- رحلة بين الشرق والغرب
- إنشاء جريدة الشاب المسلم
- تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في فرنسا
- نضال من أجل التحرر وتواصل مع مثقفين فرنسيين
- علاقة الإبراهيمي بقيادات الثورة


أحمد منصور
أحمد طالب الإبراهيمي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير التربية والتعليم والإعلام والخارجية الجزائري الأسبق وأحد القيادات التي شاركت بالثورة الجزائرية دكتور مرحباً بك.

أحمد طالب الإبراهيمي: أهلا وسهلا.

رحلة بين الشرق والغرب

أحمد منصور: خرجت من الجزائر في صيف عام 1950 مصاحباً لوالدك في أول زيارة تقوم بها إلى فرنسا، كيف وجدت باريس وفرنسا في ذلك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بسم الله الرحمن الرحيم، ملاحظتي الأولى أن فرنسيي فرنسا أقل عنصرية من فرنسيي الجزائر.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في المعاملة اليومية عند استماع اسم عربي لم أجد ذلك التشنج الذي يتميز به ما يسمى بالأقدام السوداء أو أوروبيو الجزائر.

أحمد منصور: يعني أنت كنت في الجزائر تعامل معاملة دونية في بلدك من الفرنسيين، لكن حينما جئت إلى فرنسا وجدت المعاملة يعني إنسانية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أقول معاملة مثالية ولكن أحسن مما كنت أتصور في الجزائر، الملاحظة الثانية أنني وجدت جالية جزائرية كثيفة ما زالت متمسكة بتقاليدها ودينها ولغتها رغم بعد الدار.

أحمد منصور: أنتم كجزائريين كنتم تدخلون فرنسا كمواطنين فرنسيين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: لا تحتاجون لا تأشيرات ولا إجراءات دخول ولا شيء؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً وكان أغلب الجزائريين عمال لأنه يحتاجوا إليهم للاقتصاد الفرنسي.

أحمد منصور: لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وإعادة بناء أوروبا.

أحمد طالب الإبراهيمي: والملاحظة الثالثة أنني زرت المعالم الأثرية المعروفة بباريس.

أحمد منصور: إيه أهم المعالم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: توليفان ولكن مسجد باريس أثار انتباهي وجدت جدراناً لا يوجد بينها نشاط ولا يصدر عنها إشعاع.

أحمد منصور: هو نفسه المسجد الحالي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: المسجد الحالي نعم يعني تقريباً هذه الملاحظات حول زيارتي لفرنسا.

أحمد منصور: إيه هدف زيارة والدك ومصاحبتك له في ذلك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولا نصحوه الأطباء بعد إصابته بداء السكري أن يقضي 3 أسابيع في مدينة ذات مياه معدنية وهي مدينة فيشي، ومن فيشي زار باريس لأن كان جمعية العلماء لها فرع بباريس لها نوادي ولها دروس ولم تهمل جمعية العلماء الجالية الجزائرية بفرنسا وكانت ترسل لهم دعاة وأساتذة لتعليم اللغة العربية.

أحمد منصور: عايز أسألك معلش سؤال هل بقاء والدك في فيشي 3 أسابيع أثر على مرض السكر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان لا يؤمن بـ...

أحمد منصور: الأمر بحاجة إلى إيمان في البداية أو..

أحمد طالب الإبراهيمي: لا كان لا يؤمن بأثر المياه المعدنية ولكن قال أن الراحة التي تمتع بها في فيشي ربما هي التي ساعدت على استرجاع شيء من الصحة.

أحمد منصور: نعم كم المدة اللي بقيت فيها بفرنسا مع والدك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: 3 أسابيع في فيشي و10 أيام في باريس فقط.

أحمد منصور: ما الذي أثرت به تلك الزيارة في نفسيتك وقد أصبحت باريس بعد ذلك يعني من أحب المدن إليك كما يقال؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لم أكن أتوقع أنني سأكمل دراستي بباريس، زيارة عابرة لم تترك أثراً كبيراً في نفسي.

أحمد منصور: أنت رجعت إلى الجزائر مع والدك ووالدك هنا قرر العودة إلى المشرق مرة أخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في الحقيقة أن الوالد وجد نفسه في نهاية الأربعينيات وجد نفسه يشرف على 150 مدرسة ابتدائية وأصبح عدد حاملي الشهادة الابتدائية عدد كبير..

أحمد منصور: في الجزائر.

أحمد طالب الإبراهيمي: ففكر في إنشاء ثانوية لتستقطب هؤلاء..

أحمد منصور: طب بعد ما كانوا ينهوا المرحلة الابتدائية كانوا أين يذهبون لا يوجد تعليم أكبر من ذلك في الجزائر إلا التعليم الفرنسي.

أحمد طالب الإبراهيمي: إلا التعليم الفرنسي، فأنشأ معهدا في مدينة قسطنطينية والاختيار له مغزى وسماه وفاءاً لروح صديقه ورفيقه معهد عبد الحميد بن باديس واختار له.

أحمد منصور: إيه المغزى من اختيار الاسم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لأنها مدينة بن باديس وأختار له أحسن أساتذة جمعية العلماء، وتخرج من هذا المعهد عدد كبير من الطلبة درسوا في المشرق من بعد.

أحمد منصور: لكن المعهد ده كان يعتبر معهد ثانوي يعني بعد الابتدائية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: وأصبح فرعاً من جامعة الزيتونة..

أحمد منصور: في تونس.

أحمد طالب الإبراهيمي: وهنا تم الارتباط بين تونس والجزائر، هذا دليل أن الفكر المغاربي كان يسيطر على ذهنية الوالد يعني ففي سنة 1951 اجتمعت الأمم المتحدة بباريس وجاء الوالد وألقى خطاباً أمام الوفود العربية والإسلامية وتعرف على كل الشخصيات الموجودة آنذاك منهم مظفر الله خان وزير خارجية باكستان ومحمد صلاح الدين وزير خارجية مصر وعبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية وفارس الخوري ممثل سوريا في الأمم المتحدة وقدمت له دعوات لزيارة المشرق سنة 1951 ولهذا..

أحمد منصور: هو منذ رجع عفواً منذ رجع من المشرق في سنة 1920 لم يرجع إليه مرة أخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً.

أحمد منصور: يعني 30 عاماً فصلت بين المرحلتين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، في حياة الوالد هناك مرحلتان شرقيتان المرحلة الأولى دامت 10 سنوات..

أحمد منصور: من 1920 إلى 1930.

أحمد طالب الإبراهيمي: من 1911 إلى 1920 والمرحلة الثانية من 1952 إلى 1962 أو 1961..

أحمد منصور: إيه هدفه من الذهاب إلى المشرق؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الهدف الظاهري هو الاتصال بالحكومات العربية حتى تعطي منحاً لطلبة المعهد لخريجي معهد بن باديس للالتحاق بالجامعات في دمشق والقاهرة وبغداد، هذا الهدف الظاهري الاعتراف بشهادة المعهد أنها تساوي البكالوريا والهدف الثاني إعطاء منح لهؤلاء الطلبة، أما الهدف الحقيقي أو الخفي فهو شرح القضية الجزائرية أمام الساسة العرب وأمام الجامعة العربية.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أن والدك حينما انتقل إلى المشرق في العام 1952 وتحديداً إلى مصر كان يهدف إلى إنه زيارته محدودة إلى فترة معينة أم..

أحمد طالب الإبراهيمي: لا كان يهدف أن زيارته محدودة وأنه يعود إنما عندما اندلعت الثورة نصحه إخوانه في المجلس الإداري لجمعية العلماء أن لا يعود.

أحمد منصور: في سنة 1952 هو ذهب إلى مصر وأنت في العام 1953 ذهبت إلى مصر للمرة الأولى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما في مرحلة مهمة.

أحمد منصور: 22/أغسطس/1953.

إنشاء جريدة الشاب المسلم

أحمد طالب الإبراهيمي: هي إنشاء جريدة الشاب المسلم، أنا عندما كنت في جامعة الجزائر تحدثنا عن صلتنا بالطلبة الأوروبيين ولكن لم نتحدث عن صلتي بإخواني الطلبة المسلمين.

أحمد منصور: كلهم كانوا جزائريين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: جزائريين، فوجئت عندما خالطت إخواني الطلبة المسلمين اكتشفت حقيقة وهي من البديهيات..

أحمد منصور: ما هي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أن كل التعليم ليس هناك تعليم بريء، كل تعليم يحمل في طياته إيديولوجية معينة، والتعليم التي تصدقت به فرنسا على أقلية من الجزائريين هو تعليم، هذا التعليم الفرنسي، كان يهدف إلى تكوين نخبة تخدم الهيمنة الاستعمارية، نخبة بعيدة عن آمال وآلام الشعب الجزائري ونخبة تعتبر مثلها الأعلى النموذج الغربي.

أحمد منصور: من أي المحاور؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هذا الهدف للتعليم الفرنسي..

أحمد منصور: كيف اكتشفت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كيف اكتشفت؟ وجدت مثلاً أن كثيراً من الطلبة المسلمين يجهلون أبجديات الحضارة الإسلامية، وأنهم يشعرون أو يعانون من عقدة الاغتراب في بيئتهم الأصلية.

أحمد منصور: هنا نقصد، تقصد حضرتك الطلبة اللي دخلوا المدارس الفرنسية من البداية حتى الثانوية ثم الجامعة.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، نعم ربما كانوا يجسدون ما يسمى بالاستلاب الثقافي.

أحمد منصور: كمفهوم ما معناه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنك تكّون شخصاً مثقفا ولكن ليست له أية صلة بأصوله وبيئته وشعبه، ففكرت وعمري 20 سنة أن الجواب لهذا التحدي يكمن في إنشاء جريدة ناطقة باللغة الفرنسية تخاطبهم وتكون أداة للتجذير وللتأصيل ومن ثم وسيلة للتحرير.

أحمد منصور: هم كانوا 500 طالب في الجامعة كلها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: أنت كان مسموح لك وأنت في كلية الطب أنك تتعامل مع الباقي في الكليات الأخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعاً كانت لنا جمعية تسمى جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا، هذا الاسم الرسمي يعني، كنا نجتمع طبعاً من كلية الحقوق وكلية الآداب وكلية الطب، ورأيت أن الظرف التاريخي مواتي خاصة مواتي لتصفية السنة خاصة أن سنة 1951 شهدت حدثين هامين الأول في مصر وهو إلغاء معاهدة 1936 مع البريطانيين وحدث ثاني في إيران وهو تأميم البترول من طرف مصّدق الذي ألغى الشركة الأنجلو- إيرانية فصدر الجزء..

أحمد منصور: أحداث الشرق كانت تؤثر عليكم إلى هذا الحد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: آه كثير، كثير صدر العدد الأول من جريدة Les jeunes musulmans الشاب المسلم في يونيو 1952..

أحمد منصور: مين شاركك في  إصدارها وتأسيسها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بعض الإخوة الأستاذ أصبح أستاذاً كبيراً في الإسلاميات الأستاذ علي مراد والأخ عطا لله سفاري كنا ثلاثة يعني..

أحمد منصور: كانوا يدرسوا بالطب ولا في؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا واحد في كلية الآداب وواحد كان يشتغل في جريدة البصائر.

أحمد منصور: البصائر اللي كان يصدرها اتحاد العمال؟

أحمد طالب الإبراهيمي: إيه نعم..

أحمد منصور: يعني الوالد رفض ينشر لك المقالات قلت أعمل مجلة أنا.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم وجريدة البصائر لعبت دوراً كبيراً في ربط العلاقة مع المشرق وكان والدي يكتب مقالاته والافتتاحية عن قضايا الجزائر المهمة مثل فصل الدين الإسلامي عن سيطرة فرنسا مثل وضعية اللغة العربية وضعية السجناء السياسيين تزوير الانتخابات، كما كان يتعرض للقضايا الإسلامية الكبرى مثل محنة السلطان محمد الخامس في المغرب ومنفاه إلى جزيرة مدغشقر مثل محنة باي تونس المنصف الذي نفي ومات في المنفى مثل استقلال ليبيا مثل ميلاد باكستان مثل مصر، هناك مقال يا مصر اعتبره كثيرون من المصريين من أحسن ما كتب عن مصر حتى أن أحمد حسن الزيات..

أحمد منصور: رئيس تحرير الرسالة ومؤسسها.

أحمد طالب الإبراهيمي:  رئيس تحرير الرسالة، وأجمل وأبلغ ما كتب الوالد هي سلسلة مقالات عن فلسطين لو تقرأها اليوم وكأنها كتبت اليوم يعني.

أحمد منصور: جمع تراث والدك في دار الغرب الإسلامي جمعته وأصدرته في 5 مجلدات.

أحمد طالب الإبراهيمي: إذن جريدة الشاب المسلم لعبت دوراً أعتقد في المشهد الإعلامي الجزائري قبيل الثورة بترسيخ القيم العربية الإسلامية عند الشباب المثقف باللغة الفرنسية، واستطعت أن أجلب لهذه الجريدة أقلاماً ممن يكبروننا سناً وعلماً وتجربةً مثل عمار وشقان ومحمد شريف الساحلي ومصطفى الأشرف ومالك بن نبي وعبد العزيز الخالدي الخ..

أحمد منصور: مصطفى الأشرف اللي كان مع الزعماء الخمسة في رحلة الطائرة، مصر كانت محضن لكثير من الزعماء العرب اختيار والدك لئن تكون مصر وليست المدينة المنورة أو دمشق التي درس في واحدة ودّرس في الأخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لأن مصر في بداية الخمسينات وبعد الثورة كانت ملتقى لجميع الحركات التحريرية..

أحمد منصور: أنت ذهبت للقاهرة في أغسطس 1953 انطباعك كان إيه عن أول زيارة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً ألقي القبض علي في سنة 1953.

أحمد منصور: فين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في الجزائر، وبقيت شهراً في ثكنة عسكرية بحجة أنني لم ألبِ استدعاء الجيش الفرنسي للتجنيد الخدمة العسكرية، والحقيقة أن هذا الاستدعاء لم يصلنِي أبداً وأنني كطالب جامعي كان لي الحق في تأجيل الخدمة العسكرية، ولكن أعتقد أن الهدف إما تعطيل جريدة الشاب المسلم أو منعي من زيارة مصر لأنني كنت طلبت جوازاً من محافظة العاصمة ربما، فبقيت شهرين في السجن وأطلق سراحي بفضل السيد فرحات عباس الذي كان عضواُ في المجلس الجزائري..

أحمد منصور: ذكر اسمه بالحكومة المؤقتة بعد ذلك.

أحمد طالب الإبراهيمي: ثم ذهبت إلى مصر في صيف..

أحمد منصور: 1953.

أحمد طالب الإبراهيمي: 1953.

أحمد منصور: 22/ أغسطس.

أحمد طالب الإبراهيمي: ووجدت الوالد في أداء فريضة الحج وصلت إلى القاهرة، وجدت شاباً مصرياً ينتظرني كلفه الوالد باستقبالي أذكر اسمه، اسمه علي عفيفي، وكان مكلفًا بتعريفي بمعالم مصر، فأول زيارة كانت لمركز الإخوان المسلمين واستمعت إلى الأستاذ الدكتور حسن الهضيبي.

أحمد منصور: كان مرشد الإخوان في مصر.

أحمد طالب الإبراهيمي: كان مرشد الإخوان ثم حضرت اجتماعا عاماً مهرجاناً خطب فيه الرئيس جمال عبد الناصر ثم التقيت ورأيت الرئيس محمد نجيب في إحدى مساجد القاهرة يوم جمعة، وبعد عودة الوالد حضرت محاضرة له في مركز الإخوان، كان في الصف الأول كلهم رحمة الله عليهم سيد قطب وعبد القادر عويضة وعبد الحكيم عابدين ومحمد الغزالي، وحضرت محاضرة للوالد في مركز الشبان جمعية الشبان المسلمين التي كان يترأسها الأستاذ صالح حرب، هذه تقريباً الذكريات التي بقيت لي عن مصر.

أحمد منصور: أنت ذهبت إلى مصر عدة مرات بعد ذلك في العام 1954 ذهبت ومن هناك إلى الحج؟

أحمد طالب الإبراهيمي: سنة بعد زيارتي لمصر وبرغبة من الوالدة التي أرادت أن تؤدي فريضة الحج صاحبتها ومررنا بمصر لزيارة الوالد.

أحمد منصور: هنا والدك كان يقيم في القاهرة لكن باقي العيلة في الجزائر.

أحمد طالب الإبراهيمي: في الجزائر نعم، فوصلنا إلى مصر ومن هناك ذهبنا إلى جدة حيث استقبلنا الشيخ نصيف في بيته وبعد أداء مناسك الحج في جو من الروحانيات عجيب يعني..

أحمد منصور: الرحلة دي أثرت كثيرا في نفسك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كثير، كثير والتقيت بمجموعة من الإخوة من جميع أنحاء المعمورة في الحج مؤتمر حقيقة، والإخوة الجزائريون لما رأوا أن عبد الناصر صدفة كان يحج في تلك السنة كّونوا وفداً كنت من ضمنه وزرنا عبد الناصر وألقى كلمة رأيت فيها ملخصاً لكتيب كان نشره تحت عنوان: فلسفة الثورة، وختم كلامه بأن الجزائر لا يمكن أن تبقى خارج تيار التحرر العالمي وأن مصر دائماً بجانب الجزائر، ولكن في نفس الأسبوع استمعت إلى خطبة بليغة في الحرم المكي ألقاها الأستاذ سعيد رمضان خطبة نارية..

أحمد منصور: سعيد رمضان من قيادات الإخوان..

أحمد طالب الإبراهيمي: وكان يدعو المسلمين في هذه الخطبة البليغة إلى مكافحة الاستعمار ومكافحة الاستبداد، وكأني شعرت أن هذه الخطبة مؤشر على العاصفة التي وقعت من بعد بين النظام المصري وحركة الإخوان..

أحمد منصور: طبعاً في سنة 1954 وقع صدام بين الإخوان وبين جمال عبد الناصر والدك كان عبد الناصر يحسبه على الإخوان المسلمين، تأثر والدك بما وقع للإخوان عام 1954؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حقيقة موقف النظام المصري تجاه الوالد تغير في هذه السنة مما يعني عانى من بغض المضايقات وقرر الرحيل من مصر.

أحمد منصور: إلى أين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: إلى باكستان.

أحمد منصور: ذهب إلى باكستان.

أحمد طالب الإبراهيمي: وبقي في باكستان مدة.

أحمد منصور: كم سنة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما سنة أو سنة ونصف.

أحمد منصور: ولكن عاد إلى مصر مرة أخرى.

أحمد طالب الإبراهيمي: عاد بطلب من الإخوة أعضاء الحكومة المؤقتة عندما جاؤوا وطلبوا من مصر أن..

أحمد منصور: أنت أيضاً في سنة 1954 حصل تغيرا هائلا في الجزائر وتغير هائل في حياتك أنت أيضاً.

أحمد طالب الإبراهيمي: في الحقيقة عندما ذهبت إلى الحج وعدت إلى دمشق وعشنا شهراً في جو عائلي حميمي ربما من أجمل أيام حياتي ذلك الشهر الذي قضيته مع والديّ في دمشق سنة 1954، وخلال هذه الإقامة طلب مني الوالد أن أعرج على إسطنبول وكأنه يريد أن يقول لا بد أن تتعرف على القاعدة الخلفية لنضالنا وهي العالم الإسلامي، القضايا العربية في حاجة إلى العالم الإسلامي فمكثت أسبوعاً كاملاً في إسطنبول تعرفت على معالمها..

أحمد منصور: أثرت الرحلة فيك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كثير كثير.

أحمد منصور: من أي الزوايا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: رأيت أن الشعب التركي بقي شعباً مسلماً رغم الثورة الكمالية، وفي الحقيقة رؤيتنا نحن المغاربة تختلف عن رؤية المشارقة للأتراك، فالمشارقة ينظرون إليهم كمحتلين مستبدين ونحن ننظر إلى الأتراك كمنقذين لأن لولا بابا عروج وخير الدين في القرن السادس عشر ميلادي لاحتلت إسبانيا كل المغرب العربي، إذن الأتراك هم الذين أجلوا استعمار المغرب العربي 3 قرون فنظرتنا إلى الأتراك تختلف كثيراً عن نظرة المشارقة.

أحمد منصور: رجعت إلى الجزائر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: رجعت إلى الجزائر وأنا متقين أنني سأكمل دراستي في بلدي، ولكن شاءت الأقدار أن مكالمة تلفونية غيرت مجرى حياتي..

أحمد منصور: أنت كنت بأي سنة، السنة..

أحمد طالب الإبراهيمي: في السنة الرابعة وأمر للسنة الخامسة.

أحمد منصور: الطب في الجزائر كم سنة كان؟

أحمد طالب الإبراهيمي: سبع سنوات يعني سبعة تحضري و6 سنوات إذن كنت داخل السنة السادسة في الحقيقة، ولكن نسميها السنة الخامسة كلمني أحد الأصدقاء وقال لي أنه سئم من الجو العنصري في جامعة الجزائر، وقرر نقل ملفه إلى جامعة باريس إلى كلية باريس..

أحمد منصور: من هو؟

أحمد طالب الإبراهيمي: عبد الرحمن حجي ولكن..

أحمد منصور: كان زميلك في كلية الطب؟

أحمد طالب الإبراهيمي: زميلي في كلية الطب أخبرني أن والده اشترط أن لا يسمح له بالمغادرة إلا إذا كان مرفوقاً بابن الشيخ الإبراهيمي..

أحمد منصور: باريس تخطفه..

أحمد طالب الإبراهيمي: فانا سألت والديّ وحصلت على موافقة الوالد والوالدة ونزلنا في باريس صدفة يوم 1/11/1954 على الساعة 6 صباحاً ولم نكن ندري أن ذلك اليوم..

أحمد منصور: أن الثورة ستندلع في هذا اليوم.

أحمد طالب الإبراهيمي: هو يوم اندلاع الثورة الجزائرية.

أحمد منصور: طب خليني في باريس، أنت رأيت باريس مرة أخرى "آه يا لها من مدينة جميلة وما أجمل أن تكون طالباً في باريس".

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه كلمة قالها كاتب فرنسي شهير اسمه غوستاف فلوبير تعبر حقيقة عن حياة الطالب في باريس.

أحمد منصور: لها سحر خاص باريس لاسيما في سنوات الطلبة يعني ما التقيت أحداً درس في باريس إلا ويعني لديه تأثر خاص.

أحمد طالب الإبراهيمي: ولله أنظر إليها  نظرة أخرى كنت أعتقد أن احتلالنا من طرف الغرب أتى عن طريق قدرتهم في العلوم والتقنيات وعن طريق المستشرقين الذين درسوا ذهنيتنا ولغاتنا ولهجاتنا وعاداتنا ليسهلوا استعمار بلداننا من طرف بلدانهم، فوصلت إلى القناعة أن بلداننا إذا أرادت أن تلتحق بالركب الحضاري يجب أن تشتمل على مستغربين يدرسون أعماق الحضارة الغربية، وكنت أتمنى أن أكون من هؤلاء المستغربين آنذاك، في الجزائر الوسيلة الوحيدة التي كنت أمتلكها لدراسة الغرب هي الكتاب، ولكن عندما وصلت إلى باريس وجدت أن الوسائل كثيرة.

أحمد منصور: إيه أهمها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: المسرح والسينما والمتحف والموسيقى والمقاهي حقيقة دراسة الغرب في باريس..

أحمد منصور: إيه هذه الأشياء المختلفة ما الذي تركته وكونته في شخصيتك؟ لاسيما وأنا التقيت بك في المقهى الذي تجلس عليه منذ العام 1954؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لأننا عندما كنا طلبة في كلية الطب نحن الجزائريين كنا نذهب إلى هذا المقهى لن من بعد جان بول سارتر لأن هذا المثقف الفرنسي كنا نعتبره من أقرب الناس إلى قضايانا إلى قضايا التحرر..

أحمد منصور: بشكل عام اليساريون الفرنسيون كانوا قريبين من كفاح الشعوب المحتلة من فرنسا.

أحمد طالب الإبراهيمي: حقيقة إذا نظرنا إلى كفاح الجزائريين نجد أن أول من ساعدنا بباريس هم بعض المسيحيين اليساريين الأوائل بعدين تكونت شبكة قضية لمساعدة جبهة التحرير هذا ممكن نتحدث عليه بعدين.

أحمد منصور: طيب في اليوم الذي وصلت فيه وهو الأول من نوفمبر عام 1954 اندلعت الثورة في الجزائر في ذلك الوقت أنتم وصلتم هنا في 6 صباحاً كيف بلغكم خبر اندلاع الثورة الجزائرية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الجريدة جريدة فرانسوا في ذلك اليوم مانشيت كبير "انتفاضة"..

أحمد منصور: إيه الانطباع اللي أصابك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني عندما كنت بمصر كانوا بعض الإخوة المشارقة يلوموننا أن اندلعت انتفاضة في تونس والمغرب لا بد أن تلتحق الجزائر، ولكن كنا نشم رائحة الانتفاضة في الجزائر، لم تكن مفاجأة بأتم معنى الكلمة كنا نتوقع أن شيئاً ما سيحدث في الجزائر.

[فاصل إعلاني]

تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في فرنسا

أحمد منصور: أنت بدأت أمورك تستقر في فرنسا أسستم في 14 يوليو عام 1955 إتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في فرنسا ما طبيعة الدور الذي كان يقوم به هذا الإتحاد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً شعرنا في باريس وكنا منخرطين في نفس الجمعية التي كانت في الجزائر، جمعية طلبة شمال إفريقيا، الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا، وكان في باريس طلبة تونسيون وطلبة مغاربة وطلبة جزائريون، فبدأنا نفكر في ضرورة إنشاء إتحاد عام للطلبة الجزائريين يشمل كل الطلبة في الجزائر وفي كل مدن الجامعة الفرنسية التي يتواجد فيها طلاب جزائريون وحتى الجامعات العربية التي بدأ يدرس فيها طلبة خريجي معهد بن باديس، هذا نوع جديد من الطلبة خاصة في القاهرة..

أحمد منصور: يعني نجح والدك لما راح القاهرة إنه في أعداد من الجزائريين..

أحمد طالب الإبراهيمي: بعثات؛ بعثة دمشق الأولى بعثة دمشق الثانية بعثة القاهرة بعثة بغداد إذن عشرات الطلبة التحقوا بالجامعات العربية وأصبح لنا عدد لا بأس به من الطلبة الجزائريين الذين يدرسون في جامعات عربية.

أحمد منصور: عندك تقدير للأعداد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله ما عندي أعداد بالضبط.

أحمد منصور: لكن كان عندك تقدير للأعداد هنا في فرنسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حتى هذا! الآن لا أذكر آنذاك طبعاً، فأسسنا الإتحاد العام والإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين وقعت مشكلة في البداية، كيف نسميه؟  لأن الثورة نجحت في إنشاء إتحاد العمال الجزائريين..

أحمد منصور: هنا في فرنسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في الجزائر، وإتحاد التجار الجزائريين في الجزائر وبقي اتحاد الطلبة الجزائريين، ولكن وقع صدام بيننا نحن الطلبة الوطنيين وكنا أغلبية وبين أقلية من طلبة وخاصة شيوعيين حول كلمة مسلمين، هل نسمي الإتحاد إتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين أو إتحاد الطلبة الجزائريين.

أحمد منصور: طيب أنا عايز أسألك سؤال هنا، الجزائر ليس فيها لا مسيحيين ولا يهود ولا كان عندكم كجزائريين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا كانوا فرنسيين فعندما قامت الثورة..

أحمد منصور: فبالتالي مفهوم الجزائري هو مسلم، يعني مصر مثلا فيها مسيحيين.. 

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعاً، ربما في عدد قليل من الفرنسيين خاصة الشيوعيين الذين ساعدوا الثورة الجزائرية وأرادوا أن يبقوا جزائريين، ولكن عدد قليل جداً يعني، أما نحن المسلمين كلمة المسلمين كنا نصر على بقائها لأننا نعتبر أن انتسابنا إلى الحضارة الإسلامية ضروري ما دمنا مستعمرين، ويمكن إلغاء كلمة مسلمين بعد استقلال الجزائر هذا..

أحمد منصور: توافقتم على هذا.

أحمد طالب الإبراهيمي: هذا موقفنا آنذاك.

أحمد منصور: وتوافقتم عليه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: وتوافقنا عليه..

أحمد منصور: واخترت أنت رئيساً للجمعية.

أحمد طالب الإبراهيمي: وتم المؤتمر وانتخبت رئيساً.

أحمد منصور: تفتكر العدد اللي شاركوا فيه من الطلبة؟ 100 200، 500؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما أكثر نعم.

أحمد منصور: اختاروك رئيس يعني لتاريخ والدك لشهرته ولا لدور أنت بدأت تلعبه هنا في وسط الطلبة بعد 1954؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بكل تواضع أقول أن الإتحاد العام نتيجة رغبتين..

أحمد منصور: ما هما؟

أحمد طالب الإبراهيمي: رغبة الطلبة في إنشاء إتحاد يجمعهم بعدما كانوا مشتتين في جمعيات محلية، ورغبة الثورة قيادة الثورة في وجود أداة تستطيع أن تستعملها مثلما كانت لها إتحاد العمال وإتحاد التجار كان لا بد من إتحاد..

أحمد منصور: أنتم علاقتكم إيه بقادة الثورة في ذلك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما اختياري كان لفدرالية فرنسا لجبهة التحرير يد فيه.

أحمد منصور: مين كان هنا يحرك الأمور؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كانوا إخواننا، 5 إخوان اللي كانوا يمثلون جبهة التحرير في فرنسا محمد طربوش وفضيل بن سالم وأحمد دوم وعبد الرحمن غراس ومحمد بشار..

أحمد منصور: هؤلاء كانوا يعتبرون ذراع الثورة الجزائرية هنا في فرنسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: وهم اللي رتبوا معك في قضية رئاسة جمعية الطلبة المسلمين في فرنسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: كان عرفت الدور اللي ينبغي تقوم به من خلال الجمعية كان إيه في بلد هي المستعمر والمحتل الذي تقومون بالمقاومة ضده الآن؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما الدور الأساسي هو شرح شرعية كفاحنا أمام الساسة الفرنسيين والصحفيين الفرنسيين والمثقفين الفرنسيين وكُتاب اتصال بالنخبة الفرنسية لإقناعها بقبول فكرة استقلال الجزائر..

نضال من أجل التحرر وتواصل مع مثقفين فرنسيين

أحمد منصور: أنا هنا بس عايز أفهم أبقى معك في شيء من المهم أن يفهمه الناس معي، وهو أنكم طلبة جزائريون في بلد تحتلها فرنسا ويقوم الشعب الجزائري بالثورة ضد المحتل الفرنسي وأنتم هنا كجزائريين تقيمون بفرنسا كنتم تقاومون هذا الاستعمار من داخل باريس وكان الفرنسيون يقبلون ذلك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعاً عندما أسسنا الإتحاد عندما تقرأ خطابي في المؤتمر لا يوجد فيه أي إشارة سياسة كأننا جمعيات تدافع عن سكن الطلبة ومنح الطلبة والظروف المادية للطلبة.

أحمد منصور: لكن ما حدث غير ذلك؟ أنت كنت بتقابل المفكرين رئيس وزراء فرنسا منديس فرانس التقى بك، التقى بك يعني آخرون حتى يتحدثوا معك في أمور سياسية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هنا نقدر نقول أن الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين كما قلت ذراع جبهة التحرير في فرنسا بهذه الاتصالات مثلاً اتصلنا بالمستشرق ماسينيون بالكاتب الكبير فرانسوا مورياك..

أحمد منصور: إيه طبيعة الموضوعات اللي كانت تدور بينك.. أنت الآن لقائك مع مفكر غير لقائك مع سياسي غير لقائك مع صحفي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ممكن نذكر بعض الأمثلة عندما زرت فرانسوا مورياك ركزت على التعذيب.

أحمد منصور: اللي كان يقوم فيه الفرنسيون ضد الجزائريين..

أحمد طالب الإبراهيمي: خاصة بعد وفاة شاب جزائري مثقف طالب اسمه قاسم زدور في وهران فطلبت من فرانسوا مورياك أن يكتب شيئاً عن هذا الحدث كما كتب من قبل دفاعاً عن المغاربة في المغرب الأقصى، فأجابني بجملة غريبة قال لي: منذ طفولتي وأنا أتعلم أن الجزائر عبارة عن 3 مقاطعات فرنسية، فلا بد لك من صبر وعمل طويل حتى تقنعني أن هذا الأمر غير صحيح.

أحمد منصور: ياه يعني كمفكر فرنسي وفيلسوف كبير في ذلك الوقت كان يعتقد إلى هذه اللحظة أن الجزائر جزء من فرنسا.

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا أعطيك الجواب أما منديس فرانس كان ذكيا.

أحمد منصور: كان رئيس حكومة فرنسا في ذاك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان من قبل.

أحمد منصور: من قبل رئيس وزراء سابق

أحمد طالب الإبراهيمي: ولكن عند اتصاله بأحد المثقفين الفرنسيين المسيحيين المتعاطفين معنا قال له: أنا أشك أن شباب الجزائر وراء جبهة التحرير، فسأله روبل برا اسمه المثقف المسيحي هل أنت مستعد لمقابلة رئيس الطلبة الجزائريين؟ قاله: نعم، فاستقبلني وشرحت له أن الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين يؤمن بأفكار جبهة التحرير وأن الحل الوحيد هو التفاوض مع جبهة التحرير التي هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الجزائري فتفاجأ يعني، قلت له أن هذا رأي كل الطلبة الجزائريين، أعطيك مثال الكتاب فرانسوا مورياك والسياسي بيير منديس فرانس، أما بالنسبة لألبير كامو في كثير من المشارقة يعتبروه جزائري فهذا الشخص..

أحمد منصور: هذا هو روائي فرنسي معروف.

أحمد طالب الإبراهيمي: روائي زرته مرتين ولكن شعرت أن الرجل أحب الجزائر حقيقة أحب شمسها وبحرها ولكن أحبها بدون الجزائريين..

أحمد منصور: أحبها كمقاطعة فرنسية.

أحمد طالب الإبراهيمي: ويدافع عن أوروبيي الجزائر ولا يعتبر أن بالجزائر غير الأوروبيين..

أحمد منصور: أنت كده لازم ننظر لألبير نظرة أخرى يعني لاسيما عربت تقريباً وترجمت معظم رواياته إلى العربية.

أحمد طالب الإبراهيمي: ألبير كامو عندما منح جائزة نوبل في استوكهلم أدلى بتصريح غريب قال إذا خيرت بين والدتي والعدل سأختار والدتي، هذا الجواب يعني أنه قبل كل شيء، وكان عندما يتحدث عنا جبهة التحرير يقول عملاء موسكو والقاهرة أني أعطيتك صورة عن اتصالاتنا بالمثقفين..

أحمد منصور: معنى ذلك إنكم كنتم تعانوا هنا بعلاقاتكم بالسياسيين والمفكرين والفلاسفة الفرنسيين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كثيراً ولكن استطعنا أن نقنع الكثير منهم.

أحمد منصور: مين استطعتم إن تقنعوه مثلاً وكان يكتب شيئا..

أحمد طالب الإبراهيمي: مثلاً جريدة اوبسيرفاتور هي التي نشرت أول استجواب لقائد من جيش التحرير الوطني تصور..

أحمد منصور: من هو؟

أحمد طالب الإبراهيمي: استجواب عمر أوعمران نشر في جريدة في أسبوعية اوبسيرفاتور وهي رائدة جداً بفضل شخص الذي تحدثت عنه وهو روبل برا استطعنا أن نكون خلايا للإيواء وللطبع إذن..

أحمد منصور: كنتم تطبعوا منشورات؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كثير، كثير.

أحمد منصور: كانت الحكومة الفرنسية تراقبكم كانت تستدعيكم تحقق معكم تقبض عليكم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: مرتان أنا استدعيت للمخابرات الفرنسية ولكن ركزت أن نشاطنا للدفاع عن الطلبة ووضعيتهم المادية في فرنسا.

أحمد منصور: بعد 9 أشهر تقريباً في مارس 1956 تخليت عن رئاسة جمعية الطلبة المسلمين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بطلب من الأخ رمضان عبان من الجزائر طلب مني أن أتخلى عن رئاسة الإتحاد العام.

علاقة الإبراهيمي بقيادات الثورة

أحمد منصور: طيب أنا عايز أعرف الآن كيف كانت علاقة قادة الثورة في الجزائر رمضان عبان ومجموعته بكم أنتم وأنتم في فرنسا في وقت كان هناك قيادة أخرى موجودة خارج الجزائر أحمد بن بله ومجموعته؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أيوه هنا لا بد من تصحيح الأخبار عن ثورة الجزائر، ثورة الجزائر قامت بدعوة من مجموعة تسمى مجموعة 22 هذه المجموعة هي التي فجرت الثورة واختارت 6 من أعضائها يمكن القول أن هؤلاء 6 هم الذين فجروا الثورة..

أحمد منصور: من هم؟

أحمد طالب الإبراهيمي: مراد ديدوش، مصطفى بن بلعيد، العربي بن مهيدي، كريم بلقاسم، محمد بوضياف، رابح بيطاط، هؤلاء 6 هم الذين فجروا الثورة الجزائرية..

أحمد منصور: كيف فجروها وينسب تفجير الثورة الجزائرية أو يدخل في مجموعة أخرى..

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا أعطيك المعلومات اللي عندي..

أحمد منصور: من أين معلوماتك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: معلوماتي أولاً كعضو في جبهة التحرير ومناضل في جبهة التحرير، وكل التعليمات كانت تأتينا من القيادة في العاصمة الجزائرية.

أحمد منصور: إيه خط وصول التعليمات من القيادة في العاصمة إلى إتحاد الطلبة المسلمين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان ناس بين باريس والجزائر..

أحمد منصور: يعني أنتم الآن تعتبروا إتحاد الطلبة المسلمين ذراع، العمال المسلمين الجزائريين ذراع، ما هي الأذرع الأخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لم تكن كلمة المسلمين إلا عند الطلبة لأنه فيه شيء يختلف يعني.

أحمد منصور: إيه الأذرع الأخرى التي كانت لجبهة التحرير في فرنسا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: تقريبا الفدرالية الجزائرية في فرنسا، إذن هؤلاء الستة فكروا في شؤون الدعاية وهذاك الوقت الدعاية كانت أوروبا.

أحمد منصور: يعني استخدموا أوروبا كدعاية لانطلاق الثورة.

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني في الخمسينات عندما يفكر جزائري حركة جزائرية في العمل خارج الجزائر تفكر في فرنسا لأن هناك جالية كبيرة هنا، الإخوة الستة ظهرت لهم ظاهرة جديدة وهي صوت العرب.

أحمد منصور: إذاعة صوت العرب.

أحمد طالب الإبراهيمي: إذاعة صوت العرب كانت مسموعة بصفة غريبة في كل العائلات الجزائرية، فقالوا عوض أن نعين الوفد الخارجي من مناضلين في فرنسا نعين الوفد الخارجي من مناضلين في مصر، من الإخوان الموجودين في مصر؟ هناك محمد خضر هناك حسين آية أحمد هناك أحمد بن بله فهؤلاء 3 أصبحوا الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني..

أحمد منصور: معينين من الداخل؟

أحمد طالب الإبراهيمي: معينين من الداخل.

أحمد منصور: من قبل الستة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: من قبل الستة، المخابرات المصرية درست نفسية هؤلاء الثلاثة فوجدت ربما أن محمد خضير وحسين آية أحمد يصعب استيعابهما وأن بن بله أكثر ليونة فأصبحت صوت العرب تتحدث عن بله ورفاقه، فهكذا ولدت هذه الأسطورة بن بله ورفاقه، والإعلام الفرنسي ظناً منه أن صوت العرب تعكس حقيقة الثورة الجزائرية أصبحوا يتكلمون عن بن بله ورفاقه فهكذا اسم بن بله برز.

أحمد منصور: لكن لا تقلل أيضاً من دور بن بله الذي كان.

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أقلل لا، أنا أعطيك حقائق بن بله كان يلعب دور في جلب السلاح والبواخر التي أتت إلى السواحل المغربية محملة بالسلاح، أما أنا أعطيك كيف انفجرت الثورة ومن كان يرسل إلينا نحن بباريس بالتعليمات، كل تعليمات والاتصالات العاصمة لم نتصل في يوم من الأيام لم تصلنا في يوم من الأيام تعليمة من القاهرة هذه الحقيقة..

أحمد منصور: أنت في مرحلة الكفاح السري هذه اللي بدأت من مارس 1956 إلى أن اعتقلت على يد الفرنسيين في 27 فبراير/1957 كانت كل التعليمات تأتيك من العاصمة وتحديداً من رمضان عبان..

أحمد طالب الإبراهيمي: من رمضان عبان نعم.

أحمد منصور: وليس من أحد من الستة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في بعض الأحيان من بن خدام لأن هؤلاء الستة حتى نسترسل في الحديث، هؤلاء الستة توفي منهم في بداية الثورة مراد ديدوش الذي كان يقود ولاية الشمال قسطنطينية ثم توفي مصطفى بن بلعيد الذي كان يقود ولاية الأوراس ففي سنة 1956 شعرت قيادة الثورة أنها في حاجة إلى مؤتمر ووقع مؤتمر الصومام..

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من مؤتمر الصومام المثير للجدل واللغط في الجزائر حتى ذلك اليوم، شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير التربية والتعليم والإعلام والخارجية الجزائري الأسبق وأحد قيادات الثورة الجزائرية، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.