تحدث عبد الحكيم حنيني، أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في الجزء الخامس من شهادته عن ظروف الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال انطلاقا من تجربته الشخصية.

تعرض حنيني -الذي اعتقل في 27 أبريل/نيسان 1993- لتحقيق دام 150 يوما في سجن نابلس المركزي، وهي الفترة التي تعرض خلالها -شأنه شأن بقية الأسرى- لمختلف أنواع التعذيب النفسي والجسدي لتكسير إرادته وإجباره على الاعتراف، ولم تبدأ محاكمته إلا بعد تسع سنوات بتهمة العمل مع كتائب القسام والتخطيط لعمليات ضد الاحتلال.

ومن الأساليب التي يستخدمها السجانون خلال فترة التحقيق، تعريض الأسير الفلسطيني لهواء مكيف بارد جدا لساعات طويلة، ثم بعدها مباشرة لهواء ساخن جدا، مع حرمانه من النوم، وهي حالة تجعل الجسم يتعرض لارتجاجات وأمراض، ويحدث ذلك في كل فصول السنة.

وخلال فترة التحقيق أيضا تأتي سلطات السجن بمن أسماهم مسؤول كتائب القسام بـ"العصافير"، وهم -بحسب تعريفه- جواسيس فلسطينيون سقطوا في وحل العمالة وباعوا آخرتهم ووطنهم ببضعة أموال، ونقل عن أحد ضباط المخابرات الإسرائيلية وصفه لهؤلاء بأنهم "ليسوا عصافير وإنما صراصير".

ونقل حنيني بعد انتهاء التحقيق معه إلى زنزانة سيئة في سجن نابلس المركزي يقبع فيها 36 أسيرا، من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومن حركة الجهاد الإسلامي.

في تلك الزنزانة الضيقة جدا، عانى ومن معه من الأسرى من مشكلة الازدحام، ومن مختلف أنواع التعذيب، حيث المكان قذر جدا ولون الزنزانة شديد القتامة، ولا استحمام إلا مرة واحدة في الأسبوع، ولا دورات مياه، وتكون الإنارة ضعيفة جدا.

ويؤكد حنيني في شهادته أن بعض الزنازين كانت تضم من خمسين إلى ثمانين أسيرا، لكن إضرابات الأسرى أجبرت سلطات الاحتلال على إنقاص الأعداد، وتقسيم السجناء بحسب الفصائل التي ينتمون إليها، مثلا زنزانة لأسرى حماس وأخرى لأسرى حركة التحرير الوطني (فتح)، وأسرى لحركة الجهاد.

ورغم المعاناة التي يشعر بها الأسير بعد انتهاء التحقيق معه ونقله إلى الزنزانة، فإن لقاء رفقاء السجن وطريقة استقباله تهون عليه، حيث يتقاسمون المعاناة والحياة داخل السجن.

قبر متحرك
وبحسب ضيف "شاهد على العصر" فإن أصعب ما يواجهه الأسير الفلسطيني هو حين يتم نقله إلى المستشفى خلال مرضه، وهي ما أسماها رحلة "القبر المتحرك" أو "رحلة الموت"، فالمريض ينقل في سيارة داخل صندوق حديدي، كراسيه حديدية، مكبل اليدين والرجلين، من دون أكل ولا شرب ولا فرصة لقضاء الحاجة، مما جعل الكثير من الأسرى يرفضون العلاج.

حنيني يتحدث عن جانب من معاناة الأسرى video

ويؤكد حينني أنه تعرض لنفس المعاناة عندما نقل لإجراء عملية جراحية، وأجبروه على العودة  في ثاني يوم من العملية للزنزانة وهو مكبل اليدين والرجلين، في الصندوق الحديدي نفسه.

ومن الأمور التي كشف عنها أن الضابط الإسرائيلي بقي فوق رأسه طوال العملية الجراحية التي أجريت له.

يُذكر أن حنيني ولد عام 1965 بقرية بيت دجن بشرق نابلس في الضفة الغربية لعائلة بسيطة، حيث كان والده يمارس الزراعة ورعي الغنم، ووالدته كانت ربة بيت. وهو أسير محرر، كان قد أُبعد فور إطلاقه ضمن صفقة "وفاء الأحرار" يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 2011 التي أفرجت إسرائيل بموجبها عن 1050 أسيرا وأسيرة من سجونها مقابل الجندي جلعاد شاليط الذي أسرته المقاومة عام 2006.

اسم البرنامج: شاهد على العصر

عنوان الحلقة: حنيني: زنازين قذرة وصناديق حديدية لنقل الأسرى ج5

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: عبد الحكيم حنيني/ أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام

تاريخ الحلقة: 8/2/2015

المحاور:

-   تعدد وتنوع وسائل التعذيب النفسي

-   التنكيل بالأطفال القاصرين والاعتداء على الأسيرات الفلسطينيات

-   "عصافير" لنزع اعترافات الأسرى في سجون إسرائيل

-   حكايات ترويها جدران السجون الإسرائيلية

-   14 ساعة من الذل في سيارة " البوسطة"

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة عبد الحكيم حنيني أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام وأحد الأسرى المُحررين، أبو حذيفة مرحباً بك.

عبد الحكيم حنيني: حيّاك الله أخي أحمد.

أحمد منصور: في الحلقة الماضية تحدثنا عن وسائل التعذيب التي يتبعها الإسرائيليون خلال فترة التحقيق، لم نكملها ولكنك قلت أن هذه الوسائل بقيت إلى العام 1999، قبل أن أصل إلى العام 1999 أود أن أستكمل هذه الوسائل حسب شهادات كثير من الأسرى المُحررين، تحدثنا عن الهز عن الشبح بأنواعه، عن الحرمان من النوم، الاغتصاب وقلنا مش سنتكلم بالتفصيل وأنت أشرت إلى قضية معينة هناك تعريض الأسير خلال التحقيق للتيارات الباردة والساخنة في آنٍ واحد؟

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: كيف يجري هذا؟

عبد الحكيم حنيني: يضع المحقق الأسير في مكتب، مكتب مُغلق طبعاً يُشغل عليه مُكيف هواء بارد يعطيه هواء بارد جداً يستمر هذا ساعتين ثلاث أربع حسب تحمل أو مقدرة وقدرة الأسير على التحمل.

أحمد منصور: هذا الهواء البارد يكون في الشتاء أو في الصيف؟

عبد الحكيم حنيني: شتاءً صيفاً ليس المشكلة.

أحمد منصور: بارد جداً؟

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: مش هواء مُكيف عادي؟

عبد الحكيم حنيني: لا لا هواء مُكيف أنا أتكلم، في نوعين في الهواء الطبيعي سآتي عليه وفي الهواء المكيف، في المكتب يُسلط عليه هواء بارد مجرى هواء بارد لفترة من الزمن ثم بعد ذلك مجرى هواء ساخن يُعرض جسم الأسير فهذا التقلب السريع يُضعف الجسم ويُسبب الأمراض ويُسبب الأنفلونزا ويُسبب الارتجاج في الجسم، أحياناً يستخدموه في البرد القارس في الخارج يعني كثير من الأسرى الفلسطينيين الذين تعرضوا إلى الشبح في البرد القارس في أيام الشتاء في سجن الخليل في سجن المسكوبية في القدس في معتقلات الفارعة والظاهرية وغيرها من المعتقلات يُشبح ليلاً على الباطون البارد البارد جداً الذي الإنسان الأسير الفلسطيني وهو يرتجف، يرتجف طيلة المدة وهو يرتجف من البرد ثم بعد ذلك يُدخلوه إلى أماكن ساخنة جداً فهذا التعريض هو الذي يسبب الأمراض والضعف في الجسم .

أحمد منصور: في أمراض يتعرض لها الأسير خلال فترة التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: إيه أهم الأمراض دي؟

عبد الحكيم حنيني: أهم الأمراض أمراض الظهر الخطيرة جداً أمراض العمود الفقري الأمراض في الأنفلونزا والتعب الأمراض من الإرهاق وقلة الجوع والسهر، أحياناً إذا كان مُصاب الأسير برضو يستخدموا الألم والوجع في هذه الإصابة للضغط عليه، يعني الأسير عصام قضماني حدثني أنه مُصاب في رأسه جزء من عظام رأسه كُسر وأيضا شُلت يده ورجله وكانوا أثناء التحقيق تخيل يعني تخيل البُعد الإنساني، إنسان مشلول وجمجمة رأسه مكسورة ثم يُضغط عليه وعلى آلامه وعلى مكان إصابته حتى يعترف وحتى يتكلم فهم يستخدمون كل هذه الأساليب.

تعدد وتنوع وسائل التعذيب النفسي

أحمد منصور: في أساليب بدنية هذه التي تحدثت عنها وهناك أساليب نفسية والإسرائيليون بارعون إلى حدٍ كبير في وسائل التعذيب النفسي، الشيخ أحمد ياسين في شهادته معنا على العصر تحدث عن وسائل تعذيب نفسي كثيرة كانوا يحاولونها معه، أنتم كيف عايشتم وسائل التعذيب النفسي، ما هي أهم هذه الوسائل؟

عبد الحكيم حنيني: هي لا شك أن وسائلهم في التعذيب النفسي أشد خطراً على الأسير الفلسطيني من التعذيب الجسدي.

أحمد منصور: كيف؟

عبد الحكيم حنيني: يعني أنا أعطى مثالاً لأنه التعذيب الجسدي يصل الإنسان الأسير الفلسطيني يصل لمرحلة من يعني إن جاز التعبير في المُصطلح الفلسطيني نقول تمسّح يعني بمعني خلص يعني.

أحمد منصور: يعني اللي عايزين تعملوه اعملوه؟

عبد الحكيم حنيني: يعني بطلت تفرق معه يتحمل التعذيب والضرب و.. و.. إلى آخره ولكن التعذيب النفسي يبقى ضاغطاً ضاغطاً ثم ضاغطاً طيلة المدة يعني أذكر أمثلة، الموسيقى الصاخبة الأصوات المُرتفعة، عندما تمكث في التحقيق فترة طويلة وأنت طيلة التحقيق وهم يُسمعونك الموسيقى الصاخبة.

أحمد منصور: كم ساعةً كان مُمكن يستمر التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: على طول اليوم.

أحمد منصور: يعني ممكن تقعد 20 ساعة في التحقيق مُحقق وراء مُحقق؟

عبد الحكيم حنيني: ممكن 3 أيام مُتتالية.

أحمد منصور: بدون نوم؟

عبد الحكيم حنيني: بدون نوم نعم.

أحمد منصور: هذا شكل من أشكال.

عبد الحكيم حنيني: هذا حدث معي وحدث مع الكثير من الأسرى.

أحمد منصور: لا احك لي بقة 3 أيام قعدت إزاي 3 أيام بدون نوم وكيف وصلوك لهذه المرحلة؟

عبد الحكيم حنيني: 3 أيام يستخدمون معك كل الأساليب حتى يعني يُحطموا جسدك قبل نفسيتك يعني تخيل عندما تريد أن تأخذ يعني، الأسير بدو يأخذ غفوة بس هيك يغمض يضربوه برشوا عليه مياه باردة، الموسيقى بصوت مرتفع باستمرار إذا أنزلوه لقضاء حاجته أو من شان يتناول جزءاً من الطعام على طول يعني يبقوا واقفين فوق رأسه حتى يُنهي، خلص انهِ يلاّ، بظل المحقق جندي وراء محقق وراء جندي حتى تبقى صاحياً ما يعطوك فرصة أن تنام أو تغفوا، كثير من الأسرى الفلسطينيين كانوا يحاولون أن يأخذوا غفوة غفوة بس على الكرسي ما يعطوه فرصة، لذلك.

أحمد منصور: كيف بقيت 3 أيام بدون نوم؟

عبد الحكيم حنيني: الجسد في الأخير يعني ببطل يستوعب ببطل يستوعب، أنت تشعر داخلياً وكأنك في دوامة.

أحمد منصور: يعني في أحلام يعني؟

عبد الحكيم حنيني: آه في دوامة نعم هكذا، هو يحرص كل الحرص حتى يحطم هذا الجسد لذلك أنت في النهاية بعد 3 أيام متتالية من السهر تصبح كأنك تعيش في دوامة.

أحمد منصور: طبعاً لا تعرف ليلاً من نهاراً؟

عبد الحكيم حنيني: نهائياً في زنازين التحقيق لا يمكن أن تعرف الحد الفاصل ما بين الليل والنهار لا يمكن أن تعرفه.

أحمد منصور: ما هو شكل الطعام في فترة التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: الطعام طبعاً يعني قصة أخرى في التحقيق، الطعام يضعون أسوأ الطعام يأتونك بالطعام البارد الخربان اللي رائحته نتنه، تخيل أخي أحمد من شان تتناول هذه اللقيمات اللي يجيبوها يُدخلوك على المرحاض على الحمام بقولك اقضِ حاجتك وكُل وبسكر عليك الباب، يعني معك 3 دقائق 4 دقائق، كل واقضِ حاجتك، تخيل البعد النفسي والضغط النفسي للأسير اللي إيش اللي بدك تدخله يقضي حاجته وفي نفس المكان وفي نفس الزمان لازم يقعد ويأكل هذه اللقيمات اللي يجيبوها.

أحمد منصور: العُزلة أنت قلت لي إنك قعدت 150 يوم في التحقيق في عُزلة تقريباً؟

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: يعني أنت معزول عن كل يعني ما شفت ولا فلسطيني في 150 يوم؟

عبد الحكيم حنيني: نهائياً.

أحمد منصور: ولا محامي ولا أي شيء؟

عبد الحكيم حنيني: ما دمت، لا أنا طبعا أنا على مرحلتين في أولها 105 أيام بعدها سمحوا لنا نشوف المحامي.

أحمد منصور: لكن 105 يوم ما شفت محامي؟

عبد الحكيم حنيني: ما بتشوف، أحياناً أحياناً.

أحمد منصور: ما فيش غير وجوه الإسرائيليين ليل نهاراً؟

عبد الحكيم حنيني: أو العملاء اللي هم العصافير اللي يستخدموهم في الزنازين ممكن يدخلوا لك إياه ينام معك يوم يومين من شان ترتاح يعني ترتاح له أو تحكي معه أو تتكلم معه وأحياناً إذا كان الأسير قد أنهى التحقيق وهو ينتظر لأبناء مجموعته أحياناً يعيش مع بعض الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين بظروف أيضاً صعبة وضاغطة جداً، يعني تخيل أن يجمعوا 6 أسرى أو 10 أسرى في زنزانة ضيقة ولمدة أسبوع في زنازين التحقيق وبقولك اقضِ حاجتك فيها، أنت و 6 شباب كُل وأشرب واقضِ حاجتك وكل شيء في هذه الزنزانة الصغيرة، دلو صغير أو يعني حتى من الفكاهات اللي كنا إحنا نداولها على سبيل الفكاهة حتى نُخفف عن أنفسنا، أحدنا يريد أن يقضي حاجته كيف بده يستر على حاله تخيل 6 أسرى قاعدين وهو يريد أن يقضي حاجته، كنا نسمك البطانية 2 يمسكوا البطانية ونمد البطانية ونستر على أخينا حتى يستطيع أن يقضي حاجته من ناحية نفسية ويرتاح قليلاً.

أحمد منصور: أنتم كان يُسمح لكم بالاستحمام؟

عبد الحكيم حنيني: في الأسبوع مرة، وكان طبعاً طريقة الاستحمام مثل الأكل يُدخلك إلى الحمام ويقول لك معك دقيقتين اغتسل ما في خلص دقيقتين بفتح الباب ما يعطيك فرصة.

التنكيل بالأطفال القاصرين والاعتداء على الأسيرات الفلسطينيات

أحمد منصور: استخدام التهديد والاغتصاب مع النساء والأطفال القاصرين، اليونيسيف في تقريرها السنوي الصادر في مارس 2013 اتهمت إسرائيل بسوء معاملة الأطفال القاصرين المُعتقلين في سجونها، في حوالي 300 طفل تقريباً مُعتقلين في سجون إسرائيل؟

عبد الحكيم حنيني: أنا عندما أتحدث عن المعاناة اللي بعيشها الأسرى الفلسطينيين أنا أتحدث عن مُعاناة الرجال، فما أدراك هذه الأساليب الجسدية والنفسية عندما تعانيها امرأة صابرة مُجاهدة مقاومة، تخيل أنت يعني لكل إنسان لكل إنسان في هذه الدنيا يتخيل للحظات كيف المرأة تستطيع أن تتحمل هذه المعاناة أو كيف الطفل هذا الطفل أو هذا الشِبل يستطيع أن يتحمل، في الاغتصاب أنا عندي أسماء كثيرة حقيقةً من الأشبال ومن الأخوات مش في الاغتصاب في نسميها المحاولات ومد اليد وكل هذه الأمور اللي يستخدموها في التحقيق للمرأة حتى يكسروا نفسيتها ولكن لحساسية الموضوع أنا لا أريد أن أدخل في الأسماء.

أحمد منصور: وإحنا كمان لأنه موضوع مُحزن.

عبد الحكيم حنيني: ولكن أنا سمعت من بعض الأخوات الأسيرات أنهم يستخدمون هذا الأسلوب ويمدوا أيديهم على مجاهداتنا وعلى على حرائرنا وعلى أطفالنا الكثير، أنا استمعت إلى شهادات مُسجلة لبعض مؤسسات حقوق الإنسان لأطفال تم اغتصابهم في زنازين التحقيق.

أحمد منصور: تقارير اليونيسيف مليئة وأنا برضو لا أريد أذكر أسماء لأن الأمر فيه إهانة كبيرة، الحالة، حالة الزنازين كيف كانت؟

عبد الحكيم حنيني: الحالة..

أحمد منصور: أنا طبعاً كل ما تذكره سوف آتي عليه بالتفاصيل من شهادات كثير من الأسرى ممن جمعتها من المصادر المختلفة لكن كيف كانت حالة الزنازين خلال فترة التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: حالة الزنزانة تستخدم أيضاً كأسلوب من أساليب التعذيب النفسي، يعني عندما تدخل إلى الزنزانة وهي قذرة جداً ورائحتها نتنة، الجدران خشنة جداً، اللون قاتم اللون سكني اللون قاتم جداً، لقضاء الحاجة تقضي حاجتك في سطل أو آنية موجودة أو أحياناً مكان حفرة أو في أرضية الزنزانة تقضي حاجتك فيها، ضيقة بحيث تشعر فيها بالضيق النفسي أيضا الإنارة فيها تكاد تكون معدومة جداً، الباب باب حديد سميك جداً وخميل ما بخرج الصوت منه حتى لا يسمحوا للحديث والتحدث حتى أحياناً إذا أرادوا أن يقوموا بتسجيل بعض الأحاديث ما بين الأسرى يفتحون الشباك حتى يستطيع الأسير يتحدث مع الأسير الآخر من أجل عمل كمائن لتسجيل بعض المعلومات، فهذه الزنزانة حقيقةً يعني يستخدموها استخداما حقيرا جداً في الضغط النفسي.

أحمد منصور: أنت لم ترَ أسرى آخرين خلال فترة التحقيق الأولى؟

عبد الحكيم حنيني: في فترة التحقيق الأولى لا يُمكن لم أرى إلا العصافير والجواسيس.

"عصافير" لنزع اعترافات الأسرى في سجون إسرائيل

أحمد منصور: إيه حكاية العصافير؟

عبد الحكيم حنيني: العصافير هم للأسف الشديد أبناء جلدتنا من أبناء شعبنا سقطوا في وحل العمالة وباعوا متاع الدنيا بعرض قليل، باعوا الآخرة، آخرتهم ودينهم ووطنهم بمتاع قليل عند أعداء الوطن.

أحمد منصور: يعني يقبل أن يكون جاسوس ويمر بنفس ظروف اعتقالك؟

عبد الحكيم حنيني: نعم طبعاً.

أحمد منصور: ويجلس معك في الزنزانة؟

عبد الحكيم حنيني: 100%.

أحمد منصور: ويعاني نفس معاناتك مقابل أجر سيأخذه؟

عبد الحكيم حنيني: مقابل أجر 100%.

أحمد منصور: حتى يأخذ منك معلومات ويعطيها للإسرائيليين؟

عبد الحكيم حنيني: نعم، هذا ما يقوم به العصافير أو الجواسيس داخل السجون يعني كل ما أذكر العصافير أتذكر قول ضابط المخابرات وهو يحقق معي وأقول له العصافير وهو يقول لي لا تقل عنهم عصافير والله يا أخ أحمد، بقولي هؤلاء صراصير هؤلاء صراصير وليسوا عصافير، العصافير أطهر من هؤلاء الجواسيس تخيل.

أحمد منصور: يعني هم الإسرائيليين يحتقروهم كمان؟

عبد الحكيم حنيني: جداً جداً يحتقرونهم ويُدركوا أنهم أسلوب من أحد أساليبهم الخبيثة والخسيسة.

أحمد منصور: طبعاً يعاملوهم معاملة مُهينة وهم موجودين جامعيهم في قرية من القرى الإسرائيلية على ما أعتقد؟

عبد الحكيم حنيني: هم أذلاء، أذلاء، أنا شاهدت بأم عيني في القنوات العبرية تقارير عن هؤلاء كيف يعيشون وعن أماكنهم، لمن يريد يمكن أن يرجع إلى الأرشيف وينظر كيف يعاملونهم وكيف يرمونهم.

أحمد منصور: الجزيرة عملت فيلم وثائقي عنهم.

عبد الحكيم حنيني: نعم، نعم أنا شاهدته وشاهدت بعض الجواسيس فيه وشاهدت في القنوات العبرية أيضاً كيف يُعاملون هؤلاء الجواسيس عندما ينتهون منهم.

أحمد منصور: الأسير نزار التميمي قتلوا أمه من خلال ضربها على رأسها.

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: أيضاً الاعتداء على أهالي الأسرى والوصول لمرحلة القتل كما يحدث؟

عبد الحكيم حنيني: نعم، هي يعني رحمها الله والدة الأسير البطل نزار التميمي قُتلت أثناء المحكمة وهي قادمة لحضور محاكمته وهو أيضاً كان في التحقيق في فترة التحقيق جاءت حتى ترى يعني ولدها فأحد الجنود المجرمين ضربوها في البندقية على رأسها وفقدت وعيها ونُقلت إلى المستشفى واستشهدت فيما بعد بذلك وهو لا يعلم طبعاً وعلم فيما بعد رحمها الله تعالى إن شاء الله.

أحمد منصور: مرحلة التحقيق في كل أنحاء الدنيا تليها مرحلة المحاكمة، كيف تم ترتيب محاكمتك بعد انتهاء التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: المحاكمة؛ الفرق ما بين قانون الدنيا وقانون العالم وقانون الاحتلال أنك مُدان.

أحمد منصور: آه.

عبد الحكيم حنيني: ما في براءة.

أحمد منصور: آه

عبد الحكيم حنيني: في محاكم العدو.

أحمد منصور: يعني كل من يُقبض عليه من الفلسطينيين؟

عبد الحكيم حنيني: ما في بريء.

أحمد منصور: لا أحد يأخذ براءة نهائي؟

عبد الحكيم حنيني: ما في ما في شيء في قانون الاحتلال اسمه براءة.

أحمد منصور: قُبض عليك يعني ستُحاكم؟

عبد الحكيم حنيني: أنت مُدان إما إذا كان لك ملف تُحاكم عليه وإن لم يكن لك أي تهمة ولا أي ملف تُحول إلى الاعتقال الإداري وهذه قصة أخرى يعني.

أحمد منصور: سنعرف الاعتقال الإداري؟

عبد الحكيم حنيني: ولكن الاحتلال عندما ينهي أو يُنهي الأسير الفلسطيني التحقيق يتم فوراً إنزاله ونقله إلى زنازين السجن.

أحمد منصور: خلاص أنت بدأت السجن.

عبد الحكيم حنيني: بدأت السجن.

أحمد منصور: بدون محاكمة؟

عبد الحكيم حنيني: بدون محاكمة.

أحمد منصور: بعد التحقيق مباشرة؟

عبد الحكيم حنيني: مباشرةً، ما ينتظروا ما ينتظروا حتى يُدينوا هذا الأسير ويصبح أسير أو يُحاكموه لا، لذلك فترات المحاكم في السجون الإسرائيلية قد تطول، أنا شخصاً.

أحمد منصور: أنت كم سنة؟

عبد الحكيم حنيني: أنا شخصياً مكثت 9 سنوات حتى حوكمت.

أحمد منصور: 9 سنوات؟

عبد الحكيم حنيني: 9 سنوات وأنا موقوف وأنا أُعرض على محكمة وراء محكمة وراء محكمة 9 سنوات حتى بعد 9 سنوات أدانوني وحاكموني.

أحمد منصور: كانت تهمتك إيه، تهمتك يعني حددوا لك تهم بعد التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: نعم.

أحمد منصور: ما هي؟

عبد الحكيم حنيني: مُقاومة نسميها مُقاومة العدو والعمل في كتائب عز الدين القسام والتخطيط لعمليات ضد الاحتلال.

أحمد منصور: كيف تم نقلك من سجن التحقيق إلى السجن اللي ستقضي فيه المدة؟

عبد الحكيم حنيني: في، أنا طبعاً التحقيق اللي حُقق معي في سجن نابلس المركزي وهذا السجن  فيه أقسام للأسرى فنفس يعني في دائرة.

أحمد منصور: السجن نفسه؟

عبد الحكيم حنيني: دائرة نفس السجن يعني ما خرجت ولا نُقلت لا في باص ولا في أي سفرية في نفس السجن خرجت من زنازين التحقيق وأدخلوني وما زلت أذكر تلك.

حكايات ترويها جدران السجون الإسرائيلية

أحمد منصور: تفتكر أول زنزانة دخلتها؟

عبد الحكيم حنيني: طبعاً ما زلت لا يمكن أن أنساها.

أحمد منصور: صف لنا هذه الزنزانة؟

عبد الحكيم حنيني: أنا دخلت على غرفة رقم 2 في قسم أ في سجن نابلس المركزي فيها 36 أسير .

أحمد منصور: كبيرة يعني؟

عبد الحكيم حنيني: آه تخيل أنت تخيل الموقف  يعني غرفة واحدة 36 أسير فيها 36 رأي 36 مزاج 36 بحب شي وبكره شي يعني حاول.

أحمد منصور: مساحتها أد إيه كانت؟

عبد الحكيم حنيني: يعني تقريباً فيها 36 يعني إحنا نسميها أبراش أو تخوت.

أحمد منصور: فوق بعض؟

عبد الحكيم حنيني: فوق بعض، يعني.

أحمد منصور: كانت مريحة واسعة يعني؟

عبد الحكيم حنيني: لا، لا طبعاً لا يعني ما في إمكانية يعني كنا يا دوب نقدر نصلي فيها، يعني عندما تُقام صلاة الجماعة في الزنزانة.

أحمد منصور: نسيت أسألك كيف كنت تصلي وقت التحقيق؟

عبد الحكيم حنيني: في التحقيق كثير من الصلوات على الكرسي بدون وضوء يعني خلص ننوي ما في مجال لا بعطيك.

أحمد منصور: وأنت مش عارف الوقت؟

عبد الحكيم حنيني: وأنت خلص يعني أنت تُقدر مضت 3، 4 ساعات خلص أذنّ بدي أصلي  الظهر، إن كان يعني يُنعم علينا ربنا في واحد في التحقيق وهذه كانت تحدث كثير يصرخ ويبدأ بالتكبير الله أكبر الله أكبر.

أحمد منصور: تسمع في مكان ثاني يعني؟

عبد الحكيم حنيني: نعم يعني إنه حانت الصلاة اللي بقدر يصلي يعني حتى يُغيظ المحقق وحتى يعني للي بدو يصلي، طبعاً يعني كنا نتوضأ يعني ما في مجال للوضوء إيماء سميها تضرب على الحيط إذا أُعطيت الفرصة تتيمم تصلي بدون وضوء ما في مجال، ما في مجال أنت عندما تستمر مشبوحاً 3 أيام لا يمكن أن تبقى على وضوء ولا يمكن أن تصلي يعني وهكذا يعني فتوى مشايخنا أن نصلي يعني مهما كانت الظروف كنا نصلي ونحن جالسون مشبوحون والكيس على رأس الأسير يصلي في كل الظروف كان يصلي.

أحمد منصور: انتقلت إلى زنزانة فيها 36 أسير؟

عبد الحكيم حنيني: 36 أسير الأغرب طبعاً وهذا.

أحمد منصور: أكيد فيها عصافير دي؟

عبد الحكيم حنيني: لا، لا هذه ما فيها .

أحمد منصور: أسرى كلهم؟

عبد الحكيم حنيني: هذه أسرى نعم خلص عندما ينتقل إلى الأسرى انتهي يعني.

أحمد منصور: هي العصافير في التحقيق فقط؟

عبد الحكيم حنيني: فقط في فترة التحقيق.

أحمد منصور: لكن في فترة السجن خلاص ما بحط عصافير؟

عبد الحكيم حنيني: لا هو ممكن يكون جاسوس يعني مُندس أما مش بنظام العصافير أو بنظام التحقيق، يعني ممكن يكون بين الأسرى في جاسوس وفي الغالب يكشفوه يعني ويعرفوه .

أحمد منصور: الجاسوس ده ببين لك إنه مجاهد زيك وإنه؟

عبد الحكيم حنيني: طبعاً، طبعاً آه، طبعاً هذه الغرفة أنا اللي أحكيه اللي أتكلم إنه فيها 36 تخت أو بُرش نسميه إحنا قبل الأبراش قبل ما يوضع فيها هذه الأبراش كان موجود فيها أخ أمضى في السجن 15 سنة، أنا يوم دخلت عليه وتعرفت عليه أبو العبد من بِده ربنا يحفظه قال لي أنا أمضيت 15 عاماً.

أحمد منصور: في الزنزانة دي؟

عبد الحكيم حنيني: في السجن بقول هذه اللي شايفها الآن التخوت اللي كل أسير إله تخته بقول إحنا كنا ننام هنا 80 واحد.

أحمد منصور: في نفس الغرفة؟

عبد الحكيم حنيني: في نفس الغرفة قال لي 80 أسير كل أسير معها جِلدة، جِلدة بلاستيكية بفرشها على الأرض وبنام عليها وممنوع تنام إلا على سيفك.

أحمد منصور: جنبك يعني؟

عبد الحكيم حنيني: لأنه أخوك ملزق فيك لأنه إذا بتنام على ظهرك.

أحمد منصور: تأخذ مسافة أكبر؟

عبد الحكيم حنيني: تأخذ مسافة اثنين، فممنوع تنام إلا على جنبك، تخيل هذا الموقف 80 أسير في غرفة صغيرة، بقول كنا يعني نموت في هذا النوم ما تقدر تقلب تنام طول الليل ما تقدر تقلب على شقة أخرى خلص، بدك تضلك نايم على شقة وحدة، هذا طبعا البُرش قد يتبادر للسامع إنه أجا إنسانياً من هذا الاحتلال، لا طبعاً هذا الانتقال وكذلك كل ما لدى الأسرى الفلسطينيين اليوم جاء عبر الإضرابات عبر الشهداء في السجون وعبر الدماء اللي قدموها الأسرى داخل السجون وهم يقاومون هذا المحتل حتى يتقدموا ويرتقوا في واقعهم ويُحسنوا قليلاً من الظروف اللي يعيشوها.

أحمد منصور: يعني في إضرابات كانت تجري؟

عبد الحكيم حنيني: نعم، إضرابات كانت تجري إضرابات عن الطعام ومُواجهات مع السجان حتى يُحسن حتى يُحسن الأسير الفلسطيني واقعه.

أحمد منصور: في قتلى قُتلوا أثناء الإضرابات وأثناء في السجون؟

عبد الحكيم حنيني: نعم  في استشهدوا أثناء الإضرابات .

أحمد منصور: تفتكر حد؟

عبد الحكيم حنيني: وقعوا يعني شهداء نتيجة اللي هو إطعامهم في القوة من الأنف.

أحمد منصور: من الأنف؟

عبد الحكيم حنيني: في الزُندة نسميها إحنا.

أحمد منصور: لما يكون مُضرب عن الطعام؟

عبد الحكيم حنيني: نعم، نعم يعني هي يطعمونهم رغماً عن أنوفهم.

أحمد منصور: أنت متى أول مرة رحت المحكمة؟

عبد الحكيم حنيني: أيضاً محكمة سجن نابلس المركزي.

أحمد منصور: جوا السجن؟

عبد الحكيم حنيني: اللي أنا كنت يعني حٌقق معي فيه وسُجنت فيه في بدايات الاعتقال لغاية 1995 كان في نفس المساحة هناك محكمة عسكرية.

أحمد منصور: كنت تنتقل مشياً يعني؟

عبد الحكيم حنيني: مشياً، طبعاً مشياً مُقيد في الأيدي والأرجل ورغم أنك  يعني موجود داخل سور يعني السجن كنا نسميها زمان في مدينة نابلس العمارة أو يعني اللي هي مركز الحاكم العسكري، ومع ذلك كانوا يُقيدوا الأيدي والأرجل حتى في هذه المسافة تقريباً 400 متر نسيرها وأنا مُقيد الأيدي.

أحمد منصور: تذكر أول ليلة لك في الزنزانة اللي فيها 36 أسير؟

عبد الحكيم حنيني: قد تستغرب أخي أحمد إنه الأسير الفلسطيني أحياناً بمر في مراحل ما بقدر يعني أنا لا أظن إنه في أحد ممكن يعيش هيك لحظات وقد نأتي إلى بعضها أثناء الحديث فيما بعد اللي هي الجمع ما بين الفرحة والحزن والألم والسعادة ويعني مشاعر مشاعر.

أحمد منصور: مُتناقضة؟

عبد الحكيم حنيني: مُتناقضة يعني تدور داخلك، يعني أنا عندما دخلت أنا مثل خارج من التحقيق وكأني يعني إحنا كنا نسميها فرحة كبيرة أن تخرج من التحقيق بعد 105 أيام سالماً وبصحتك الجسدية ومن فضل الله تعالى فش أمراض فش إصابات وتخرج تلقى إخوانك الأسرى فتجد يعني من التخفيف ما يُسعدك، ولكن تبقى تتألم من ألم اللي تركتهم في الزنازين من ألم أهلك من ألم زوجتك من ألم أولادك من الفرقة من الغياب كل هذه المشاعر بتكون مُخالطة للأسير الفلسطيني، أنا ما زِلت هُم طبعاً في طقوس كانت عند الأسرى، يوم ينزل عليهم أخ جديد من التحقيق يوقفوا لهُ هيك يصفوا لهُ نُسميها على الداير صف، ويبلشوا يُعانقوا فيه ويُهنوا فيهِ والحمد لله على سلامتك وربنا يتقبل جهادك وجُهدك وربنا يتقبلك، ويشجعوه ويُعلوا من همتهُ ويُعلوا من معنوياتهُ، ويحتضنوه ويعني يُقدموا لهُ على طول يُعطوه غيار، قوم تحمم تغسل كذا، يعني يُقدموا لهُ كُل التسهيلات المُمكنة، جوعان يطعموه يُحضروا لهُ أكل، حتى يشعُر أنهُ يرتاح نفسياً ويشعُر أنهُ يعني  بينَ إخوانهِ، فهذا تُخفف على الأسير اللي قادم من التحقيق وتكون فترة صعبة من المُعاناة.

أحمد منصور: في حد من الـ 36 طلعت تعرفهُ؟

عبد الكريم حنيني: لا أذكُر أحداً سابقاً يعني كُنت أعرفهُ سابقاً نهائياً.

أحمد منصور: هل كُل الأسرى في هذهِ الزنزانة كانوا من كتائب الشهيد عز الدين القسام وعموماً حماس؟

عبد الكريم حنيني: هي كانت الغُرفة مُشتركة بين يعني ما زِلت أذكُر العدد، 18 أسيراً حماس و16 أو 18 أسير جهاد إسلامي، يعني مُناصفةً.

أحمد منصور: آه إسلاميين كُلهم.

عبد الكريم حنيني:  إسلاميين كُلهُم، فكانوا عائشين تحت إطار كُنا نُسميها الجماعة الإسلامية، عاملين نظام داخلي وكذا وزي هيك، أنهُ إحنا نتعايش، حماس والجهاد عائشين في غُرفة واحدة .

أحمد منصور: كيف الـ 26 نفس بـ36 مزاج بـ 36 شخصية بـ 36..، كيف هؤلاء يعني كانوا قادرين يتعايشوا وينسجموا بينهم؟

عبد الكريم حنيني: طبعاً هذهِ مِن أصعب من أصعب الأمور في الحياة في السجن.

أحمد منصور: كيف؟

عبد الكريم حنيني: ولذلك يعني كان من تضحيات الأسرى وإضراباتهم عن الطعام ومواجهتهم للسجان فرضوا على السجان أن يكون لكُل فصيل فلسطيني زنازينهُ المُنفردة، أو الغُرف اللي يعيشوا فيها أسراه لوحدهم، حتى يسهُل يعني عندما يعيش أبناء حماس في غُرفهم وأبناء فتح في غُرفهم والجبهة الشعبية في غُرفهم والجهاد الإسلامي في غُرفهم يظل المزاج في الحياة في البرنامج اليومي للأسير الفلسطيني تظل في قواسم مُشتركة أكثر من ايش، من أنهُ لو كانت حياة يعني مُشتركة، يعني أنا أعطي مثل بسيط، الدُخان..

أحمد منصور: نعم.

عبد الكريم حنيني: التدخين مثلاً، في كثير يعني مثلاً عند حماس هذا الدُخان كان يعني من الممنوعات ونُحاربهُ باستمرار، وإذا كان فرد من حماس يُدخن نظل عاملين لهُ برامج ونُقنعه وكذا حتى يترك هذا الدُخان، طيب أنتَ يوم تعيش في غُرفة مُشتركة 36 يكون 10 منهم، تخيل!! يكون 10 يدخنوا يعني بالفعل لا تستطيع، يعني هذا شغلة بسيطة جداً يعني، اللي هي موضوع التدخين لذلك المزاج والهوى..

أحمد منصور: وما تقدر تقول للي يُدخن لا تُدخن.

عبد الكريم حنيني: ما تقدر هذا سجين زيك زيه، شو تقول لهُ؟؟ هو محشور في زنزانة أنتَ وإياه، يعني أنتَ لا تستطيع يعني.

أحمد منصور: ما فيش هواء في داخل الزنزانة.

عبد الكريم حنيني: ما في، يعني ما في مجال، هو يعني خلص هو مُبتلى في هذا الأمر، ما تقدر تضغطهُ يعني هو في سجن ومضغوط وكمان أنتَ بدك ترُد تِفرض عليه يعني شروطك كسجين، صعبة جداً، لذلك يعني هذهِ من الأمور اللي خففت شوي على الأسرى أنهم  تم يعني بعد الإضرابات عن الطعام، تم فصل كُل فصيل في زنازين، أنا دائماً كُنت استخدم جُملة في البُعد النفسي وهذا المزاج اللي تتحدث عنهُ أخي أحمد، كُنت أقول رب العالمين عندما أراد أن يهدي الناس كان يبعث لهُم رُسل ومُعجزات حتى يقتنع البشر في الأمر..

أحمد منصور: نعم.

عبد الكريم حنيني: فتخيل هذا السجين المضغوط نفسياً، اللي بعيد عن أهلهُ، بعيد عن وطنهُ، متعذب، كُل هذهِ الأمور، كيف أنتَ بدك تقنعهُ في بعض اللي نُسميها القوانين والأمور حتى يسير بالشكل الذي تسير فيه الحياة خلينا نُسميها إن جاز التعبير بمزاج مُشترك، مزاج مُشترك، قواسم مُشتركة، قوانين مُشتركة، اللي يقدر عليها يعيش.

أحمد منصور: كان في مسؤول للزنزانة؟

عبد الكريم حنيني: طبعاً، إحنا عنا في حماس كُنا نُسميه أمير للغُرفة، كان في أمير للغُرفة، مسؤول للغُرفة هو يعني اللي يُدير..

أحمد منصور: طيب أنتم حماس والجهاد كُنتم متوافقين على اختيار شخص واحد؟

عبد الكريم حنيني: طبعا، نعم أنا ما زِلت أذكُر يعني..

أحمد منصور: التوافق كان بين المجموعة ما فيش في مشاكل؟

عبد الكريم حنيني: ما في مشاكل.

أحمد منصور: أنتَ كم قضيت في هذهِ الزنزانة؟

عبد الكريم حنيني: بقينا في سجن نابلس في المركزي لغاية شهر 10/1995 لغاية ما استلمت السُلطة، طبعاً صار اتفاق أوسلو وإحنا في السجن يعني، وبقينا في سجن نابلس المركزي لغاية شهر 10/ 1995 عندما بدأ الاحتلال يُسلم المُدن للسُلطة الفلسطينية وجاءَ الدور لمدينة نابلس أخرجونا، أغلقوا..

أحمد منصور: يعني من سنتين إلى 3 سنين.

عبد الكريم حنيني: نعم أخرجونا من سجن نابلس، أغلقوه ونقلونا إلى سجن آخر في نابلس..

أحمد منصور: يعني السُلطة الفلسطينية تستخدمهُ الآن؟

عبد الكريم حنيني: نعم، هو طبعاً قصفوه في الانتفاضة، في انتفاضة الأقصى، تم قصفهُ لوجود الشهيد أبو هنود رحمةُ الله عليه ومجموعة من الأسرى كانوا فيه، والآن ما زال موجودا وما زالت السُلطة تستخدمهُ..

أحمد منصور: هُناك خمسة وعشرين..

عبد الكريم حنيني: هو وسجن آخر اسمهُ سجن الجنيد.

]فاصل إعلاني[

أحمد منصور: هُناك 25 سجناً ومُعتقلاً للفلسطينيين.

عبد الكريم حنيني: نعم.

أحمد منصور: في إسرائيل زي عوفر والنقب ومجدو ونعمة..

عبد الكريم حنيني: مجدّو.

أحمد منصور: مجدّو ونفحة وريمون وعسقلان المركزيّ وشارون للأشبال وهداريم للبالغين، تلموند للنساء، الرملة ونتسان، الرملة نتسان والرملة آيلون.

عبد الكريم حنيني: نعم.

أحمد منصور: ومشفى سجن الرملة وشطة وجلبوع والدامون كفّار يونا وبئر السبع بقسميه و أوهلي كيدار، أنا طبعاً الآن جمعت شهادات مِن الأسرى سواء رسائل أرسلوها أو شهادات لبعض الأسرى المُحررين عن الأوضاع المُذرية والمأساوية داخل هذهِ السجون، الأسير وسام رفيدي يتحدث عن الازدحام فيقول في رسالة مُسرّبة نشرها مركز الزيتونة في صفحة 55 عن كتابه مُعاناة الأسرى:" أنا لم أُعاقب مرةً واحدةً فقط بل أُعاقبُ بشكلٍ متواصل ومستمر عندما أُحشرُ في زنزانةٍ لا هواءَ فيها مع 15 مُعتقلاً آخر ومرحاض واحد ومكانُ استحمامٍ واحد، وعندما لا استطيعُ إيجادَ أيَّ مكانٍ للقراءةِ أو الكتابةِ وعندما لا أستطيعُ رؤيةَ أهلي وأصدقائي وحينما أُسألُ عن صحةِ وأحوال والدي ووالدتي وإخوتي فلا أستطيعُ أن أعرفَ جواباً".

عبد الكريم حنيني: نعم.

أحمد منصور: الازدحام.

عبد الكريم حنيني: الازدحام من أسوء من أسوء المشاكل اللي كُنا نُعانيها، يعني تخيل!! هذهِ الزنزانة اللي تحدثت أنا أول ما دخلت فيها سجن نابلس، 36 أسير في حدها غُرفة نفس الشيء 38، بجانبها رقم 4، اللي يعرف سجن نابلس يُدركها تماماً، 38 إنسان يعيشوا فيها، هؤلاء لهُم مرحاضين وحمامين، ما زِلت أذكُر عندما كُنا نُريد أن نُصلي، تخيل!! أبسط الحقوق لكَ تُصلي، تقعد ساعتين وأنتَ يعني قبل الأذان بساعتين يبلشوا الشباب يلاّ يا شباب جهزوا حالكم للصلاة، تخيل أنتَ يوم يكون عندك 38 إنسان أو 36 إنسان بدهم يستخدموا مرحاضين، وإذا تخيل لو كان مُنهم واحد أو اثنين فقط بديش أقول 10، واحد أو اثنين مريض بمرض البواسير اللي هذا بدو يقعد في المرحاض تقريباً نصف ساعة من شان يقضي حاجتهُ، فلذلك لا شك إنهُ مُعاناة الازدحام مُعاناة شديدة، وكما قُلت أنا أرُد أُذكر وهذا مُهم جداً، أنهُ قبل هذهِ الأبراش اللي يتكلم عنها أخونا وسام الرفيدي أيضاً كان هذهِ الغُرفة اللي كانَ فيها 15 قبل الأبراش كانوا يضعوا فيها 50 و55 واحد.

أحمد منصور: الأسير محمد الديراوي يقول: "كخليةِ نحلٍ كانت الزنازين، زنازينُ يقبعُ في كُل واحدةٍ منها اثنين أو ثلاثةٌ من البشر، غادروا الدُنيا يعيشون في دُنيا ليست كالدُنيا، ساحةٌ لا تزيدُ عن أربعةِ أمتار مُربعة تحتوي على المرحاض وصنبور للماء عدا كونها مكاناً للعيش والنوم وملعباً لمُمارسة بعضَ الرياضة، روائح كريهة تنبعثُ من مكانٍ يصعبُ الاقترابُ منهُ فكيفَ عمن لازمهُ طوالَ أيامٍ وشهورٍ لا يُفارقهُ، الحشراتُ الخارجةُ من مكانِ قضاءِ الحاجةِ فقط هي التي كانت تومضُ لنا أنهُ لا زالت هُناكَ حياةٌ خلفَ الأسوار، أما السجانونَ فهُم أمواتٌ بلباسِ أحياء، وجوههم العابثة لا توحي بشيءٍ من الحياةِ على الإطلاق"، طبعاً كُل السجون كانت مُختلفة، هُناك زنازين صغيرة..

عبد الكريم حنيني: نعم صحيح.

أحمد منصور: في الكبيرة التي تحدثت عنها، هُنا مأساة الازدحام، مأساة دورات المياه أو قضاءِ الحاجة، مأساة السجانين، 3 أشياء. 

عبد الكريم حنيني: نعم تخيل حدثني أخونا الأسير المُحرر طلال الباز يقول كُنا في سجن الفارعة في غُرفة مُزدحمة فيها ما يُقارب 20 أسير، يناموا على الأرض، على الأرض يناموا، ويقول الـ 20 يقضوا حاجتهم في دلو أو دلوين موجودات.

أحمد منصور: يعني ما فيش..

عبد الكريم حنيني: ما في مرحاض.

أحمد منصور: ما فيش مرحاض.

عبد الكريم حنيني: 20، ويقول أحد أطفئوا علينا الأنوار، صارت الزنزانة ايش؟ من مرة، قام أحد الأسرى يقضي حاجتهُ فتعرقل في الدلو فسكبهُ على الأرض، يقول طول الليل وإحنا واقفين لا عارفين نقعد ولا عارفين ننام ولا عارفين نجلس، قال بقينا طيلة الليل واقفين حتى جاءَ الصباح ودخلَ ضابط العدد من شان يعدُنا، فيقول يوم دخل من الرائحة النتنة هرب، هرب، الضابط ما قدر يدخُل على الزنزانة من شان يعدهُم، من شان يعدهُم هرب وراح جاب العُمال وقال لهُم ادخلوا نظفوا هذهِ الزنزانة، فلا شك أن يعني أن يعني مُعاناة الأسرى الفلسطينيين في موضوع الازدحام مُعاناة شديدة جداً.

أحمد منصور: هُنا الأسرى ما يقتصروا على المُقاومين فقط، رجال، نساء، أطفال، مرضى، نواب، وزراء، عُمّال، طُلاب، طالبات، ربات منازل، اعتقال تعسُفي يتم لكُل الفلسطينيين، يعني السجون فيها مِن كُل النوعيات.

عبد الكريم حنيني: مِن كُل يعني تجد الأخوات، تجد الأشبال، تجد يعني نحنُ في السجن نرى كبير السن، كُنا نرى الطبيب، كُنا نرى أستاذ الجامعة، كُنا نرى عضو البرلمان، الأخوات نفس الكلام، الأطفال الصغار من سن 10 سنين، 11 سنة لغاية 16 سنة، كُلهم موجودون في سجون الاحتلال بكافة تشكيلات الشعب الفلسطيني.

أحمد منصور: الأسير المُحرر إبراهيم جُندية روى شهادتهُ عن مُعاناتهِ خلال المرض، لأنهُ أيضاً قصة المرض للأسرى في السجون قصة كبيرة، رفضوا نقلهُ للمُستشفى لكن حينما نقوله يقول: "تم نقلي إلى مُستشفى الرمل عبر رحلةٍ لا أُريدُ أن أروي تفاصيلها فهي بحدِ ذاتها مُعاناةٌ وإذلالٌ يفوقُ الوصفَ ويعجزُ اللسانُ عن مُجاراة أحداثهِ ومُجرياتهِ"، كيف رحلة مريض بعد طبعاً هُم لا يسألوا في المرضى لكن إذا وصلَ إلى مرحلة الفناء والموت ينقلوه إلى المُستشفى، صِف لنا رحلة نقل مريض للمُستشفى؟

 

عبد الكريم حنيني: طبعاً أنا عايشتها، كُنت بحاجة لعملية وسافرت فيها، ولكن أنا ما بدي أروي روايتي الشخصية لأنها أنا أعتبرها لسه..

14 ساعة من الذل في سيارة " البوسطة"

أحمد منصور: لا اروي روايتك وروايات الآخرين.

عبد الكريم حنيني: يعني لا تُذكر مع مُعاناة المرضى الآخرين، عندما تقول للسفر أنا يعني يخطُر في بالي هذا أنا أُسميه القبر المُتحرك، قبر مُتحرك البوسطة.

أحمد منصور: اللي هي، آه.

عبد الكريم حنيني: سيارة البوسطة إحنا نُسميها بوسطة.

أحمد منصور: الباص اللي ينقلوكم عليه.

عبد الكريم حنيني: صندوق حديدي بما تحمل الكلمة من معنى، صندوق حديدي، كراسي حديد، كراسي حديد مُطلقاً يعني، مقسوم طبعاً تخيل!! نفس الباص مقسوم، شيء زنازين  انفرادية وشيء مكان للسجانين وكلابهم والقسم الأكبر للأسرى، هذا طبعاً مكان ضيق جداً، تخيل رحلة الموت، إحنا نُسميها في الأسرى المُتعارف عليها اسمها رحلة الموت، اللي بدو يُسافر في هذه البوسطة خلص، يعني رحلة من رِحل الموت، هذه البوسطة تستمر في مُعظم أوقاتها 14 ساعة.

أحمد منصور: ينقلوك مِن مكان لِمكان.

عبد الكريم حنيني: 14 ساعة أقل شيء.

أحمد منصور: قاعد فيها؟

عبد الكريم حنيني: وأنتَ قاعد في زِنزانة الحديد هذهِ في السيارة المُتحركة، طبعاً هذهِ تخيل 14 ساعة وأنتَ مُقيد اليدين والرجلين.

أحمد منصور: حتى لو كُنت مريض وينقلوك للمُستشفى!!!

عبد الكريم حنيني: مهما كُنت، أنا كُنت عامل عملية، كُنت خارج من عملية جراحية من ما تُسمى هي سجن ولكن ما تُسمى مُستشفى الرملة، خارج من العملية كُنت قبلها بيوم العملية الجراحية، ثاني يوم أجبروني أني أرجع للسجن في سجن عسقلان..

أحمد منصور: ثاني يوم من العملية!!

عبد الكريم حنيني: مُباشرةً ثاني يوم، أنا طبعاً..

أحمد منصور: ولسه جُرحك يعني.

عبد الكريم حنيني: أنا لسه في المُستشفى خرّجوني مُباشرةً، يعني تخيل إذا أُريد أن أنتقل بديش أنتقل للعملية أرجع لها ولكن أُكمل بس اللحظة هذهِ، لحظة البوسطة لأنها لحظة مؤلمة جداً يُعاني منها الأسرى الفلسطينيين، 14 ساعة وأنتَ لا تأكُل ولا تشرب ولا تقضي حاجتك، طبعاً في سفريات 18 ساعة تُكمّل، لذلك كثير من الأسرى المرضى لا يُريدون أن يذهبوا لما يُسمى علاج لأنهُ خائف على..

أحمد منصور: على الرحلة هذهِ.

عبد الكريم حنيني: خائف من الرحلة هذهِ، أنا ما زِلت مطبوعة في ذاكرتي شِبل، شِبل علاء تخيل شِبل عُمرهُ 17 سنة..

أحمد منصور: أسير.

عبد الكريم حنيني: أسير معنا في البوسطة بدو يقضي حاجتهُ ويضرب على الباب بقوة يضرب على باب البوسطة، يُنادي السجان بدي أقضي حاجتي، بدي اقضي حاجتي وطبعاً ما في مجال يفتح وصار يبكي بُكاءً مُراً، مُستحي هو شِبل وإحنا نترجى فيه والناس، يا عمي اقضي حاجتك في قُرنة الزنزانة على الأرض، على كذا، وهو شب صغير ومُستحي، خجلان.

أحمد منصور: انتم كم واحد كُنتم؟

عبد الكريم حنيني: وإحنا طبعاً حوالي 30 شاب داخل البوسطة هذهِ، وبدأ يضرب في رأسهُ في الـ..

أحمد منصور: يا الله.

عبد الكريم حنيني: بدأ من الحُرقة والألم بدأ يضرب رأسهُ في الحديد، في حديد البوسطة وهو يتألم ويبكي وصاروا كُل الـ 30 يبكوا معهُ، وطبعاً تبدأ الخبط على الحديد والخبط على الباب، وهذهِ طبعاً ايش تجُر دائماً يعني؟

أحمد منصور: ولا أحد سائل فيكم.

عبد الكريم حنيني: أو صِدام مُباشر يفتحوا الباب ويرشوك غاز فوراً، وهذهِ طبعاً حدثت كثير..

أحمد منصور: غاز على العين، اللي هو يؤثر على العين.

عبد الكريم حنيني: على الأسرى، يعني يجيب برميل الغاز اللي هو غاز مُسيل للدموع هذا، وتخيل!!

أحمد منصور: وأنتم في صندوق مُغلق.

عبد الكريم حنيني: وأنتَ في صندوق مُغلق، بس هُم مُتقنين للإجرام، شو يعملوا؟ عارفين قد ايش يستطيع الـ...

أحمد منصور: الأسير يتحمل.

عبد الكريم حنيني: الأسير يتحمل، بعد دقيقتين ثلاث يضربوا إحنا نُسميها قنابل أوكسجين، يضرب في جوا الغُرفة المُغلقة هذهِ الحديدية يضرب ثلاثة أربعة قنابل أوكسجين، ينتشر الأوكسجين فلذلك الأسير ايش؟ يرجع يتنفس، طبعاً بعدها خّذ التقيؤ والـ يعني يبدأ الأوساخ على أرض البوسطة، على كذا، الدماء إذا أُصيب أحد من نتيجة المواجهة، كثير كثير من المواجهات التي تحدُث في مثل هذهِ اللحظات لأنهُ الأسير يعني يُريد أن ينفجر، أو إنسان مريض أُغميَ عليهِ داخل البوسطة ما في عندك خيار إلا تبدأ تدُق وتضرُب على صندوق الحديد على هذهِ البوسطة حتى يأتي السجان من شان يُنقذ أخاك، فلذلك لا شك أن هذهِ يعني صندوق الموت هذا القبر المُتحرك ورحلة الموت هذهِ من الأمور التي يُعانيها الأسير الفلسطيني التي كُل قوانين الدُنيا لا يُمكن أن تقبل مثل هذهِ المُمارسات، تخيل هذا كراسي الحديد واللهِ ما زِلت أذكُر أخي أحمد، في عز الشتاء يكون درجة حرارتهُ تحتَ الصفر، حديد حديد أنتَ تتخيل كيف؟

أحمد منصور: نعم، نعم.

عبد الكريم حنيني: في حديد، برد وحديد، ما تقدر تقعد عليه وتخيل بدك تسافر 16 ساعة، في الأخير أنتَ مُجبر..

أحمد منصور: وأنتَ مريض.

عبد الكريم حنيني: أنتَ مُجبر أن تجلس، أنتَ مُجبر أن تجلس على هذهِ الكراسي، حتى لا يسمحوا تخيل نطلُب منهُم إذن أن نأخُذ أن يأخُذ معهُ الواحد مخدتهُ أو أي قطعة قماش التي يضعها في البرد يعني تحتهُ ما يقبلوا، نهائياً ممنوع، أنتَ يجب أن تخرج إلى هذهِ البوسطة أو إلى هذهِ السفرة وأنتَ مُقيد، وتخيل يا أخي الأسير يوم يكون ضرير، يعني عندنا أسير عبد العزيز عمرو أو الشيخ عز الدين عمارنة.

أحمد منصور: هُم مُعتقلين كُففى وضُررا وحاكمين عليهم.

عبد الكريم حنيني: نعم، الدكتور عبد العزيز عمرو كان مؤبدات محكوم، وهو ضرير مدى الحياة يعني محكوم وهو ضرير، تخيل هذا الأسير عندما يُقيد بيديه وهو ضرير، وهو ضرير، يوم كان يخرُج على البوسطة يُقيد بيديهِ ورجليهِ، ما يُراعوا أيّ إنسانية، طارق الرجبي في إحدى الصِدامات مع جنود البوسطة أو اللي إحنا نُسميهم وحدة النحشون، وهي وحدة مُتخصصة للقمع وللنقل، وحدة النحشون في إدارة مصلحة السجون تخيل في إحدى الصدامات ضربوه لأنهُ قال لهُم فيش وسعة، وين أطلع على الـ يعني؟ قيّدوه يدين ورجلين ويقولوا لهُ اطلع، يقول وين أطلع؟ فيش مكان، أوقف 16 ساعة مُقيّد اليدين والرجلين أنا مش في تحقيق، وين أطلع؟ انهالوا عليهِ ضرباً نزلوا أسنانهُ، نزلوا أسنانهُ، ويوم نقلوهُ على العيادة يقول تخيل حتى الطبيب يعني، الطبيب يقول لهُ بدي أصورك وهو مُصرّ إلّا يفتح فمهُ الأسير من شان يورجيهم أسنانهُ اللي كسروا لهُ إياه، والدم طبعاً كُل قميصهُ وكُل ملابسهُ دم في الأخير الدكتور يقول لهُ لا أنتَ ضربت حالك، أنتَ ضربت حالك، ضربت وجهك في الحديد من شان تؤذي حالك وتدّعي أنهم هؤلاء الشُرطة ضربوك.

أحمد منصور: على فكرة في شعوب عربية وفي حكومات عربية تقوم بأفظع من ذلك، يقتلوا القتيل ويقولوا لأهلهِ إذا اُستلم جُثتهُ كما حدثَ في مصر بعدَ الانقلاب، تقول إن ابنك انتحر.

عبد الكريم حنيني: آه الله المستعان.

أحمد منصور: للأسف ما تتحدث عنهُ من وسائل الآن يحدُث في دول عربية.

عبد الكريم حنيني: وهذا مما يُؤسَف لهُ حقيقةً.

أحمد منصور: قُلت لي في أحد عايز تحكي قصتهُ.

عبد الكريم حنيني: في الـ..

أحمد منصور: في البوسطة.

عبد الكريم حنيني: نعم، اللي هو الشِبل اللي ذكرتهُ.

أحمد منصور: آه.

عبد الكريم حنيني: علاء، هذا يعني قد ايش أثّر ترك الأثر في نفوس كُل مَن شاهد هذهِ النُقطة، ولكن أنا أُريد أن أعود إلى البوسطة- أخي أحمد- لو سمحت في موضوع المرضى تحديداً، أنا كمان مرة تخيّل العملية هذهِ، الإنسان مُسافر إلى ما يُسمى مُستشفى الرملة حتى يُجري عملية في المُستشفى، يُخرجوه من هذا القسم مُقيد اليدين والرجلين إلى مُستشفى خارجي ويبقى السجّانين مُحيطين فيه، يُدخّلوه على مُستشفى طبيعي، مش سجن مُستشفى طبيعي، تخيّل!! أنا يعني بنفسي يعني حدث معي هذا الأمر، يبقى السجّان معك حتى في غُرفة العملية وأنتَ مُخدّر تظل مُقيد اليدين والرجلين.

أحمد منصور: في العملية!!

عبد الكريم حنيني: في العملية، يعني أنا عندما دخلت إلى غُرفة العملية الجراحية كُنت مُقيَّد اليدين والرجلين والضابط في وحدة النحشون فوق رأسي، صحيت فتحت عيناي من العملية لقيت الضابط فوق رأسي وأنا مُقيَّد، تخيل من ناحية إنسانية!! وأنا مُقيد اليدين والرجلين، طيب أنا عامل عملية أنا قادر أتحرك، قادر أهرُب، قادر أمشي، ومع ذلك بعد العملية ينتظروا عليك لمُدة ساعة لساعة ونصف، يقول لك قوم، قوم أتحرك، والله إني ما كُنت قادر أقوم، ومع ذلك أجبروني وأنا أجُر القيود اللي في يدي ورجلي وعامل عملية بعد ساعة ونصف، أخرجوني أجبروني مش يحملوني حمل أو يحطوني على كُرسي أو كذا متحرك، لا لازم تمشي، لازم يعني لازم تتألم، لازم تشعُر في الألم، لازم تشعُر إنك يعني ما زِلت يعني في سجن، يُجبروك غصبا عنك تمشي في هذهِ وأنتَ عامل عملية وأنا مش قادر والله مش قادر أرجع رجلي اللي أركب في السيارة، أجبروني غصب عني إني أطلع على السيارة ونقلوني رجعوني على مُستشفى الرملة، ومُباشرةً في اليوم التالي الدكتور أقرّ إني أنا لازم أرجع، طيب أنا مش قادر، كانت معي حقيبة مش قادر أحملها أنا عامل عملية يعني، أقول للدكتور أنا مش قادر أسافر، مش قادر أسافر، يقول لي لا القانون خلص ممنوع عملت العملية لازم تُغادر.

أحمد منصور: تُغادر إلى أين؟

عبد الكريم حنيني: إلى سجنك، تعود إلى سجنك اللي جئت منهُ، وتخيل واحد عامل عملية يرُد يسافر 14 ساعة ولا 16 ساعة لا ماء لا أكل لا شُرب لا قضاء حاجة، بدك تظلك تُعاني منها، وأحياناً شو يعملوا لزيادة المُعاناة؟ أحياناً يُقيدوا معك سجين جِنائي، مُغتصِب أو تاع مُخدرات، أنا بأُم عيني شفت في أكثر من بوسطة كانوا يقعدوا يصيروا يشربوا الحشيش والمُخدرات، الأسرى الجنائيين اليهود.

أحمد منصور: جوا البوسطة!!

عبد الكريم حنيني: آه وتخيل، الدخنة وكذا..

أحمد منصور: وهي مُغلقة.

عبد الكريم حنيني: آه مُغلقة، ويختبئوا ويهربوا من السجانين ويقعدوا في زاوية هيك ويصيروا يدخنوا في هذهِ، هؤلاء تُجار الحشيش والمُدمنين على المُخدرات.

أحمد منصور: لا زال هُناكَ صور كثيرة من المُعاناة لاسيّما للمرضى نستكمل بها الحلقة القادمة، شُكراً جزيلاً لك، كما أشكُركم مُشاهدينا الكِرام على حُسن مُتابعتكم، في الحلقةِ القادمةِ إن شاء الله نواصِلُ الاستماع إلى شهادة عبد الحكيم حنيني أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام وأحد الأسرى المُحررين، في الختام أنقُلُ لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يُحييكم، والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ.