- أسباب الخلاف والقطيعة بين الرئيس وزوجته
- تشكيل الحكومة وملف الانتخابات المزورة

- محاكمة الاتجاه الإسلامي واستقبال الفلسطينيين

 
أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق. مرحبا سيد مزالي.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

أسباب الخلاف والقطيعة بين الرئيس وزوجته

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند محور هام في تاريخ حكم الرئيس بورقيبة وتاريخ تونس وهو الخلاف الذي نشب بينه وبين زوجته وسيلة بن عمار قبيل منتصف الثمانينيات وتحدثنا عن قصة الحب العاصف التي جمعت بينهما طوال ما يقرب من أربعين عاما وكان الرئيس يفخر بها ويتحدث بها أمام الناس. كنت أحد الذين وسطهم الرئيس لرأب الصدع الذي نشب بينه وبينها ونحن هنا نتحدث عنها بصفتها كان لها دور أساسي في إدارة شؤون الدولة وهي كانت فقط زوجة الرئيس.

محمد مزالي: يعني قبل الحادثة التي حدثتك عليها يعني المكالمة من جدة حيث أغلظت له القول من قبلها كان كل يوم يسأل عليها وأخبارها وصحتها وفي مرة من المرات أظن في 1982 كلفني أنا ووزير الخارجية الأخ الباجقي بالسفر إلى جدة ومحاولة إقناعها بالعودة إلى تونس، فرحنا إلى جدة وكانت زعلانة هي كثيرا، حاولنا رأب الصدع ولكن من ذلك اليوم..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت ما هي المآخذ الأساسية لها على الرئيس في ذلك الوقت أو السبب الذي أدى إلى تصاعد الخلاف بينهما وكان بينهما هذا الحب الكبير؟

محمد مزالي: يعني هي تتدخل في السياسة وخاصة في تولية وعزل الوزراء وبعض المديرين العامين أو السفراء وهو كان يستجيب لها أحيانا ويرفض أحيانا أخرى كثيرة لأنه كان يحاول أن يدرس الملفات وهناك بعض الزملاء لبورقيبة يحبهم عنده ثقة فيهم.

أحمد منصور: هل كانت أيضا تطلب تولية من لديهم كفاءة أم كان معيارها أو معيار أكثر الناس ولاء لها؟

محمد مزالي: طبعا تختار أصدقاء أذكياء عندهم تكوين سياسي لكن عندهم مرونة في العمود الفقري بحيث يقدرون على الانحناء وعلى تقبيل الأقدام.

أحمد منصور: هل كان هناك من الوزراء من يمارس هذه..

محمد مزالي: طبعا طبعا.

أحمد منصور: أمام الناس؟

محمد مزالي: لا، أمامها هي أو أمام الخاصة، هناك من كان حتى يمسد لها أرجلها ويأتيها بالأخبار..

أحمد منصور: من الوزراء والمسؤولين.

محمد مزالي: من الوزراء وكبار المسؤولين طبعا، هي كونت لها بطانة. هذا هو الواقع المؤلم ويعني هذا أقوله من ناحية تاريخية يعني ليس لي شماتة ولا ذم، هذا واقع يعرفه الناس آنذاك.

أحمد منصور: إذا رجعنا إلى زيارتك لها..

محمد مزالي: أما أنا إذا سمحت أما أنا..

أحمد منصور: سآتي أنت كان لك معها..

محمد مزالي: لم لم، معناه علاقاتي كانت دائما بروتوكولية حتى مع بورقيبة، بين قوسين يعني.

أحمد منصور: حينما ذهبت لها في جدة وسعيت للصلح بينها وبين الرئيس ما الذي حدث بعد ذلك؟

محمد مزالي: بعد أيام قليلة رجعت لتونس، لكن نفس الأسباب أدت إلى نفس النتيجة أي أن سعيدة ساسي بتأثير من أناس لا أدري من هم كانت دائما تثير أسباب الغيرة في وسيلة بحيث أعادت الكرة وسافرت مرة إلى إيطاليا ومرة أو مرات إلى باريس.

أحمد منصور: غاضبة من الرئيس.

محمد مزالي: غاضبة مغاضبة، راحت مرة إلى مساحة.. عام 1986، ثم الناحية السياسية الموقف السياسي منها تألم له الرئيس وسكت إلى أن وجد الفرصة المناسبة فكان السبب الرسمي للطلاق، ذلك..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف طلقها في العام 1986؟

محمد مزالي: طلقها بعد الخروج من السلطة. الموقف هذا في 1983 أدلت وسيلة بتصريح إلى مجلة جورنال ريك الصادرة في باريس، فرنساوية، وانتقدت يعني الدستور والفقرة من الدستور الخاصة بالخلافة، قالت أنا لا أوافق على تعيين وزير أول يكون هو خلف بورقيبة عند الشغور.

أحمد منصور: هذا مسك أنت بصفتك الوزير الأول في ذلك الوقت.

محمد مزالي: طبعا، هي كانت ترى هذا ضد الهادي نويرة ثم ضدي أنا يعني وهذا هو لم يكن لها معرفة بالقانون الدستوري ولكن هذا ما كان يوحي به إليها خواصها.

أحمد منصور: حينما ذهبت لها في جدة هل هذا الأمر أثر سلبا أم إيجابا على طبيعة العلاقة بينك وبينها؟

محمد مزالي: لا أبدا، أنا باعتبارها زوجة رئيس الدولة كنت أحترمها.

أحمد منصور: ليست مجرد زوجة رئيس الدولة وإنما هي متنفذة أيضا ولها دور في صناعة القرار.

محمد مزالي: نعم ولكن أعتبر أن بورقيبة كان أولى مني بتشجيعها أو بنهرها أو بلومها، أنا أعتبرها زوجة رئيس الدولة ومعاملاتي مع بورقيبة.

أحمد منصور: هل نجحت في إصلاحها مع الرئيس؟

محمد مزالي: نعم طبعا مرات. والدليل هي أنها رجعت من جدة واستئنفت العلاقات ولكن سرعان ما تدهورت.

أحمد منصور: لكن يعني كأن مكالمة جدة أحدثت شرخا في قلب الرئيس تجاهها.

محمد مزالي: أنا هذا إحساسي ويعني قناعتي أن بورقيبة انكسر شيء ما في عواطفه في وجدانه إزاءها هذا لا شك فيه.

أحمد منصور: وهذا يعني هذا الحب الذي كان يؤثر عليه لصالحها بدأ يتغير شيئا فشيئا.

محمد مزالي: وانقلب عليها وأصبح لا يستمع إليها ولهذا كثرت أو أكثرت من الغيابات.

أحمد منصور: من خروجها يعني.

محمد مزالي: من خروجها، من الغيابات عن القصر، تمشي لبيتها في المرسى أو في المصحة أو في باريس أو في غيرها.

أحمد منصور: ماذا كان تأثير هذا أيضا على اللوبي المحيط بها أو رجالها؟

محمد مزالي: طبعا رجالها ضعفوا تقلص إشعاعهم إن صح أن نعبر عن هذا بالإشعاع.

أحمد منصور: وكيف تطورت العلاقة من الإيجاب أو الحيادية إلى السلب معك أنت في علاقاتها بك أنت؟

محمد مزالي: هي في العام الأول كانت على الأقل في الظاهر بشوشة ومحترمة لشخصي وعندها عناية فائقة داخلية، هذا من أبريل 1980 إلى سبتمبر، أكتوبر 1981، ماذا وقع في الأثناء؟ وقع أنني أقنعت بورقيبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات ديمقراطية جديدة وأقنعته بالتعددية الحزبية بالقضاء على حكم الحزب الواحد وأقنعته بحرية الصحافة واعترف بالحزب الشيوعي واعترفنا بعشرات الجرائد باللغة العربية والفرنسية..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا الآن سعادة رئيس الوزراء اسمح لي..

محمد مزالي: باش نقول لك كيف انقلبت عليه يعني، بالنقطة أول شيء.

أحمد منصور: آه، طيب تفضل.

محمد مزالي: فنمر بسرعة حتى نصل إلى إعداد القوائم، قائمات الحزب الحاكم للانتخابات التشريعية. تدخلت في القوائم أحيانا راعينا بعض الطلبات أو الإيحاءات ولكن في بعض المواقف أنا رفضت لأنها لمستها بيني وبين رئيس الدولة وأعضاء الحكومة والمكتب السياسي فهناك من قال لها وهو وزير الداخلية السابق قال لها إذا كان محمد مزالي لا يراعيك وبورقيبة على قيد الحياة فما عساه بعد موت بورقيبة بك؟ حيث وجدت غيرة وخلافا سياسيا.

أحمد منصور: وانقلبت عليك.

محمد مزالي: وأنا أقول لها إذا كان رئيسي يقول لي شيل فلان وضع فلان أنا أحترمه لأنه رئيس الحزب، وأكدوا علي أن أعين في القائمة تونس العاصمة بن عمار أول وبن عمار ثاني من عائلتها إلى آخره حيث القصة كبيرة، فمن يومها كأن شرخا حدث في بلور يعني شعرت بالجفاء، في كتاب كتبته كاتبتان صحفيتان معروفتان صدر عن جون أفريك..

أحمد منصور: عنوان الكتاب؟

محمد مزالي: عنوان الكتاب "بورقيبة" في جزئين ولكن هما صوفي بسيس يهودية تونسية مقيمة في فرنسا والثانية تونسية مسلمة، قالوا اللي زور الانتخابات لأنه بعدما عملنا القائمات وعملنا حملة..

أحمد منصور (مقاطعا): ما هو أنا لسه سآتي إلى هذه القصة بالتفصيل.

محمد مزالي: قالوا إن وسيلة خافت من محور يتكون بين مزالي وبين أحمد المستيري وتزول سلطتها وتأثيرها يعني هذا بسرعة يعني.

أحمد منصور: أنا الآن لا بد أن نعود إلى وسيلة طالما أنت في الحكم وهي لا زالت زوجة للرئيس ولكن أنا قصدت..

محمد مزالي: أسمع بالأحسن الثانية الكاتبة الثانية..

تشكيل الحكومة وملف الانتخابات المزورة

أحمد منصور: نعم. ولكن أنا قصدت إلقاء الضوء على دورها وبصفتها لعبت دورا أساسي في تاريخ الحكم في تونس في خلال تلك الفترة حتى تم طلاقها في العام 1986، لو رجعت هنا إلى أبريل 1980 وهو توليك للوزارة، لرئاسة الوزارة، كيف قمت بتشكيل حكومتك؟

محمد مزالي: قمت بتشكيل حكومتي أثناء جلسة ضمت أربعة أو خمسة من الشخصيات السياسية المرموقة آنذاك.

أحمد منصور: من هم؟

محمد مزالي: كان الأخ منصور معلا، كان الباجقي كان أظن المازن شقير وقتها  لأنه كان مقربا إلي أربع أو خمس شخصيات، الأخ حسان بالخوجة الله يرحمه كان كذلك.

أحمد منصور: أنت الذي قمت باختيارهم؟

محمد مزالي: أنا وبعض الشخصيات الموجودة.

أحمد منصور: اختيارك للوزراء هل فوضك الرئيس تفويضا تاما في اختيار أعضاء حكومتك؟

محمد مزالي: فوض لي ولكن طلب مني أن أعرض عليه الأسماء.

أحمد منصور: لم يفرض عليك أحد مطلقا؟

محمد مزالي: لا.

أحمد منصور: لم يقل لك شكل الحكومة هؤلاء هم الوزراء وأضف لهم من شئت؟

محمد مزالي: لا، باعتبار يعني إدريس قيقه وجدته وزير داخلية فبقي وزير داخلية ثم ثلاثة أو أربعة أو خمسة وزراء كانوا من قبلي وأبقيناهم. بورقيبة في الحقيقة كان متساهلا كثيرا كان حريصا أن يسهل مهمتي.

أحمد منصور: في العام 1981 وقعت عدة أحداث في حكومتك أنت، حوكم الاتجاه الإسلامي في يوليو 1981 تم إجرء انتخابات مزورة أيضا في العام 1981.

محمد مزالي: أردناها انتخابات صادقة حرة فزوروها.

أحمد منصور: لو جئت إلى قضية الانتخابات ثم آخذ قضية الاتجاه الإسلامي. الانتخابات أنت قلت إنك أنت الذي أقنعت الرئيس بقيام انتخابات في البلد.

محمد مزالي: أنا أقنعت الرئيس بحل البرلمان وأنا أقنعت الرئيس بعقد مؤتمر للحزب الحاكم استثنائيا وأدخلنا وفي مشروع الخطاب الذي حررناه وألقاه الرئيس بورقيبة حرره الأخ الشاذلي القليبي بالتعاون معي حيث الأفكار أدخلنا التعددية والفقرة المشهورة هي لا أرى مانعا من تعدد الأحزاب والمنظمات الاجتماعية يعني النقابات.

أحمد منصور: أنا حينما قرأت هذه المرحلة وكتابك أنت بالذات الرسالة التي وجهتها إلى بورقيبة لاحظتك أنك تصور بورقيبة على أنه رجل كل ما كان يحتاج هو بطانة مخلصة له توجهه وينصت لها وهذا يتناقض مع شخصية الفرد الدكتاتور المتحكم التي عرفت عن بورقيبة في تلك الفترة، كيف كنت تقترح عليه وهو كان يوافق بهذه الطريقة السهلة التي..

محمد مزالي: وخاصة في المدة الأولى كان يوافق دائما.

أحمد منصور: المدة الأولى من رئاستك للحكومة.

محمد مزالي: يعني أنا كنت أعمل بالحكمة القديمة إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع، أنا أعرف ما هي الثوابت البورقيبية وأعرف ما هي الخطوط الحمراء فلا أحاول الصدام معه بل أجتهد حتى أقدم له شيئا مستساغا. فبالنسبة مثلا للتعددية عارض في هذا يعني أنا كنت مجتمعا مع بعض الإخوان في المكتب السياسي الصادق بن جمعة، منصور معلا، الباجقي السبشي، إدريس قيقه نفسه إلى آخره وقرأنا مشروع الخطاب الأول الذي كان مفروض أن يلقيه بورقيبة في 10 أبريل 1981 في افتتاح المؤتمر الخارق للعادة للحزب الاشتراكي الدستوري، فلم نجد فيه شيئا جديدا فقلت لأحد الإخوان قلت له أعطني ورقة، مدني بورقة وكتبت أنا حررت أمامه خمسة أو ستة أسطر حررتها بنفسي أمامه وأمليتها على الشاذلي القليبي رغم أنه كان أمينا عاما للجامعة العربية لكن كان هو يحرر خطب بورقيبة فقال لي الأخ القليبي قال لي مستحيل يوافق الأخ بورقيبة على ذلك، قلت له يا سي الشاذلي اكتبها، أقحمها في الخطاب ونحن نقول له نقرأ الخطاب ونشوفه، فلما قرأ القليبي من الغد هذه الفقرة بورقيبة قال شو معناه ما هذا؟ قلت له سيدي الرئيس هذه معناها فرصة تعطيها لأبنائك التوانسة حتى يختاروا، شو المشكل؟

أحمد منصور: أنت جاي تطالب الآن الأمر ليس بسيطا بهذا الشكل، أنت تطالب بتغيير النظام السياسي القائم في البلاد..

محمد مزالي: وغيرته وبورقيبة وافق وتلا الفقرة كما هي وكان منعرجا كبيرا..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني ليس مجرد إلقاء -سعادة الوزير- ليس مجرد إلقاء خطاب ورسالة وإنما الآن هذا التغيير بحاجة إلى قناعات ومؤسسات وممارسة.

محمد مزالي: والدليل هو أنه قبيل ذلك أقنعته أنا والأخ.. أقنعناه في المونستير بالاعتراف بالحزب الشيوعي ثم بعد أشهر من الانتخابات المزورة هذه أقنعته شخصيا وأن وحده في مكتبه أقنعته بضرورة الاعتراف بحزب أحمد المستيري..

أحمد منصور: حركة الديمقراطيين الاشتراكيين.

محمد مزالي: الديمقراطيين الاشتراكيين.

أحمد منصور: وحزب الوحدة الشعبية.

محمد مزالي: وبالوحدة الشعبية لمحمد الحاج عمرو ومانع في ذلك فأقنعته.

أحمد منصور: لو جئت الانتخابات المزورة نبقى فيها لأن هذا واقع في 1983 الذي تشير إليه بالنسبة للأحزاب.

محمد مزالي: لا، الأحزاب في 1981 و1982.

أحمد منصور: في 1981 تم تزوير الانتخابات وكنت أنت رئيسا للحكومة وأنت بذلك تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا التزوير.

محمد مزالي: لا.

أحمد منصور: لماذا؟

محمد مزالي: هذه أمور تاريخية هامة. لأنني أنا واتفقنا في الديوان السياسي حتى نحترم بقدر الإمكان آراء الناخبين واستدعيت شخصيا حوالي خمسين صحفيا من البلاد العربية والبلاد الأجنبية ولأول مرة في تاريخ تونس المستقلة يتكلم أحمد المستيري وزملاؤه ويتكلم الحاج عمرو وزملاؤه والحزب الشيوعي محمد حرمل يتكلمون في الإذاعة ويكتبون للصحف ويعلقون المعلقات لنقد الحكومة واقتراح أشخاص أو برامج أخرى لأول مرة في تاريخ تونس، في ليلة الاقتراع كنت في المونستير باعتباري رئيس قائمة المونستير منذ 25 عاما حينذاك وقبل التوجه للاجتماع الختامي للمنطقة كلها في الولاية جاءني إدريس قيقه..

أحمد منصور: وزير الداخلية.

محمد مزالي: وزير الداخلية، كنا في مكتب الوالي معنا حوالي عشرين أو ثلاثين مناضلا، قال السيد الوزير بودي أن أقابلك على انفراد فدخلنا في مكتب صغير فيه الكاتبة واللي تمسك التلفون، أخرجناها وقال لي اليوم ناداني الرئيس ومشيت له أنا ووالي تونس اسمه مهذب الرويشد وقال لي بلغني أنه تحبوا تعملوا قائمات وكذا معارضة، قال له لا، قال له الشعب التونسي 100% مع بورقيبة، تحب النتيجة 100% يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني مش 99,99%!

محمد مزالي: بالضبط.

أحمد منصور: 100%.

محمد مزالي: 100%، قلت له يا سيدي كيف؟ قال لي أمر، قلت له حاول على الأقل تعاون خمسة، عشرة معارضين يا أخي قلت كيف النتيجة هذه، علما وأن في قائمة الحزب الحاكم أدخلنا 27 نقابيا منهم نقابيين أحرجونا كثيرا فيما بعد. أنا استدعيت بعض المعارضين القدامى مثل الحبيب بو العريس من باريس واستقبلته في بيتي وأقنعته بالترشح بقائمة الحزب، أقنعت الأخ الله يرحمه محمد صالح بالحاج محامي من سوسة كان معارضا نوعا ما اسمه سي بوكر، واحد ديمقراطي اسمه.. واحد كان وزيرا سابقا، يعني بحيث حوالي 35 ، 40 اسما في قائمتنا اللي هم كانوا معارضين.

أحمد منصور: يعني الآن أنت أدركت قبيل الانتخابات وليلتها أن الانتخابات ستزور؟

محمد مزالي: كيف وقع ذلك؟

أحمد منصور: ستزور.

محمد مزالي: قال لي أمر من بورقيبة.

أحمد منصور: وقبلت ووافقت.

محمد مزالي: لا، أنا قلت له ما كان يمكن أن أفعل، قلت له يا سي إدريس..

أحمد منصور: تستقيل يا سيدي.

محمد مزالي: لا، هذه معك حقك، هذه نلقاها في عدة منعرجات في حياتنا السياسية أنه كان علي أن أستقيل.

أحمد منصور: فعلا يعني، لو استقبلت من أمرك ما استبدرت لأعلنت استقالتك في هذا التاريخ؟

محمد مزالي: أنا والله لحد الآن لا أزال أشعر بالندم الشديد لأنني لم أستقل غداة الانتخابات لأن أنا بقيت في المونستير وصوتت في المونستير، في المساء مساء الأحد يعني عشية الانتخابات رحت لتونس، فيوم الاثنين رحت في قمة عالمية في باريس وصرحت لجريدة لوماتان اللي هي كانت اشتراكية حينذاك وقلت إنني آسف لأن التعددية لم تبرز في البرلمان، وبلغني فيما بعد أن وسيلة الساعة السادسة صباحا راحت هي وقيقه والوالي هذا برويشي راحوا إلى مقر الولاية وغيروا الأرقام بحيث..

أحمد منصور (مقاطعا): أرقام إيه؟ إذا هي 100% حتطلع.

محمد مزالي: لا، لا، أرقام يطبخها، هم الطبخة تقع في الولاية، يعني أحمد المستيري اللي كان زعيم القائمة المعارضة تركوا له أظن ثلاثة آلاف صوت أو هيك، شيء مخجل.

أحمد منصور: يعني هم كمان يحددون لكل شخص حجم أو عدد الأصوات التي يأخذها.

محمد مزالي: المهم كانوا ما ينجحوش لأن طريقة الانتخاب هو القائمة الواحدة.

أحمد منصور: لكن ترك للشعب أن يصوت بحرية فعلا؟

محمد مزالي: آه بصراحة.

أحمد منصور: والتزوير تم في الانتخابات نفسها.

محمد مزالي: نعم نعم.

أحمد منصور: هل لديك أي معلومات عن النتائج الحقيقية لو كانت تمت بالفعل؟

محمد مزالي: لو كانت تمت بالفعل كان الحزب يخسر وربما قائمة الجندوبة، الجندوبة هذا في الشمال الغربي وربما في الجنوب ولكن في تونس بحسب ما سمعت فيما بعد كانت الأغلبية للحزب الحاكم.

أحمد منصور: يعني كان ممكنا الحزب -بدقة وأمانة تاريخية الآن- كان ممكنا في هذه المرحلة في العام 1981 يأخذ نسبة كم تقريبا بدقة برؤيتك أنت كرجل من الحزب وكرئيس وزراء ومسؤول؟

محمد مزالي: أنا قناعتي وعقيدتي هو أنه 51% تكفينا لنأخذ أغلبية مطلقة 51%.

أحمد منصور: هل معقول أن واحدا مثل بورقيبة يعني يقبل أن 49% من التونسيين لا يقبلونه!

محمد مزالي: وهذه مشكلته يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): وهل أنت أيضا كرئيس حكومة في ذلك الوقت ممكن أن تكون على قناعة بأن 51% فقط من التونسيين يؤيدون حكومتك؟

محمد مزالي: أنا كنت أقنع بـ 51% والله، وهذا قلته في خطب كثيرة.

أحمد منصور: هل منعك من الاستقالة في ذلك الوقت مع هذا التزوير المحسوب عليك تاريخيا في تلك الانتخابات هو نظرتك ورؤيتك إلى أن تكون أنت الخليفة القادم ومن ثم يمكن أن تصحح؟

محمد مزالي: أبدا والله، والله يعني أنا إلى الآن أشعر بالحزن والأسف عندما أذكر الانتخابات هذه أنها هي الذي أصبحت منعرجا في نجاحي على رأس الحكومة من وقتها يعني ثقة الناس نقصت لكن الذي حال دون ذلك أولا محبتي لبورقيبة وتعلقي به وانضباطي نحوه هذا اعترف به، ثانيا قناعتي حينذاك -وكنت مخطئا- قناعتي أنه يمكن لي فيما سيأتي من الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات أن أتفادى ما حدث وأن أكتسب للديمقراطية مكاسب جديدة.

أحمد منصور: هل كانت هذه رغبة بورقيبة وحده عملية التزوير أم أن هناك جناحا موجودا في السلطة أيضا كان يهمه أن تبقى الأمور بهذا الشكل وألا تحقق أنت شيئا دون..

محمد مزالي: أنا قلت لك وسيلة راحت لمكاتب الولاية وغيرت الأرقام لأنه حسب السيدتين مؤلفتي كتاب "بورقيبة" نشرت جون أفريكا السيدتان سيهر بالاحسن وصوفي بسيس قالوا وسيلة زورت الانتخابات وأوحت لبورقيبة ليه؟ لأنها خافت من تكوين محور عكس، محور بين مزالي وأحمد المستيري من شأنه أن يدعماها ويقضي على سلطة وتأثير وسيلة خاصة وأني كنت متفاهما ومنسجما مع أحمد المستيري والمعارضين وكانوا في بيتي كنا نجتمع ونسقنا وأعناهم وأعطيناهم حصصا هنا في الإذاعة والتلفزيون.

أحمد منصور: كثير من الوزراء، هل كان كل الوزراء في حكومتك يخضعون لسلطتك أم لسلطة الرئيس؟

محمد مزالي: الكل يخضع لسلطة الرئيس يعني ولا وزير واحد يقدر يعارض سلطة الرئيس، ولكن نطاق حكومتي ثمة ما أقولش الكثير أما عدد لا بأس به كانوا يأتمروا بأوامر وسيلة.

أحمد منصور: أوامر وسيلة، وليس أوامرك أنت ولا أوامر الرئيس.

محمد مزالي: نعم، يعتبرون أوامر الرئيسة هي أوامر الرئيس لأنه لما يمتنع وزير من تنفيذ تعليمات وسيلة تغير عليه صدر بورقيبة ويقال وهذا وقع بالنسبة للبعض منهم.

أحمد منصور: من مثلا أهم هؤلاء؟

محمد مزالي: مثلا بالحاج عمرو، محمود جمعة مثل الجماعة اللي أقالهم بورقيبة.

أحمد منصور: كل هؤلاء أقيلوا بسبب عدم رضا وسيلة عنهم.

محمد مزالي: إيه ولكن وسيلة تقدم الموضوع تقديما آخر طبعا.

أحمد منصور: إدريس قيقه يقال إنه كان يفخر بأنه لا يأتمر إلا بأوامر بورقيبة وأنك لم يكن لك أي سلطان عليه.

محمد مزالي: قد يكون.

أحمد منصور: لكن في الحقيقة كيف كنت تتعامل مع هذا الواقع؟

محمد مزالي: في الحقيقة أمامي دائما كان منضبطا، دائما السيد الوزير أو ينضبط وأحيانا يأخذ الكلمة في مجلس الوزراء ويؤيد نظريتي منها ما شق عصا الطاعة في وجهي أبدا إلا عندما انطلقت مؤامرة الخبز.

أحمد منصور: سنأتي إلى مؤامرة الخبز في 3 يناير 1984 ولكن قبلها أيضا في العام 1981 تم محاكمة حركة الاتجاه الإسلامي..

محمد مزالي: لو سمحت لي حبيت أضيف إضافة بسيطة.

أحمد منصور: تفضل.

محمد مزالي: وهذا قاله بعض المسؤولين في الوزارة الباجقي وغيره إلى يوم الناس هذا ما أراد إدريس قيقه أن يعطينا الأرقام الحقيقية للانتخابات في 1981، سألناه في الحكومة والديوان السياسي يا سي إدريس أعطنا كم أصوات الحزب الحاكم وكم أصوات المعارضين، يقول لا، النتائج في القصر، خذوها من القصر.

أحمد منصور: وأنت لم تسع بنفوذك إلى أن تأخذها من القصر؟

محمد مزالي: لأنه نعرف أن القصر ما عنده حتى أرقام، الأرقام عنده في الداخلية.

أحمد منصور: ولم تستطع حتى بعد إقالة إدريس قيقه أن تعرف؟

محمد مزالي: لم أستطع وأعترف أنني لم أجرؤ على إحداث أزمة في صلب الحكومة مع بورقيبة وقتها.

محاكمة الاتجاه الإسلامي واستقبال الفلسطينيين

أحمد منصور: وأنت وزير أول للحكومة أو رئيس حكومة أو رئيس وزراء كما هو معروف ولكن هذه كانت طبيعة الحكم في تلك الفترة. في العام 1981 تم محاكمة حركة الاتجاه الإسلامي وهذه تؤخذ عليك أيضا باعتبارك كنت رئيسا للحكومة.

محمد مزالي: والله يعني لو يسأل مؤرخ أو صحفي الإخوة في الاتجاه الإسلامي ليغلب على الظن أن جوابهم سيكون أن المسؤول هو بورقيبة ومن مع بورقيبة، وأني أنا من الذين لم أكن وحدي من الذين كانوا ولا أزال شخصيا أعتقد أنه يجب أن يعامل أو أن نتعامل مع الظاهرة الإسلامية في تونس معاملة أخرى معاملة حضارية معاملة يعني تعتمد على التي هي أحسن وعلى التفاوض وعلى النقاش لا على العصا والضرب.

أحمد منصور: أنت فتحت حوارا مع الإسلاميين.

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: كان بموافقة بورقيبة؟

محمد مزالي: لا. لكن بورقيبة الحقيقة لم يواجهني في هذا الموضوع. نرجع لإيقاف الإسلاميين في 1981 وكنت في أوج السلطة وقتها أنا لا أقول هذا تملصا وإنما كنت وقتها لأسباب صحية في لوزان تغيبت تقريب 10 أيام أو 12 يوما.

أحمد منصور: في فرنسا.

محمد مزالي: في جوليا 1981 فلما رجعت قابلت بورقيبة في قصر في المونستير قال يا سي محمد قال لي كدنا نندثر كلنا قال لي المؤامرة كبيرة والسيد إدريس قيقه وزير الداخلية أعطاني أوراقا فيها نموذج التنظيمات وكذا. قال لي الغنوشي لحقناه في ساحل أحب يعمل اجتماعا في قصر بوهلال زي بورقيبة في 1934 تحد شخصي قال لي هذا.

أحمد منصور: 1934 هذا الاجتماع الذي..

محمد مزالي: التأسيسي للحزب هذا، اعتبرها ضربة له هو شخصيا، أنا ما فكرت في هذا شخصيا. ألقينا القبض عليه في القالطة، قال لي عبد الفتاح مورو وجدناه في أحواز تونس فألقينا عليه القبض، قال يا سي محمد امنعنا نحيله، معناه.. أحكام قاسية، ونادى وزير العدل وزير الداخلية بحيث أنا بهت، خرجت بعدها وسيلة إيش تقول لي؟ تقول لي يا سي محمد موافق بورقيبة قالت لي إذا كان مش موافقا قل.

أحمد منصور: مش موافق على إيش؟

محمد مزالي: على إلقاء القبض على الجماعة، فأنا شفت أدركت..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى هذه اللحظة لم يكن قد قبض على أحد منهم؟

محمد مزالي: لا، ألقي القبض على الأكثرية وأنا غائب. فأدركت أن هناك جبا وأن وسيلة أرادت التخلص مني.

أحمد منصور: منك أنت؟

محمد مزالي: فأنا سكتت لم أقل نعم ولم أقل لا، خرجت بالصمت عن لا ونعم وليس هذا موقفا شجاعا جدا أعترف ولكن..

أحمد منصور: يعني من الناحية التاريخية تعتبر نفسك أيضا في هذا الموقف.

محمد مزالي: كان ممكن آخذ موقف.

أحمد منصور: إيش كان الموقف اللي ممكن تأخذه لو استقبلت من أمرك ما استدبرت؟

محمد مزالي: لا، أخذته، أخذته، يعني نقول هذا مجرد أوراق.. هل هناك حجج قاطعة على أن الجماعة يحبوا يطلبوا الحكم، ما كانش عندي حجج أنا شخصيا إلا تقارير البوليس لكن أضمرتها في نفسي.

أحمد منصور: لكن حتى هذه اللحظة لم يكن لك أي علاقة مباشرة بالغنوشي ولا..

محمد مزالي: لا، لكن..

أحمد منصور: حتى 1981.

محمد مزالي: لا، منذ ذلك اليوم وأنا أسعى إلى طي الصفحة والإفراج عن هؤلاء الإخوة، وهذا أوله الآن وأقنعت بورقيبة بعد أشهر بإطلاق سراح الأستاذ عبد الفتاح مورو لأسباب صحية في الظاهر وأقنعته ولما اقتنع بعد أخذ ورد ونقاش، بعد جلسات ليست جلسة واحدة، لأنه دائما يقول لا، ثم نرجع له ثم نرجع له فخرجت بعدها وصرحت لوكالة الأنباء قلت لقد أذن السيد الرئيس بأن يقضي الأستاذ عبد الفتاح مورو بقية العقاب في بيته لأسباب صحية، ثم بعد ذلك وبالتعاون مع الدكتور بن سلامى، حمودة بن سلامى وهو من الديمقراطيين الاشتراكيين جماعة أحمد المستيري استدعيت أحد زعيمي الحركة حينذاك مورو في بيتي وتناظرنا ليلة كاملة.

أحمد منصور: ومورو معروف أنه صاحب حجة وعنده بلاغة جدا.

محمد مزالي: وظريف وذكي وكلامه كويس حلو وعنده حجة، أنا ثمة حجة قالها لي إلى الآن دامغتني قال لي يا سيد الوزير الأول ليه تخاوف مننا إحنا، أنتم يا جماعة عندكم الإذاعة والتلفزيون، عندكم الأخبار المخابرات الداخلية الجيش الدولة الولاة وإحنا ما عندنا ولا حاجة خايفين مننا ليه؟ ففهمنا، فقلت له يا سي عبد الفتاح كل الجماعة المسجونين الأخ راشد الغنوشي والأخ صلاح كركر ومن معهم في ذلك الوقت من معهما يعملوا لي مذكرة إيه يحبوا شو برنامجهم. بعد تقريب شهرين جاءني وزير الأمن الأخ أحمد بالنور وهو منفي مثلي في باريس وقال لي هو الجماعة أمضوا جميعا في برنامج عمل فقرأته بحضور الأخ أحمد بالنور -وهو حي يرزق في باريس- قلت يا سي أحمد أنا لو أمكن لي هالنص هذا نقدر نمضي عليه وأنشره كافتتاحية في مجلة الفكر، أنا حياتي كلها أدعو إلى أسلمة المجتمع وإلى الأصالة وإلى أن..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني الآن حركة الاتجاه الإسلامي قدمت لك برنامجا..

محمد مزالي: واستسغته.

أحمد منصور: لتواجدها ف المجتمع..

محمد مزالي: يعني أنا أختلف معهم ربما في طرق العمل، لكن في الثوابت الروحية أنا أخ أحمد أنا لا أشكر نفسي ولكن هذا مكتوب تاريخيا، لما أسست الفكر أنا كنت أحرر دائما السوانح، أول سانحة أتلقاها في الفكر في أكتوبر 1955 مثلما قلت لك في حلقة سابقة قلت إن تونس قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال ألخص والاستقلال ليس جيشا ولا دبلوماسية ولا أمنا ولا علما يرفرف وإنما هو وجود والدول لا تبقى ولا تصمد أمام الدهر إلا إذا كانت لها مقومات تشهدها وتغذيها ومقومات تونس منذ 14 قرن هي الدين الإسلامي واللغة العربية ولنؤسس على بركة الله هذه المجلة لتغذي وتدافع وتنافح عن الدين الإسلامي في هذه الديار وعن اللغة العربية، هذا كتبته في غرة أكتوبر 1955.

أحمد منصور: لكن سعادة السيد مزالي هل تأكدت فعلا أنت من أن الاتجاه الإسلامي في 1981 كانوا يعدون لمؤامرة بالفعل؟

محمد مزالي: لا لم أتأكد ولم أعتقد ذلك. كانوا يحملون مشروعا يعتبرونه مضادا لمشروع التغريب الذي كان يحمل لواءه الرئيس بورقيبة في نظرهم وكانوا يدعون إلى الإسلام وإلى اللغة العربية وإلى إحياء تعاليم الزيتوني فأنا هذه الأفكار كنت أدعو لها من يوم كانوا هم شبانا في الثانوي، كنت أكتب منها كل شهر في الفكر وأنا أمتاز إن صح التعبير عن بقية الزملاء في الحكومة التونسية أنني كنت أكتب كل شهر أفكاري لأنه ليس.. المثل التونسي يقول إنسان مافيش عظم..

أحمد منصور (مقاطعا): قرأت لك بعض الأفكار التي تبين أيضا أنك لم تكن مجرد رجل سياسة وإنما كنت مفكرا.

محمد مزالي: أنا يا أخ أحمد رجل فكر زج بي في السياسة فتهت فيها. يعني أنا أطالب وأطلب غدا بعد وفاتي أن يقال إن مزالي رجل ثقافة لا سياسي، أنا دخلت إلى السياسة بالوطنية يعني بالنضال من أجل الاستقلال.

أحمد منصور: لكنك بقيت فيها تمارسها أكثر من ثلاثين عاما حتى وصلت إلى أرفع درجة بعد الرئيس وهي رئاسة الحكومة أو الوزير الأول.

محمد مزالي: يعني رمية من غير رام يعني، حيث نرجع للإخوان هؤلاء.

أحمد منصور: خليني نرجع لحركة الاتجاه الإسلامي لنر ما الذي وقع في النهاية بالنسبة لهم.

محمد مزالي: بحيث لما قلت النص هذا وثيقة شيء يشبه ما كنت أقوله، ثم ذهبت إلى بورقيبة مرة أولى مرة ثانية مرة ثالثة وأقنعته حتى وافق على إطلاق سراحهم جميعا والمرة قبل الأخيرة قال لي سي محمد طيب نسيرهم كلهم إلا الغنوشي، قلت له لا يا سيدي الرئيس، استعملت الحيلة، قلت كيف هيك؟ قال لي عليش؟ قلت له أنت فرنسا عملت هيك في عام 1936 أطلقوا سراح الزعماء إلا أنت فأصبحت زعيم بلادك، قلت له أنت تخلي الغنوشي وحده في السجن معناه هو الزعيم. قال لي الحق معك نطلق سراحهم كلهم، فأطلق..

أحمد منصور (مقاطعا): تفتكر سنة كم أفرج عنهم؟

محمد مزالي: في ثلاثة أوت 1984.

أحمد منصور: وقدموا مشروعهم؟

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: وبعد ذلك قبض عليهم بعدما قدموا أسماءهم ومشروعهم.

محمد مزالي: بعد ذلك ظلوا يعملون منها الأخ الغنوشي وزملاؤه نظموا ندوة صحفية وأعلنوا فيها عن تأسيس الاتجاه الإسلامي.

أحمد منصور: دون العودة إلى السلطات والحكومة.

محمد مزالي: أبدا وأنا شخصيا على علم بهذا ولم أحرك ساكنا. وأنا أتكلم وهم يتكلمون.

أحمد منصور: أنت أيضا تعتبر أنهم أخطؤوا في كثير من تصرفاتهم ودفعوا ثمنا لها أم أنهم كانوا مظلومين؟

محمد مزالي: أنا إن حق لي أن أوجه لهم نقدا قلت ربما خطؤهم الأكبر أنهم تعجلوا ولم يتريثوا ولم يدعموا حكومة كانت تسير نحو الأصالة ونحو الاستقلال التونسي الحقيقي الأمر الذي أدى بنا جميعا إلى الخسران هذا بصفة عامة، لكن..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن كممارسة، كممارسة من الاتجاه الإسلامي أو حركة النهضة؟

محمد مزالي: أنا أعطيك دليلا، لما أغارت إسرائيل على تونس في غرة أكتوبر 1985 أنا حاولت أن أسلك سلوك البلاد المتحضرة فناديت كل أحزاب المعارضة واستقبلتهم في مكتبي بحضور التلفزيون والمعارضة وتصريحاتهم، أحمد المستيري وجماعته، الحاج عمر وجماعته، محمد حرمل الشيوعي وجماعته والغنوشي وجماعته كان معه الأخوان عبد الفتاح مورو وحماد الجبالي واستقبلتهم أكثر من ساعة ساعة ونصف ونحن نتحدث ولم أستشر بورقيبة والغريب أن بورقيبة لم يفاتحني في الأمر بعد.

أحمد منصور: وعلم بهذه التفاصيل؟

محمد مزالي: في التلفزيون والإذاعة يعني استمع إلى هذا مرات في الإذاعة، استقبل محمد مزالي..

أحمد منصور: معنى ذلك أن بورقيبة كان يترك لك مجالا في الحكم ولا يتدخل كذلك في ما تقوم به من أمور؟

محمد مزالي: أو يتدخل في الوقت الحاسم، معناها يتركك تواصل..

أحمد منصور: يغض الطرف راضيا.

محمد مزالي: ويختار هو الوقت لرد الفعل ربما. كذلك مثلا كان أحمد بن صالح يعني جماعة أحمد بن صالح حزب محظور وبورقيبة كان زعلانا جدا ضد بن صالح، في الست سنوات اللي توزرت فيها أن الحكومة الحمد لله لم يمس أي مناضل من جماعة بن صالح أبدا وهذا ما يقوله لي أحمد بن صالح وهو منفي مثلي في باريس، يقول لي في فترتك أنت لم ينل أحد مناضلينا أي سوء، وكنت أعلم أنهم عقدوا المجلس الوطني عقدوا اجتماعات يتكلمون، أنا ماناش ممانع، أنا كنت أتكلم كذلك.

أحمد منصور: الآن نتخطى مرحلة الاتجاه الإسلامي وما وقع فيها لا سيما وأنه في فترة رئاستك للحكومة من 1980 إلى 1986 وقعت عدة أشياء مثل المحاكمة والإفراج عنهم.

محمد مزالي: أحب أقول نقطة هامة للتاريخ هي أنه إلى يوم إقالتي أي إلى يوم 8 جوليا 1986 كانت الجماعة حرة والشيخ راشد الغنوشي حرا ينتقل ويجتمع، بعيد إقالتي وقعت مطاردتهم ووضع راشد الغنوشي في إقامة جبرية في نوفمبر 1986 معناها أربعة أشهر بعد عزلي وبعد هروبي، ثم ألقي عليه القبض في مارس 1987 -هذا الناس ينسون الفترة هذه- ومنذ إلقاء القبض على الغنوشي في مارس 1987 بدأت المصادمات والمظاهرات ونظمت بين قوسين المحاكمة المأساة الهزلية في سبتمبر 1987 وقد أصدرت كتابا رسالة مفتوحة إلى بورقيبة في باريس وأنا منفي وأولادي في السجن وناصرت هؤلاء الإخوة وشجبت هذه المحاكمة المهزلة في سبتمبر 1987 لأنني أدافع عن حقوق الإنسان وأدافع عن التونسيين مهما كانت أفكارهم.

أحمد منصور: أخرج الفلسطينيون من لبنان وجاؤوا في عام 1982 تم احتضان الفلسطينيين في العام 1982 في تونس وكنت أنت رئيسا للحكومة في ذلك الوقت، ما طبيعة الترتيبات خاصة وأن تونس متهمة بأنها ساهمت في تلك الفترة بقبولها للفلسطينيين على بعد عدة آلاف من الكيلومترات من بلدهم في أن هذا كان المنفى الأخير لهم لعمليات التسوية التي تمت بعد ذلك.

محمد مزالي: صحيح صحيح. يعني أظن في سبتمبر 1982 ذهبت كالعادة في المونستير سبتمبر بورقيبة كان في المونستير فاستقبلتني وسيلة لأن وسيلة كانت دائما تستقبل الوزير الأول أو أي وزير قبل دخوله إلى وزير الدولة وتحاول أن تؤثر عليه.

أحمد منصور: في أي مقابلة رسمية تتم كانت وسيلة تلتقي بكم أولا؟

محمد مزالي: لا، تحضر بصفة عامة وإنما تؤثر من وراء حجاب، من وراء الأبواب فقالت لي باش يستقبلك الرئيس بورقيبة وباش يشاورك في استقبال الفلسطينيين ومن فضلك أيد ذلك، قلت أنا لوسيلة مانيش محتاج لك باش تقولي لأنه أعتبر استقبال الفلسطينيين واجب علينا، إحنا مع الفلسطينيين من أول انتفاضة من الثلاثينات قلت  هذا شرف. قيقه كان معها قال يا سي محمد نحب نهنئك قلت له تهنئني بإيه؟ قال لي فرنسا وأميركا يؤيدون ذلك، قلت له وأنا ما حاجتيش في فرنسا وأميركا؟ أنا كمناضل كمسؤول أرى أن من واجبي أن نقنع بورقيبة بقبول الفلسطينيين، فدخلنا لبورقيبة أنا وقيقه وزير الداخلية ووسيلة وراء الباب قلت يا سيدي الرئيس أحسن ما تعمل.. هؤلاء ناس مشردون مطاردون مهددون بالموت تونس تقبل مهما كانت التكاليف ومهما كانت الإمكانيات، فنظر لي وحدق لي فقال لي أنت موافق؟ قلت له أنا موافق ومؤيد، قال لي كويس ونادى حكم بلعاوي كان في الطابق السفلي وبشره بأن تونس تستقبل الفلسطينيين ولكن والحق يقال وسيلة لعبت دورا إيجابيا في قضية فلسطين.

أحمد منصور: أنتم حينما قبلتم الفلسطينيين في ذلك الوقت ألم تكونوا تدركون، الفلسطينيون حينما كانوا في بيروت كانوا على خط مواجهة حينما كانوا في الأردن في خط مواجهة حينما خرجوا إلى اليمن وإلى تونس كان معنى هذا أن هذه نهاية القضية الفلسطينية أنتم تستضيفون أناسا على بعد عدة آلالاف من الكيلومترات من بلدهم المحتل معنى ذلك أنهم سيعيشون لاجئين أو منفيين أو مناضلين سياسيين تمهيدا لمرحلة ما بعد ذلك. أنت الآن بتبين لنا القرار مجرد قرار عاطفي ورغبة في أن دول نستضيفهم وشيء من هذا القبيل..

محمد مزالي: واجب واجب، الواجب ليس عاطفة.

أحمد منصور: البعد السياسي أين كان في ذلك الوقت في ظل ما أشرت إليه من قول إدريس قيقه لك بأن الولايات المتحدة وفرنسا موافقون على ذلك؟ معنى ذلك أن هذا مخطط أيضا.

محمد مزالي: نعم لكن أحيانا المخططات تتلاقى ولكن أنا نعتبر أنه تضامن مع الفلسطينيين أو التضامن الذي عشنان في دمائنا وأبداننا وعقولنا مع الجزائريين مدة ثمان سنوات من الثورة الجزائرية وتقاسمنا الحلو والمر مع الإخوان الجزائريين، نعتبر هذا جزء من الواجب.

أحمد منصور: هذا فارق لأن الجزائر مجاورة لكن ودائما تحتاج إلى خط دفاع خلفي أو بعد إستراتيجي لكن الفلسطينيين يعني..

محمد مزالي: زي بعض، عرب عرب عرب.

أحمد منصور: أنا لا أتكلم في هذه النقطة نقطة الواجب والعروبة والأخوة والعاطفة ولكن أتكلم في نقطة إبعاد الفلسطينيين عن ساحة المواجهة الآن وأن تكن تونس هي المحطة قبل الأخيرة للقضاء على القضية الفلسطينية.

محمد مزالي: طلبوا منا ذلك، فهل يمنك أن تتنصل من هذا؟ هذا واجب، أنا شخصيا أعتبر هذا واجبا، الحياة السياسية ليست فقط حسابات سياسية بل مواقف.

أحمد منصور: أنت الآن في البعد التاريخي بعد خروجك من المسؤولية وفي هذا الوقت هل أدركت الآن بعد مرور ما يقرب من عشرين عاما على ما حدث بأن مجيء الفلسطينيين إلى تونس كان فعلا مخططا سياسيا تمهيدا لما وقع بعد ذلك في أوسلو وغيرها؟

محمد مزالي: لا، لا، لم أكن أتصور وقتها في عام 1982 أنه كان مخططا لحل سلمي مع الفلسطينيين بل كنا دائما نرنو إلى الكفاح الفلسطيني ولهذا استبشرنا كثيرا بالحجارة، بأطفال الحجارة العظام والشهداء منهم بالخصوص، يعني كان واجبا يعني أنا نعتقد أنه في السياسة دخول معركة وتحمل تبعات هذه المعركة يكون بمعزل بمنأى عن الحساب يا هل ترى في نجاح أو فشل، يعني الواجب من حيث إنه واجب مهما كانت التكاليف.

أحمد منصور: في الثالث من يناير 1984 وقعت انتفاضة الخبز في تونس وكنت رئيسا للوزراء ثم تصعدت قضية خلافة الرئيس بورقيبة بين الأطراف المختلفة. في الحلقة القادمة أبدأ معك من انتفاضة الخبز في الرابع من يناير ومسؤوليتك عن هذا الأمر.

محمد مزالي: هذا ملف كبير. شكرا.

أحمد منصور: شكرا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.