وطني هو 20 مارس يوم الاستقلال، كانَ يومَ عُطلةٍ أن نستجلبَ شبابنا من تونس، من القيروان، من سوسة ومن بنزرت ونجتمع في الجامعِ الكبير بسوسة وأن نقومَ بعمل الدعوة على طريقة جماعة التبليغ، فرحنا..

أحمد منصور: أنتم كُلكُم تأثرتُم بها، أنتَ وراشد الغنوشي تأثرتُما بالشكل الأساسي.

عبد الفتاح مورو: نعم وهذهِ بداياتنا.

أحمد منصور: بطريقة جماعة التبليغ.

عبد الفتاح مورو: يقيناً، فرُحنا إلى هُناك وسوَّينا جماعة للدُعاء وجماعة لإعداد الطعام وجماعة لترتيبِ المسجد وجماعة يخرُجون للدعوة يدعونَ الناس وفي شخص يُسمَّى المُبلِّغ أو الذي يتحدث للناس، فلمّا خرجَ الشباب حولَ المسجد والمسجد تُحيطُ بهِ الأسواق والأسواق كانت مُكتظة، الناس يُفاجَئون بشبابٍ يقفُ أمامهُ يقولُ لهُ تفضل يا أخي للمسجد، التُجار أنفسهُم اللي كانوا جِوار المسجد مُنذُ 40 و50 سنة لم يروا واحداً يخرجُ إليهم ويقول لهُم تفضلوا ادخلوا المسجد، قال لهُ شو ندخُل المسجد شو ثُمة؟ قالَ لهُ يا عمي درس ديني، درس ديني توا في العاشرة صباحاً، قالَ لهُ يا عمي درس ديني وبيان و..، ايش بيان؟ إحنا نقول بلُغة الباكستانيين بيان، شو بيان هذا؟ الناس تصوَّروا بيان سياسي، فبعضهُم راح إلى الشُرطة وقالَ لهُم هذول ناس جايين يعملوا في البيان...

أحمد منصور: يعملوا انقلاب.

عبد الفتاح مورو: البيان وما البيان، فجاءوا أخذونا من المسجد وأركبونا السيارات، سيارات الشُرطة، فزعت وأخذونا فتشونا لم يجدوا عندنا شيئاً أبداً، أغراضنا الشخصية كُل واحد عندهُ غرض شخصي، فأدخلونا.

أحمد منصور: أنتَ والشيخ راشد؟

عبد الفتاح مورو: أنا والأستاذ راشد والبقية، كُلُّ الشباب أخذونا عدد كبير لكن توجهوا إليّ وللأستاذ راشد لأنهُ تظاهروا أنهُ إحنا مُتزعمين القضية كُنتُ قاضياً في تلكَ الفترة، فسألونا أنتم جماعة مَن؟ أنتم أي حزب؟ فأنا قُلتُ لهُم عفوياً هكذا كلام يعني قُلتُ لهُم نحنُ حزبُ الله، ها أنتم حزبُ الله!! قال حتى إحنا حزبُ الله، أول مرة تُطلَق كلمة حزبُ الله في عمل إسلامي قبلَ حزبُ الله بتاع لُبنان، ففي الأخير استشاروا السُلطة ونمى إلى عِلم وزير العدل أني أنا كُنتُ ضِمنَ المجموعة..

أحمد منصور: القاضي هو الزعيم.

عبد الفتاح مورو: والرجُل يستجوبُني، فرفعَ هاتف التلفون على شقيقهِ اللي هو كانَ رئيس المُقاطعة، شقيقهُ كان رئيسُ المُقاطعة قالَ لهُ يا أخي روح وسرِّح الناس هذول ناس يدعونَ إلى الله روح سرِّحهُم، فسرَّحونا ليلاً بتنا في بيوتنا، لكن كانَ تساؤل لدى السُلطة ايش يفعلون؟ ما كانَ يُعجبهُم أن نتغلغلَ في الناس، الذي أقلقَ بورقيبة بالنسبةِ إلينا أننا نشأنا خارجَ محضنِ حِزبهِ وأننا أصبحنا نُزاحمهُ الشعبية ومشروعُنا مُعارضٌ لمشروعهِ، هذا الذي جعلهُ يحنق علينا، لم نُصارِح بمُعاداةٍ سياسيةٍ أو بمُطالبةٍ بمواقع سياسية لكن هو كانَ يرى في البعيد أنَّ هؤلاءِ أولاً هُم نشئوا في محضنٍ غريب والسياسة تفرِض أنَّ الذي ينشأ في محضن غريب يجبُ أن يُخشَى، الأمر الثاني هؤلاءِ لهُم اتصال بالشعب وهو يعرف أنهُ بدأ بالاتصال بالشعب، والثالث أنَّ مشروعهُ مُخالف لمشروعنا كانَ يقول هؤلاءِ رجعيِّون هؤلاءِ مُتخلِّفون سيرجعونَ بتونس إلى القرونِ الوسطى.

أحمد منصور: لكنهُ طُوال فترة السبعينيات لم يتعرض لكُم.

عبد الفتاح مورو: لم يتعرض لنا.

أحمد منصور: وهي كانت فترة التكوين أيضاً بالنسبةِ لكُم.

عبد الفتاح مورو: إلّا انهُ في 1975 يا أستاذ هذهِ أذكُرها في 1976 جاءنا في تونس جون دانييل هذا صحفي مرموق في فرنسا من صحفيي جريدة الليموند، وهو الذي بمُناسبةِ الاحتفال بعشرينية الاستقلال بتونس 1956-1976، تقابلَ مع بورقيبة ثُمَّ نقلَ هذا الاستجواب الذي حصلَ مع بورقيبة وعلَّق، ومن يومَ ما علَّق لفتَ نظر بورقيبة إلى أنَّ ما يعتزُّ بهِ مِن مُكتسباتٍ هو مُهددٌ بهذهِ الجماعة، إغلاق جامع الزيتونة، مجلة الأحوال الشخصية وتحرير المرأة، التوجُّه نحوَ الثقافة الفرنسية قالَ هذا مُهدّدٌ من قِبَلِ هذهِ المجموعة وتصوَّر..

أحمد منصور: كان يسموكُم إيه؟

عبد الفتاح مورو: إحنا..

أحمد منصور: أنتم كان اسمكُم الجماعة الإسلامية اتفقتم على هذا..

عبد الفتاح مورو: كانوا يُسمّونا الجماعة الإسلامية لكن بعدَ ذلكَ تطورنا إلى الاتجاه الإسلامي وسأقول لك...

أحمد منصور: الاتجاه الإسلامي 1981 يعني سأجيء إليها، لكن أنا الآن بالنسبة لفترة السبعينيات والتكوين لأن أنا شغلني كثيراً التكوين الفكري لحركة النهضة وبدياتهُ، أنا وجدت من المصادر المُختلفة أيضاً بعض الشخصيات التي أثّرَت في فِكر النهضة في البداية أو فِكر الجماعة الإسلامية: "لقد كانَ لمالك بن نبي تأثيراً في المجموعة الإسلاميةِ التونسيةِ التي استفادت كثيراً مِن مُلتقياتِ الفِكرِ الإسلامي التي تنعقدُ مرةً أو أكثر كُلَّ سنة في الجزائر خلالَ السبعينات وكانت مجموعتنا التي تضمُ الشيخ عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وصالح عبد الله و أحميدة النيفر وراشد الغنوشي تذهبُ في كُلِّ سنةٍ من الأعوام مِن 1970-1971-1972 مِن تونس للجزائر"، ده راشد الغنوشي قائلهُ في كتابهُ عن تجرُبة الحركة الإسلامية، ما تأثير مالك بن نبي في فِكركُم؟

مدى تأثير مالك بن نبي في فكر الجماعة الإسلامية

عبد الفتاح مورو: مالك بن نبي هو اكتشافٌ بالنسبةِ إلينا، إحنا تعرّفنا على فِكرِ الأُخوان وجدنا أنفسنا في مُلتقيات الفِكر الإسلامي قُسنطينة الجزائر، وهران، تلمسان، وجدنا أنفسنا أمام شخصية جذّابة لها فِكر والفِكر هذا أعادَ إلى أذهاننا فِكر ابن خلدون لكنهُ مُعدَّل على واقع القرن العشرين، هذا الرُجل في الحقيقة هو مُكتسَب كبير للفِكر الإسلامي لكن هذا الرجُل ضحّى راحَ ضحيةَ تواضعُهِ وعدمِ تكوينهِ لمجموعةٍ من حولهِ، كانَ مُفكِّراً، كانَ يطرح أفكارا حولَ الحضارة وشروط النهضة وكيفية قيامِ الأُمة، المُسلم في عالم الاقتصاد كتبع المُسلم في عالم الاقتصاد، كانَ لهُ..

أحمد منصور: فِكر مالك بن نبي مُتقدِّم جداً.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: ويعني كتاباتهُ فوق الـ 30 كتاب تقريباً اللي عندي يعني.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: مِن كُتبهُ، لكن أنتَ وقفت عند حاجة مُهمة جداً لم تكُن لهُ مجموعةٌ تنقلُ عنهُ.

عبد الفتاح مورو: نعم، شوف الرجُل ضحية أمرين: ضحية فِكرهِ التقدُّمي في كثير مِن الأحيان هؤلاءِ المُفكرِّون الذينَ ينظرونَ بعيداً ويسبِقونَ أوقاتهم يُستهزَأ بهِم ولا يتحملهُمُ الناس ويجدونَ أنفسهُم غُرباءَ في أوطانهم وهذهِ قضية الغُربة قضية أكبر ما يُعاقَبُ بهِ الإنسان أن يوجدَ في قومٍ لا يفهمونهُ يا أستاذ، أنا أذكُر ونحنُ كُنا صِغار كُنا نقرأُ القُرآن فنجد أنَّ سُليمان عليهِ السلام توعَّدَ الهُدهد بأن يقتُلهُ "لأقتلنَّهُ أو لأعذّبنهُ"، فكُنا نسأل كيفَ يُعذّبهُ؟ بعضٌ كانَ يقول ينتفُ ريشهُ، يقطعُ أظافرهُ، يقطعُ منقارهُ، فأنا قُلت في تلكَ الفترة كلاماً لم يرُق لكثيرٍ لكن الآن أصبحَ يروقُ لهُم، قُلت أن يوضعَ في قومٍ لا يفهمونهُ، أكبر عذاب للشخص أن يجدَ نفسهُ في قوم لا يفهمونهُ، مالك بن نبي كانَ سابقاً لعصرهِ كما كان ابن خلدون، ابن خلدون كانَ سابقاً لعصرهِ لم يفهمهُ الناس، لم نفهمهُ في القرن التاسع عشر، الأمر الثاني أنَّ الأستاذ مالك بن نبي لم يكُن لهُ فِكرة تكوين حشدٍ حولهُ، لم يكُن قادراً على التحشيدِ والتنظيم وقضيةُ التنظيم والتحشيد..

أحمد منصور: هي التي تُبقي.

عبد الفتاح مورو: هي التي تُبقي الفِكر وأقول لك بالمُناسبة أنَّ كثيراً من عُظماءِ وعُلماءُ الأُمة ماتوا ولم يتركوا أثراً يعني الآن...

أحمد منصور: رغمَ أنهُم تركوا عِلماً.

عبد الفتاح مورو: تركوا عِلماً وعِلماً غزيراً وربما إذا قارنتهُم بغيرهم من الذينَ ذُكِروا تجدهُم مُتقدمين يعني سُفيان الثوري مثلاً، أنا أذكُر دائماً وأبداً الإمام الطبري رضيَ اللهُ عنهُ هذا العظيم مِن عُظماءِ الأُمة الذي لم يترُك فناً من فنونِ عصرهِ إلّا وكتبَ فيه، كتبَ في التفسير وكتبَ في الحديث وكتبَ في الفقه وكتبَ في اللُغة هذا الرجُل لا تجِدُ واحداً يدينُ اللهَ تعالى على مذهبهِ مع أنهُ لهُ آراءٌ فقهيةٌ خاصةٌ...

أحمد منصور: يعني لهُ مذهب فقهي!!

عبد الفتاح مورو: لهُ مذهب فقهي وآراء تجدُها في كُتبهِ، لماذا؟ لأن الشخص لم يكُن لهُ تلاميذ يتحمَّلونَ عنهُ.

أحمد منصور: مثلَ تلاميذ أبي حنيفة...

عبد الفتاح مورو: مثلَ أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهِ.

أحمد منصور: هؤلاءِ الذينَ أحيوا فقهَ أستاذتهِم.

عبد الفتاح مورو: يعني الطلبة هُمُ الذينَ يحيون أستاذتهُم، إذا وجدت عظيماً لم يستمر ذِكرهُ بينَ الناس فاعلموا أنَّ الذينَ حولهُ هُمُ الذينَ خانوهُ في قضيتهِ لم يحملوا فِكرهُ، لم يتحمّلوه، مالك بن نبي عُزِلَ عن واقعهِ لأنهُ لم يستطع تنظيمَ مَن حولهُ أعلمُ أنَّ لهُ تلميذاً واحداً اشتغلَ بالسياسة ودخلَ كمُدير مكتب لوزيرِ الشؤون الدينية في تلكَ الفترة ثُمَّ اخذَ مسلَكاً ثانياً وبذلك أصبحَ مالك بن نبي كتابةً فقط كتاباً، مَن يتفطنُ للكتاب؟

أحمد منصور: ما الذي تعرفهُ عنهُ لا يعرفهُ الناس من خلال زيارتكُم لهُ وتأثيرهُ فيكم في بداية نشأة الحركة الإسلامية في تونس؟

عبد الفتاح مورو: هذا أعرفهُ كما يعرفهُ غيري من الذينَ جالسوهُ، الذي استرعى اهتمامنا نقدهُ للسيد قُطب وعدم ممالئته...

أحمد منصور: رغمَ أنَّ سيد قُطب أستاذكُم أيضاً وكانت كُتبهُ مصدراً رئيسياً لكُم في الفِكر!!

عبد الفتاح مورو: لكن هو الذي لفتَ نظرنا إلى هذهِ قضية تكفير المُجتمع وتكفير الناس ليست قضيةً مُؤصلةً فرجعنا عن مُساندتنا وقبولنا لفكر سيد قُطب.

أحمد منصور: في جانب البداية.

عبد الفتاح مورو: نعم!!

أحمد منصور: في جانب العُزلة يعني.

عبد الفتاح مورو: في جانب العُزلة نعم، وبدأنا في الحقيقة نخرُجُ مِن العموميات التي كانت موجودةً في فِكر بعض زُعماء الإخوان والتي هي أفكارٌ عامةٌ نقديةٌ لواقعٍ مُحددٍ لكنها لا ترسُمُ طريقاً بيانيةً نحوَ الخلوص ونحوَ التخلُصِ من هذا الواقع بينما مالك بن نبي كانَ يُبررُ فِكرهُ بأدلةٍ منطقيةٍ تجعلهُ أقربَ إلى القبول، لولا أنهُ لم ينتشر فِكرهُ بسببِ انعدامِ هذهِ المجموعة التي كانَ من المفروضِ أن تتواجد مِن حولهِ.

أحمد منصور: يعني انتم في فترة السبعينيات مصادر الفِكر الأساسِ الإسلامي لكُم دخلَ عليها ليست المشرق فقط وكتابات سيد قُطب والإخوان وإنما دخلَ عليها رافضٌ مغاربيٌّ أو جزائريٌّ هو فِكرِ مالك بن نبي.

عبد الفتاح مورو: نعم.

أحمد منصور: أحميدة...

عبد الفتاح مورو: في شخصية ثانية نحنُ لم نُحسِن التعامُلَ معها، شخصية الأستاذ علاّلي الفاسي.

أحمد منصور: من المغرب.

عبد الفتاح مورو: هذا عالم وجهبذ من عُلماء المغرب مِن جامعة القرويين وما أدراك ما جامعة القرويين وهذا الرجُل قامَ بتجربةٍ فذّةٍ لأنهُ أسسَ حِزباً ورغمَ عن كونهِ شيخاً من مشايخ الدين لكن نجحَ في تجربتهِ لبناءِ حِزب واستمرَّ حِزبهُ ولم يُثر حِزبهُ ما يُثيرهُ الآن الأحزاب المُنتمية إلى التيار الإسلامي لأنهُ لم يجرؤ احدٌ على أن يقول كيفَ يجمعُ بينَ الدينِ والسياسة، هذا أقامَ حِزباً في شكلِ حزبٍ عاديٍّ وبالتنظيمِ الحزبي المطلوبِ في تلكَ الفترة نقلاً عن الأحزاب اللي كانت الموجودة في العالم ونجحَ حِزبهُ سُميَ حزب الاستقلال وساهمَ في استقلالِ المغرب وأمكنَ لهُ بعدَ الاستقلال أن يكونَ مُساهماً في بناءِ المغرب، وهذهِ التجربة لم نتفطن لها ولم تُعِر لدينا اهتماماً لأننا كُنا فاقدينَ للوعي، وعي القضية السياسية لم تكُن مُتضحةً في أذهاننا بالشكلِ الكافي، كانت بالنسبةِ إلينا كُلُّ اهتمامنا الدعوة، دعوة الناس للإسلامِ فقط.

أحمد منصور: أنا ذهبتُ إلى المغرب أيضاً وتجرُبة علالي الفاسي حتى المغاربة لم يستفيدوا منها بشكلٍ كافٍ، الفترة بينَ عام 1976 و1977 تفاقمت الأزمة الاقتصادية في تونس بشكلٍ كبير، بودلت الاتهامات بينَ الطاهر بالخوجة وزير الداخلية والهادي نويرة الوزيرِ الأول، في 25 ديسمبر 1977 ستة وزراء أعلنوا استقالتهُم دفعةً واحدة، 26 يناير 1978 خرجت التظاهُرات في أنحاءِ تونس، زين العابدين بن علي كانَ مُدير للأمن أطلقَ النار على المُتظاهرين جُرِحَ وقُتِلَ حوالي 500 تونسي وكُنتَ أنتَ احد الذينَ أًصيبوا برصاصةٍ لا زِلتَ تحتفظ بها إلى الآن وأريتني إياها ونحنُ في إطارِ التحضير في بيتكَ في تونس، أبدأ معكَ الحلقة القادمة من انتقال النهضة أو انتقال حركة النهضة أو الجماعة الإسلامية في السبعينيات من الدعوة إلى المُشاركة في همومِ الناس وتظاهرُات العام 1978، شُكراً جزيلاً لك كما أشكُرُكم مُشاهدينا الكِرام على حُسنِ مُتابعتكُم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاء الله نواصلُ الاستماعِ إلى شهادةِ الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مُؤسسي حركةِ النهضةِ التونسيةِ ونائبِ رئيسها، في الختامِ أنقلُ لكُم تحياتِ فريقِ البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.