- توقيع اتفاقية الاستقلال والخلاف بين بورقيبة وبن يوسف
- حول مشروع بورقيبة ومجلة الأحوال الشخصية

- ملف اليهود وقضية إغلاق جامع الزيتونة


أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق. مرحبا سيد مزالي.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

توقيع اتفاقية الاستقلال والخلاف بين بورقيبة وبن يوسف

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند اتفاقية 3 يونيو 1955 التي وقعها بورقيبة في باريس ولقيت معارضة من الأمين العام للحزب الدستوري الجديد السيد صالح بن يوسف وآخرين أيضا في الحزب على اعتبار أن بورقيبة انفرد مع الفرنسيين في الاتفاق على بنود هذه الاتفاقية دون الرجوع لباقي المسؤولين في الحزب ولباقي القوى الوطنية الموجودة على الساحة التونسية.

محمد مزالي: نعم، لو سمحت أود أن أضيف على ما قلناه في الحصة السابقة من أن بورقيبة لما حل بباريس في أبريل 1950 أرسل رسالتين إلى السيد العابد بوحافا الذي كان متواجدا حينذاك في نيويورك بأميركا..

أحمد منصور: من هو العابد بوحافا؟

محمد مزالي: هذا تونسي وطني عارض نظام الحماية وقال له بالحرف الواحد إني أتفاوض وأتظاهر باللين وحب الوفاق مع السلطة الفرنساوية ولكنني بصدد إعداد مقاومين في الجبال وبصدد البحث عن أسلحة. ومن غريب الأمور أنه لما ألقي القبض على الزعيم بورقيبة في 18 جانفيه 1952 وبينما كانت الصحف الفرنساوية اليمينية والرجعية تهاجمه هجومات عنيفة نشرت جريدة الفيغارو المعروفة اليومية الفرنساوية نص الرسالتين لتبين أن بورقيبة يستعمل لغتين، لغة السلام والتفاوض مع الحكومة الفرنساوية ولغة الحرب مع المناضلين..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن ألم يكن هذا تلاعبا من بورقيبة؟ ماذا تعني مجرد رسالة أن يرسلها إلى معارض تونسي مقيم في الولايات المتحدة وكانت علاقته في الولايات المتحدة الآن كان يسعى لتوطيد علاقته بها لدعمه في أن يكون توجه تونس إلى الولايات المتحدة لإضعاف التواجد الفرنسي والمساعدة على إخراجه وفي نفس الوقت في العام 1955 هذا سبب الخلاف الرئيسي أن بورقيبة طلب من المجاهدين وضع السلاح وعدم مقاومة الفرنسيين وأن تونس لن تحرر إلا بالتفاوض السلمي ومن خلال مراحل متعددة مع الفرنسيين؟

محمد مزالي: لا، يعني لاحظ أنه بعد هذه الرسائل وبعد ندوة صحفية في باريس وقع إلقاء القبض على بورقيبة وظل عامين تقريبا أو أكثر شوية من عامين في السجن من جزيرة لاغاليت التونسية إلى جزيرة غروا في فرنسا إلى الإقامة الجبرية في قصر أمييه في المنطقة الباريسية، وقلت لحضرتك إن.. ديسفرانس لأسباب تاريخية والحرب في فييتنام إلى آخره تولى رئاسة حكومة يسعى بخطابه أمام الداي إلى التفاوض على أساس الاستقلال الداخلي. سؤال حضرتك يحوم حول موافقة الرئيس بورقيبة على أن..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يكن رئيسا آنذاك.

محمد مزالي: رئيس حزب، كان رئيس الحزب. الاتفاق مع الفرنساويين على الاستقلال الداخلي وخلافه مع الأمين العام للحزب آنذاك الأستاذ صالح بن يوسف رحمه الله، ففعلا وقع خلاف..

أحمد منصور: سبب هذا الخلاف؟

محمد مزالي: سبب هذا الخلاف في الظاهر أن بورقيبة جنح إلى المراحل وصالح بن يوسف تمسك بالمطالبة بالاستقلال التام.

أحمد منصور: لكن بورقيبة وافق أيضا على وضع السلاح وطالب بعدم مقاومة الفرنسيين.

محمد مزالي: بعد التفاوض، لو سمحت يعني هذا في الظاهر. في نظري المتواضع أعتقد أنه لا شيء من الوجهة السياسية كان يفرق ويقسم بين بن يوسف وبورقيبة غير أن -وهذا قاله مؤرخون كثيرون- غير أن صالح بن يوسف مر عليه دهر من الزمن أصبح يعتقد أنه يجب أن يكون رقم واحد وبورقيبة كان يعتقد أنه هو المؤهل شرعيا وتاريخيا ونضاليا إلى أن يبقى رقم واحد فالخلاف في أيهما رقم واحد وأيهما رقم اثنين، يعني خلاف نفساني لكن..

أحمد منصور (مقاطعا): كان على مبادئ يا سيدي، كان الخلاف أيضا على مبادئ وأسس الاستقلال، بورقيبة كان يرى طريقا يختلف معه الآخرون في تحقيق الاستقلال بالنسبة لتونس.

محمد مزالي: إيه، في.. يعني في الظاهر والشائع معك حق يعني بورقيبة تظاهر بقبول الاستقلال الداخلي، الاتفاقيات الموقعة في 3 جوان 1955 وبن يوسف بقي في القاهرة ثم في جنيف ثم دخل تونس وظل ينادي بالاستقلال التام. وشهادتي الشخصية شهادة عدل، أرجوك، هو أن وفودا كثيرة حزبية ونقابية زارت صالح بن يوسف في بيته في حي مونفوري في تونس تترجاه في أن يلم الشمل وأن يجد حلا بينه وبين بورقيبة.

أحمد منصور: في هذه المرحلة أيضا بورقيبة حينما عاد من الاعتقال الذي أشرت إليه لمدة عامين استقبل استقبال الأبطال في تونس..

محمد مزالي: في غرة جوان نعم.

أحمد منصور: وخرج الناس إلى الباخرة التي أقلته بشكل كبير..

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: حينما وقع اتفاقية يونيو هذه وشعر الناس أن هناك خلافا حول المبادئ بينه وبين صالح بن يوسف بدأ الناس ينفضون شيئا فشيئا عن بورقيبة لشعورهم أن بورقيبة لا يسعى للاستقلال التام وإنما يسعى إلى استقلال جزئي بحيث تبقى تونس أيضا تحت الحماية الفرنسية.

محمد مزالي: لو سمحت. بورقيبة عاد إلى تونس -كما تفضلت- في غرة جوان 1955 والاتفاقيات تم إمضاؤها من طرف حكومة انتقالية يرأسها المرحوم الطاهر بن عمار في 3 جوان يعني ثلاثة أيام بعد عودة بورقيبة، وظل الشعب متفائلا فرحا بهذه الخطوة الكبيرة ولكن عند عودة صالح بن يوسف وترؤسه اجتماعات شعبية كثيرة واتصاله بعدد من المناضلين وقعت بلبلة فعلا وبينما كان شبه إجماع في غرة جوان حول بورقيبة وتاريخ بورقيبة، بعد ستة أشهر يعني في أواخر 1955 وأوائل 1956 وقع شبه حرب أهلية بين الدستوريين ووقعت اغتيالات من هذا الطرف ومن هذا الطرف..

أحمد منصور: صحيح.

محمد مزالي: أنا شخصيا زرت بن يوسف مع وفد نقابات التعليم مرتين في بيته..

أحمد منصور: في تلك المرحلة؟

محمد مزالي: في يعني أكتوبر، نوفمبر 1955 لأن بن يوسف عاد إلى تونس فيما أذكر في سبتمبر وكان بورقيبة في استقباله بالمطار -بين قوسين- ومعرفتي السطحية لابن يوسف والحق يقال لأني لم أكن على معرفة عميقة خلافا لمعرفتي ببورقيبة ومعاشرتي له، تبينت أن صالح بن يوسف كان متسلطا وأنه يريد أن يحسم الموضوع مع بورقيبة مهما كانت التكاليف. علق بورقيبة على هذه الظاهرة التي أشرت إليها وهي شبه إجماع في غرة جوان، حرب أهلية حزبية في أواخر نفس السنة فقال تلك هي انفعالات الجماهير وعبر عن ذلك بعبارة شعبية تونسية مفادها أن الشعب لا يزال في الأعماق منقسما وغير منسجم وليست له لحمة متينة عميقة..

أحمد منصور: أنا أركز على هذه النقطة بالذات وعلى هذه المرحلة لأنها تعتبر مفصلا في التاريخ التونسي ولها ما بعدها لأن بورقيبة حينما تولى السلطة بعد ذلك بعد 20 مارس ووثيقة الاستقلال أعتقد أن الصراع بينه وبين بن يوسف واغتيال بن يوسف بعد ذلك في العام 1961 في ظروف غامضة اتهم بورقيبة بأنه كان وراءها وربما سنأتي إليها، هذه النقطة المفصلية تبين أن الفرنسيين كانوا يريدون أن يكون حاكم تونس القادم رجلا مهيئا لتحقيق ما لم يستطيعوا أن يحققوه هم في تونس، في 20 مارس 1956 تم توقيع وثيقة الاستقلال بين بورقيبة وبين الفرنسيين في 20 مارس 1956، يقال إنه لم يطلع أحد على هذه الوثيقة سوى بورقيبة وحده والآخرون لم يطلع أحد عليها وفيها بنود سرية تم تحقيقها بعد ذلك.

محمد مزالي: يعني اتفاقيات الاستقلال الداخلي منشورة ومعروفة وفيها فعلا كما تفضلت فيها قيود ربما نعتبرها اليوم مجحفة بالاستقلال التام بالقضاء والأمن والعدالة وإلى آخره، لكن تسارعت الأحداث وتلك هي يعني العبقرية عبقرية المراحل عندما تكون مراحل إيجابية، في نوفمبر 1955 وفي أوج الحرب الأهلية والتقاتل الحزبي الحزبي انعقد مؤتمر صفاقس ودعي بن يوسف لحضوره والتعبير عن آرائه وعن الإستراتيجية التي كان يتوخاها ولكنه امتنع، والمؤتمر بأغلبية ساحقة وأكاد أقول بالإجماع ناصر سياسة المراحل، لكن..

أحمد منصور: التي كان يتبناها بورقيبة.

محمد مزالي: بورقيبة طبعا.

أحمد منصور: وأنت كنت تتبناها باعتبارك من المنستير أيضا.

محمد مزالي: لا، لا، باعتباري مناضلا بسيطا ومثقفا متواضعا كنت أسعى إلى تسليط عقلي والإسناد وتجربتي السياسية المتواضعة فأفكر وأعتبر أن الكل أو بلاش لا تأتي بنتيجة.

أحمد منصور: لكن أما كنت ترى أيضا أن هناك انتقاصا للاستقلال التونسي وأن الحماية الفرنسية أو السيطرة الفرنسية ستظل موجودة رغم وجود استقلال شكلي؟

محمد مزالي: أنا بكل تواضع كنت أرى أن الاستقلال عندما أمضت حكومة الطاهر بن عمار على الاتفاقيات وانعقد مؤتمر صفاقس كنت بكل تواضع أرى الاستقلال أمامي يلوح في الأفق.

أحمد منصور: بالشكل الذي تم به؟

محمد مزالي: طبعا..

أحمد منصور: وليس بالشكل الذي كان ينبغي أن يكون عليه.

محمد مزالي: لا، بالشكل الذي تم به باعتبار أنه السبيل الموصل وإلا كانت الحرب الدامية، وعندما نتذكر ميزان القوى حينذاك بين حوالي ألفي أو ثلاثة آلاف مقاوم في الجبال وفي بعض أحياء المدن بأسلحة بسيطة وبين خمسمئة ألف جندي فرنساوي أكثرهم رجع من فييتنام وأناخوا بكلكلهم على تونس الضعيفة حينذاك كنت أرى أن الطريق الموصلة هي المناورة والرضا المؤقت بمراحل إيجابية منها حكومة تونسية منسجمة مفتاحا أو طريقا إلى الاستقلال التام كما تم بعد سبعة أو ثمانية أشهر يعني.

أحمد منصور: سيد مزالي اسمح لي هنا، قبل 20 مارس 1956 كان هناك أحزاب مختلفة في تونس كان هناك كل تونسي يستطيع أن يعبر عن آرائه بالشكل الذي تم به، بعد 20 مارس 1956 دخلت تونس مرحلة من الدكتاتورية لم يستطع حتى الفرنسيون طوال سنوات احتلالهم لتونس أن يقوموا بها. وثيقة 20 مارس 1956 كان فيها إجحاف بتونس وبالتونسيين وأنت أكدت على ذلك الأمر.

محمد مزالي: يعني إجحاف..

أحمد منصور: بحقوقهم بالاستقلال التام.

محمد مزالي: مؤقت..

أحمد منصور: كان فيها شروط سرية، هل رأيت أن من بين هذه الشروط إغلاق مسجد الزيتونة والجامعة الزيتونية التي كانت تؤرق الفرنسيين طوال سنوات الاحتلال ولم يستطيعوا إغلاقها وقد تم الإغلاق بالفعل؟

محمد مزالي: لا، الإغلاق وقع الإغلاق يعني وتطوير التعليم الزيتوني وقع ابتداء من 1958، 1959 وربما نرجع إلى هذه النقطة. لكن لو سمحت نبقى في وثيقة الاستقلال، وثيقة الاستقلال أمضاها رئيس حكومة آخر هو الطاهر بن عمار وحكومته فيها يعني دستوريون بورقيبيون وفيها عناصر غير دستورية وغير بورقيبية، وأكدت هذه الاتفاقية استقلال تونس من دون قيد ولا شرط ثم فتحت آفاقا غامضة مثلما قال الكثير من المعلقين يعني تونس بلاد حرة مستقلة ذات سيادة، نقطة إلى السطر، سينظر الطرفان في كيفية التعاون وكذا وكذا بحيث بقينا في يده وقضية يعني الجيش والأمن ويعني وقع تخليصها شيئا فشيئا بعد أزمات متلاحقة عنيفة أحيانا دامية، أذكرك بمعركة سميناها معركة الجلاء، الجلاء عن التراب التونسي ما عدا بنزرت ثم الجلاء عن بنزرت، الجلاء عن التراب التونسي ما عدا بنزرت مر بمراحل دامية عنيفة معارك في الصحراء يعني ذهب ضحيتها عدد من..

أحمد منصور: تماما كما حدث في مصر بالنسبة لخروج البريطانيين من قناة السويس.

محمد مزالي: وكذلك نظرا لتضامن الشعب التونسي مع الثورة الجزائرية يعني القنابل التي نزلت على.. يوسف في 8 فبراير 1958 وبعدها أعلن بورقيبة أنه لا سبيل للجنود الأجانب أن يتحركوا في التراب التونسي وأعلن المعركة من أجل بنزرت بحيث أن تخليص -كما نقول في تونس- تخليص الحرير من الأشواك مر بفترات عنيفة صعبة عسيرة سالت فيها دماء شهداء كثر، ليس ذلك بالأمر السهل الاستقلال لم يكن زغط على جنب لم يكن يعني ننام في المساء ونحن تحت الحضور العسكري ثم نفيق صباحا وإذا بالتراب التونسي كله مطهر من الحضور الأجنبي هذا غير.. بحيث بورقيبة في نفس الوقت اللي يتكلم ويتظاهر باللين وبالنقاش كان دائما يدفع المناضلين إلى التضحية بدمائهم من أجل افتكاك الاستقلال..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه كانت موجودة عند التونسيين حتى قبل بورقيبة قضية الدفاع عن الوطن والاستشهاد وغيره قضية موجودة عند التونسيين حتى قبل بورقيبة ومنذ الاحتلال الفرنسي لتونس والتونسيون قدموا الشهداء وكان منطلقهم حتى هو منطلق الاستشهاد والجهاد في سبيل الله وليس ما أراد بورقيبة أن.. لهم من المنطلق العلماني.

محمد مزالي: صحيح لكن مع فرق واحد هو أن طريقة من سبق بورقيبة كانت عقيمة ولم تأت بالاستقلال ونتيجة كفاح بورقيبة ودهائه السياسي أتت بالاستقلال يعني.

أحمد منصور: أي استقلال هذا وأنت تؤكد على أنه كان استقلالا منقوصا..

محمد مزالي: لا، لا، في الأول..

أحمد منصور: والتاريخ يؤكد على أنه والوثائق تؤكد على أنه كان منقوصا.

محمد مزالي: لا، لا، في الأول كان منقوصا بل كان يعني له حدود وكنت قلت لك منذ حين إنه بفضل كفاح والإستراتيجية البورقيبية والمناضلين يعني كلهم افتتكنا بقية مقومات الاستقلال.

حول مشروع بورقيبة ومجلة الأحوال الشخصية

أحمد منصور: حينما بدأ بورقيبة حكم تونس بعد الاستقلال كان أول شيء فعله هو الاعتداء المباشر على ارتباط الناس بدينهم وفي أغسطس 1956 مباشرة أصدر ما يسمى بوثيقة تحرير المرأة التي حرم فيها تعدد الزوجات والتي سعى من خلالها إلى منع الصيام في رمضان والتي سعى من خلالها أيضا إلى تغيير الإرث ومساواة المرأة بالرجل لولا أن العلماء وقتها وجدوا أن التغييرات التي حدثت كبيرة وطلبوا منه التريث في هذا الأمر ويعتبر نفسه محرر المرأة في الوقت الذي وضع فيه القيود وغير فيه من الشرائع التي وضعها الله سبحانه وتعالى للناس والتي لم يستطع الفرنسيون أن يقوموا بها.

محمد مزالي: لو سمحت نحاول نعلق على هذه النقاط شيئا فشيئا يعني.

أحمد منصور: تفضل.

محمد مزالي: كون بورقيبة بعد الاستقلال جنح إلى سياسة أكثر حزما وبعبارة أوضح أكثر تسلطا هذا معناها يكاد يتفق عليه كل الناس حتى البورقيبيين يعني لكن هناك أسباب ربما لا تبرر وإنما توضح، ما سمي بالفتنة اليوسفية والمؤامرات والاغتيالات وتهديدات الدولة الفتية جعل بورقيبة فعلا يكاد يقضي على الأحزاب وعلى الحريات حتى -في نظره- حتى يؤسس الدولة ويبنيها على قواعد شرعية واضحة ثم وقعت مؤامرات خاصة محاولة الانقلاب الذي وقع في الستينات..

أحمد منصور: انقلاب الشيوعيين في 1962..

محمد مزالي: لا، انقلاب يعني مقاومين كذلك وبعض..

أحمد منصور (مقاطعا): إحنا لا زلنا الآن يا سيدي في 1956، لنأخذ الشق الذي أشرت إليه وهو السعي إلى التسلط والدكتاتورية وتصفية المعارضين له داخل الحزب الدستوري الجديد مجموعة صالح بن يوسف وأنصاره.

محمد مزالي: طبعا طبعا هناك يعني حرب لم تكن فقط حربا سياسية بل كانت حربا بالسلاح بالدماء..

أحمد منصور (مقاطعا): كان صراع سلطة ليس أكثر.

محمد مزالي: صراع سلطة نعم صراع سلطة.

أحمد منصور: وكان هناك طرف يرى أنه هو الذي خلص البلاد وأن كرامة التونسيين مرتبطة به شخصيا وبحياته وهو الذي أعاد لهم كل شيء ولولا أن بورقيبة لم يعد للتونسيين شيء، كان يخاطبهم بهذه الطريقة.

محمد مزالي: هذا وضح وبان بعد مرور السنين يعني.

أحمد منصور: لكن أيضا كان منطلقا له في تلك المرحلة دفعه إلى تصفية حتى أنصاره الذين ساعدوا على استقلال البلاد وضحوا بدمائهم أيضا.

محمد مزالي: في تلك الفترة كان بورقيبة يعتمد وينادي بضرورة بناء الدولة وهيبة الدولة وصيانتها من عناصر التفكيك والتسيب..

أحمد منصور: هذا يعني التسلط والدكتاتورية والقضاء على الآخرين؟

محمد مزالي: يعني هذا أنصار بورقيبة يسمونه بالحزم والمعارضون لبورقيبة يسمونه تسلط..

أحمد منصور: وأنت ماذا تسميه؟

محمد مزالي: أنا أقول يعني حزب قوي وشكيمة قوية تطورت فيما بعد بحكم السن وبحكم يعني انقراض كل المعارضات إلى تفرد بالحكم ما في حتى شك عليها..

أحمد منصور: هل كان الناس يأملون بالخروج من الاحتلال الفرنسي ومن التسلط الفرنسي ليدخلوا في تسلط آخر أشد وطأة عليهم من تسلط الاحتلال؟!

محمد مزالي: لا، ما كانوا يتصورون هذا. لو سمحت يعني نرجع للنقاط التي تفضلت بها يعني فيما يخص الأحوال الشخصية يعني..

أحمد منصور: ربما عملية تصفية صالح بن يوسف والآخرين وبداية الدكتاتورية تسبق قليلا عملية قانون الأحوال الشخصية وأشرت لها في الإجابة.

محمد مزالي: حاضر، حاضر.

أحمد منصور: تفضل فيما يتعلق بموضوع الأحوال الشخصية.

محمد مزالي: الأحوال الشخصية، نرجع لابن يوسف بعدين يعني لا ننساه..

أحمد منصور: نعم، بن يوسف قصته طويلة.

محمد مزالي: طويلة نعم. ما يجب أن نعرف أن نذكر بأن بورقيبة لم يكن فقط زعيما سياسيا يتعاطى السياسة في بعدها التنظيمي المتعارف بل كان -وهذا عبر عنه منذ العشرينات- كان يعتبر أنه يحمل مشروعا حضاريا ومشروعا ثقافيا واجتماعيا..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا المشروع كان يعود بجذوره إلى الغرب في المفاهيم والتفكير وكان يعتبر الإسلام والشرق عائقا أمام تحقيقه.

محمد مزالي: في الأول لم يعبر عنه هذا التعبير، في الأول مثلا في سنة 1927، 1928، 1929 لما كان محاميا بسيطا كان ينادي بالعكس بدعم الحجاب وكتب هذا وعبر عن هذا في اجتماعات ضد بعض النساء والرجال المتطوعين -بين قوسين- حيث قال يجب أن نستبقي الحجاب وندافع عنه باعتباره مقوما من مقومات المجتمع الإسلامي وبعد الاستقلال قال الآن استرجعنا السيادة وأصبحنا أسيادا في بلادنا..

أحمد منصور (مقاطعا): قبل الاستقلال تغيرت لديه هذه المفاهيم..

محمد مزالي: بالعكس..

أحمد منصور: أنت تحدثت الآن عن نهاية العشرينيات والفترة من الثلاثينيات..

محمد مزالي: الثلاثينيات والأربعينيات..

أحمد منصور: حتى منتصف الخمسينات 25 عاما تغير فيها الكثير..

محمد مزالي: نعم كان دائما ينادي بالعروبة وبالإسلام وعندما تطالع رسائله إلى المناضلين وبعض مقالاته دائما يركز على مقومات الشعب التونسي ألا وهما بخصوص العروبة والإسلام ثم تطور فيما بعد. فنأخذ حينئذ مجلة الأحوال الشخصية حيث كان بورقيبة يعتبر نفسه حامل مشروع تاريخي وهذا المشروع يعتمد على أمور منها ما يسمى اليوم بالحداثة وكان يقول ويكتب أن المرأة التونسية المسلمة كانت مغبونة كانت منقوصة وأن المجتمع التونسي كان يتنفس برئة واحدة وأن هناك رئة ثانية معطلة وبما أن بعض النساء والفتيات ساهمن في المعركة رأى في أول الاستقلال وقبل أن تترتب الأمور وتتهيكل أراد أن يسبق الجميع فأصدر أربعة أشهر فقط بعد الموافقة على وثيقة الاستقلال أي في 16 أغسطس أصدر مجلة الأحوال الشخصية ومن أهم ما جاء فيها تحريم تعدد الزوجات وقد برره -ربما أعود إليه بعد حين- وتضييق الطلاق يعني المقرر من طرف واحد..

أحمد منصور: أن يكون الطلاق أمام القاضي بالشكل الرسمي وإلغاء الطلاق الذي يتم بشكل فردي، نعم.

محمد مزالي: وقد أفتى في ذلك..

أحمد منصور: لتقييد عملية الطلاق.

محمد مزالي: وقد أفتى في ذلك بعض المشايخ..

أحمد منصور (مقاطعا): ما هو ممكن يجيب المشايخ يغيروا له كل حاجة.

محمد مزالي: يعني المشايخ الموجودين آنذاك اللي عندهم سمعة فيعني كنت أنا لست مختصا في الفقه ولكن..

أحمد منصور (مقاطعا): ليست قضية فقه وإنما إحنا الآن في قضية حكم، حكم سياسي وليس أيضا حكما..

محمد مزالي (مقاطعا): لا، قضية تأويل للقرآن الكريم..

أحمد منصور: إشمعنى هو انفرد بالتأويل ده دون الأولين والآخرين؟! يعني الآن المجيء بمجموعة من العلماء وأن يطلب منهم أن يغيروا دين الله سبحانه وتعالى إلى الناس وأن يفرض هذا على شعب بالكامل بدعوى تحرير الناس والحداثة كما أشرت هل هذا يحتاج إلى مبررات يعني؟

محمد مزالي: لا، هذا..

أحمد منصور: يعني إذا هذا خطأ لماذا لا نقول إن الرجل أخطأ؟

محمد مزالي: لا، أنا أقول إن هذا كان ولا يزال تفرضه سنن التقدم ومصلحة المجتمعات، أن..

أحمد منصور (مقاطعا): سنن التقدم أن يغير دين الله الذي خلقه للناس؟

محمد مزالي: لا، لا، هو لم يفعل مثلما فعل أتاتورك لم..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن كان بيعتبر أتاتورك -طالما أشرت إلى أتاتورك- كان يعتبر أتاتورك قدوته الأساسية.

محمد مزالي: لا، كتب رسالة إلى ابنه من جزيرة لاغاليت قال له إني معجب بأتاتورك المحرر للوطن الجندي الباسل ولكن لا أوافقه لأنه قضى على الدين وتجاهله، بل قال يجب علينا أن نقرأ أو نعيد قراءة القرآن الكريم ونطوره ونفهمه -لا نطوره وإنما نفهمه- بحسب مقتضيات الساعة. فهناك الآية يعني تناسلوا وتناكحوا..

أحمد منصور: لا ده حديث هذا.

محمد مزالي: لا، لا، قرآن.

أحمد منصور: القرآن يعني {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً..}[النساء:3]، فأخذ منها..

محمد مزالي: بشرط العدل، فإن {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ..]..

أحمد منصور: لكن ربنا ما قالهمش.. لم يمنع الناس، أنا لن أدخل..

محمد مزالي: (مقاطعا): الآية القرآنية قالت ولن تعدلوا.. الزمخشرية {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ..}[النساء:129]..

أحمد منصور (مقاطعا): سعادة الوزير هذا اجتهاد فقهي فرضه بورقيبة على فقهاء السلطان الذين يسمون بذلك وأخذ منهم فتوى وفرض فيها قانونا على الناس ضيق فيه الطلاق ومنع فيه تعدد الزوجات الذي لم يمنعه أي فقهاء ولم يصلوا إلى هذا الحد.. حتى أنه وصل إلى أنه طلب من الفقهاء حتى يظهر الأمر كأنه مطلب وتفصيل أن ترث المرأة مثل الرجل ولا يكون..

محمد مزالي: (مقاطعا): هذا لم يقع.

أحمد منصور: هذا لم يقع لأنهم قالوا له يعني هذا لو هم أفتوا بذلك يعني أحدثوا شيئا، ألم يسع أيضا إلى أن يطلب من الناس أن يفطروا في رمضان لأن العمل..

محمد مزالي: نرجع..

أحمد منصور: وجمع بعض التجمعات وطلب منهم أن يشربوا في نهار رمضان؟

محمد مزالي: نعم، بالنسبة للإرث سألت بورقيبة قال لي أنا بقيت نقطة في نفسي أني لم أعدل بين النساء والرجال في قضية الإرث، قلت له لماذا؟ قال لي بورقيبة..

أحمد منصور (مقاطعا): لم أعدل، يعني وصل الرجل إلى مرحلة التأله في تعامله مع الناس!

محمد مزالي: لا، شوف، قال لي لم أجد أي آية في القرآن تسمح لي بالاجتهاد لأن قضية الإرث {..لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..}[النساء:11] الآية واضحة لا سبيل إلى الإفتاء ولا إلى الاجتهاد ولهذا لم يتجاسر على تغيير الأمر بالنسبة للإرث..

أحمد منصور: ورمضان؟

محمد مزالي: رمضان، رمضان هذا بعد..

أحمد منصور: يعني هي مسلسل أن يأتي إلى فرائض الإسلام شيئا فشيئا فينتقضها شيئا فشيئا..

محمد مزالي: يعني هو في الحقيقة في رمضان..

أحمد منصور (متابعا): بدعوى الحداثة كما أشرت.

محمد مزالي: في رمضان -لو تسمح- يعني لم يسن قانونا مثلما فعل بالنسبة لمنع تعدد الزوجات بل كان في خطبه ينادي بضرورة الإفطار فيما إذا شعر التونسي المسلم بأن الصوم يحول دونه ودون الإنتاج والجدوى العادية واعتبر أن..

أحمد منصور (مقاطعا): ده دعا الطلبة للإفطار لأن ده ممكن يؤثر..

محمد مزالي:(مقاطعا): دعا، دعا، لم يسن قانونا يا أخ..

أحمد منصور: ماذا يعني أن يدعو إلى ذلك يا سيدي..

محمد مزالي: باعتبار..

أحمد منصور: رئيس الدولة نفسه الذي من المفترض أنه يحمي دين الناس؟!

محمد مزالي:ولهذا قلت لك إن بورقيبة كان يعتبر نفسه حامل مشروع ليس مجرد يعني رئيسا يعنى بالسياسة وبالاتفاقيات الدبلوماسية بل كان يعتبر بأن القضاء والقدر أرسل به ليغير ما بالتونسيين استيحاء من الآية الكريمة {..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..}[الرعد:11]..

أحمد منصور: استشهد بهذا يعني.

محمد مزالي: كان يستشهد بهذا، بحيث بالنسبة لرمضان دعا فقط والكثير حتى من الوزراء، أنا أتذكر مرة في لقاء مع بورقيبة أظن يعني بورقيبة يقول لا بد أن نفطر وإنتاج وكذا فاثنين أو ثلاثة فقط أحجموا عن الشرب وعن الأكل.

أحمد منصور: والباقي كله؟

محمد مزالي: طبعا طبعا.

أحمد منصور: طبعا أطاعوا الرئيس.

محمد مزالي: الآن في الدول الإسلامية كم يصوم فعلا وكم لا يصوم أو يتظاهر بالصوم؟ في قادة..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا شيء بين الناس وبين ربهم لكن الدعوة مجاهرة إلى عدم أداء فريضة من فرائض الإسلام..

محمد مزالي: (مقاطعا): في قضية المرأة أنا شخصيا يعني رغم هذا يكون ضدي في الوقت الحاضر أنا هذه عقيدتي أنا دائما أعتقد أن الحياة عقيدة وجهاد، أنا أعتقد أن مجلة الأحوال الشخصية كسب كبير للمرأة وكسب كبير للرجل وأن الدول الإسلامية ودول المنطقة خاصة المغرب والجزائر وغيرهما من الدول المتقدمة سوف تتطور حتما حتى يكون..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى تخرج من الإسلام وتطبق هذا الأمر.

محمد مزالي: لا، لا، حتى نطور الإسلام كما تطورت أديان أخرى..

أحمد منصور (مقاطعا): الأديان تتطور لكن الإسلام يا سيدي جاء لكل عصر ولكل زمان ولكل أوان، لم يأت الإسلام حتى يأتي بورقيبة أو غيره ليطوره إلى الناس.

محمد مزالي: يعني يمكن ندخل في جدال ديني وفقهي..

أحمد منصور (مقاطعا): ليست قضية جدال ديني وفقهي وإنما قضية إيمان الآن.

محمد مزالي: لكن تاريخ الإسلام كله يا أخ كله تطور، ادخل..

أحمد منصور (مقاطعا): يا سيدي في جوانب..

محمد مزالي: عمر بن الخطاب يعني اجتهد..

أحمد منصور (متابعا): في جوانب الفقه وليس في النصوص الشرعية. تقول إن الرئيس بورقيبة لديه مشروع وإن كل هذه الإفرازات هي إفرازات هذا المشروع الذي يريده، ما طبيعة هذا المشروع الذي كان بورقيبة قد أتى به في بداية الاستقلال؟

محمد مزالي: يعني يمكن تلخيصه في القول إنه مشروع الحداثة ولحاق الشعب التونسي المتخلف بركب الحضارة.

أحمد منصور: نستطيع أن نقول العلمنة، علمنة الدولة علمنة الناس؟

محمد مزالي: يعني بورقيبة فيما أعتقد شخصيا كان في سويداء قلبه ونفسه كان علمانيا يعني هذا هو الواقع ولكنه فيما أعرف على الأقل علنا لم يجاهر بالعداء للإسلام بل كان دائما يحاول الاجتهاد ويحاول التطوير واستشهد بأقوال بعض الفقهاء بحيث كان بورقيبة يسعى إلى عدم مواجهة المعتقدات.

أحمد منصور: أكثر من قانون الأحوال الشخصية وقضية صوم رمضان والسعي في تغيير الإرث وبعد ذلك إغلاق الزيتونة التي تعتبر المنارة الرئيسية للحفاظ على هوية التونسيين طوال القرون والعقود التي سبقت إغلاقها في نهاية الخمسينيات.

محمد مزالي: نعم سنرجع للزيتونة ولكن كل هذا الذي تفضلت بذكره كان في خطاب بورقيبة من منطلق الإسلام الحديث..

أحمد منصور: الإسلام البورقيبي.

محمد مزالي: العصري، العصري..

أحمد منصور: البورقيبي يعني.

محمد مزالي: يعني بما أن الدين صالح لكل زمان ومكان فإما أن يبقى المجتمع يعيش في القرون الخوالي أو أن المسلمين يجنحون للحياة في القرن العشرين.

أحمد منصور: لماذا ربط التخلف بالإسلام هنا؟ هل الإسلام هو سبب تخلف التونسيين؟

محمد مزالي: لا، تخلف التونسيين والمسلمين بصفة عامة هو فيهم هو في تحجر العقل وأداة الاجتهاد هو في هزيمة القرينة بالعقل والمعتزلة بعد موت المأمون في أول القرن الثالث وطغيان الأشعرية ثم القضاء على الاجتهاد.

أحمد منصور: هذه النظرة العلمانية لقضية التاريخ الإسلامي والدين لكن هنا لو عدت لمفهوم بورقيبة بالمفهوم الذي تطرحه معنى ذلك أن بورقيبة كان يميل إلى التغريب أكثر منه أن يميل إلى الأصالة والعروبة.

محمد مزالي: يعني لو عاش بورقيبة في القرن الثاني الهجري لنادى بالتعمق في المشرق العربي ولكن ما حيلته وما حيلتنا نحن إن كان الغرب في القرن العشرين هو حامل الصناعات والعلوم والاستكشافات والطب الحديث ثم الصعود إلى القمر يعني الغرب هو الذي حمل لواء التقدم يعني من سوء حظنا نحن..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني هل كان المسلمون حينما كانوا يحملون لواء التقدم أن خلع الغرب ثوبه وأصبح مشرقيا أم أنه ظل غربا كما هو وأخذ هذه العلوم وطورها حسب بيئته وبالتالي كان يجب أن يبقي بورقيبة ببلاده على انتمائها العروبي والإسلامي وأن يأخذ من الغرب تطوره وليس مفاهيمه وأفكاره.

محمد مزالي: يعني الجواب أكثر تعقيدا مما يبدو لأن الغرب أخذ العلوم الإغريقية والرومية والهندية عن طريق المسلمين وعن طريق اللغة العربية والعبرية حينذاك وبدأ يقتحم أسرار الكون وكوبريك يعني استنبط دوارن -وغاليليه- دوران الأرض حول الشمس وليس العكس واكتشافات طبية كبيرة ومن سوء حظ الكنيسة في أوروبا أنها كانت حجر عثرة في وجه هذا التقدم فالذي حصل هو انفصال العلوم والثقافة والآداب عن الكنيسة وعن الأوساط الدينية وبروز اللائكية، اللائكية معناها أن المجتمع مجتمعان، مجتمع ديني يتمثل في الكنيسة وفي الطقوس العادية ومجتمع جديد يتمثل في الإقبال على المعرفة و..

أحمد منصور (مقاطعا): وهذا ما سعى بورقيبة إلى تحقيقه اللائكية في المجتمع التونسي.

محمد مزالي: لكن في نفس الوقت.. لا، بورقيبة يعني في الواقع في ممارساته كان لائكيا وعلمانيا كما قلت لك ولكن في الواقع لم يفصل بين الدين والدولة والمجتمع بينما وخاصة منذ الثورة الفرنسية منذ القرن يعني الثامن عشر والتاسع عشر المجتمعات الأوروبية انفصلت أو كادت تنفصل تماما عن سلطان الكنيسة، ولكن بورقيبة لم يزل دائما متصلا يعني برجال الدين..

ملف اليهود وقضية إغلاق جامع الزيتونة

أحمد منصور (مقاطعا): هذه النقطة لأنها مفصل هام في تاريخ تونس وأنا حينما أغرق معك فيها ليس بصفتك سياسيا تونسيا فقط وإنما أيضا بصفتك واحدا من كبار المفكرين التونسيين..

محمد مزالي: شكرا.

أحمد منصور: فأنت ينظر إليك أيضا على أنك مفكر وعلى أنك من أبرز المفكرين التونسيين علاوة على كونك سياسيا ورئيسا سابقا للحكومة وهذه المرحلة التاريخية الهامة لها ما بعدها في تاريخ تونس فيما بعد فيما يتعلق بقضية الهوية التي كما أشرت أنت جاء بورقيبة بمفاهيم جديدة بالنسبة لها. في الحكومة الأولى التي شكلها وفي الوقت الذي كان الصراع العربي الإسرائيلي على أشده وضع بورقيبة وزيرا يهوديا هو أندريه باروش وكان هذا رغم عدد اليهود القليل نسبيا في تونس لكن اعتبر هذا نوعا من الاعتداء على قضية فلسطين وعلى التوجه المشرقي بالكامل والعربي تجاه القضية الفلسطينية.

محمد مزالي: نعم، كما رشح يهوديا آخر اسمه باسيس في مجلس النواب كذلك، يعني وهذا ما هو موجود في المغرب الأقصى مراكش الآن يعني حيث..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه قضية أخرى.

محمد مزالي: لا، ما أنا حبيت نقول لك إنه في المغرب العربي في وضع هو أن اليهود يعتبرون تونسيين مغاربة أو جزائريين يعني مواطنين فوقتها..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن في ظرف تاريخي هنا يعني بشكل عام اليهود كان أخذوا في نطاق الدولة الإسلامية ما لم يعطوا في أي دولة وفي أي مكان آخر..

محمد مزالي: هذا صحيح.

أحمد منصور: لكن الآن في وضع استثنائي أن اليهود اجتمعوا كدولة دينية بالدرجة الأولى لمحاربة العرب والاستيلاء على أرضهم وكان لهم وضعية خاصة في العالم العربي كله وكان بورقيبة يعمل بشكل آخر.

محمد مزالي: ولهذا نزح حوالي تسعة أعشار اليهود نزحوا إلى إسرائيل وإلى فرنسا..

أحمد منصور: التونسيون.

محمد مزالي: اليهود التونسيون طبعا، طبعا.

أحمد منصور: وإن كانوا عادوا الآن وأصبح لهم وضع وشأن آخر.

محمد مزالي: هذه قضية أخرى.

أحمد منصور: نعم. حكومة الباهي الأدغم التي شكلت في 29 يوليو 1957 واستمرت ما يقرب 13 عاما حتى جاءت حكومة الهادي نويرة بعد ذلك في السبعينيات.

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: جرت طبعا عليها تغييرات كثيرة لكن بقي رئيس الحكومة كما هو خلال الفترة الماضية. من الملاحظ أنه طوال فترة حكم بورقيبة لم يتول الحكومة سوى ثلاثة رؤساء للحكومة فقط وربما جاءت تغييرات بعدك سريعة.

محمد مزالي: نعم، جاء وزير أول بعدي اسمه.. يعني..

أحمد منصور: سبب طول الفترة هذه يعني رئيس وزراء 13 عاما، الهادي نويرة 10 سنوات، أنت 6 سنوات وفي خلال سنة واحدة جرى التغيير بعد ذلك في تونس، تصورك إيه لطول الفترة هذه وأنت توليت عدة حقائب وزارية في حكومة الباهي الأدغم؟

محمد مزالي: لأن في الحقيقة النظام السياسي هو نظام رئاسي يعني بورقيبة هو كان رئيس الوزراء الحقيقي..

أحمد منصور: يعني نقدر نقول إن رئيس الوزراء في تونس هو مجرد موظف؟

محمد مزالي: لا، هو وزير..

أحمد منصور: موظفا راقيا يعني.

محمد مزالي: لا، ليس موظفا، وزير سياسي ولكن بحكم التزامه وولائه لبورقيبة -والحق يقال- يعتبر عضدا من أعضاد بورقيبة وكان نظاما رئاسيا زي رئيس الجمهورية في أميركا يعني الوزراء كتاب دولة يعني الذي يقرر السياسة الخارجية والاختيارات في السياسة الداخلية هو رئيس الدولة هذا هو السبب يعني الرئيسي.

أحمد منصور: طيب هنا في تلك المرحلة..

محمد مزالي: ولهذا لما يقول بعض الناس في وقت مزالي نقول له هذا خطأ لم يكن هناك وقت مزالي ولا وقت الأدغم، كان كله وقت بورقيبة، أربعين سنة تقريبا.

أحمد منصور: سنصل إلى هذا بالتفصيل ولكن حتى أغلق ملف الهوية في هذه المرحلة آتي إلى قضية إغلاق الزيتونة، تفضل.

محمد مزالي: نعم، يعني..

أحمد منصور: هناك ما يشير إلى أنها كانت من البنود السرية المتعلقة بالاستقلال والتي وافق بورقيبة عليها.

محمد مزالي: أنا شخصيا لا أظن هذا، بل الذي استقيته، هناك استقراء ومشاهدة للواقع، هو أنه لما جاءت الوزارة الأولى برئاسة الباهي الأدغم وكان وزير التربية المرحوم الأمين الشابي لم يفكر أبدا الأمين الشابي ولا أنا -بكل تواضع- مدير ديوانه ولا بعض أعضاد الأمين الشابي لم نفكر قط بالمساس بجامع الزيتونة بل بالعكس.

أحمد منصور: أنت كنت تدرس في الزيتونة.

محمد مزالي: طبعا وأنا أعتقد أن الزيتونة هي معلم من معالم الإسلام ومنارة للإسلام في تلك الربوع ومدرسة عليا أو كلية عليا يتخرج منها القضاة والمفتون والعدول بحيث تضمن ما يسمى بفقه السند حتى نعرف ديننا ونتصرف في قضية الإرث وقضية الشخصية إلى آخره لا بد من مشايخ وفقهاء، هذا اعتقادي وأرى أن وجود الزيتونة لا يمنع ولم يمنع من تطويرها من حيث بعض المناهج وتدريس اللغات والعلوم كما هو في الأزهر معناها ليس هذا اعتراض عليها، بعد.. في 1958 عين وزير تربية اسمه محمود المسعدي وهو أديب كبير لا يشق له غبار في الأدب لكن في السياسة -في اعتقادي- يتحمل مسؤولية تاريخية كبيرة وهو الذي أوصى بغلق جامع الزيتونة وإنشاء كلية زيتونية تختص في بعض العلوم..

أحمد منصور: وكان هذا استكمالا للخطوات التي بدأها بورقيبة فيما يتعلق بتطوير دين الناس ومعتقادتهم..

محمد مزالي: يعني هذا الموقف من محمود المسعدي صادف هوى في نفس بورقيبة التائقة إلى التحديث والتطوير واللحاق كما يقول بالعصر. أنا شخصيا كنت حزينا يومها، قلت لك إني خرجت من الحكومة وخرجت من المسؤولية وأصبحت أستاذا في العلوية في المدرسة العلوية وفي الصادقية وفي الجامعة الزيتونية وكان حز في قلبي هذا لأني أعتبر ولي أصدقاء كثيرون من جامع الزيتونة ومشايخ درسوني وأقدر كفاءتهم وعلومهم تقديرا كبيرا. والمسعدي لم يكتف فقط بحذف جامع الزيتونة في شكله المتوارث منذ 13 قرنا تقريبا يعني هو أقدم كلية دينية في العالم الإسلامي..

أحمد منصور: بعد الأزهر.

محمد مزالي: لا، بعد مكة، هو قبل الأزهر وقبل القروين. بل توخى سياسة تعليمية جعلت الفرنساوية في الواقع تساوي أو تفوق حظ اللغة العربية.

أحمد منصور: نستطيع أن نقول إن سياسة تجفيف الينابيع بدأت في تلك المرحلة ولم تكن مرحلة متأخرة؟

محمد مزالي: يمكن يمكن يعني أستعمل هذه العبارة لا كما استعلمها الوزير الشرفي منذ سبع أو ثمان سنوات بل في معناها العام، تجفيف الينابيع..

أحمد منصور (مقاطعا): فرنسة التونسيين.

محمد مزالي: حتى نقضي -في نظر المسعدي ومن كان معه من المتعصبين للحداثة- حتى نقضي على المشايخ باعتبارهم حجر عثرة في طريق التقدم، وهذا ليس رأيي بطبيعة الحال. وأخ أحمد لعل جاء الوقت لكي أقول كلمة سوف نجدها في حديثنا وهي أنني شخصيا رغم يعني انسجامي مع سياسة بورقيبة وإعجابي بدوره الكفاحي كنت دائما غير متفق معه في قضية الثقافة وقضية الهوية.

أحمد منصور: سيد محمد مزالي أشكرك شكرا جزيلا على ما أدليت به في هذه الحلقة وفي الحلقة القادمة أبدأ معك من ممارسة بورقيبة للسلطة الانفرادية التي بدأت بعد تلك المرحلة التي تناولناها والتغيرات التي بدأت تحدث في تونس خلال فترة حكومة الباهي الأدغم وبعد ذلك حكومة الهادي نويرة التي شاركت في كليهما بوزارات مختلفة عديدة، أشكرك شكرا جزيلا. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.