- إرهاصات وأحداث الخميس الأسود 1978 ونتائجها
- أحداث قفصة في 1980 وإبعاد الهادي نويرة

- أسباب التعيين في الوزارة الأولى ودور وسيلة بورقيبة

- موقع بورقيبة الابن وشخصية وسيلة وعلاقتها بالرئيس


 
أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق. مرحبا سيد مزالي.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

إرهاصات وأحداث الخميس الأسود 1978 ونتائجها

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند حدث هام في تاريخ تونس وهو يوم الخميس الأسود 26 يناير 1978 في هذا اليوم الذي قتل فيه حسب بعض الروايات ما يزيد على مائة تونسي وجرح مئات آخرون، كيف اندلعت هذه الأحداث ومن هو المسؤول الأول عنها؟

محمد مزالي: المسؤولية في اعتقادي مشتركة ولكن..

أحمد منصور: بين من ومن؟

محمد مزالي: بين الاتحاد العام التونسي للشغل وزعيمه آنذاك المرحوم الحبيب عاشور وقصر قرطاج أو بطانة الرئيس بورقيبة.

أحمد منصور: من في البطانة تحديدا؟

محمد مزالي: زوجته وكان وزير الداخلية حينذاك..

أحمد منصور: الحبيب بالخوجة؟

محمد مزالي: الطاهر بالخوجة.

أحمد منصور: الطاهر بالخوجة، عفوا.

محمد مزالي: وغيرهم من جهة وبين المرحوم الأخ الهادي نويرة رئيس الحكومة حينذاك وأغلبية من الوزراء معه، والخطة..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكن أنت طرفا في هذا الأمر؟

محمد مزالي: لا، أنا كنت أقرب كثيرا إلى الأخ الهادي نويرة.

أحمد منصور: إذاً تتحمل جانبا من المسؤولية التي يتحملها هو؟

محمد مزالي: المسؤولية مشتركة.

أحمد منصور: يعني أنت بصفتك إلى جوار الهادي نويرة والهادي نويرة يتحمل جزءا من المسؤولية.

محمد مزالي: طبعا، طبعا.

أحمد منصور: تعتبر نفسك أيضا مسؤولا عن جانب من هذه الأحداث؟

محمد مزالي: طبعا يعني وجودي في الحكومة وعدم استقالتي من الحكومة تفرض المسؤولية ولا يمكن من الناحي الأخلاقية التفصي منها. قلت إن المسؤولية مشتركة لأن الأحداث المأساوية كانت خطة أو في نطاق خطة ترمي إلى زعزعة الهادي نويرة وإقناع الرئيس الحبيب بورقيبة بضرورة الاستعاضة عنه بوزير أول آخر.

أحمد منصور: كل هذا في إطار الصراع على خلافة بورقيبة.

محمد مزالي: نعم، نعم. ولأن وظيفة الوزارة الأولى كما قلت لكم في حلقة سابقة هي وظيفة.. هي خطة ملعونة كلعنة الفراعنة، بحيث أن الحبيب عاشور والحركة النقابية كانت تزايد في المطالب والأخ الهادي نويرة كان يملك المعطيات الاقتصادية ويعرف ما هي حدود الترضيات ومتى يجب أن يضع حدا للترضيات بحيث.. وشاركت شخصيا يعني حضرت بعض المقابلات كانت صعبة عسيرة، أذكر أنه في جلسة من جلسات التفاوض في مقر الحكومة بالقصبة وضع الأخ الهادي نويره -رحمه الله- يديه على رأسه وأخذ يتوجع وقمت أنا وسألته فقال لي إن لي أوجاعا كبيرة فأخذته إلى مكتب مجاور وناديت الأستاذ طبيب مختص في أمراض القلب الأخ محمد بن اسماعيل فجاء لحينه لأن قصر الحكومة كان قريبا من المستشفى الجامعي فقاس له ضغط الدم فوجده 24، هذا في أواسط يعني 1977.

أحمد منصور: أواسط 1977.

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: يعني قبل اندلاع أحداث 1978 بسبعة أشهر تقريبا.

محمد مزالي: طبعا بالضبط تقريبا، يمكن حوالي جوان، جوييه 1977. بحيث أن الخطة كانت يعني مدبرة وانتهت إلى.. ولأبين لك بعض مظاهر هذا التدبير وهذا التآمر هو أنه في ديسمبر 1977 استقال سبعة وزراء من حكومة الهادي نويرة..

أحمد منصور: كنت سأسألك عن هذه.

محمد مزالي: نعم، سبعة وزراء اشتهروا -حقا أو باطلا لا أدري- لكن اشتهروا بأن ولاءهم للسيدة المرحومة وسيلة بورقيبة أكبر من ولائهم للحبيب بورقيبة أو الهادي نويرة..

أحمد منصور: تذكر لنا أبرز هؤلاء الذين استقالوا.

محمد مزالي: هؤلاء، أذكر من الذاكرة عزوز الاصرم، منصف حاج عمرو، المنجي الكعلي، محمد ناصر -أظن- وزير الشؤون الاجتماعية، إلى آخره..

أحمد منصور: نستطيع أن نقول إن ما حدث في ديسمبر 1977 بلغ ذروة الحدث الذي مهد لما وقع يوم الخميس الأسود 26 يناير 1978؟

محمد مزالي: نعم. وأمام هذه الأحداث نودي حينذاك باللواء زين العابدين بن علي وكان ملحقا عسكريا في الرباط نودي به مديرا للأمن..

أحمد منصور: قبل أحداث 26 يناير.

محمد مزالي: أيوه، فعين أولا مدة أيام في ديوان الوزير الأول الهادي نويرة ثم عين مديرا للأمن وفي ديسمبر نفس الأيام..

أحمد منصور: كان وزير الداخلية الطاهر بالخوجة.

محمد مزالي: نعم، وأقيل -أظن- في الأسبوع الأخير أو حوالي 25 أو 24 ديسمبر أقيل من منصبه كوزير داخلية وعين وزير داخلية آخر اسمه الدكتور الضاوي حنابليه بحيث الأمن كان بيد الدكتور ضاوي يساعده مدير الأمن زين العابدين بن علي، وتوالت وجوه التوتر حتى قرر الحبيب عاشور الإضراب العام.

أحمد منصور: هل تذكر لنا الخطوات التي سبقت اندلاع الأحداث في 26 يناير، التصعيد.

محمد مزالي: يعني وقعت إضرابات في قطاعات هامة أهمها فيما أذكر قطاع النقل في تونس العاصمة، قطاع الفوسفات، قطاع الصناعات الكيمياوية يعني قطاعات حيوية بالنسبة للاقتصاد أو بالنسبة لحياة المواطنين، ثم تقرر الإضراب العام ولعله من باب يعني الوفاء للتاريخ أن أذكر -وهذا ربما ليس معروفا عند الكثير من الإخوة- أن المرحوم أبو إياد الزعيم الفلسطيني الكبير حاول التدخل ووقع اجتماع أظن في بيت الهادي نويرة أو في بيت مسؤول آخر ولم أحضره ولكن قال لي الهادي نويرة قال له الخلاف بينك وبين الحبيب عاشور لو لخصناه يرجع إلى كم مليار؟ مليار ملين يعني، الهادي نويرة قال له خزانة الدولة لا تقدر على مواجهة هذه الطلبات المبالغ فيها، قال لهم ثلاثة أو أربع مليارات فأبو إياد قال له المنظمة مستعدة أن تمد بها للخزينة التونسية..

أحمد منصور: بالخوجة أشار لهذا في مذكراته.

محمد مزالي: قد يكون ذلك. فزعل الهادي نويرة اعتبر أن هذا تدخل يعني غير مقبول من طرف دولة ذات سيادة لكن لما وقع اجتماع في الديوان السياسي أو في الحكومة في الديوان السياسي ووقف الحديث حول هذا القدر أنا شخصيا تدخلت لأن الحبيب عاشور في مذكراته يذكر هذا لي، قلت للأخ الهادي نويرة قلت له يا سيدي الوزير الأول إذا كانت القضية تنحسم بثلاثة مليارات يمكن نتنازل عليها يمكن نقسطها على قسطين ونجنب البلاد هذه المأساة التي كنت أراها شخصيا تلوح في الأفق.

أحمد منصور: يعني نستطيع الآن أن نقول إن الاتحاد العام التونسي للشغل والعلاقة الوثيقة والخاصة التي كانت تربط زعيمه مع وسيلة بن عمار كانوا يمثلون اتجاها مع بعض الوزراء الآخرين لهدف إضعاف حكومة بالخوجة..

محمد مزالي: حكومة الهادي نويرة.

أحمد منصور: الهادي نويرة، عفوا، وإجبار الهادي نويرة على الاستقالة لتقديم رئيس وزراء آخر للاستعداد لخلافة الرئيس بورقيبة.

محمد مزالي: قد يكون الطاهر بالخوجة أو غيره من أصدقاء المرحومة وسيلة بورقيبة..

أحمد منصور: لكن الطاهر بالخوجة كان يشير إلى أنه أيضا كان له علاقاته الخاصة والوثيقة بالرئيس بورقيبة نفسه.

محمد مزالي: وأشار أخيرا في كتابه إلى أن علاقاته مع وسيلة كانت أمتن وكانت تمده بكل المعلومات وبآخر الأنباء وبأطرفها وبألصقها ببورقيبة.

أحمد منصور: بورقيبة أين كان موقعه من هذا الصراع؟

محمد مزالي: بورقيبة كانت عنده فكرة أخرى عن الدولة وكان يؤيد الهادي نويرة باعتباره يمثل الدولة ولكن يعني تكرار تدخلات والإكثار من العراقيل يجعله يزعل ولكن إلى آخر وقت ظل متضمامنا ومؤيدا للمرحوم الأخ الهادي نويرة. فلما أعلن.. ويجب أن أقول كذلك إحقاقا للحق إن هذه الطلبات التي قلت إنها مشطة..

أحمد منصور: من الاتحاد العام التونسي للشغل؟

محمد مزالي: نعم، على الأقل في مرحلة معينة كانت الجماهير النقابية والعمالية تطلبها بكل صدق يعني باعتبارها ضرورية لرفع مستوى العمال المعيشي وأنا يعني أقدر هذا الطلب.

أحمد منصور: يعني إذاً هذه أيضا كانت مطالب نقابية عادلة يعني.

محمد مزالي: عادلة ولكن الحبيب عاشور استعملها لغير الله استعملها في حجمها وفي ظرف معين من باب تعجيز الهادي نويرة لا دائما من باب رفع مستوى مداخلي الجماهير، أما النقابيون الذين كانوا مع الأخ الحبيب عاشور رحمه الله فكانوا يعني يطالبون يعني بكل صدق لأن هدفهم في الاتحاد هو رفع مستوى العمال.

أحمد منصور: كيف اندلعت إذاً أحداث 26 يناير؟

محمد مزالي: الإضراب العام يوم 26..

أحمد منصور: والذي كانت المرة الأولى في تاريخ تونس منذ الاستقلال أن يقتل فيها هذا العدد الكبير.

محمد مزالي: نعم، قتل حوالي حسب بلاغ رسمي إن لم تخني الذاكرة 96 مواطنا وجرح أربعمئة أو خمسمئة تقريبا وهو مواطن واحد شيء كبير.

أحمد منصور: هذا لو في معركة استمرت لعدة أيام بين عدوين ممكن أن ينتج منها عدد أقل من هذا!

محمد مزالي: طبعا نعم، هذا وقع في يوم واحد..

أحمد منصور: بين ناس عزل من السلاح؟

محمد مزالي: يعني يملكون عصيا وحجارة وربما بعض الأسلحة النارية، وأطلق البوليس النار. يعني لطرافة حادثة -لو سمحت- أنا كنت يومها في مجلس الوزراء لأنه كان يوم خميس وكانت الاجتماعات الوزارية تنعقد كل يوم خميس لكن حوالي الساعة العاشرة وعشر دقائق حالما فتح الهادي نويرة الجلسة قمت وطلبت منه المعذرة لأني كنت نظمت في نفس اليوم في الأوتيل أفريكا اجتماع المجلس التنفيذي للجنة الأولمبية الدولية وكان رئيسها المرحوم برحمتهم لورد كلانين، فأذن لي وخرجت بسيارتي من قصر الحكومة ومررت من أهم شوارع العاصمة إلى نزل إفريقيا وبقيت كامل اليوم بما فيه وقت الغداء في أوتيل أفريكا في اجتماع اللجنة التنفيذية للجنة الأولمبية الدولية بحيث..

أحمد منصور: لم يبلغك أحد أن هناك اندلاع..

محمد مزالي: لا، أبلغت بعد ساعتين أو ثلاث بالاستماع إلى طلقات الرصاص في شارع بورقيبة يعني.

أحمد منصور: بقيت في اجتماعك؟

محمد مزالي: بقيت في الاجتماع و..

أحمد منصور: هل كان البقاء في الاجتماع أهم من الخروج لرؤية ما يجري؟

محمد مزالي: لا، لأني لم أكن مسؤولا عن الأمن ولا عن الداخلية ولا عن الدفاع ولا هم يحزونون..

أحمد منصور: القضية ليست قضية مسؤولية الآن وإنما قضية يعني شعب بأكمله..

محمد مزالي: وماذا كان يمكن أن أفعل؟

أحمد منصور: على الأقل تكون في مجلس الوزراء لمتابعة الأمور والوقوف إلى جوار الوزير الأول الذي كنت تدعمه.

محمد مزالي: مجلس الوزراء لم يدم كثيرا، لما توترت الأوضاع وبدء بالرصاص فيما سمعته من بعد لم يدم طويلا يعني انفض الاجتماع وأصبحت هناك قاعة عمليات تدير الشارع يعني وتدير قوات الأمن يعني.

أحمد منصور: من الذي كان موجودا في هذه القاعة قاعة العمليات؟

محمد مزالي: وزير الداخلية مدير الأمن زين العابدين بن علي، ضاوي حنبلية وزير الداخلية والهادي نويرة ووزير الدفاع الله يرحمه الأخ عبد الله فرحات.

أحمد منصور: صحيح أن الجيش تدخل في هذه الأحداث وشارك في عمليات القمع التي تمت للناس؟

محمد مزالي: لا، الجيش نزل ولكن بمجرد أن نزل الجيش تقريبا انتهى كل شيء يعني الجيش..

أحمد منصور: يعني الأمن وحده يتحمل كل ما حدث وكل ما وقع في الناس؟

محمد مزالي: نعم، الأمن وبعض المدنيين يعني هذه النقاط لا تزال غامضة إلى اليوم يعني من المؤرخين أو من الصحفيين من يتهمون ما يسمونهم بالمليشيات مليشيات الحزب الحاكم.

أحمد منصور: نحن الآن أمام رجل في موضع مسؤولية ولسنا أمام مؤرخ أو كاتب أو صحفي يتحدث عن وقائع وإنما أنت كنت وزيرا للتربية في ذلك الوقت كنت مقربا من رئيس الحكومة الهادي نويرة كنت معنيا بمتابعة الأحداث ومحسوب على طرف من الأطراف وأنت اعترفت الآن بأنك تتحمل جانبا من المسؤولية مما وقع.

محمد مزالي: وهو كذلك.

أحمد منصور: إذاً فالذي نتوقعه من كلامك الآن ليس مجرد نقل عن المؤرخين أو الكتاب وإنما ما الذي توصلت إليه من خلال واقع المسؤولية الذي كنت فيه.

محمد مزالي: نعم، أنا الذي أستطيع أن أقوله هو أنه ليس لي علم دقيق موضوعي بشيء اسمه مليشيات وإنما هناك شباب دستوري يعني وجه إلى الدفاع عما كان يسمى بمكاسب الشعب ويوم أن أصبحت رئيس حكومة وبطلب من القصر حاولنا البحث في مستوى الداخلية وفي مستوى الحزب عن المسؤوليات وكان المسؤول عن الأمن حينذاك الأخ حامد بالنور ووقع بحث طويل وأيام وليالي ووثائق ويعني خاتمة البحث الذي أجراه كاتب الدولة للداخلية الأخ حامد بالنور يفيد بأنه لم يكن شيء منظم مهيكل مسلح يسمى مليشيا.

أحمد منصور: لكن شوهدت تجمعات لهذه المليشيا في ديسمبر 1977 قبل اندلاع هذه الأحداث وكانت تجوب الشوارع وكان الناس يدركون أن هذه مليشيات خاصة وكانوا يلبسون الزي المدني وليس الزي العسكري، إذاً كان هناك مليشيات خاصة سرية ساهمت في عملية القمع التي تمت وكان هناك عملية إعداد من جهات معينة في داخل النظام في ذلك الوقت لكي يكون لها رجالها السريون الذين يتحركون للدفاع عنها في الوقت المناسب وقدر عدد هؤلاء بأنهم خمسمئة تقريبا.

محمد مزالي: وربما أكثر وربما أقل لكن هذا صحيح بشرط أن نضيف إليه أنه منذ تأسيس الحزب في عام 1934 تكونت شباب الدستورية هي المسؤولة عن النظام هي المسؤولة عن تأطير الجماهير هي المسؤولة على الأناشيد على الحركية يعني دائما أنا منذ نعومة أظفاري أذكر أن هناك يعني شبيبة دستورية في عام 1937 كان شبان وأنا صغير السن عمري 10 أو 11 سنة أذكرهم لابسين يعني بنطلونا أبيض وقميصا أحمر وزي الكشافة وعندهم شارة الحزب الحر الدستوري التونسي الشبيبة الدستورية بنفس المدينة أو القرية يعني هذا باعتبار الحزب الذي كونه بورقيبة كان حزب الجماهير فكان دائما هناك شبيبة زي الحزب الشيوعي زي الحزب الاشتراكي.

أحمد منصور: بعد انتهاء أحداث 26 يناير 1978 ما هي النتيجة التي انتهت إليها الأمور بعد مقتل ما يقرب من مائة تونسي وجرح ما يقرب من خمسمئة على أيدي قوات الأمن؟

محمد مزالي: وقع اضطهاد يعني وقع قمع الطبقة الشغيلة يعني القيادات، القيادات القومية والجهوية للاتحاد العام للشغل أكثرها دخل السجن، ووقعت محاكمة ومحاكمات بسنوات سجن وإبعاد على سبيل يعني حتى ألقي الضوء على تصوري للمسؤولية حينذاك، قد أكون مخطئا وقد أكون مصيبا لكن أنا شخصيا وهذا يمكن استقراؤه من طرف الصحافة والاجتماعات والذين كانوا حاضرين ولا يزالون أحياء، لم أهاجم الحبيب عاشور ولو مرة وقتها.

أحمد منصور: سآتي إلى الحبيب عاشور حينما أتحدث عن 1985..

محمد مزالي: طبعا هداك هاجمته وقتها لكن أحكيك في 1978 وكنت..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن لم يكن هناك راحة أو اتفاق بينك وبين الرجل، هو كان محسوبا على وسيلة وأنت محسوب على الطرف الآخر.

محمد مزالي: لا، مثلما قلت لك في حصة سابقة كنت أحترم الرجل باعتباره وطنيا باعتباره ضحى باعتباره لا يزال حتى مماته يحمل رصاصة من جيش فرنسا في حوادث سراقس عام 1947، أنا أحترم دائما المناضلين يعني أنا سبرت غوره في عام 1985 لكن في عام 1978 كنت أحترمه وكنت حينذاك -هذه النقطة أحبيت نضيفها ولو هي فرعية ربما- لكن لما كنت رئيس اتحاد الكتاب كل المنظمات وكل الهياكل أخذت تهاجم الحبيب عاشور والنقابات إلا اتحاد الكتاب، لماذا؟ لأن هناك زملاء لم يكونوا دستوريين ولا مع الحكومة كنت أحترمهم. ففي الديوان السياسي أخذ الكلمة مدير الحزب حينذاك السيد محمد صياح وقال للهادي نويرة كيف نفسر إحجام الأخ محمد مزالي وهو عضو في الديوان السياسي المكتب السياسي عن انتقاد النقابات وسلوك الحبيب عاشور باعتباره رئيس اتحاد الكتاب؟ فأجبته بأن اتحاد الكتاب منظمة مستقلة، فالذي حصل -وهذا يمكن التثبت منه- بعد يومين في جريدة الحزب هذا الحزب الذي كنت عضوا في مكتبه السياسي مقالة في الصفحة الثانية تهاجم محمد مزالي واتحاد الكتاب وتلوم عليه أنه لم ينتقد الحبيب عاشور ولا اتحاد النقابات، هذا للتاريخ.

أحمد منصور: كيف عالجت الحكومة مقتل مائة تونسي وجرح خمسمئة على أيدي قوات الأمن؟

محمد مزالي: يعني الحكومة الخطاب الرسمي ركز المسؤولية على الحبيب عاشور على النقابات طبعا.

أحمد منصور: وليس على الذين قاموا بعمليات القتل.

محمد مزالي: لأنهم لم..

أحمد منصور: يعني الضحية هو الذي يتحمل المسؤولية وليس الجاني.

محمد مزالي: الضحية والمسؤول عن الضحية يعني قلت إن المسؤولية مشتركة، فوقعت سجون واضطهادات يعني فقط.

أحداث قفصة في 1980 وإبعاد الهادي نويرة

أحمد منصور: تكررت أحداث قريبة من ذلك في 2 يناير 1980 في قفصة.

محمد مزالي: نعم. يعني مش في 2، الليلة الفاصلة بين 26 و27 يناير.

أحمد منصور: آه 26 يناير.

محمد مزالي: 26، 27 يعني في الليلة هديك الفاصلة.

أحمد منصور: نفس التاريخ بعد عامين.

محمد مزالي: تقريبا، نعم.

أحمد منصور: كيف أيضا أسباب هذه الأحداث وكيف اندلعت لا سيما وأنها أدت إلى إقالة حكومة الهادي نويرة وتوليت أنت بعدها رئاسة الحكومة؟

محمد مزالي: هي أدت إلى مرض إلى نوبة إلى جلطة في الدماغ أصيب بها المرحوم الهادي نويرة. الأحداث هذه شخصيا استمعت إليها عن طريق الهاتف في الصباح كبقية المواطنين يعني لم نكن نتصور ذلك إلا ربما مصادر الأمن، لم يكن لي علم بذلك. طبعا كانت صدمة قوية لأن..

أحمد منصور (مقاطعا): ما الذي وقع فيها؟

محمد مزالي: وقع فيها ثم حوالي أربعين شابا وكهلا تونسيين، ثبت فيما بعد في المحاكمات أنهم خرجوا من معسكرات ليبية وراحوا إلى روما ومن روما راحوا إلى عاصمة الجزائر ومنها وبعد أن تزيوا بأزياء رياضية ركبوا في باص ودخلوا في منطقة في الجنوب الشرقي للحدود التونسية الجزائرية في قرية اسمها ماجل بن عباس ومنها انحدروا شيئا فشيئا إلى قفصة وأقاموا هناك حوالي شهر في ثلاثة بيوت فيما أعتقد وكل يوم -هذا ثبت فيما بعد، لم نكن نعرفه- هناك خبز ولحم وخضار كانت تدخل إلى هذه البيوت إلى أن دقت ساعة الصفر وأظن في منتصف الليل أو في الفجر حاولوا الاستيلاء على مراكز الأمن وعلى ثكنة الجيش..

أحمد منصور (مقاطعا): أربعون شخصا يعملون انقلابا؟!

محمد مزالي: نعم مسلحون ومدربون لأن..

أحمد منصور: هذا كلام الحكومة.

محمد مزالي: لا، هذا كلام الواقع، أنا أعتقد أنه كلام الواقع يعني.

أحمد منصور: أصل دائما في دول العالم الثالث بنلاقي عشرين شخصا أو عشرة أو ثلاثين أو أربعين حيعملوا انقلابا على دولة مسلحة جيشها ممكن يصل إلى مليون شخص!

محمد مزالي: لا، ما عملوش ما عملوش والدليل أنهم ما عملوش لأنهم أربعون شخصا فقط ولأن خطتهم كما صرحوا بذلك فيما بعد حتى في المحاكمة أنهم كانوا يتوقعون أن يلتف حولهم الناس ولكن ساعات من اليوم مرت يوم الأحد 27 يناير ولم يقع أي التفاف حولهم وبعد ساعات هجم الجيش والبوليس عليهم ووقعت بعض المعارك ومطاردات حتى جنوب تونس وألقي عليهم القبض تقريبا جميعا.

أحمد منصور: مرض الهادي نويرة أصيب بجلطة..

محمد مزالي: بعد أيام، لا، بعد أيام يعني للتاريخ. كان بورقيبة مقيما في منطقة الجريد بنفتا وبتأثير من وسيلة -في اعتقادي- هاتف ليلا الهادي نويرة وقال له قررت أن أعزل الضاوي حنابلية، الدكتور الضاوي حنابلية وزير الداخلية حينذاك، وتعيين إدريس قيقة، وكان الهادي نويرة رحمه الله يعني لا يثق فيه تماما بل يعتبره مرتشيا ويعتبره..

أحمد منصور: في إدريس قيقة؟

محمد مزالي: نعم، هذا الهادي نويرة يعني تحدثت معه مرات كثيرة وغيري من الوزراء، لست وحدي، فتوتر..

أحمد منصور (مقاطعا): ما هي دوافعه في اختياره؟ وقد لعب قيقة أيضا دورا كبيرا في..

محمد مزالي: بورقيبة اختار إدريس قيقة بتأثير من وسيلة طبعا.

أحمد منصور: وهو يعلم أنه عليه ما تقوله؟

محمد مزالي: يعني..

أحمد منصور: على إدريس قيقة.

محمد مزالي: بورقيبة؟

أحمد منصور: نعم.

محمد مزالي: لا، لا، طبعا هو تحت تأثير البطانة لكن الهادي نويرة ما استطاع الرفض طبعا لأن الهادي نويرة كان يستمع إلى الأوامر وأحيانا لا يوافق عليها ولكنه لا يتجاسر على رفضها فكان يعني يتأثر داخليا. ففي نفس الليلة بعد هذه المهاتفة أصيب بجلطة في دماغه وحمل إلى باريس وثم رجع ومرت أيام إلى أن تقرر تكليفي بالوزارة الأولى.

أسباب التعيين في الوزارة الأولى ودور وسيلة بورقيبة

أحمد منصور: كلفت بالوزارة الأولى في أبريل؟

محمد مزالي: أولا التكليف فقط مكلف في مارس..

أحمد منصور: قائم بأعمال رئيس الحكومة.

محمد مزالي: نعم، ثم عينت رئيس حكومة في 23 أبريل 1980. يعني إذا كان تحب نحكي لك الظروف اللي عينت فيها.

أحمد منصور: طبعا هذا سؤال هام، أولا أسباب اختيارك.

محمد مزالي: أقول لك يعني شيء غريب يعني.

أحمد منصور: وأنت يعني كنت وزيرا للتربية وكنت محسوبا على الهادي نويرة.

محمد مزالي: لا، محسوب على نفسي لكن كنت أحترم الهادي نويرة كما كنت أحترم الباهي أدغم يعني وأعتبر الهادي نويرة يعني مستهدفا من طرف وسيلة وبعض الوزراء الذين تحدثنا عنهم والذين كانوا -وهذا ربما شرعي- يتمنون أن يحلوا محل الهادي نويرة، ربما.

أحمد منصور: حتى هذه اللحظة ما هي طبيعة العلاقة بينك وبين وسيلة؟

محمد مزالي: يعني لم يقع أي نشاز أو أي سباب أو عراك وإنما يعني خلاف بين شخصين متأدبين يعني.

أحمد منصور: كانت يعني معنى ذلك أن وسيلة راضية عنك؟

محمد مزالي: لا، لا.

أحمد منصور: كيف هي مش راضية عنك والرئيس يعينك رئيسا للحكومة؟

محمد مزالي: من غريب أقول لك النقطة هذه اللي نحب نحكيها لك بإيجاز يعني تدلك على عقلية المرحومة وسيلة يعني، أن وسيلة كانت سياسية وكانت داهية في اعتقادي وذكية جدا. أنا كنت أمارس الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع صباحا باكرا، في يوم من الأيام كنا..

أحمد منصور: تركض يعني؟

محمد مزالي: نركض ونتعاطى حركات رياضية مدة ساعة، ساعة ونصف يعني نركض عشرة عشرين كيلومترا أحيانا وبينما كنا نعدو وكان بعض الأصدقاء وبعض الوزراء منهم محمد صياح إذا بضابط صف يأتي ويقول يا سي محمد الرئيس ناداك، فتركنا نعدو حول المضمار وراح إلى الدوش يعني أدواش استحم وبينما هو لبس ثيابه وأخذ طريقه إلى السيارة كنا انتهينا من العدو نحن، قلت له بالسلامة سلمت عليه، كنا زملاء هو وزير الأشغال فيما أظن وأنا وزير التربية. وبينما أنا تحت الماء أستحم وكلي عرق وراء الباب جاءني الضابط الصف نفسه قال لي إن الرئيس بحاجة إليك، فطبعا استحممت كملت ولبست ومشيت، دخلت فالبروتوكول وجهني إلى المكتبة في قاعة الانتظار في الغالب وجدت صياح ووسيلة بورقيبة، قالت لي تفضل، قعدت، قالت لي يا سي محمد باش الرئيس قرر يعني محمد صياح وزيرا أول لكن أنا وناديت للبشير زكعي وهو من المكافحين يعني الذين كانوا يحبهم بورقيبة ويرتاح إليهم رحنا له من الساعة السادسة صباحا لأن بورقيبة يبدأ يشتغل الساعة الخامسة صباحا، بين قوسين يعني عندما توفي المرحوم المناضل الكبير الطيب المهيلي في أواخر جوان 1965 كنت مدير إذاعة، بين قوسين يعني. فالساعة الخامسة دق جرس التلفون أخذت التلفون نلقى بورقيبة قال لي أنت أين؟ قلت له أنا في الفراش قال لي كيف مش في المكتب؟ قلت له الساعة الخامسة الآن سيدي الرئيس، قال لي والله الأخ الطيب المهيلي توفي فمن فضلك حرر نعيا وأمليه على الإذاعة حتى تخبر، فأنا قمت وكتبت يعني نصف صفحة نعيت فيها المناضل الكبير الطيب المهيلي وأمليتها على قسم الأخبار حينذاك..

أحمد منصور: (مقاطعا): كم ساعة كان بورقيبة يعمل في اليوم؟

محمد مزالي: والله يعمل يمكن يعني ما ينامش، ينام ساعتين ثلاثة فقط.

أحمد منصور: حتى وهو في هذا السن؟

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: ثمانون عاما.

محمد مزالي: يعني النوم.. كان يحكي لي يقول لي يا سي محمد لما كنت في النضال كنت أغالب النعاس وكنت أتجول من قرية لقرية ومن حي لحي لكن الآن مشتهي ساعة نوم. وكل ليلة يأخذ سيرو يعني..

أحمد منصور: يعني كان عدم نومه أرقا..

محمد مزالي: أرق، أرق.

أحمد منصور: وليس أن هو تعود على ذلك؟

محمد مزالي: لا، أرق، أرق يعني هو من يوم الصدمة اللي تحدثنا عليها..

أحمد منصور: في نهاية الستينات.

محمد مزالي: في السبعينات بعد انهيار سياسة الاشتراكية وكذا، أظن أنا اعتبر نفسه مسؤولا و.. معلش. فوسيلة قالت لي بكل صراحة أمام الصياح -هو حي موجود- قالت قلنا له محمد الصياح غير محبوب في الأوساط النقابية..

أحمد منصور: والصياح يجلس؟

محمد مزالي: آه طبعا مع بعضنا. والجامعة تكرهه والطلبة يكرهونه لأسباب يطول شرحها..

أحمد منصور: واحد يقبل أن يقال عليه هذا الكلام وهو يجلس؟!

محمد مزالي: أنا أعطيك الواقعة وهو حي ويستطيع أن يشهد بهذا، لأن وسيلة ماتت. فقلنا له سي محمد مزالي أقدم في الحزب وأكبر ومحبوب في الأوساط المثقفة والجامعية والنقابية فناداك حتى يعينك. فمحمد الصياح قال لها يا سيدة وسيلة لو نقترح على الرئيس ترويكا، قالت إش معناها ترويكا؟ ما عرفتش، قال لها معناها ثلاثة يتكلفون بتسيير الدولة ريثما نعرف هل سيشفى الهادي نويرة أم لا. محمد مزالي، والحبيب بورقيبة الابن وأنا محمد الصياح، قالت له لا، لا، الحكم يلزمه واحد مسؤول مش ثلاثة.

أحمد منصور: يعني إذاً وسيلة في هذا الأمر ربما كان هذا أيضا محاولة لاحتوائك أيضا وبين أنها هي التي وقفت وراء تعيينك؟

محمد مزالي: ولكن ليس لسواد عيني، إن كانت عيناي سوداوين، لم يكن ذلك لسواد عيني بل لأني كنت حينذاك أخف الضررين بالنسبة لها كما سيتبين في الحديث.

أحمد منصور: لكن هل كان هناك آخرون غيرك والصياح مرشحين لأن يتولوا رئاسة الحكومة؟

محمد مزالي: لا أدري لكن بورقيبة فكر أول ما فكر في محمد الصياح ووسيلة وبمعية ودعم بشير كعيون اللي كان مناضلا محبوبا من طرف بورقيبة غيرا فكره.

أحمد منصور: أنا أريد أن أعود هنا إلى نقطة هامة وهي أحداث العام 1978 والتي أشرت فيها إلى أنه كان هناك عملية صراع لأن يتم إثبات عجز رئيس الوزراء ومن ثم تعيين آخر ليكون خليفة لبورقيبة، الآن واضح أن الأوراق قد بعثرت..

محمد مزالي: بعثرت طبعا.

أحمد منصور: ويعني كما يقال الأوراق تلخبطت.

محمد مزالي: تلخبطت نعم.

أحمد منصور: في هذه اللحظة أين هم الأشخاص الذين كانوا مرشحين إلى أن يتولوا رئاسة الحكومة وأن يعدوا لخلافة بورقيبة؟ وأنت لم تكن بين هؤلاء.

محمد مزالي: أبدا أبدا وأنا شخصيا لم أفكر في هذا أبدا والحق يقال. فالطاهر بالخوجة قد أقصي عن الحكومة ابتعد ومعناها لم يبق شخصيات..

أحمد منصور: (مقاطعا): هل هو كان وحده فقط اللي كان مرشحا في 1978؟

محمد مزالي: لم يكن وحده لكن في وقت من الأوقات فيما أعتقد كان أقرب الناس إلى قلب السيدة وسيلة. فبينما كنا نتناقش حول الترويكا وعدم الترويكا دخل مدير المراسم الأخ عبد المجيد القروي -وهو لا يزال حيا الحمد لله- وقال تفضلوا سي محمد مزالي وسي محمد الصياح الرئيس بانتظاركم، قعدت وسيلة في المكتبة وإحنا مشينا لمكتب الرئيس، تفضل تفضل قعدت، نظر للصياح قال له سي محمد أنا فكرت باش نعينك وزيرا أول لكن زدت خمنت زدت فكرت وقلت لا، أنت نعرف أن عندك مشاكل مع النقابات ومع المثقفين ومع الجامعة ورأيت أن سي محمد مزالي أولى منك وأكبر منك وأقدم منك لهذا قررت أن نكلفه هو..

أحمد منصور: (مقاطعا): طيب هو ليه جاب أصلا الثاني يقول له الكلام ده؟ يعني إذا هو قرر أن يعينك أنت لم أحضره لكي يسمعه هذا الكلام ويوغر صدره عليك؟

محمد مزالي:لأنه كان ناداه..

أحمد منصور: يعني كان اتخذ قرارا أن يكون هو رئيس الوزراء.

محمد مزالي: طبعا، خلاص لكن مثلما حدثتك وسيلة أثنت عزم الرئيس بورقيبة وقالت له فاتحتني به أمام محمد الصياح..

أحمد منصور: يعني وسيلة لعبت دورا في أن تأتي أنت إلى رئاسة الحكومة.

محمد مزالي: آه ولم تكن أول مرة ولا آخر مرة، الأدوار حاسمة طبعا مثل تعيين الوزير الأول. فقال له رح اشتغل لي في.. قال له شكرا سيدي الرئيس ومشى فالتفت لي وقتها قال لي سي محمد أنا عينتك وزيرا أول لأني أعتبر أنك في الوقت الحاضر أحسن ما يمكن خير من يمكن أن أعينه، أعطيك وصية واحدة، وأنا معناها الأحداث تسارعت أمامي بحيث كنت في دوامة، قال لي عندما أموت في الدقيقة التي أموت فيها احتل الكرسي هذا وعين وزيرا أول بعدك حتى تبقى الدولة ممسوكة بيد حاكم لا تبقى الدولة في مهب الرياح.

أحمد منصور: إذاً بورقيبة لم يكن يعين وزيرا أول وإنما كان يعين خليفة له.

محمد مزالي: طبعا، طبعا.

أحمد منصور: وأنت أدركت في هذه اللحظة أنك خليفة بورقيبة.

محمد مزالي: أدركت أن كتفي اهتزا بثقل المسؤولية وتأثرت والحق يقال لم أكن أحلم بذلك أبدا ولم أسع إلى ذلك بل كنت أسعى إلى الاستقالة و..

أحمد منصور (مقاطعا): لكنها جاءتك على طبق من ذهب.

محمد مزالي: والله على طبق يعني من نار موقدة لأني اكتويت بهذه النار مرات كثيرة ولا أزال..

أحمد منصور: اكتويت بعد ذلك لكن في حينها.

محمد مزالي: لا، والله لا، والله اعتبرتها مسؤولية كبرى يعني وتذكرت، أخ أحمد تذكرت ما قاله الإمام سحنون عندما ناداه الأمير أغلبي وكلفه بالقضاء على القيروان وأبى وامتنع فألح عليه الأمير وفرض عليه القضاء فقبل طبعا ثم دخل بيته نادى ابنته أسماء وقال لها يا أسما لقد ذبح أبوك اليوم بغير سكين. تذكرت هذه القولة للإمام سحنون رحمه الله.

أحمد منصور: هل كانت هناك أسباب غير التي ذكرتها أو غير التي أخبرك بها بورقيبة أو وسيلة كانت وراء تعيينك؟

محمد مزالي: بالنسبة للرئيس فكر في الصياح لأن الرئيس وهذا أقوله لأنه واضح وأظن الكثير من الإخوة يشاركونني الرأي، الرئيس كان يعتبر أن خير خليفة له لي محمد مزالي ولا ابنه ولا أي كان بل محمد الصياح، و..

موقع بورقيبة الابن وشخصية وسيلة وعلاقتها بالرئيس

أحمد منصور (مقاطعا): الحبيب بورقيبة الابن أين كان موقعه في ذلك الوقت من السلطة ومن خلافة أبيه؟

محمد مزالي: كان مستشارا لأبيه ولكن والحق يقال أبوه لم يفكر في استخلافه أبدا.

أحمد منصور: لماذا؟

محمد مزالي: لأنه أولا مرض مرضا شديدا لما في عام 1969 فيما أذكر لما كان في المغرب في ضيافة المرحوم الملك الحسن الثاني يلعب الغولف فأصابته جلطة بحيث أصبح يأخذ الدواء وصحته تداعت..

أحمد منصور: الابن؟

محمد مزالي:الابن، ومن جهة أخرى ربما..

أحمد منصور: هذا كان ابنه من زوجته الفرنسية.

محمد مزالي: إيه هو الابن الوحيد من الزوجة الأولى الفرنسية ماتيلد.

أحمد منصور: لم يرزق بأولاد من وسيلة؟

محمد مزالي: لا أبدا وإنما تبنى بنتا هو ووسيلة، فقط. فوربما..

أحمد منصور: يقال إن البنت هذه أيضا كان لها نفوذها في..

محمد مزالي: لا، لا، لا، النفوذ كان عند وسيلة يعني.

أحمد منصور: طيب طالما نحن نتحدث الآن عن وسيلة ولا أريد أن أتجاوز هذا الأمر وكان لها نفوذ وسلطة في عملية تعيينك. حدثنا عن هذه المرأة التي لعبت دورا خطيرا في الحياة السياسية في تونس طوال فترة حكم الرئيس بورقيبة تقريبا.

محمد مزالي: يعني سأحاول أن أكون يعني مقتصدا في الحكم عليها لأنها توفيت في شهر جوليه 1999 وأنا شخصيا ممن يقولون، من يؤمنون بالحديث النبوي "اذكروا موتاكم بخير" لكن..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن الآن حينما نتحدث..

محمد مزالي: مسؤولية تاريخية.

أحمد منصور: هناك مسؤولية.

محمد مزالي: حيث يجب التوفيق بين هذا وذاك. أعتقد شخصيا أن وسيلة امرأة ذكية جدا ومتسيسة جدا وأحبها بورقيبة حبا كبيرا يعني محبة غالبة كما يقول العرب القدامى، محبة غالبة وعبر عن هذا وعما كان يجيش في صدره نحوها في خطب وبالشعر وبالعربية والفرنسية..

أحمد منصور: يعني استمر حبه لها قبل زواجه بها 19 عاما توج هذا الحب بالزواج وكان يعني يتحدث في خطاباته العامة عنه بشكل كأنه يعني قد شغف بها، أمام الناس.

محمد مزالي: نعم يقول هذا.

أحمد منصور: وهذا أدى إلى أنه حينما تزوجها في العام 1962 قربها وأصبح لها دور في صناعة القرار في الدولة.

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: إلى أي مدى كان هذا الدور في صناعة القرار؟ تدخلها في شؤون الحكم؟

محمد مزالي: إلى مدى بعيد لكن ليس دائما مدى حاسم والدليل ما قلته لك وما يمكن أن نتوسع فيه الآن من أن بورقيبة حاولت تثبيط خطط الأخ أحمد بن صالح في تركيز الاشتراكية وفي تعميم التعاضديات ولكنها لم تفلح إلى سنة 1969، بل الذي أعلمه هو أن بورقيبة زعل عليها وأطردها وسبها مرات كثيرة لأنها كانت تحاول أن توغر صدر المناضل أحمد بن صالح وفي مرة من المرات ذات ليلة نادى الباهي أدغم -رحمه الله- وقال له ائتني بعدلين، عدلين حتى أطلق هذه المرأة..

أحمد منصور (مقاطعا): ده حيطلقها رسمي على حسب القانون اللي هو وضعه يعني.

محمد مزالي: طبعا، هو قال له عدل يعني بدون ما يتذكر تكوينه السابق يعني، يعني الحياة اليومية شيء والنصوص شيء آخر. وسي الباهي أدغم -الله يرحمه- حاول باش يوفق وكذا بحيث زعل..

أحمد منصور: هي كانت تخشى منه أيضا حينما يغضب؟

محمد مزالي: تخشى طبعا وتغضب وأحيانا تروح إلى بيتها تقعد عشرين يوما ثلاثين يوما أو تروح إلى فرنسا، في غضبة من غضباتها المشهورة في عام -أظن- 1982 أو 1983..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت تغضب منها هي عليه ولا هو الذي كان يغضبها؟

محمد مزالي: هي تغضب عليه لأنه كان يغضبها لأنه كان يرد لها بعض المطالب.

أحمد منصور: فكانت يعني.. هل كانت يعني تمارس شيئا شكلا أو أشكالا من أشكال الدلال عليه وهي تطلب منه مطالب سياسية تتعلق بأوضاع الدولة أم كانت تطلبها بشكل حازم وحاسم؟

محمد مزالي: لا، بشكل مباشر لطيف لكن أحيانا بشكل غير مباشر وذلك بأن كونت حولها حزبا من الوزراء يعتبرون وزراء وسيلة معناها..

أحمد منصور: رجال وسيلة.

محمد مزالي: رجال وسيلة، وسيلة التي قال عنها أحد المسؤولين الجزائريين إنها الرجل الوحيد في تونس، في وقت من الأوقات يعني. وتكيفهم بالصورة اللي يقدموا التقارير ويقدموا المعطيات صورة ضد محمد مزالي أو ضد الهادي نويرة أو ضد الباهي أدغم أو بالخصوص ضد الأخ أحمد بن صالح، حيث كانت يعني ذكية جدا ومناظرة من الطراز الأول يعني.

أحمد منصور: ورغم ذلك بورقيبة لم يتغير حبه لها وكان..

محمد مزالي: إلى عام..

أحمد منصور: 1986.

محمد مزالي: 1984، 1983 - 1984. إذا كان تحب أحكي لك الواقعة الحاسمة اللي تغير فيها بورقيبة حسبما أعلم أنا.

أحمد منصور: طيب احكيها لنا بسرعة الآن وسنعود لها في فترة.. لأن كنت أنت رئيسا للحكومة في ذلك الوقت.

محمد مزالي: يعني في وقت من الأوقات ابنة أخت الرئيس التعيسة هذه سعيدة ساسي أخذت..

أحمد منصور: أنا مقصدي على سعيدة ساسي هذه ودورها الذي كانت تلعبه أيضا بالنسبة..

محمد مزالي: دور كبير، بعد وسيلة بالخصوص. لكنها كانت يعني استعملت وسائل شيطانية، لا أدري هل أستطيع أن أتكلم، وتقول له يا خالي، خالي معناها يعني أنت ضيعت عشر سنين في السجون من حياتك، أربع سنوات معناها تقريب 25 عاما في المهجر في السجن فلا بد أن تتمتع في الحياة وكذا. فكانت وهذا كانت تقصده لتغيير وسيلة..

أحمد منصور: إيذاء وسيلة.

محمد مزالي: وتزعل وسيلة. الذي حصل في 1983 أو أوائل 1984، نظن 1983، هو أنه في يوم من الأيام وكنت إلى جانب بورقيبة في تدشين قسط كبير من جلب مياه الشمال إلى تونس والوطن القبلي والساحل فأقبلت عليه سيدة محصنة -بين قوسين- زوجة محام فوضعها إلى جانبه في المنصة، أنا قمت شخصيا لأن هذا أعتبره غير لائق، هو يقدر يفعل ما يشاء في بيته أو في خلوته لكن أمام الناس وممارسة السلطة مش ممكن، فبعدت ثم لما انتهى الموكب ناداها أن تصاحبه في السيارة، أخذت مكاني إلى جانبه في السيارة فأنا قلت للسيد الرئيس نعتذر عندي موعد في المكتب قال لي تفضل، فمشت معه وتناولت الغداء معه بحضور بعض الوزراء منهم إدريس قيقه ويبدو أنه بعد الغداء اصطحبته لتناول شيء في صالون معين فقيقه هاتف وسيلة وكانت في جدة وكان كل يوم بورقيبة يسألني عن وسيلة كيف حالها؟ هل كلمتك، هل كلمتها؟ ففي ذلك اليوم وأنا كنت في مكتبي الساعة السادسة أو السابعة مساء كلمني بورقيبة، في العادة يكلمني في الصباح فقط، قال لي يا سي محمد، قلت له نعم؟ قال لي تو وسيلة كلمتني في التلفون من جدة -باللغة العامية قال لي- سمعتني كلاما، معناها أغلظت القول قالت له كلاما كبيرا، قال بعد ما سبتني هي أخذت التلفون أختها نائلة وسبتني كمان كذلك.

أحمد منصور: كم كان الفرق في العمر بين وسيلة وبورقيبة؟

محمد مزالي: عشر سنوات. وكان يقول لها -بين قوسين يعني شوية هيك- كان يقول لها وسيلة أنت أصغر مني عشر سنين لكن أنا سأدفنك وسأخصص لك قبرا إلى جانب قبري في مرسين تقول ألف أعوذ بالله أنا ما نحبش ندفن في مرسين نحن نحب ندفن في تونس مع آبائي وأجدادي.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أسمع منك باقي هذه القصة وأكمل معك فترة مسؤوليتك ورئاستك للحكومة ابتداء من أبريل في العام 1980، أشكرك شكرا جزيلا. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.