أحمد منصور
أحمد طالب الابراهيمي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أحد قيادات الثورة الجزائرية ووزير التربية والإعلام والخارجية الأسبق، دكتور مرحباً بك.

أحمد طالب الإبراهيمي: مرحبا بك.

إجراء أول انتخابات تشريعية في الجزائر

أحمد منصور: في الأول من يوليو عام 1962 تم الإعلان عن نتيجة الاستفتاء وصّوت الشعب الجزائري لصالح الاستقلال أين كنت في ذلك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بسم الله الرحمن الرحيم كما أخبرتك في الحصة الماضية كنت في مدينة لوزان بسويسرا لإتمام دراستي في كلية الطب، ولكن عند إعلان الاستقلال احتفلنا نحن مسؤولي جبهة التحرير والإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في لوزان بذلك اليوم التاريخي ولكن دعينا بعد يومين إلى العودة إلى الجزائر.

أحمد منصور: من الذي دعاك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.

أحمد منصور: طبعاً دخل يوسف بن خدة رئيس الحكومة المؤقتة مع الحكومة إلى الجزائر في 3 يوليو واستقبل بحفاوة كبيرة بينما كان بن بيلا وبومدين وباقي مجموعة ما يسمى بمجموعة تلمسان، وجدة، مجموعة وجدة كانوا في..

أحمد طالب الإبراهيمي: مجموعة تلمسان.

أحمد منصور: نعم، استقبال يوسف بن خدة بهذه الحفاوة من قبل الشعب ثم استقبال بن بيلا بعد ذلك قلت إنه كان رسالة من الشعب الجزائري لكلا الطرفين أن يتوحدا لكن كيف سارت الأمور؟

أحمد طالب الإبراهيمي: عدت إلى الجزائر ولكن بعدما شاهدت من شقاق وتسابق إلى المناصب قررت اللجوء إلى الطب، وذهبت إلى مستشفى مصطفى باشا حيث عشت هناك كمساعد لأحد الأساتذة الفرنسيين الذين اختاروا البقاء في الجزائر وهو أستاذ أمراض الدم جاك مسشميت وعشت في المستشفى آكل في المستشفى وأنام في المستشفى واشتغل في المستشفى.

أحمد منصور: كنت لا زلت أعزبا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، وكلفني بإلقاء دروس في نفس الاختصاص بكلية الطب وابتعدت عن الحياة السياسية تماماً وصرت لا أطالع الصحافة وحتى القصص، وكانت كل مطالعاتي منكبه على مجلات وكتب المتعلقة بالاختصاص الذي اخترته.

أحمد منصور: يعني إلى هذا الحد قررت أن تعتزل السياسة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم اعتزلت تماماً. 

أحمد منصور: إلى حد أنك لا تتابع الصحف ولا تعرف ما يدور؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ابداً، طبعاً مش بصفة دقيقة ولكن بلقاء بعض الأصدقاء كنا نتحدث على ولكن تطور الأحداث لم أكن أتتبعه بدقة.

أحمد منصور: قل لي ليه لماذا؟ قرار صعب سياسي يتخذه وشارك في صناعة الثورة في بلده؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كنت أؤمن أن العودة إلى الطب ضرورية وكنت أنتظر الوالدين من القاهرة فتفرغت لمهنتي..

أحمد منصور: أنا أسألك سؤال تاريخي، هل عدم الرغبة منك في الخوض في الصراعات كانت السبب الرئيسي أم رغبتك بأن تبقى طبيباً تمارس الطب وتدرسه بعد ذلك في كلية الطب بعدما حصلت على الدكتوراه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الدليل أن رغبتي في العودة إلى الطب كانت صادقة أنني اشتغلت وكان تحضير الدرس الواحد يتطلب مني ربما أكثر من 10 ساعات تحضير.

أحمد منصور: أنت كنت تدرس؟

أحمد طالب الإبراهيمي: فبعد هذا الجهد الأستاذ مسشميت كان عالماَ وكان يدرك أنه غير فصيح وكان يعتمد علي في إلقاء الدروس في اختصاصي.

أحمد منصور: للطلبة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: للطلبة في كلية الطب، ونتيجة هذا الجهد جعلت أنني عينت أستاذاً مساعداً في كلية الطب بعد سنة يعني في آخر 1963 ثم بدأت أحضر للأستاذية هذا كله دليل على أن اللجوء إلى مستشفى مصطفى باشا كان صادقاً.

أحمد منصور: أنت رجعت ثاني إلى سويسرا لاستكمال الدكتوراه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أكملت الدكتوراه في الجزائر وكان يوم بالنسبة للعائلة مشهود لأن حضر الوالد..

أحمد منصور: متى رجع الوالد من مصر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الوالد رجع في الخريف في خريف 1962 وبما أننا لا نملك بيتاً تأجرت له فيلا متواضعة وحاولت أن أوفر لوالديّ وسائل الراحة، أنا متأسف إلى الآن أن هناك شيئاً واحد لم أحققه للوالد كان يتمنى أن يرى مكتبته العامرة فوق الرفوف ولكن ضيق الفيلا جعل أنها هذه الكتب بقيت في الصناديق حتى وفاته.

أحمد منصور: شحنت من مصر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: وكان عنده بيت في مصر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان عنده بيت في مصر نعم.

أحمد منصور: أنت في مذكراتك قلت أنه عرض على الحكومة الجزائرية أن يأخذوا بيته في مصر لاسيما أنه كان في مصر الجديدة يعني في أرقى أحياء القاهرة يكون بيت للسفارة أو للسفير مقابل أن يمنحوه بيت بالجزائر، ولم يقبلوا بهذا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم ولم يقبلوا بهذا، فبقي في ذلك البيت حتى وفاته وكنت اقضي أوقات الفراغ خارج الكلية والمستشفى مع الوالد.

أحمد منصور: طيب الآن سآتي لاستكمال القصة في 20 سبتمبر 1962 جرت أول انتخابات تشريعية في الجزائر ثم شكلت حكومة في 29 سبتمبر برئاسة أحمد بن بيلا، بن بيلا حين سألته في شهادته على العصر حول هذه الشكوك قال إن الانتخابات كانت نزيهة وعادلة والدليل على ذلك أن الأغلبية أعطت أصواتها لفرحات عباس الذي أصبح رئيساً للجمعية الوطنية حتى ينتقصوا قليلاً من هيبة بن بيلا حسب قوله، ما رأيك في ذلك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نظراً للجو الذي كان موجوداً غداة الاستقلال أظن أن الشعب صوت بإخلاص وأن الانتخابات لم تكن مزورة وأن الرئيس بن بيلا على حق يعني.

أحمد منصور: حينما سألته عن الوضع الاقتصادي للجزائر أيضاً عشية الاستقلال قال يعني كلمة معبرة وقاسية حتى قالها بالمصري يعني قال لي: "الوضع كان زفت".

أحمد طالب الإبراهيمي: هو من الطبيعي أن بعد حرب دامت أكثر من 7 سنوات أن يكون الوضع سيئاً في الجزائر لا بالنسبة للاقتصاد فقط ولكن في جميع الميادين الصحة والتربية.

أحمد منصور: ميزانية الجزائر التي سلموني إياها 6 ملايين سنت لا تكفي أن يأكل الناس 5 أيام، أما يعني ذلك أن الحمل كان ثقيلاً على أي شخص سيأتي للحكم أيا كان؟ في حاجة يعني حضرتك أشرت إليها قبل شوي قلت أن أستاذك في الطب كان من الفرنسيين القلائل الذي بقوا في الجزائر، هل معنى ذلك إن معظم أو كل الأطباء الجزائريين والمدرسين وكلهم خرجوا من البلاد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه من أسباب الكوارث والوضع السيئ أن أغلبية الأوروبيين غادروا الجزائر وكانوا هم اللي ماسكين دواليب الإدارة والاقتصاد والصحة والتعليم فكان الوضع حقيقة كارثي وصعب لأي حكومة يعني.

أحمد منصور: حصل انهيار أم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لم يحصل انهيارا لأن الجزائريين كان ما زال المد الثوري كان ما زال موجودا يعني.

أحمد منصور: كيف كنت ترقب الأوضاع السياسية من موقعك كأستاذ في كلية الطب وطبيب أيضاَ؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في السنة الأولى لم يحدث شيئا كثيرا، ربما سنة 1963 كانت سنة صعبة من الناحية السياسية ليش؟ لأننا بدأنا نشعر أن إستراتيجية الجمع التي كانت من خصائص الثورة الجزائرية استخلفت بإستراتيجية الإقصاء وبدأنا نشعر..

أحمد منصور: كيف، اشرح لي دي معلش فهمني؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً الإقصاء الأول أن في سنة 1963 الشخص الثاني في هرم الدولة وهو محمد خضر الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني يقدم استقالته لأنه لم يقبل أن يكون الحزب أداة في يد السلطة التنفيذية ثم جاءت استقالة فرحات عباس وهو الشخص الثالث في هرم الدولة..

أحمد منصور: على اعتبار كان رئيس البرلمان؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان رئيس البرلمان فشعرنا أن هناك سياسة إقصاء سنة 1963 ثم جاء تمرد آيت أحمد في منطقة القبائل هذه كل الأحداث في 1963، إذن إستراتيجية..

أحمد منصور: احك لنا عن تمرد آيت أحمد، آيت أحمد كنتم مقربين من بعض وهو أحد القادة الخمسة وكنتم في السجن مع بعض كيف تمرد آيت أحمد وكيف رصدت أنت قضية تمرده؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً عند رجوع الإخوة من الجبال ومن السجون ومن تونس والمغرب ومصر..

أحمد منصور: المجاهدين.

أحمد طالب الإبراهيمي: التقينا في الجزائر في 1962 كان لقاء مثير يعني عندما وطئت قداميّ التراب الجزائري المستقل لأول مرة كان موقف مؤثر جداً حقيقة يعني وكانت أفكارنا كلنا متوجهة إلى من ضحوا الأصدقاء والرفقاء وإلى المليون في الناس اللي يشكوا اليوم أكثر من مليون شهيد يعني هذه فرصة على كل حال هذا المنبر منبر الجزيرة لأترحم على روح هؤلاء الإخوة وأسأل الله أن يتغمدهم برحمته وأن يسكنهم فسيح جنانه، أما لما عدنا يكذب عليك من يقول أن هناك مسؤولين في جبهة التحرير كانوا يدافعون عن التعددية إذا استثنينا آيت أحمد وبوضياف، أما الأغلبية الساحقة من مسؤولي الجزائر كانوا يعتقدون أن الحزب الواحد ضروري لبناء الجزائر، لأن الجزائر فقيرة وفقيرة جداً من الكوادر وهي في حاجة إلى جمعها في حزب واحد.

أحمد منصور: يعني هي عملية تأصيل للدكتاتورية من أول يوم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله ولا كان حد يفكر بالدكتاتورية يعني.

أحمد منصور: أمال ليه ينظروا للحزب الواحد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كنا نفكر في البناء يعني كلمة الحزب الواحد ربما تنظر إليها نظرة سلبية بعد 30 سنة أما أنا أحكي لك في سنة 1962 رغم أنني كنت في المستشفى كنت من أنصار الحزب الواحد لأنني كنت أعتقد أن هذه الوسيلة الوحيدة لبناء الجزائر.

أحمد منصور: رؤية بوضياف وآيت أحمد لقضية التعددية كيف كانت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني نرجع لمسائل السلطة كان في طموحات في السجن اكتشفنا أن الإخوة الخمسة لم يكونوا بعيداً عن الطموح يعني طموح الوصول إلى السلطة.

أحمد منصور: هل يعني ذلك أن هناك كان صراع سياسي بينهم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: خفي خفي.

أحمد منصور: ظهر في تمرد آيت أحمد في 1963؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا تمرد آيت أحمد لأنه دافع عن فكرة التعددية ولم ينل الأغلبية.

صراع الهوية ومخاطر الفرنسة

أحمد منصور: آيت أحمد حكم عليه بالإعدام بعد ذلك وأنت توسطت لدى بومدين للإفراج عنه سوف نأتي لتفاصيل الموضوع، أنت حصلت على الدكتوراه في الطب أواخر العام 1962 قبلها في أكتوبر 1962 عاد والدك من مصر وأسرتك أيضاً لأنه والدتك كانت معه، هذه الفترة مثلت صراعاً على الهوية، على الهوية في الجزائر، دولة محتلة 130 عاماً هويتها عربية إسلامية لكنها تتحدث الفرنسية، حاول الفرنسيون إخراجها من هويتها ومن تراثها فكان هناك صراع على الهوية، كيف رصدت مرحلة الصراع على الهوية التي ربما ما زالت قائمة إلى اليوم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ما زالت قائمة إلى اليوم، كنت كتبت دراسة نشرت في مجلة Afrique Jeune في 1962 عنوانها: تأملات حول الانعتاق الثقافي في الجزائر، وفي يوم من الأيام زارني أحد الأصدقاء في المستشفى وطلب مني أن أرافقه إلى البرلمان حتى أرى كيف تجري الأمور في البرلمان الجزائري، ونحن في مدخل البرلمان وإذ الرئيس بن بيلا خارج منه، فكان أول لقاء بيننا بعد الاستقلال.

أحمد منصور: أول مرة تلقاه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أول مرة.

أحمد منصور: أخر مرة لاقيته كنت في السجن.

أحمد طالب الإبراهيمي: في السجن وأول مرة بعد الاستقلال، لا قابلته في القاهرة لأنني كنت في استقبال الإخوة عندما زاروا القاهرة.

أحمد منصور: عندما أفرج عنهم في 19 مارس نعم.

أحمد طالب الإبراهيمي: وكانت إذن هي أول مقابلة في الجزائر المستقلة في باب برلمان الجزائر.

أحمد منصور: تفتكر تاريخها أكتوبر نوفمبر ديسمبر 1962؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله في 1962.

أحمد منصور: والدك كان رجع ولا لسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لسا فهنئني على هذه الدراسة، وقال بالحرف الواحد أنني أوافق على كل ما كتبت من جانبك، هذا كان أول لقاء ببن بيلا وثاني لقاء كان عندما اغتيل الأخ محمد خميستي وزير الخارجية وصحبه الرئيس بن بيلا إلى المستشفى وكنت في تلك الليلة صدفة مسؤولاً عن المداومة في المستشفى..

أحمد منصور: طيب طالما فتحت قصة خميستي في عليه علامات استفهام كثيرة وأنا في حواري الشهير مع الرئيس بوتفليقة فتحت هذا الملف ولم يعطني إجابة قال أسأل الرئيس بن بيلا، حينما سألت الرئيس بن بيلا في هذا الموضوع يعني أعطاني إجابة أيضاً يرى الناس أانها غير مكتملة طالما يعني كنت أنت المدير المناوب في المستشفى حينما نقل الخميستي حينما أطلق عليه الرصاص ما هي حقيقة ما حدث؟

أحمد طالب الإبراهيمي: فيجب أن لا نرى في كل اغتيال يقع في العالم العربي بأنه اغتيال سياسي في اغتيالات بتدخل في خانة الإجرام يعني فيمكن..

أحمد منصور: طيب كيف كان هذا الاغتيال؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا لا أرى فيه أسباباً سياسية.

أحمد منصور: على الإطلاق؟

أحمد طالب الإبراهيمي: على الإطلاق.

أحمد منصور: رغم ما أثاره البعض من أن هناك أسباب سياسية والدليل على ذلك أن بوتفليقة هو الذي أصبح وزيراً للخارجية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أرى أسباباً تماماً ولم يكن خميستي يمثل قطب يعني يخشى منه أو أبداً.

أحمد منصور: لا يخشى منه وإنما تفريغ منصبه لآخر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً أبداً لا راحوا الناس بعيد يعني..

أحمد منصور: كيف كان بن بيلا جاء مع خميستي..

أحمد طالب الإبراهيمي: عندما يموت رئيس في أي بلد عربي إلا ونريد أن نفسره تفسير يعني فيه بعض الأحيان أن السياسيين..

أحمد منصور: إحنا عايشين وسط المؤامرات.

أحمد طالب الإبراهيمي: السياسيين بشر معرضون للمرض ومعرضون للاغتيال ومعرضون للموت الطبيعي..

أحمد منصور: بن بيلا جاء مع خميستي وهو جريح ولا بعده؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان مغمى عليه وحاولنا طول الليل ولكن مع الأسف لم نستطع إنقاذ الموقف هذه المرة.

أحمد منصور: هذه المرة الثانية اللي لقيت فيها بن بيلا.

أحمد طالب الإبراهيمي: أما المرة الثالثة فهي قصة طويلة ولها علاقة بالوالد، الوالد عاد وسكن في البيت الذي أجرته وكان يستقبل تلامذته وإخوانه كل يوم في البيت ولم أكن أتوقع أن يتدخل في السياسة، وفي يوم من الأيام وأنا راجع من المستشفى قال لي أتذكر أن اليوم 15 إبريل قلت له: نعم قال بكرا فيه ذكرى وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فأنا قررت أن أدلي بموقفي حول الوضع في الجزائر وأملى علي كلمة قصيرة لا أذكر نصها، محتواها أو معناها أن كتب الله لي أن أعيش إلى استقلال الجزائر وكنت أعتقد أني سأسلم المشعل مشعل الإسلام والعروبة إلى من تقلدوا زمام الأمور ولكن اليوم الوضع خطير، وهناك حرب أهلية على الأبواب وهناك مشاكل اقتصادية يحاول البعض أن يجد لها حلولاً على أساس نظريات أجنبية، ويدعو الشعب إلى بناء مدينة تسودها العدالة والحرية وهي على تقوى الله ورضوانه يعني تقريباً..

أحمد منصور: كانت هذه هي المرة الأولى للشيخ البشير الإبراهيمي التي يدلي بدلوه في السياسة بعد الاستقلال.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم بعد الاستقلال.

أحمد منصور: كانت في 14 أبريل أو في 15 إبريل؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في 16 أبريل 1964..

أحمد منصور: هل البيان بهذه الصيغة كان يحمل شيئاً وهو في ذكرى الشيخ بن باديس الذي أسس معه جمعية العلماء في العام 1931؟

أحمد طالب الإبراهيمي: تقدر تقول أن هذا البيان دفاعاً عن مقومات الشخصية الوطنية يعني..

أحمد منصور: ألم يكن أيضاً فيه شيء من المرارة عما لقيه بعد الثورة؟ رجل له مكانته العلمية العالمية والدينية يرجع إلى بلده لا يجد بيتاً يليق به يقيم فيه..

أحمد طالب الإبراهيمي: ممكن يعني لم أفكر في هذه النقطة، فترجمت البيان ونشرته وأحدث هرجاً ومرجاً في الأوساط السياسية.

أحمد منصور: إيه شكل الهرج والمرج؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حتى الرئيس بن بيلا في مؤتمر الحزب الذي انعقد بعد أياما بعد هذا التصريح قال في خطابه بالحرف الواحد هناك معممون ينتقدون سياستنا الاشتراكية باسم الإسلام ونسوا أننا عندما طلبنا منهم أن يساعدونا في بداية الكفاح المسلح رفض، فعندما قرأت هذا النص كتبت رداً قاسياً أشرت فيه إلى أن الشيخ الإبراهيمي كان في المنفى في أفلو عندما كان أحمد بن بيلا يكافح لتحرير فرنسا في جبل كاسينو وأن أول شخصية وطنية أيدت الثورة وكان تصريح الوالد في نوفمبر 1954 بمثابة فتوى للشعب الجزائري أن يؤازر الثورة المسلحة، فعندما قرأت على الوالد مزقه وقال لي أحسن موقف هو الصمت، لعله كان يخشى على البطش مني وقال: سيكتب التاريخ في يوم من الأيام في المستقبل وختم حديثه بالآية الكريمة {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}[الرعد:17].

أحمد منصور: هل التاريخ يكتب بدون وثائق، أما كانت هذه وثيقة يجب أن تنشر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بالنسبة للوثائق؛ المؤرخون الفرنسيون لعبوا دوراً كبيراً في تزييف تاريخ الجزائر لأنهم لا يعتمدون إلا على الوثائق المكتوبة باللغة الفرنسية فوثيقة نوفمبر 1954 هذه لم يشر إليها أي مؤرخ لأنها مكتوبة بالحرف العربي.

أحمد منصور: خليني أقولك شيء أنا عانيته وأنا أبحث دائماً في تاريخ الجزائر في سنة 2000 تقريباً ما تركت مكتبة في أوروبا ولا في المشرق العربي إلا وأنا أبحث عن الكتب التي تتناول تاريخ الثورة، فوجئت بحقيقة مريرة جداً حينما قابلت بعض المؤرخين قالوا لي هناك أكثر من 500 كتاب مكتوبين منهم أكثر من 450 كتاب منشورين بالفرنسية، وإذا استطعت أن تحصل على كل ما كتب في الثورة الجزائرية باللغة العربية لن يتعدوا 50 كتاب، وأنا فعلاً ما عندي في مكتبتي ربما أقل من ذلك عن ثورة الجزائر في الوقت اللي عندي عشرات مئات الكتب في الثورات وتاريخ الدول الأخرى، أنتم الجزائريون أما قصرتم في كتابة التاريخ الحقيقي لثورتكم ولبلدكم باللغة العربية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نحن نستطيع أن ندلي بشهادة أنا لست مؤرخا، وعلى المؤرخ أن يجمع هذه الوثائق ويستخلص منها العبرة، بالنسبة لشكواك وأعتقد أن في الآن مؤرخين جزائريين شيئاً فشيئاً..

أحمد منصور: ده في 10 سنين الأخيرة أنا بدأت أجد لكن لما بدأت في سنة 1999 حينما قابلت بن بيلا..

أحمد طالب الإبراهيمي: أول المثقفين باللغة العربية كانوا قلة أنا متفائل بالنسبة للمستقبل..

أحمد منصور: يعني أنا أعرف ناشرين جزائريين أقول لهم أي كتاب يظهر ابعثوا لي نسخة فيبعثوا لي.

أحمد طالب الإبراهيمي: وبما أنك شكوت أنا لي كذلك شكوى بالنسبة لهذه القضية أنا أتألم لما أجد أن في العالم العربي تجد كتبا كتبت من طرف مثقفين عرب عن الثورة الفيتنامية والثورة الكوبية ولكن لا تجد دراسات عميقة حول الثورة الجزائرية التي شرفت العالم الإسلامي بإنقاذ الشعب الجزائري من الفرنسة والتمسيح يعني هذه حقيقة.

أحمد منصور: يعني ربما يكون إحنا جهدنا محدود في إن إحنا نحاول في خلال بعض الشهادات أن نقدم الحقيقة إلى المشاهد لكن تبقى الكلمة المكتوبة هي الأساس، والكلمة المكتوبة باللغة العربية عن الثورة الجزائرية حتى نخرج من الحوار قليلة وأنا كواحد أبحث فيها عانيت ولا زلت أعاني إلى اليوم، في حتى إحنا من 6 سنوات وإحنا نجلس حتى نحضر وأنا كل شوي أتصل بمن أعرفه من الجزائريين أرسلوا لي كتب أو أقرأ عن كتاب صدر بالفرنسية لم يعرب لأحد، معظم السياسيين عندكم بنشر بالفرنسي يعني باستثناء يعني حضرتك ناشر يعني حتى الجزء الثالث لم يعرب وأنت أرسلت لي النص المترجم لكن قليلون من يكتبون بالعربية من الجزائريين..

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه نتيجة 130 سنة استعمار.

أحمد منصور: ونتيجة يعني ما كتبته أنت في عام 1962 حول البحث عن الهوية ومشكلة الثقافة التي لم يحل إلى الآن إحنا نرجع لبن بيلا و..

أحمد طالب الإبراهيمي: لم أكمل قصة نعم، فبعد هذا البيان ألقى الرئيس بن بيلا خطابه وفي هذا الخطاب تهجم على الشيخ وكتبت الرد والشيخ رفض، وفوجئنا في العيد كنا في رمضان في عيد الفطر وأنا في البيت يكلمني السكرتير الخاص للرئيس بن بيلا وكان رفيقاً لي في السجن.

أحمد منصور: ما اسمه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الحبيب اليوسفي وأخبرني أن الرئيس في طريقه إلى البيت لمعايدة الشيخ ففوجئت، بالأمس يتهجم على الشيخ واليوم يزوره؟

أحمد منصور: قرر أن يعتذر بشكل ما.

أحمد طالب الإبراهيمي: فدخل البيت مصحوباً بالشيخ عبد الرحمن شيبان.

أحمد منصور: مين عبد الرحمن شيبان؟

أحمد طالب الإبراهيمي: عضو من جماعة العلماء وكان نائباً في البرلمان..

أحمد منصور: يقال أنه كان رفيقاً لوالدك كان قريباً منه..

أحمد طالب الإبراهيمي: كان تقريباً تلميذه ولعل هذه الزيارة هي نتيجة جهود شيبان، أقنع الرئيس أن زيارة الإبراهيمي يمكن أن تجلب له شريحة من الجزائريين لا بأس بها، على كل دخل وقبل رأس الوالد وألقى كلمة مطولة يمكن أن نلخصها فيما يلي: أعترف أنني قصرت في حقك لأنت الذي علمتنا العروبة والإسلام في هذه البلاد وأعاهدك أنني على طريق العروبة والإسلام، فكان جواب الوالد جملة واحدة: إذا أنت على طريق العروبة والإسلام فأنا بجانبك وأما إذا حدت عن هذا الطريق فستجدني بالمرصاد والسلام عليكم فقط، كنت أظن أن الحديث قد انتهى وفجأة يضيف الرئيس بن بيلا إذا أنا أعترف بتقصيري في حقك هناك في هذا المجلس أخ قصر في حقي.

أحمد منصور: هو يقصدك أنت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هو يقصدني، ولقد عرضت عليه منصب سفير في البرازيل لست أدري لماذا البرازيل؟! ورفض رغم أننا عشنا سوياً في السجون الفرنسية فكنت محرجاً أمام الوالد ولكن أجبته لم أسمع في يوم من الأيام بهذا العرض ولو سمعت به لرفضت لأنني أعتقد في الظروف الحالية أنني أكثر فائدة في المستشفى من وجودي كسفير خارج البلاد بالإضافة أن وجودي في الجزائر ضروري نظراً للوضع الصحي للوالد وانتهى، وعندما غادر البيت ورافقته أعطاني بطاقته وقال لي: لا بد من لقاء ثاني.

[فاصل إعلاني]

لقاء جمع الإبراهيمي مع بن بيلا

أحمد منصور: طوال الفترة من يوليو 1962 وحتى إبريل 1964 هذا كان اللقاء الثالث لك مع الرئيس بن بيلا وأنت اخترت أن تعمل في الطب بعيداً عن السياسة بسبب ما أشرت له، زيارته لوالدك ألم تكن اعتذارا واضحاً منه إليه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني لازم ننظر كذلك لما أتى من بعد..

أحمد منصور: لا أنا لسا هاجي لما بعد لكن في هذه اللحظة هل حدث فيها شيء من التصافي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله أنا كنت مبسوط جداً بهذه الزيارة وقلت ممكن بداية عهد  جديد خاصة وأنه ألح على لقاء ثاني ولكن لم أطلب، وفي يوم من الأيام ربما شهر من بعد شهر مايو كلمني نفس السكرتير وأخبرني أن الرئيس بانتظاري في مقره بفيلا جولي يوم الفلاني على الساعة الفلانية وذهبت ودار بيننا هذا اللقاء وبعدها الرابع والأخير دار بيننا حديث أكثر من ساعتين..

أحمد منصور: عن إيه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: فبدأ بمقدمة طويلة عن رحلته الأخيرة في الإتحاد السوفيتي ولقاءه غورباتشوف وقال جملة غريبة أن غورباتشوف أقسم أن لو كانت القادة البولشفيك على علم بالإسلام لأقاموا ثورتهم على الأساس الإسلامية، يعني كلام..

أحمد منصور: طلب منك شيء خلال الجلسة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: وكنت أنتظر أعلم أن هذه مقدمة وأن بيت القصيد لم يأت بعد، ثم قال إلى متى وأنت لا تريد أن تشتغل معنا؟ فقلت جوابي في البيت أمام الوالد أنني كطبيب ربما فيها فائدة للشعب أكثر من العمل السياسي وتلفظ بجملة أثارت اهتمامي..

أحمد منصور: ما هي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أطلب منك أن تشتغل في لجنة ثقافية تابعة للمكتب السياسي انتظارا أن تشتغل في نفس الموضوع في إطار الحكومة، هذه الجملة كنا نسمع أن هناك صراع بين بن بيلا وبومدين فهذه انتظاراً للحكومة قلت يريد أن يستعملني ضد الجيش..

أحمد منصور: الآن الصراع بدأ في 1964 بين الرجلين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بدأ وتطور..

أحمد منصور: بومدين كان نائباً للرئيس ووزيراً للدفاع.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، فكنت مصراً على الرفض، آخر طلب هو هل أنت مستعد أن تشتغل في الميدان الثقافي، أنا أتفهم ابتعادك عن السياسة، قلته نعم أكتب في مجلات مقالات، هذا آخر لقاء هذه في شهر مايو.

اعتقالات بالجملة لرفاق الثورة

أحمد منصور: طيب أنت الآن معلش اسمح لي هنا الرجل الآن بادر معك مرتين وأنت ترفض، ألم يكن هذا مدعاة لشكه فيك وقيامه في يونيو 1964 قبض على شقيقك محمد و12 يوليو 1964 قبض عليك أنت، ألم يكن رفضك في المرات التي تودد فيها إليك وهناك صراعات وانشقاقات وتحزبات ومؤامرات أن يشك الرجل فيك وأن يعتبرك في الطرف الآخر المعادي له؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ولم أكن في الطرف الآخر.

أحمد منصور: بس من حقه يشك.

أحمد طالب الإبراهيمي: ولم أتعرف على بومدين.

أحمد منصور: هو من حقه إن يشك ولا لا؟ تصرفاتك معه!

أحمد طالب الإبراهيمي: ومن حقي أن أختار أن أكون طبيباً يعني.

أحمد منصور: اعتقل أخوك ليه؟ أخوك كان له نشاط سياسي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً هذا الاعتقال أثار في الأسرة تساؤلات كثيرة..

أحمد منصور: والدك كان وضعه إيه بعدما أعتقل أخوك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني حالة يرثى لها لأن أخي كان بعيداً عن السياسة ربما نشاطه الوحيد أنه كان من مؤسسي الإتحاد العام للتجار الجزائريين في سنة 1955 تحت إشراف جبهة التحرير يعني، أما كان؛ ليس له أي نشاط سياسي..

أحمد منصور: طيب إذا قلنا مش عارفين سبب القبض على أخوك القبض عليك أنت في 12 يوليو؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هو القبض على أخي تساءلنا هل يقصدون الوالد لم يستطيعوا أن يلقوا القبض عليه؟

أحمد منصور: طيب والدك طلع بيانات بعد البيان ده؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداَ. 

أحمد منصور: خلاص والرجل جاء واعتذر له في البيت.

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً ولا طلع بيان ولا..

أحمد منصور: لكن أنت تخوف.

أحمد طالب الإبراهيمي: لم أكن أشعر بهذا التخويف يا أحمد، رجل بسيط أعيش في بيتي وفي المستشفى..

أحمد منصور: طب قل لي قبض عليك ليه أنت رجل بسيط؟ رفيق درب وكفاح ونضال وآثرت بعد الثورة أن لا تدخل في الصراعات فاحترفت الطب وأصبحت أستاذاً في كلية الطب وبقيت على قناعة بأن تقوم بهذا الدور بعيداً عن السياسة لكن قبض عليك في 12 يوليو 1964 قل لي إيه السبب؟

أحمد طالب الإبراهيمي: قبض علي ولا أريد أن أدخل بالتفاصيل لأن ذكرى مؤلمة وعذبت عذاباً نكرى..

أحمد منصور: آه قل لي بقى..

أحمد طالب الإبراهيمي: عذبت عذاباً نكرى.

أحمد منصور: أنت قبض عليك إزاي من البيت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: من البيت.

أحمد منصور: حيث تقيم مع والدك الساعة كم قبضوا عليك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان يوم أحد الساعة 10، 11 صباحاً.

أحمد منصور: صباحاً مش زوار منتصف الليل.

أحمد طالب الإبراهيمي: لا لا صباحاً وقالوا لي قضية ربع ساعة لنا بعض الأسئلة حول أخيك وكذا، فودعت الوالد وقلت بعد ربع ساعة سأعود ولم أعد.

أحمد منصور: هم كانوا يتدربوا على أيدي المصريين أيام عبد الناصر أيامها ولا إيه؟ يقولوا ربع ساعة برضه تقعد ربع قرن.

أحمد طالب الإبراهيمي: والله على كل حال.

أحمد منصور: ماذا فعلوا معك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أريد أن أدخل في التفاصيل لأنني لم أكن وحيداً.

أحمد منصور: قبض على آخرين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: سمعت صراخ المئات من الجزائريين في نفس المكان مكان التعذيب..

أحمد منصور: كنت سمعت إن في ناس قبض عليهم قبل ذلك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: سنة 1964 كان سنة اعتقالات، فرحات عباس نقل للجنوب في إقامة جبرية والعقيد شعباني قبض عليه وحكم بالإعدام، ونفذ حكم الإعدام وهو لم يتجاوز الثلاثين، وحكم بالإعدام على حسين آيت أحمد ولم ينفذ يعني سنة 1964 كانت سنة تنكيل يعني..

أحمد منصور: بس بن بيلا كان يشعر بالتهديد من الجميع؟

أحمد طالب الإبراهيمي: من تهديد مني شو؟

أحمد منصور: أنت ضمنهم كل من ليس معي فهو علي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه على كل قضينا..

أحمد منصور: لا قل لي عذبوك إزاي وسائل التعذيب اللي تعرضت لها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله إحنا تسمح لي أنا في رأيي هذا موضوع، الجملة الوحيدة التي أستطيع أن أقولها هي أن 7 أشهر التي قضيتها في السجون الجزائرية أصبحت الخمس سنوات التي قضيتها في السجون الفرنسية تبدو لي وكأنها جنة النعيم.

أحمد منصور: إلى هذا الحد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: إلى هذا الحد فقط أكتفي بهذا.

أحمد منصور: طب كانوا يسألوك عن إيه تهمك كانت إيه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: التهمة الأساسية والوحيدة إنك عضو في حكومة معارضة في المنفى تحتوي على بوضياف وآيت أحمد، ومن حسن الحظ أن أحد الرفقاء في المستشفى أخبرني أن إذاعة مونت كارلو كانت أذاعت أسبوعا أعتقد قبل اعتقالي خبراً مفاده أن حكومة في المنفى تكونت ضد بن بيلا وأعطني الأسماء وليس فيها اسمي.

أحمد منصور: إنما أنت من الوزراء الخفيين..

أحمد طالب الإبراهيمي: بوضياف آيت أحمد موسى بن أحمد موسى الحسني إذن الأسماء معروفة يعني فهذا الخبر جعلني أصبر تحت التعذيب وأقول لا لم أكن، وقلت لهم لو كنت عضواً في حكومة هل كان يسهل اعتقالي؟

أحمد منصور: ألم تكن تلتقي معهم مع معارضي بن بيلا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: سألني عندما قابلته في المرة الرابعة  أعطى أحكاما قاسية عن بوضياف وآيت أحمد فقلت له أننا نلتقي بدون بروتوكول وبدون سرية لأننا رفقاء الدرب كما قلت، قال لي وليش ما اتصلت بي؟ قلت له: أنت رئيس جمهورية وأنا مواطن عادي أنت اللي تأخذ المبادرة عندما طلبت مني أني جيت يعني فلقاءاتنا لم تكن سرية بيني وبين آيت أحمد وقليلة جداً ربما مرتين يعني لذكريات السجن.

أحمد منصور: أنا هنا دايماً يحيرني سؤال حينما أقرأ في هذه الفترات مش عايز أقول المظلمة ولكن من التاريخ العربي الحديث كيف يقوم رفقاء الجهاد والدرب والسلاح بتعذيب بعضهم البعض وحتى إعدام بعضهم البعض واغتيال بعضهم البعض بعد ذلك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لم يؤلمني العذاب نفسه ولكن يؤلمني أن من أمر بتعذيبي رفيق عشت معه سنوات في السجون الفرنسية وأنت تعلم أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

أحمد منصور: على النفس من واقع الحسام المهند.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: هو أنت ما عندكش دليل إنه كان يأمر ممكن بالتعذيب ممكن ما يكونش بعرف إن فيه تعذيب؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا متقين نظراً للشخص الذي  تولى تعذيبي، والشخص الذي كان مسؤول على من تولى تعذيبي، هذا الشخص كانت له علاقة يومية مع بن بيلا.

أحمد منصور: اعتقلت من يوليو 1964 حتى أفرج عنك في فبراير 1965 ما الذي شكلته هذه الفترة بالنسبة لك وقد سجنت في عهد الرئيس بن بيلا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله ربما ألم كبير أولاً كنت أخشى ما أخشاه أن يقع شيء للوالد يعني.

أحمد منصور: والدك رفض أن يقدم أي التماس أو طلب للإفراج عنك.

أحمد طالب الإبراهيمي: قلت في المذكرات أن شيئين كنت أخشاهما أولاً أن يتوفى الوالد وأنا في السجن والشيء الثاني أن يضغط عليه حتى يزور بن بيلا ويطلب خروجي من السجن.

أحمد منصور: ترّفع ولم يذهب ولم يطلب.

أحمد طالب الإبراهيمي: فعندما خرجت من السجن أخبرني أخي أن هناك زواراً ألحوا على الوالد وطلبوا هذا الطلب وكانت إجابته الحمد لله كان رغم المرض ورغم السن قال تعلمون أن أحمد أعز أولادي وأقربهم إليّ ولكن لو رأيته يقطع إرباً إربا لن أحرك ساكناً الحمد لله على كل حال.

أحمد منصور: كيف وجدته حينما خرجت من السجن؟

أحمد طالب الإبراهيمي: منهار جسدياً ولكن معنوياته قوية، ولم أشر في يوم من الأيام إلى التعذيب ولا إلى ظروف السجن ولا لم يعلم شيئاً من هذا خرجت في فبراير 1965 وتوفي في..

أحمد منصور: في 20 مايو 1965..

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه الفترة قضيتها بجانبه عدت إلى المستشفى والكلية ولكن خدمته كطبيب وكممرض وكابن إلى أن وافته المنية يوم 20 مايو 1965.

أحمد منصور: بعد أقل من شهر من وفاة والدك أطيح بالرئيس أحمد بن بيلا في 19 يونيو 1965 أطاح به وزير دفاعه ونائبه هواري بومدين، وهنا بدأت علاقتك معه هواري بومدين نبدأ الحلقة القادمة من الإطاحة ببن بيلا شكراً جزيلاً لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أحد قيادات الثورة الجزائرية ووزير التربية والإعلام والخارجية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.