أحمد منصور
عبد الرؤوف العيادي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة مع شاهد جديد على الثورة، شاهدنا على الثورة التونسية هو الأستاذ عبد الرؤوف العيادي، المحامي، حول الأحداث التي وقعت في العاصمة تونس، أستاذ عبد الرؤوف مرحبا بك، لك تاريخ نضالي طويل من السبعينيات، سجنت عدة سنوات في عهد بورقيبة، وبقيت مناضل سياسي، ومحاميا مدافعا عن المناضلين السياسيين لفترة طويلة، ما هي الأجواء التي سبقت حادث قيام حادث البوعزيزي بحرق نفسه في السابع عشر من ديسمبر، والتي كانت الشرارة الأولى لاندلاع  الثورة التونسية؟

المظاهرة الأولى للمحامين ضد نظام بن علي

عبد الرؤوف العيادي: الأحداث التي يمكن الإشارة إليها هي أحداث الحوض المنجمي، ثم تلتها.

أحمد منصور: إبريل  2008.

عبد الرؤوف العيادي: 2008، ثم أحداث شبيهة في بنقردان وكذلك في الصفيرة، وفي غيرها من المناطق، هي كانت أشبه بوجود أزمة اجتماعية كبيرة في تونس، وعميقة، والذي تحرك هو الهامش داخل البلاد.

أحمد منصور: المدن المهمشة تقصد في الخارج.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: ما يسمى بمدن الوسط، والغرب والجنوب.

عبد الرؤوف العيادي: بالضبط، هذه المنطقة المنسية في خلال نظام بورقيبة، أو نظام بن علي .

أحمد منصور: ما الذي جعل هذه المنطقة مهمشة ومنسية؟ هل هناك تعمد لأن يكون قلب تونس، وغربها، وجنوبها مهمشا لصالح مدن ما يسمى بمدن الساحل فقط؟

عبد الرؤوف العيادي: والله هي أسباب تاريخية، إحنا أصلا استعمارنا استعمار كان على الشريط الساحلي لأن الساحل مفتوح على التصدير، وكان غرض الاستعمار هو أن يستغل الخيرات المنجمية وتصديرها، خاصة الخامات من فوسفات وغيره، وهذا تواصل بعدما يسمى بالاستقلال في تونس، وتواصل لأن الاستثمار في الداخل يتطلب تضحية ولا تتمكن من أن تقوم به إلا الدولة، وخاصة حتى الجزئيات الأساسية، طرقات، سكك حديدية، غير متوفر يعني.

أحمد منصور: أنا حينما ذهبت إلى هذه المناطق وجدتها مناطق حضارات قديمة، يعني الرومان، حتى القيروان، حينما كانت تبنى الحضارات في تونس من القديم كانت تكون في هذه المناطق التي همشت بعد ذلك، وهي مناطق غنية أيضا سواء بالزراعة أو بالمناجم أو بغيرها من الأشياء الأخرى.                             

عبد الرؤوف العيادي: نعم، في الحقيقة هو خيارات، خيارات كانت سياسية، يعني المضاربات في العقارات وكذلك تطوير السياحة أتوقع في ذلك الوقت خاصة تنشيط الشريط الساحلي على حساب المدن بالداخل.

أحمد منصور: أنت كنت محامي للسياسيين بالدرجة الأولى، يعني تقريبا معظم السنوات الطويلة التي حوكمت فيها حركة النهضة وغيرها كنت أنت تتولى قضاياها، كنت شبه محاصر من النظام بسبب عدائك لما يسمى بالنظام، كيف كانت الحالة السياسية، والحالة الاجتماعية، والحالة النفسية التي دفعت الناس إلى أن يحرق شخص نفسه فيخرجوا في ثورة عارمة على الحاكم؟

عبد الرؤوف العيادي: صدق إحنا في تونس لم تكن هناك حياة سياسية، تونس في الحقيقة هي كانت إدارة ورثناها من الاستعمار تحمل عقيدة الاستعمار في الهيمنة على المواطن، وقهره وتخويفه، حتى يعيش في ظل الخوف، ويذعن للسلطة، ما كان سائدا، ما كان موجودا في الحقيقة هو ديكور، ديكور حداثي، فيه حزب، هو حزب السلطة، وهناك أيضا بعض الأحزاب في القصر التي تدور في فلك هذا الحزب، وهي مرتبطة ارتباطا شديدا بالإدارة، وهذا ما كان لدينا، والإدارة هذه إدارة قمعية، تمارس القمع دون هوادة، ودون انقطاع، نحن كنا ننتظر الهدنة، كنا نلتزم بهدنة مع النظام لأن القمع متواصل طيلة حياته، نهاية النظام كانت هي نهاية القمع.

أحمد منصور: إيه أشكال القمع؟

عبد الرؤوف العيادي: كان هي حرب بوليسية.

أحمد منصور: إيه أشكالها؟

عبد الرؤوف العيادي: التعذيب، المداهمات، يعني تبدأ من حتى ما نسميها إحنا هنا الرافلة هي المراقبة اليومية للمواطن، يعني حملات تثبت من الهوية وإيقافات، يعني هناك سوء ظن، النظام الظنين، التونسي هو ظنين، ومشبوه فيه، هو يجب ان يثبت براءته، لا نعمل بقرينة البراءة.

أحمد منصور: هل تعملون بقرينة التهمة؟

عبد الرؤوف العيادي: التهمة.

أحمد منصور: كل مواطن متهم، حتى يثبت أنه بريء.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، هذه المنظومة القائمة، هذه فلسفة النظام نعم، لأن النظام لا يستمد شرعيته من المواطن، هذه أنظمة مزروعة من الخارج، وبالتالي هي ترى في المواطن الخطر، هي لا تستند إلى شرعية وإرادة المواطن، إرادة الناخب، هذه أنظمة مزروعة من الخارج، وبإرادة الخارج.

أحمد منصور: أحداث الحوض المنجمي، الأحداث الأخرى التي حدثت في عدة مناطق أخرى، لم تصل إلى مرحلة الثورة، وظل بن علي ثلاثة وعشرين عاما يقمع في الناس، وقبله بورقيبة منذ العام 1956، يعني ثلاثين عاما أيضا من القمع في الناس، كيف وصل الناس بعد ثلاثة وخمسين عاما من القمع إلى أن ينتفضوا، إلى أن يثوروا، إلى أن يتحركوا هذه الحركة التي أدت إلى سقوط النظام بهذا الشكل الذي شاهده العالم كله؟

عبد الرؤوف العيادي: النظام هو قضى على القيم، لم يكن هناك انتماء معنوي، هذه السلطة أصبحت منحصرة، أو مختصرة في مجموعة من الأجهزة المادية، يعني كانت موجودة فرق، يعني فرق أمنية من جميع الأنواع، موجود سلاح، موجود ذخيرة لكن لم تكن هناك ربط معنوي يربط ما بين أجهزة الإدارة أو الدولة.

أحمد منصور: كان من مصلحة بن علي أن تكون الأجهزة مفككة وغير متضامنة.

عبد الرؤوف العيادي: هو ليس، هو خطاب يمكن أن يحقق هذه الوحدة، لذلك نحن شهدنا في أواخر نظام بن علي دور ما يسمى بجامعة الزيتونة اللي تحمل خطاب ديني معتدل.

أحمد منصور: هذا اللي زوج ابنته كان مؤسسها.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، الرابط بما يسمى بالحزب الحاكم كان رابط إداري ولم يكن رابط فكري، أيديولوجي، عقائدي، العقيدة هو دمرها.

أحمد منصور: أنت كأحد المحامين المسيّسين المغضوب عليهم من النظام، الذين كانوا يتحركون ضد النظام، بعد البوعزيزي ما حرق نفسه في السابع عشر من ديسمبر، أخذت مدن الوسط والجنوب تشتعل، القصرين، سيدي بوزيد، تالا، وغيرها، ولكن الشرارة لم تصل إلى العاصمة تونس، حتى يوم الثامن والعشرين من ديسمبر، عندما اجتمعتم انتم المحامين وذهبتم في المظاهرة الأولى التي كانت ضد النظام، وهزت بن علي، ودفعته إلى أن يلقي خطابه الأول مساء هذا اليوم، إيه السبب اللي تأخرت فيه تونس في الحركة؟

عبد الرؤوف العيادي: لأن في الحقيقة زمن بورقيبة كانت انتفاضات مدن، وبن علي جاء ليعالج انتفاضات المدن.

أحمد منصور: كيف عالجها؟

عبد الرؤوف العيادي: عالجها بستة وعشرين يناير 1978، وصلت ببن علي ليصفي الحركة النقابية، التي كانت منتفضة بنفس وقت انتفاضة المدن، آنذاك كانت مناطق الداخل أو مناطق التخوم.

أحمد منصور: كان وزير الداخلية في الوقت ده.

عبد الرؤوف العيادي: كان مدير أمن، وتسبب في مقتل تقريبا 500 تونسي، لحد الآن ما فيش إحصائيات دقيقة.

أحمد منصور: هذه التي لم يحاسب عليها بن علي إلى الآن.

عبد الرؤوف العيادي: وهذه أعدت نهاية بورقيبة، لأن بورقيبة حزبه قام في 9 ابريل 1938 معاه اللي شهد مظاهرة قادها الحزب الحر الدستوري التونسي آنذاك، ووقعت فيها تصفية، مذبحة.

أحمد منصور: من الفرنسيين.                      

عبد الرؤوف العيادي: من الفرنسيين، بورقيبة ارتكب نفس المذبحة لكن أشنع.

أحمد منصور: سنة 1970.

عبد الرؤوف العيادي: وبها انتهت شرعيته، بعدها سنوات بورقيبة كانت سنوات .

أحمد منصور: هذا الملف، ملف 1978، اللي بن علي قتل فيه 500 شخص لما كان مدير أمن وفتح النار على الناس، وأنا أثرتها عدة مرات في شاهد على العصر أيضا، حتى ينتبه إليها التوانسة، أما آن لهذا الملف أن يفتح أيضا منكم انتم، المحامين، أو من أصحاب الحق المدني، حتى يعرف الشعب التونسي حجم هذه الجريمة الكبرى؟

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، اليوم مطروح على الحكومة الجديدة أن تفتح هذه الملفات، لأن الحكومات السالفة لم تكن حكومات هذا الشعب.

أحمد منصور: أنت في الخامس والعشرين من ديسمبر نشرت مقال، تحدثت في عن حادث البوعزيزي، المقال نشر على النت طبعا، لأنه أنت ممنوع إنك تنشر، ممنوع حتى تأخذ قضايا، كانوا يرفضوا الناس أن يأتوا إليك ليوكلوك في قضاياهم، فكنت تعيش على التطوع في القضايا السياسية، نشرت مقال يوم الخامس والعشرين وقلت إن حادث البوعزيزي يمكن أن يكون بداية لنهاية نظام بن علي.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، لأن بن علي كما قلت هو خبير في قمع انتفاضات المدن، وأتي به لهذا السبب، الآن تقريبا المناطق اللي كان هو يأخذ منها العسكر، وكذلك البوليس، هي تلك المناطق المحرومة، فالآن سيستعمل ذلك العسكر، وذلك البوليس ضد أهل، يعني ضد أهلهم، وهذا معه امتداد الشرارة اللي كان غير مستثنى، كان متوقع كما توقعته، إنه دخول الانتفاضة إلى الأحياء في تونس، هؤلاء أكثرهم نازحون من تلك المناطق.

أحمد منصور: نعم، هذا هو السبب الذي جعل المناطق المحيطة بتونس، او أحياء تونس كانت تثور لأن معظم أهلها ينتموا إلى إقليم الوسط.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، هناك تواصل بينهم.

أحمد منصور: يوم الثامن والعشرين، كيف أعددتم لمظاهرة المحامين الأولى يوم الثامن والعشرين؟

عبد الرؤوف العيادي: إحنا قررنا مجموعة من المناضلين، يعني، لنا نشاط حقوقي، وكذلك، نشاط سياسي سري، قررنا أن ننظم تظاهرة، تجمع للمحامين، للتعبير عن تضامن المحامين مع الحركة التي كانت.

أحمد منصور: هذا كان غير معهود؟ مظاهرة كمحامين ضد وضع داخلي.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، هذا كان معهود، المحامين كانوا دائما في المقدمة للحركات الاحتجاجية.

أحمد منصور: لكن كحركة احتجاجية على وضع داخلي. 

عبد الرؤوف العيادي: على وضع داخلي، طبعا.

أحمد منصور: ماذا؟ كيف رتبتم؟ انتم كنتم تقريبا فوق المئتين، من مئتين لثلاثمائة محامي كما ذكرت الأنباء، اجتمعتم أمام المحكمة الابتدائية.

عبد الرؤوف العيادي: يعني إحنا تنادينا، ثم وضعنا كرسي في الطريق، قطعنا الطريق للحركة.

أحمد منصور: طريق السيارات.

عبد الرؤوف العيادي: ثم أخذنا الكلمة، وتوجهنا لعموم المحامين، وحرّضنا المحامين على الانضمام لهذه الحركة، والدفاع عن هذا الشعب، باعتبارهم أنهم النخبة، ومسؤوليتهم تاريخية، ولا بد أن ينددوا بكل ما طال الشعب من قمع، وتحديات على ما قام الشباب المتدين خاصة، من أعمال تعذيب رهيبة، أنا  كنت نشرت عدة ملفات في الدفاع عن هؤلاء، وتحدثت عن حالات تعذيب.

أحمد منصور: إيه أشكال الحالات اللي شفتها في التعذيب، اضرب لنا مثال بحالة أو حالتين.

عبد الرؤوف العيادي: التعذيب، هناك تعذيب، يعني يحمل شخص من رجليه.

أحمد منصور: يعلق في الهواء.

عبد الرؤوف العيادي: يعلق، ثم يجعل له إناء ماء وسخ وتتم عملية التغطيس هذه، ثم يضرب على جميع أنحاء جسمه، يمنع من النوم، يبقى جالس على كرسي أكثر من أربعة وعشرين ساعة، وصعقات كهربائية، أنا حدث لي، مرة زرت سجين، في السجن يعني، وقع جلبه إلى مخفر أمن الدولة، وهناك وقع تعذيبه، آثار التعذيب كانت بادية على.

أحمد منصور: ذراعه.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، ذراعه، ثم في بطنه كان هناك آثار صعقات كهربائية، فأنا كان لي جهاز هاتف، وكان المفروض أن أتركه في الإدارة عند الدخول، لكنني دخلت جهاز الهاتف، وصورت.

أحمد منصور: أماكن التعذيب.

عبد الرؤوف العيادي: أماكن التعذيب، فبعد ربع ساعة، عشرين دقيقة اقتحم باب المكتب مدير السجن، كان يحمل شعار الدولة  ونجمة، يعني رائد، كان برتبة رائد، وكان معه أعوان، وأخذوا مني الهاتف بقوة.

أحمد منصور: كيف عرفوا أنك صورته؟

عبد الرؤوف العيادي: هناك كاميرات مخفية.

أحمد منصور: آه، كاميرات، كل شيء كان مراقب.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، المحامي ليس له حق في سر المهنة يعني.

أحمد منصور: أنت ألقيت كلمة يوم الثامن والعشرين في المحامين، قلت إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: تحدثت عن القمع والتعذيب، ثم تحدثت عن الفساد، وكيف عائلات أثرت، وفسرت أن أسباب استشراء القمع، وهو استشراء الفساد أيضا، وهذه العائلات أصبحت خائفة، ثم تحدثت عن موضوع التوريث اللي كان مطروح زمنها، إما التمديد أو التوريث، كان زوجته، او حتى صهره.

أحمد منصور: بيجهزهم حتى.

عبد الرؤوف العيادي: بيجهزهم نعم، وتحدثت عن.

أحمد منصور: الخطاب دا كان إلى حد ما حاد شوية، يعني غير معتاد أن يتم تناول بن علي وزوجته، الآن أنتم تخطيتم الخطوط الحمراء وتناولتم بن علي وزوجته.     

عبد الرؤوف العيادي: إحنا سبق لنا، يعني كان لنا كتاباتنا نتحدث.

أحمد منصور: أنا بقصد هنا في مظاهرة عامة، كانت المرة الأولى.

عبد الرؤوف العيادي: المرة الأولى.

أحمد منصور: فاكر الهتافات اللي كنتم بتهتفوا بيها؟

عبد الرؤوف العيادي: إحنا الهتافات كانت بالأساس هي ترديد للهتافات اللي كانت  الجماهير مثل الشغل استحقاق يا عصابة السراق، والحرية.

أحمد منصور: ناديتم بسقوط النظام في هذا اليوم، صحيح؟

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: يعني الشعب يريد إسقاط النظام.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: خرجت للمرة الأولى يوم الثامن والعشرين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: كان معنى كده أنكم دخلتم في مفاصلة مع النظام.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: واعتبرتم أن النظام خلص، لا بد أن يسقط.

عبد الرؤوف العيادي: يعني هي المظاهرات من بداياتها كانت تشير إلى السلطة بعصابة السراق، يعني دعوة للإسقاط في الحقيقة.

أحمد منصور: لكن كلها في المدن الجنوبية، لا يوجد وسائل إعلام، ولا تلفزيونات، ولا غيرها.

عبد الرؤوف العيادي: لأ، كان هناك الإنترنت، وكانت عدة عناصر من الشباب.

أحمد منصور: كنتم تعتمدوا بالدرجة الأولى على الفيس بوك والإنترنت.

عبد الرؤوف العيادي: الفيس بوك، نعم.

أحمد منصور: هو لعب دور كبير في الثورة التونسية.

عبد الرؤوف العيادي: وكذلك قناة الجزيرة، كانت هي نفسها تنقل الشباب.

أحمد منصور: أنت في مساء هذا اليوم تم اختطافك.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: بعد المظاهرة ما انتهت قررتم تعملوا إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: إحنا كان مبرمج عندنا الغد نهاية المطاف لأن هذا جاء خارج إطار النقابة.

أحمد منصور: نقابة المحامين.

عبد الرؤوف العيادي: نقابة المحامين، نعم، إحنا بادرنا، النقابة دعت إلى تظاهرة تضامنية ليوم.

أحمد منصور: التاسع والعشرين.

عبد الرؤوف العيادي: التاسع والعشرين.

أحمد منصور: كل هذا مع سيدي بوزيد ومع مدن الداخل.

عبد الرؤوف العيادي: مدن الداخل، انخرط المحامون في تلك المظاهرات.

أحمد منصور: هناك، في تالا والقصرين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: وأنتم كنتم امتداد لهم يعني.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا.

أحمد منصور: ونقلتم حدث المنطقة إلى تونس.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، وكنا اتصال بهم يعني.

أحمد منصور: روحت أنت يوم الثامن والعشرين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: ماذا حدث بعدها؟

عبد الرؤوف العيادي: يعني قبل المغرب، صلاة المغرب، يعني أنا منزلي أمام المسجد لاحظت أن المكان خال، يعني في العادة كان تتكاثر السيارات شيئا فشيئا على المكان، وهناك حركة تبدأ في المكان، لاحظت ان المكان فارغ يعني، فرن جرس، خرج ولدي، وقال هناك حادث تصاوبنا فيه، وصدمنا بسيارة والدك فالمطلوب أن يأتي لإجراء معاينة.

اعتقال تعسفي وتعذيب وسوء معاملة في السجن

أحمد منصور: صدموا السيارة تحت في الشارع.

عبد الرؤوف العيادي: إيه في الشارع، يعني كانت كذب، حتى أنزل أنا من المنزل، فلما نزلت يعني قيل لي أن السيارة وقع كسر لهذه المرآة العاكسة الجانبية، وهو كان يريد استدراجي  لأنه كانت هناك سيارة أبوابها مفتوحة حتى يأخذوني ويذهبوا بي.

أحمد منصور: اختطاف.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، فأنا لم أجاريه في خطته، بقيت.

أحمد منصور: على مسافة.

عبد الرؤوف العيادي: أتثبت في الأمر لأنني كنت أنا بمرحلة متعاقب، فلما رفضت التقدم هم هجموا علي سبعة أفراد.

أحمد منصور: سبعة.

عبد الرؤوف العيادي: سبعة، نعم، فقاومت انتزعوا ملبسي من المقاومة. 

أحمد منصور: ملابسك.

عبد الرؤوف العيادي: آه، حدثت لي جروح في كتفي، وضربوني.

أحمد منصور: ما كانش في حد في الشارع؟

عبد الرؤوف العيادي: ما كان حد، هم عاملين عملية اختطاف منظمة، لأنهم سدوا المنافذ.

أحمد منصور: منعوا الناس أن تدخل.

عبد الرؤوف العيادي: كما قلت لك يعني صلاة المغرب قربت وما كانش ثمة حد.

أحمد منصور: ولا ابنك نزل معاك، ولا حد شافك؟

عبد الرؤوف العيادي: ابني نزل معاي، فتدخل في المعركة.

أحمد منصور: ابنك هذا اللي معك.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، وضربوه، حتى أغمي عليه، فنزل الابن الثاني فضربوه طومبة الغاز اللي بيشل.

أحمد منصور: الغاز اللي بيشل.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، وأنا قاومت، ما استطعت، لكن أخذوني للسيارة الثانية .

أحمد منصور: ما صرخت؟ ما زعقت؟ ما حدش جاي من الجيران، من الناس؟

عبد الرؤوف العيادي: الناس، كانت حتى اللي تصرخ كان، زوجتي، مراتي وهو خلاني السيارة في الوسط، وسيارة أمام، وسيارة وراء، كانوا في كل الحالات يعني إما أن أكون قريب من إحدى السيارتين التي سيتم خطفي لها.

أحمد منصور: زميل آخر لك خطف أيضا من أمام مكتبه.

عبد الرؤوف العيادي: لم يخطف، طلبوا منه مرافقتهم، لم يرافقهم.

أحمد منصور: رفض.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: ليه ما قبضوش عليك بشكل عادي؟ هم بقبضوا على أي حد.

عبد الرؤوف العيادي: والله، بتقديرهم هو أنا تلقيت عدة مكالمات تهديد بالقتل.

أحمد منصور: قبلها؟

عبد الرؤوف العيادي: نعم، وبخطف أبنائي. 

أحمد منصور: متى كانت المكالمة؟ 

عبد الرؤوف العيادي: من 2005.

أحمد منصور: من قديم يعني، يعني أنت تحت التهديد والتعقب ليس الآن يعني، وبالذات في السنوات الخمس الأخيرة.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: بسبب إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: بسبب كتاباتي ونشاطي، وأنا أعمل في المجال الحقوقي، وكنت أنشر عن التعذيب، حالات تعذيب رهيبة، مجموعة مساجين أتي بهم كما يأتون بغوانتانامو.

أحمد منصور: مجموعة إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: غوانتانامو.

أحمد منصور: مين اللي جاؤوا بهم؟

عبد الرؤوف العيادي: يعني الفرقة الخاصة في السجن، دول مجموعة، هؤلاء المتدينين الذين نسب إليهم أنهم قاموا بعمل مسلح في ضاحية سليمان.

أحمد منصور: متى؟

عبد الرؤوف العيادي: 2006، بداية 2207. 

أحمد منصور: كيف أتي بهم؟

عبد الرؤوف العيادي: أتي بهم، يعني يحملون بزي شبيه بزي غوانتانامو، لكن لونه أزرق، وكانوا يأتون بهم يجرونهم جر، يعني لهم قيد.

أحمد منصور: أنت كنت محاميهم؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا محاميهم، نعم.

أحمد منصور: كم واحد؟

عبد الرؤوف العيادي: كانوا قلة الموجود في هذه القضية.

أحمد منصور: عشرة، عشرين؟

عبد الرؤوف العيادي: أقل من عشرة أتصور.

أحمد منصور: كانت تهمتهم إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: تهمتهم الاعتداء على أمن الدولة، دعوة السكان لحمل السلاح بعضهم ضد بعض.          

أحمد منصور: ضد جهات محفوظة.

عبد الرؤوف العيادي: إيه.

أحمد منصور: ماذا فعلوا فيهم؟

عبد الرؤوف العيادي: كانوا يعذبوا تعذيب شنيع، فظيع، كانت آثار التعذيب بادية، في عدة أماكن، أيديهم، ورجليهم، وكان يأتي الرجل والحارس واضع يده على رقبته، ورأسه مطأطأ إلى الأرض.

أحمد منصور: وأنت محاميهم وتشاهد هذا.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، أحتج، ولكن ماذا أستطيع أن أفعل؟ وأنا تحملت لأجل ذلك، الانتقام.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: اختطفوك يوم الثامن والعشرين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: مساءا، أين ذهبوا بك؟

عبد الرؤوف العيادي: وضعوني بالسيارة، ثم وضع ركبته على وجهي، وغطاني، وقال فرجالي اطلع الجبل.             

أحمد منصور: فرجالي دا السائق؟

عبد الرؤوف العيادي: ممكن اسم مستعار، الله أعلم، السائق، يتوجه للسائق.

أحمد منصور: اطلع للجبل.

عبد الرؤوف العيادي: اطلع للجبل.

أحمد منصور: أنت في أي حي من أحياء تونس تسكن؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا في ضاحية منوبة.

أحمد منصور: بينها وبين الجبل قد إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: يعني الجبال كانت بعيدة نوعا ما.

أحمد منصور: مش جبل مقصود، مش منطقة الجبل.

عبد الرؤوف العيادي: لا، لا، جبل يعني كلمة سرية.

أحمد منصور: مشوا بك قد إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: حوالي ساعة إلا ربع.

أحمد منصور: ضربوك في السيارة؟

عبد الرؤوف العيادي: ضربوني، وحتى أغمي علي.

أحمد منصور: فقدت الوعي.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، وكنت أنا حافي القدمين، وكنت بالملابس الداخلية.

أحمد منصور: مزقوا ملابسك الأخرى.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، في المواجهة..

أحمد منصور: في قمة البرد.

عبد الرؤوف العيادي: ثم دخلوا بي في مكان مظلم، وضعوني في قاعة باردة، هنا بقيت على مقعد. 

أحمد منصور: كنت مغمى ولا مفتح؟

عبد الرؤوف العيادي: لا، وضعوا لي.

أحمد منصور: كيس على رأسك.

عبد الرؤوف العيادي: نفس المعاملة اللي واردة غوانتانامو.

أحمد منصور: الكياس أميركية.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، ثم أدخلوني إلى مكتب، ثم أتوا لي بكرسي، ثم قالوا لي توجه نحو الحائط، فلما جاء هذا المكلف، اللي يستنطقني.

أحمد منصور: المحقق.

عبد الرؤوف العيادي: المحقق، أتى، وكان يلبس زي مدني.

أحمد منصور: خلاص كشفوا منك الـ .

عبد الرؤوف العيادي: نعم، فسألني ما اسمك، وما هو مضمون الخطاب الذي ألقيته.

أحمد منصور: الذي ألقيته في الصباح، يعني هنا اتضح لك أن جزء رئيسي من اختطافك هو الخطاب اللي ألقيته في الصباح.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: لكن أنت لم تخطب وحدك، كثيرين قد خطبوا.

عبد الرؤوف العيادي: كنت متوقعا إيقاف جميع الذين..

أحمد منصور: آه، أنت تخيلت إن أنت واحد من المجموعة.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، فقلت له من أنت؟ قال ليس لك أن تعرف، وقلت له أين موجود الآن أنا، أنا لا أعرف المكان، قال لي تقدر تمثل لي الجواب.

أحمد منصور: ماذا قال لك، معلش وضح لنا؟

عبد الرؤوف العيادي: هو جاء يطلب، المفروض أنه يكتب محضر بحث.

أحمد منصور: محضر تحقيق.

عبد الرؤوف العيادي: محضر تحقيق، لكن أنا قبل أن أجاوب باعتباري محامي يجب أن أعرف الشخص الذي يستجوبني، من هو، فسألته عن هويته، قال لي ليس لك أن تعلم من أنا.

أحمد منصور: كواحد محامي يعني دخلت عشرات أماكن التحقيق، طول الثلاثين سنة اللي فاتت أو أكثر، ما عرفتش أنت فين؟ المكان كان جديد خالص عليك؟

عبد الرؤوف العيادي: لم أعرف، لم أتعرف عليه المكان هذا.

أحمد منصور: وما خمنتش يكونوا ماخدينك أي جهاز، أي منطقة، أي مكان تحقيق؟

عبد الرؤوف العيادي: لا.

أحمد منصور: كانوا يتكلمون وأنت في السيارة، أي كلام استطعت أن تخمن منه دول يتبعوا أي جهاز أمني؟                        

عبد الرؤوف العيادي: أتصور الأمن السياسي يعني.

أحمد منصور: ما انتم عندكم مئة أمن سياسي، كل الأمن عندكم سياسي، عندكم أمن مش سياسي؟

عبد الرؤوف العيادي: هي فرقة خاصة أكيد.

أحمد منصور: ممكن تكون في حاجة خاصة مثلا تتبع الرئاسة غير الأمن بتاع الداخلية؟

عبد الرؤوف العيادي: أتصور يتبعوا الرئاسة مباشرة.

أحمد منصور: لأن أنا لما سرقت حقائبي في فرنسا من المخابرات التونسية، عرفت أن عملية السرقة والترتيب كله لم يتم من الأمن العادي، وإنما من الأمن الرئاسي، قالوا لي في قطاع خاص من الأمن الرئاسي.

عبد الرؤوف العيادي: هذا يتبع الرئاسة مباشرة، أمن الدولة في تونس كان تابع للرئاسة مباشرة. 

أحمد منصور: نعم، أنت الآن قاعد المحقق، وقلت له أنت مين؟ قال لك لن أخبرك، أنا فين؟ قال لك لن أخبرك، ماذا قلت؟    

عبد الرؤوف العيادي: قلت له أنا أنتظر الجواب، قال لي أنا لن أجيبك، بدأ بهذه الدولة ناجحة، وتوفر الرواتب لموظفيها، ويضرب على الطاولة، كان هناك مكتب.

أحمد منصور: عمره كم كان؟

عبد الرؤوف العيادي: أصغر مني يعني، كان عمره حوالي خمسين سنة، ثم بدأ يهدد، إحنا قادرين هلأ نقتلك، قادرين نصفيك، نفجر لك السيارة، إلى آخره.

أحمد منصور: لأ، أنا عايز أعرف إلى آخره دي.

عبد الرؤوف العيادي: إلى آخره يعني هناك بذاءة.

أحمد منصور: استمر قد إيه في هذا المونولوج؟

عبد الرؤوف العيادي: هو مونولوج تكرر ثلاث أربع مرات، يمشي، يخرج، ثم يأتي، وكنت سمعت يصيح على محامي آخر، الذي ذكرته، زميلي، هذا الذي جاء به أيضا.

أحمد منصور: نعم.

عبد الرؤوف العيادي: كنت أسمع صياحه في مكتب آخر.

أحمد منصور: يعني أخذوه إلى نفس المكان.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: أنتم كده اثنين محامين، واحد قبضوا عليه من أمام مكتبه، وأنت اختطفوك من أمام البيت، نفس الشخص بصيح عليه، سمعته بيقول إيه؟ 

عبد الرؤوف العيادي: سمعته يتحدث أن الدولة وفرت أو لم تمانع من أن يعمل، وإلى آخره، كلام من هذا القبيل.                  

أحمد منصور: استمريت قد إيه في هذا التحقيق؟

عبد الرؤوف العيادي: كان على مراحل، المشهد يتكرر ثلاث أو أربع مرات، ثم حملوني إلى مكتب فوجدت المحضر جاهز، مكتوب.

أحمد منصور: توقع عليه.

عبد الرؤوف العيادي: قال لي وقع، قلت لا أوقع، أنا.

أحمد منصور: كان مكتوب فيه إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: ما قرأتهوش، كان على مسافة حوالي ثلاث أمتار مني، قلت له لا أوقع، أنا غير مستعد لأن أوقع على أي شيء.

أحمد منصور: عادة من خلال خبرتك ببقوا كاتبين إيه في المحاضر دي؟

عبد الرؤوف العيادي: أتصور أنهم كانوا ينوون إحالتي على المحكمة من أجل السلب..

أحمد منصور: طلتهم على هذا.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: حينما رفضت التوقيع، ماذا حدث؟

عبد الرؤوف العيادي: أرجعوني للمكان الذي كنت فيه، وأنا حافي القدمين، على كرسي، وكنت في ملابسي الداخلية فقط.

أحمد منصور: بقيت إلى متى؟

عبد الرؤوف العيادي: لم أقدر..

أحمد منصور: نعم.

عبد الرؤوف العيادي: طلبوا منا أن ننام على الحاشية على الأرض، ونمنا. 

أحمد منصور: نمتم أنتم الاثنين مع بعض، تكلمتوا مع بعض؟

عبد الرؤوف العيادي: إيه نعم.

أحمد منصور: ماذا قال لك؟ وماذا قلت له؟

عبد الرؤوف العيادي: هو قال هذه مكان يسمى الجورجيني.

أحمد منصور: إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: الجورجيني.

أحمد منصور: إيه الجورجيني ده؟

عبد الرؤوف العيادي: الجورجيني مخفر كبير.

أحمد منصور: في أي منطقة؟

عبد الرؤوف العيادي: قريب من العاصمة جدا، قريب من حي..

 أحمد منصور: يعني هذا مكان للتوقيف السياسي ولا مكان.

عبد الرؤوف العيادي: هو عادة للحق العام.

أحمد منصور: الحق العام.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: اللي هو الجرائم العادية.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: لكن جابوكم للمكان ده.

عبد الرؤوف العيادي: أنا أتصور إنه الشخص الذي، بقيت أنتظر حتى جاء الشخص المكلف بالتحقيق يعني، أنا أعتقد  أنه غير اللي كان في المخفر، لا يعمل في ذلك المخفر.

أحمد منصور: اللي هو الشخص اللي حقق معاكم.

عبد الرؤوف العيادي: المكتبين اللي كانوا، كانوا مشغولين، يعني ليس لهم مكتب يعني مكتب خاص بهم.

أحمد منصور: يعني هو واحد أنتم جابوكم للمكان ده، لكن المكان ده لا يتبع للأمن السياسي؟

عبد الرؤوف العيادي: لا يتبع.

أحمد منصور: ودا جيه من المكان حقق معاكم .

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: نمتم أنتم الاثنين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: نمتوا للصبح؟

عبد الرؤوف العيادي: شبه نيام طبعا إحنا، كانت برد، ثم في الصباح جاء الشخص هذا قال لي، أنت ستعود إلى بيتك، طبعا هم جاؤوا بالسيارة، أغلقوا بها الممر حتى لا أعرف أنا أين كنت، وحملت في تلك السيارة.

أحمد منصور: نفس اللي خطفتك؟

عبد الرؤوف العيادي: لأ، سيارة أخرى.

أحمد منصور: سيارة أخرى.

عبد الرؤوف العيادي: فيها صندوق خلفي، بابين.

أحمد منصور: آه، يعني زي سيارات السجن يعني.

عبد الرؤوف العيادي: صغيرة.

أحمد منصور: أنت وزميلك ولا أنت وحدك؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا وحدي.

أحمد منصور: أخدوك في السيارة.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: ورموك قدام البيت.

عبد الرؤوف العيادي: رموني  قدام البيت.

أحمد منصور: بس فتحوا الباب وانزل وخلاص، رجعت الساعة كم تقريبا؟

عبد الرؤوف العيادي: يعني كانت النهار لم ينبلج يعني الصبح، قبل الصبح بقليل.

أحمد منصور: ولادك عملوا إيه لما شافوك؟

عبد الرؤوف العيادي: طبعا فرحوا.

أحمد منصور: كلمت زملائك قلت لهم إنك أفرج عنك؟

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، عملت عدة مكالمات، وكنت أحمل انا جرح تقيح في كتفي.

أحمد منصور: آه.

عبد الرؤوف العيادي: فمشيت استحممت، ولبست لبسي، وتوجهت للمحكمة، ونظمنا يعني تظاهرة جديدة وتحدثت للزملاء عما حصل لي وطلبت منهم مواصلة النضال.

أحمد منصور: بقيتم أنتم المحامين في تظاهرات مستمرة، لكن كان لكم مظاهرة كبيرة بعد يوم الثامن والعشرين، كانت يوم العاشر صباحا.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: أنتو الآن النقابة دخلت معاكم على الخط، وبدأ عدد المحامين يكبر، وقررتم الدخول في مواجهة مع النظام.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، هذه الفترة بدأ فيها الشهداء يتساقطون بالعشرات.

أحمد منصور: الفترة ما بين ثمانية إلى اثني عشر كان فيها.

عبد الرؤوف العيادي: الثالث من يناير.

أحمد منصور: 3 يناير كانت المظاهرات هنا في تونس، وبدأ الشهداء يتساقطون سواء في تونس، او في المناطق الداخلية، ودي أدّت إلى أنكم تصعّدوا.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا.

أحمد منصور: الدور اللي المحامين لعبوه في التصعيد، طبعا مع الاتحاد التونسي العام للشغل، تأثيره إيه على وصول الأمر للمواجهة الأخيرة في  اليوم الرابع عشر؟

عبد الرؤوف العيادي: المحامين طبعا، وجودهم بالعباءة السوداء هذه وسط الشوارع، يهتفون، ويكررون نفس الشعارات، كانوا يصيحون من الشعارات: بن علي يا جبان، المحامي لا يهان، ثم كرروه، التونسي لا يهان، بن علي يا جبان، فهذه كانت إعلان تمرد والقطيعة النهائية مع النظام.

أحمد منصور: خطاب بن علي الثاني، يوم عشرة، تأثيره إيه عليكم؟

عبد الرؤوف العيادي: يعني إحنا ردينا بتظاهرة يعني، أحسسنا أنه يريد الالتفاف على الثورة وكسب وقت، فعليا قام بعدها قمع كبيرة.

أحمد منصور: بعد هذا الخطاب أخذ منحى التظاهرات والمسيرات في العاصمة تونس يأخذ شكلا آخر تقريبا إلى يوم أربعة عشر.

عبد الرؤوف العيادي: في صفاقس.

أحمد منصور: مظاهرة صفاقس كانت يوم الثاني عشر.

عبد الرؤوف العيادي: الثاني عشر، مظاهرة كبيرة جدا.

أحمد منصور: لعبت دورا كبيرا في تحفيز الناس.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، كان الإعلام لعب دورا كبيرا عليها، خاصة الإعلام المرئي، كان ساهم بشكل كبير في تحشيد الناس وأن الناس يجب أن تقوم على النظام.

أحمد منصور: أنت كنت تتوقع أن بن علي سيسقط؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا؟

أحمد منصور: آه.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا.

التونسيون ولحظة هروب بن علي

أحمد منصور: كيف توقعت أن بن علي سيسقط وهو كان في عنفوانه؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا كتبت هذا في مقالة نشرت يوم خمسة وعشرين، قلت أن النظام يدخل مرحلة عدم استقرار ممثلة في نهايته، كما شرحت لك، بن علي لم يكن له هامش منوع، إذا كان بن علي يتوقف على القمع، لسنة واحدة يسقط فيها.

أحمد منصور: الآن يوم الرابع عشر، تمت الدعوة إلى الإضراب العام، تمت الدعوة إلى الحشود سواء من الاتحاد التونسي للشغل، أو من المحامين، أو من النقابات المختلفة الأخرى، وقرر الجميع أن يكون يوم الجمعة، الرابع عشر هو يوم غضب عام في تونس، احكِ لي أحداث اليوم الرابع عشر كما عشتها أنت إلى خبر هروب بن علي من تونس.

عبد الرؤوف العيادي: أنا توجهت لقصر العدالة، هي هذه المحكمة الكبيرة في تونس، في شارع باب البنات، فطبعا إحنا نلتقي المحامين، قررنا، وجدنا أن كذلك كتبة المحاكم كانوا نقابتهم يعني جندتهم، ونظموا جلسة عامة، وتداولوا على آخر كلمة، فإحنا نفس الشيء المحامين، تداولنا على آخر كلمة كان لا بد أن اليوم نعطي ردنا لبن علي، الذي تحدث في خطابه على مسألة الخرطوش الحي.

أحمد منصور: هذا خطاب يوم الثالث عشر الأخير.

عبد الرؤوف العيادي: اليوم الأخير، وأنه يريد أن يتوصل للمسؤولية  فدعونا إلى النزول للتظاهر وسط الشارع الكبير، شارع بورقيبة في العاصمة.

أحمد منصور: نعم.     

عبد الرؤوف العيادي: وتقدمنا شيئا فشيئا، فوجدنا أنا في مقابلنا في حدود الكنيسة، كنيسة  في شارع بو رقيبة.

أحمد منصور: الكاتدرائية الموجودة أمام السفارة..

عبد الرؤوف العيادي: نعم، فالمحامين هم اللي بادروا في الذهاب لوزارة الداخلية باعتبارها رمز القمع، فتقدمنا، ونحن كنا نحمل العباءة السوداء.

أحمد منصور: توقعتم أن تدخلوا في صدام؟

عبد الرؤوف العيادي: كان موجود جهاز مقاومة الشغب.

أحمد منصور: لكن تركتم إلى الساعة الثانية تقريبا دون أن.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، لكن تجمعنا ثم تقاتل الناس بشكل، جاؤوا الطلبة، وجاء مناضلي المجتمع المدني.                 

أحمد منصور: اعتقدت أن هذا اليوم، وهذا الحشد يمكن أن يؤذن بنهاية هذا النظام المتغطرس، الأمني، المستبد؟               

عبد الرؤوف العيادي: كنا  ومنا من اقترح أن نواصل المسيرة، كان هناك طريق أمامنا يسمى طريق حلق الواد، وهو يفضي إلى القصر الرئاسي، قلنا نواصل مع 100 ألف وندعوهم إلى السير والذهاب إلى قرطاج، ونقتحم القصر.

أحمد منصور: من حلق الواد إلى القصر.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، هو هذا اللي خلا الأمور.

أحمد منصور: الساعة الثانية حينما أطلق الغاز ودخلتم في مواجهات مع الشرطة.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: بدأ الناس يتفرقوا.

عبد الرؤوف العيادي: تفرقت الناس لأنهم استعملوا هذا الغاز، وكان غاز مؤذي جدا يعني.

أحمد منصور: ليس الغاز المسيل للدموع العادي.

عبد الرؤوف العيادي: لا، ليس الغاز المسيل للدموع، هناك حالات متوفرة نتيجة استنشاق هذا الغاز، فتفرقنا، كان هناك شخص مستهدف، وهناك قناصة، فأخذت، وحملت الشخص هذا، وقلت له أنت أردت أن تحميني فأنا أحميك، لأنه ما كانش هناك مواصلات، فكنا مارين أمام مصنع التبغ، فوجدنا الناس تنهب بالمستودع.

أحمد منصور: سجاير بقى.

عبد الرؤوف العيادي: شباب وبنات.

أحمد منصور: أنتم عندكم التدخين عالية في تونس.

عبد الرؤوف العيادي: عالية، فحاملين يعني صناديق كبيرة من التبغ.

أحمد منصور: أول يوم حدث في نهب كبير جدا.

عبد الرؤوف العيادي: في هذا اليوم، طبعا، ووصلت إلى ضاحية اسمها ضاحية الزهرة، ورجعت أدراجي.

أحمد منصور: رجعت البيت.

عبد الرؤوف العيادي: رجعت للبيت، نعم.

أحمد منصور: متى علمت بخبر هروب بن علي؟

عبد الرؤوف العيادي: طبعا إحنا لما نوصل البيت نفتح جميع الأجهزة، الجزيرة، العربية، يعني، إلى أن سمعنا بالهاتف أيضا كانوا يقولوا أن هناك دبابات تزحف على العاصمة، العسكر هناك حركة انقلاب للجيش، ثم إلى أن أتى الخبر أن بن علي امتطى طيارته وهو في السماء ويبحث عن.

أحمد منصور: ما الذي مثله هذا الأمر بالنسبة لك؟

عبد الرؤوف العيادي: انتصار كبير.

أحمد منصور: لكن أنا لاحظت شيء، مثلا المصريين عندما قيل أن مبارك خلع، الناس نزلت في الشوارع، التوانسة خافوا ينزلوا في الشوارع.

عبد الرؤوف العيادي: التوانسة يوم هروب بن علي، كان يوم تقتيل كبير يعني، ماتوا في عدة، كانت السيارات، سيارات مدنية يعني، ليست سيارات تحمل إشارة شرطة، وقع فيها قتل عدة.

أحمد منصور: للناس.

عبد الرؤوف العيادي: للناس.

أحمد منصور: كانت تطلق الرصاص على الناس.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: الناس كانوا يخافوا.

عبد الرؤوف العيادي: كانوا يخافون، وأنا شهدت عدة قضايا قتل، وقضايا اغتيال في اليوم الرابع عشر.                       

أحمد منصور: من أهالي الضحايا.

عبد الرؤوف العيادي: نعم.

أحمد منصور: إيه الشيء العالق في ذهنك، اللي لن تنساه من الثورة؟

عبد الرؤوف العيادي: لن أنساه، التجمع لـ 100 ألف تقريبا شخص، وهم يهتفون إرحل de lassie ، والشعب يريد إسقاط النظام، هذه تبقى.

أحمد منصور: نمت في اليوم ده؟

عبد الرؤوف العيادي: لا أذكر.

أحمد منصور: حسيت بإيه، الرجل، هذا الرجل الذي ظل يظلم الشعب ثلاثة وعشرين سنة، فر الآن هاربا؟

عبد الرؤوف العيادي: بجبنه

أحمد منصور: ممكن يرجع مرة ثانية؟

عبد الرؤوف العيادي: لا أتصور، وإلا ستكون تونس تحكم من طرف جبناء، تونس لن يستطيع جبان في المستقبل أن يحكمها.

أحمد منصور: تقريبا مر ما يقرب من سنة على هذا المشهد، أجريتم انتخابات، أنت الآن عضو في المجلس التأسيسي، تخيلت المشهد السريالي كما يقال، أن يحدث خلال هذه الفترة؟

عبد الرؤوف العيادي: لم أتخيله يوما.

أحمد منصور: تخيلت ان يأتي وهو مطارد ليصبح هو الرئيس ويطرد بن علي؟ تخيلت أن يأتي رئيس الحكومة من السجن إلى الحكومة؟

عبد الرؤوف العيادي: لم أتخيل ذلك، الحقيقة ما نعيشه اليوم شيء لا يفسر ماديا يعني، هذا إرادة الله سبحانه وتعالى، يأتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.

أحمد منصور: أنت من سنة 1973، إلى يناير 2011، وأنت بين السجون والمعتقلات، إما مسجون، وإما بتدافع عن ناس مسجونين.

عبد الرؤوف العيادي: نعم، في الحقيقة يعني هذا كان الفضاء الذي عشت فيه، وأتمنى أن أجد الوقت يوما ما أن أكتب مذكراتي، لأن هناك عدة حقائق، وعدة مواقف لا بد أن تسجل، دور القضاء المخزي في تونس، كان دور متواطئ، كان  من النظام، ثم انهيار النخبة، وتعهرها من أجل المادة، ومساهمتها في تخريب هذا المجتمع، وتخريب القيم والأخلاق، في تونس الآن علينا أن نعيد البناء المعنوي في تونس، بناء القيم، ومعالجة الأزمة الأخلاقية، ولذلك هذا يفسر ظهور كل التيارات الدينية بجميع فرقها، لأنها وجدت المناخ، الأرضية لتجيب على حاجة، ولذلك القضية ليست قضية تيارات رجعية وتقدمية، هذا المجتمع دمر بناؤه المعنوي.

أحمد منصور: أنت نفسك تشوف تونس شكلها إيه؟

عبد الرؤوف العيادي: أنا أرى الآن أن تونس ماخذة طريقها إلى الحرية، وإلى البناء، والبناء من الداخل، وليس البناء المزروع من الخارج.

أحمد منصور: هل يمكن أن يحكم تونس دكتاتور بعد ذلك؟

عبد الرؤوف العيادي: لا يمكن، لا أتصور ذلك، لا يمكن.

أحمد منصور: كيف يمكن لهؤلاء الناس الذين حصلوا على حرياتهم بالدماء أن يحافظوا على تلك الحرية وأن يبنوها وأن يعيدوا بلادهم إلى الواجهة من جديد؟

عبد الرؤوف العيادي: يجب ان أولا، يعرفوا ماذا جرى؟ من حكمهم؟ نحن حكمنا بوكالة منذ أكثر من خمسين سنة، لم تكن القرارات تخرج من تونس، نحن نريد الآن القرارات الأساسية أن تخرج من قصر قرطاج وليس من دوائر أخرى.

أحمد منصور: يعني أنت تعتبر تونس كانت محتلة طوال الفترة الماضية.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، كانت محتلة.

أحمد منصور: يعني تونس حررت فعليا يوم الرابع عشر من يناير.

عبد الرؤوف العيادي: طبعا، لا شك في ذلك، أزيلت القواعد العسكرية، لكن الاحتلال بقي، بقي في مفاهيمه، بقي بعقيدته، عقيدة الأمن كانت عقيدة الاستعمار نفسها، الآن مطروح علينا ان نعيد عقيدة الأمن في تونس، حتى يصبح أمن المواطن لا أمن الجهاز، جهاز الدولة.

أحمد منصور: أستاذ عبد الرؤوف العيادي، أشكرك شكرا جزيلا على هذه الشهادة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على الثورة، هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.