- النشأة والتعليم ونمو الوعي بالاستعمار والوطنية
- النهج الاستعماري في تونس وبدايات النشاط السياسي

- توجهات بورقيبة ونشاطه النضالي والسياسي

- حول اغتيال فرحات شحاد والخلاف بين الدستوريين


أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة مع ضيف جديد في برنامج شاهد على العصر، شاهدنا على العصر في هذه الحلقة والحلقات القادمة السيد محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق. ولد السيد محمد مزالي في المنستير عام 1925، تخرج في يونيو عام 1947 من المدرسة الصادقية ثم حصل على الليسانس في الفلسفة من جامعة السوربون وتخرج منها عام 1950، مارس التدريس ابتداء من العام 1951 وحتى العام 1957 حيث عمل أستاذا في الجامعة الزيتونية وأستاذا في المدرسة الخلدونية، في العام 1956 أصبح مديرا لديوان وزير التربية والتعليم حتى العام 1958 وفي العام 1958 عين مديرا للشباب والرياضة وحتى نوفمبر عام 1964 حيث عين مديرا للإذاعة والتلفزيون وأسس التلفزيون التونسي، وظل في منصبه حتى مارس عام 1968. في مارس عام 1968 عين وزيرا للدفاع في تونس وظل في منصبه هذا حتى أكتوبر عام 1969 حيث عين وزيرا للشباب والرياضة والتربية وكانت هذه هي الولاية الأولى لوزارة التربية حيث تولاها ثلاث مرات، من يونيو عام 1970 إلى آخر عام 1971 بقي بعيدا عن المناصب الرسمية ثم عاد مرة أخرى إلى وزارة التربية في حكومة الهادي نويرة حيث تولى وزارة التربية للمرة الثانية في نوفمبر عام 1971 وبقي في منصبه إلى مارس عام 1973 غير أنه أبعد عنها للسبب ذاته الذي أبعد عنها فيه في المرة الأولى وهو توجهه إلى تعريب التعليم في تونس. انتقل بعد ذلك إلى وزارة الصحة وعين وزيرا للصحة في تونس ابتداء من مارس عام 1973 إلى مايو عام 1976 حيث عاد مرة ثالثة إلى وزارة التربية وظل في منصبه هذا إلى مارس عام 1980، كلف في 23 أبريل عام 1980 برئاسة الحكومة التونسية وظل رئيسا لوزراء تونس إلى الثامن من يوليو عام 1986 حيث أقيل من منصبه ثم مورست عليه بعض الضغوط التي اضطرته للفرار هاربا من تونس عبر الصحراء الجزائرية في 3 سبتمبر عام 1986 حيث يعيش منذ ذلك الوقت لاجئا سياسيا ومنفيا في أوروبا. نتناول في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادة هذا الرجل على أهم الأحداث الهامة في تونس التي وقعت من الأربعينيات وحتى تركه لمنصبه وفراره من بلاده عام 1986. سيد محمد مزالي مرحبا بك وأشكرك على قبولك المشاركة للإدلاء بشهادتك في برنامجنا شاهد على العصر.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

النشأة والتعليم ونمو الوعي بالاستعمار والوطنية

أحمد منصور: لو عدت بك إلى البدايات إلى المنستير إلى النشأة الأولى والمؤثرات الأساسية والبيئة التي نشأت وترعرت فيها والبصمات التي تركتها على حياتك وعلى شخصيتك فيما بعد.

محمد مزالي: عندما كنت طفلا في المنستير بالمدرسة الفرنكوعربية كما كانت تسمى حين ذلك كان الاستعمار الفرنساوي في أوج سيطرته وقبضته على البلاد، بالنسبة للتعليم كان التعليم بالفرنساوي وكان جل المعلمين فرنسيين ما عدا معلم العربية وكان هدف التلاميذ حينذاك يكاد يقتصر على النجاح في الشهادة الابتدائية أي الشهادة التي تختم المرحلة الابتدائية، لماذا؟ لأن المحرزين عليها وكانوا قلة كانوا يعفون من الخدمة العسكرية، الانخراط في الجيش الفرنساوي كان مخيفا خاصة بعد آلاف التونسيين الذين ماتوا في الحرب العالمية الأولى فكان مطمحنا الأخير هو النجاح في الشهادة الابتدائية ولكن كانت مناظرة قومية للدخول إلى المدرسة الصادقية وهي المدرسة المعروفة الشهيرة التي أسسها المصلح الجنرال خير الدين في 1875 أي ست سنوات قبل انتصاب الحماية الفرنساوية في تونس. وشاركت في، طبعا نجحت في الشهادة الابتدائية وكان أبي وعائلتي فرحين جدا لأنني تخلصت من تهديد الجيش الفرنساوي ونجحت في مناظرة الدخول إلى المدرسة الصادقية، الجو كان حينئذ يعني استعماريا، تعليم الفرنساوية الفرنسيون كانوا محظوظين وكنت أولا أرى في محيا عائلتي والتونسيين والجيران أرى فيهم الغضب والشعور بالقصر والدون وأرى في الفرنساويين -لأن المنستير كانت تحتوي على عدد كبير من الأجانب وخاصة الفرنسيين- الخيلاء وعقدة التفوق ثم لمست الفرق المفارقة بين التربة التونسية الأصيلة العربية الإسلامية وبين التعليم الابتدائي الفرنساوي.

أحمد منصور: أنت تخرجت من المدرسة الصادقية في عام 1947 يعني كان عمرك 22 عاما تقريبا، هذه الفترة في هذا السن كانت تونس في الثلاثينيات والأربعينيات تموج بالحركات الوطنية والأحزاب التي تسعى للمناداة بالاستقلال، بعد الحرب العالمية الأولى على وجه الخصوص كان هناك تيار في تونس ينادي بالأصالة وكان ينظر للفرنسيين على أنهم كفار غزاة يجب إخراجهم، تم عملية تغيير عن طريق ظهور بعض الأحزاب والتجمعات الأخرى مثل الحزب الدستوري الجديد وكان هناك الحزب الدستوري القديم الذي أسس في العام 1920، أنت في هذه المرحلة هذه الحركة الوطنية التي تموج في تونس ألم تلتفت للانتماء لها للانخراط فيها للقيام بدور؟

محمد مزالي: طبعا، انتميت مع سن المراهقة يعني عندما دخلت للصادقية، لكن من قبل أردت أن أبين أن هناك تفاعلات وانقسامات في نفسية الطفل وكيفية إدراكه للاستعمار.

أحمد منصور: كنت تدرك أن بلدك محتلة؟

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: وكنت تدرك أنك يجب أن تعمل على إخراج هذا الاحتلال؟

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: من الذي كان يبث فيك هذا وكل مدرسيك فرنساويون؟

محمد مزالي: نعم، لكن أولا الفارق بين التعليم وبين البيئة التي كنت أعيش فيها مثلا مثل بسيط سريع يعني عندما تنزل أمطار أرى أبي فرحان والجيران فرحين بينما في التعليم الفرنساوي يعبرون عن ذلك بأن الطقس وحش والأمطار مشكلة بينما بالنسبة للتونسيين الأمطار بركة وخير، كنت أرى ثكنتين عسكريتين في المنستير ثكنة قديمة منتصبة في الرباط الإسلامي القديم الذي بناه هرثمة بن أيون يعني أمير، مبعوث أو والي هارون الرشيد في 280 أو 281 أصبح ثكنة تعج بالجنود الفرنسيين والسنغاليين وثكنة أخرى شاهدت بناءها في عام 1936، 1935 كنا في التعليم الابتدائي وكان المدير الفرنساوي يأخذنا حتى نرى السيارات المصفحة تدهم الزياتين وتقتلعها.

أحمد منصور: يعني أشجار الزيتون.

محمد مزالي: أشجار الزيتون. ثم شاهدت حوادث 9 و 10 أبريل 1938 حيث ألقي القبض على الزعماء في مقدمتهم الحبيب بورقيبة وألقي على عشرات وربما مئات من شباب المنستير وكنت أحيانا آخذ الطعام وأسلمه للجيش الفرنساوي حتى يمكنوا بعض المساجين من حينا من الأكل، فهذا كله أثر في مخيلتي كطفل وجعلني.. ثم -عفوا- الشيء الرابع هو علاقة المنستير بالحبيب بورقيبة والكثير من الزعماء، كنت أراهم وأنا طفل في بعض الدكاكين في بعض المقاهي في بعض الاجتماعات وكان أبي منخرطا في الحزب الدستوري منذ نشأته، يعني أتذكر أنه أراني بطاقة انخراط في الحزب في عام 1925 حيث هذا كله أثر في نفسي وجعلني أدرك أن تونس محتلة وأن كرامتنا مرتبطة بحريتنا وأن الحرية لا بد لها من كفاح حتى تفتك وتنادي..

أحمد منصور: تونس كانت مرتبطة بالدولة العثمانية حتى سقوط هذه الدولة في العام 1924 لكن نظام البايات ظل مستمرا في تونس بعد ذلك، الحزب الدستوري القديم الذي أسس في 1920 تقريبا كان يقوم على أسس الربط الإسلامي لتونس، في العام 1933 حدث انشقاق في هذا الحزب وأسس الحبيب بورقيبة مع آخرين الحزب الدستوري الجديد.

محمد مزالي: 2 مارس 1934.

أحمد منصور: 1934. كان هناك خلاف في الطرح إلى حد ما ما بين الحزب الدستوري القديم والحزب الدستوري الجديد، الحزب الدستوري القديم كان يسمي الجهاد ضد المحتل، الحزب الدستوري الجديد كان يسمي النضال. كان هناك كثير من المفاهيم التي كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بالإسلام وبتونس الإسلامية تغيرت في طرح حزب الدستوري الجديد إلى مفاهيم أقرب ما تكون إلى ما يسمى بالمفاهيم العامة أو المفاهيم العلمانية.

محمد مزالي: قد يكون هذا في مستوى بعض القادة الذين تكونوا في أوروبا، لكن أنا أشهد على الشعب بصفة عامة وعلى المناضلين في القاعدة في القواعد يعني إلى الاستقلال إلى 1956 في عقولنا وتصوراتنا النضال هو الجهاد والجهاد هو النضال، يعني والجهاد في سبيل الله المقصود منه تحرير تونس حتى تسترجع تونس إسلامها وعروبتها، أربط هذا بأول مواجهة بين جماعة بورقيبة والاستعمار الفرنساوي وذلك في أغسطس 1933 ضمن.. حيث نادى الحبيب بورقيبة -رغم أنه علماني- نادى بأن يقف الشعب دون دفن التونسيين المتجنسين بالجنسية الفرنسية، حيث أول شهيد في الحركة هو شعبان الحوري المتوفى في أغسطس 1933 قبل حتى تأسيس الحزب الجديد بحيث يصعب الفصل بين الجهاد السياسي أو النضال السياسي وبين الجهاد ببعده الديني الإسلامي.

أحمد منصور: هو هنا يعني قضية الفصل هذه لأنها قضية محورية في ما حدث في تونس بعد ذلك إلى اليوم، قضية نشأة الحزب الدستوري الجديد والمحور الهام هذا الذي نقف عنده لأنه مفصل ربما سيدور حوارنا في شهادتك على المدار ابتداء من هذا المحور في أن الفرنسيين حينما وجدوا أن هناك توجها يربط تونس ببعدها العربي وبعدها الإسلامي سعوا إلى إيجاد قوة أخرى عن طريق التنشيط عن طريق الدفع عن طريق التشجيع لشخصيات تربت على أيدي الفرنسيين ودرست في الغرب لتأتي وتأخذ ثمرة هذا النضال ويتم توجيه تونس بعد ذلك إلى منحى آخر.

محمد مزالي: هذا قد يكون ربما نرجع إليه قد يكون في الأيام التي سبقت الاستقلال ولكن في تصوري أنه منذ نشأة الحزب وقبل نشأة الحزب كما قلت لك في حوادث التجنيس كما سميناها حيث حينذاك التاريخ يقول هذا أفتى بعض قضاة هيئة مجلس الشرع أفتوا بأن الذي يتجنس بالجنسية الفرنساوية يبقى مسلما، بينما الحبيب بورقيبة والحزب والجماعة الجدد قالو هذا كفر، يعني هذا خلافا لما يعتقد..

أحمد منصور: لا هذا العكس، هذا العكس، أنهم قالوا من يتجنس بالجنسية الفرنسية يخرج واعتبروا هذا كفرا لتضييق المجال على هؤلاء الذين يتجنسون بالجنسية الفرنسية.

محمد مزالي: لا بالعكس يعني في.. يعني الوثائق تثبت هذا، عندما كثر عدد المتجنسين وكثر العدد لماذا؟ لأن الموظفين الفرنساويين كانوا يتقاضون ثلث المرتب زيادة، فبعض التونسيين الطامعين تجنسوا بالجنسية الفرنساوية فالجماعة الجدد نادوا بمقاومة هذه الظاهرة لأن فيها انحلالا للروابط الإسلامية ولعرى الإسلام في الشعب التونسي وبما أنهم كانوا عمليين وميدانيين حضوا الشباب على الحيلولة بأجسادهم وسواعدهم والحجارة التي في أيديهم حاولوا أن يحولوا دون دفن المتجنسين أو أبنائهم في مقابر المسلمين.

النهج الاستعماري في تونس وبدايات النشاط السياسي

أحمد منصور: متى انتميت إلى الحزب الدستوري الجديد؟

محمد مزالي: والله أنا انتميت منذ الطفولة ولكن بصفة رسمية يعني بطاقة حزب يعني أظن في عام 1945، 1946 يعني في آخر..

أحمد منصور: كنت طالبا في المدرسة الصادقية.

محمد مزالي: في آخر مدتي في الصادقية.

أحمد منصور: من الذي جندك وجعلك تنتمي إلى الحزب؟

محمد مزالي: يعني وحدي، أنا مثلما قلت لك أنا والدي رحمه الله كان عضوا في الحزب من عام 1925 وكنا مرتبطين بالحبيب بورقيبة وبالحركة الوطنية الذي كان الساحل بصفة عامة المنستير، خاصة هلال، المقينين الوردانيين، زرم دين، يعني هذه المداشر كلها كانت هي المركز الحي كانت هي البوتقة التي تكون فيها وتعامل في ربوعها وفي أجوائها الدستوريون إلى جانب يعني جهات أخرى طبعا. فأنا شخصيا مثلا أتذكر يعني عندما كان سني 10 سنوات 11 سنة كنا نترنم بالأناشيد الوطنية، كان محمود الماطري والحبيب، الحبيب بورقيبة، محمود ملحم "ربي ينصرهم عن قريب" إلى آخره، كنا نترنم بأناشيد تدعو إلى شمال إفريقيا والمغرب العربي، حيوا إفريقيا، حيوا إفريقيا يا عباد، شبابها يبغي الاتحاد إلى آخره، يعني هذا تربينا فيه، وكنا يعني لما كان الجيش الفرنساوي يعني يطارد الوطنيين كنا نقذف الحجارة وكنا أطفالا.

أحمد منصور: حينما أنهيت دراستك في المدرسة الصادقية في يونيو عام 1947 انتقلت إلى جامعة السوربون إلى كلية الآداب لاستكمال دراستك في الفلسفة، نحن هنا نريد أن نفهم شيئا الحقيقة مهما جدا، أنتم محتلون من الفرنسيين تقاومون الفرنسيين ثقافتكم فرنسية فرنسا هي الملجأ الرئيسي لكم حينما تفكرون في الذهاب إلى الدراسة، كيف نستطيع أن نفهم هذه المعادلة؟

محمد مزالي: أولا بيئتنا رغم الاستعمار ظلت إلى حد ما بيئة أصيلة يعني في بيوتنا في المقاهي في النوادي نتكلم العربية، اللغة العربية يعني أو العامية المهذبة يعني هناك تقاليد عربية إسلامية ثم أدركنا -وهذه ربما من غرائب الأمور- أدركنا من دراستنا بالفرنساوية النصوص الفرنساوية أن الكرامة في الحرية والحرية في الاستقلال يعني هذه المفارقة يعني الـ paradox كونه لما ندرس نصوص جهابذة المفكرين أو الشعراء أو الكتاب الفرنساويين والأوروبيين ندرك أنهم كافحوا من أجل مقاومة الألمان في الحرب الأولى أو في الحرب.. بحيث كنا نتعلم الوطنية وليس هذا هو قصد فرنسا من تعليمنا نحن.

أحمد منصور: ما أنا أريد أن أصل إلى هذا، ما هو المقصد من أن فرنسا تحتضنكم وهي تحتلكم وفي نفس الوقت أنتم تعلنون مقاومتها، ما هو البعد الذي نفهمه من هذا؟

محمد مزالي: يعني فرنسا أصرت أن تفتح المدارس لأبنائها طبعا ولما فتحت المدارس لأبنائها وعملا بمبادئها لم تستطع منع التونسيين من دخول هذه المدارس، قترت عليهم التعليم وضعت في طريقهم الصعوبات ولكنها لم تستطع، يعني حتى يدرك إخواننا هذه الظاهرة أقول إن التونسيين منذ القرن 19 ومنذ أوائل القرن العشرين كانوا مندفعين أي اندفاع نحو التعليم سواء في الكتاتيب أو في جامع الزيتونة أو في المدارس الأهلية كنا نسميها المدارس القرآنية وكذلك في المدارس الفرانكوعربية، حتى إن الفرنساويين يعني الطواغي والطغاة والبغاة يعني الفرنساويين كانوا يكتبون أحيانا ويقولون نحن لم نفهم هذا الحماس المفرط للتونسيين نحو التعليم.

أحمد منصور: لكن هم استغلوا هذا الأمر في أنهم لم يمنعوكم من التعليم وسعوا إلى أن تكون العقلية التونسية عقلية فرنسية وهي تحمل الجنسية التونسية.

محمد مزالي: يعني حاولوا أن يجعلوا منا فرنسيين، درجة ثانية لكن فرنسيين.

أحمد منصور: إلى أي مدى نجحوا في تقديرك؟

محمد مزالي: نجحوا إلى مدى ضعيف، لماذا؟ لأن المجتمع التونسي آنذاك كان من الصيانة الذاتية بحيث حال دون تغلغل العقلية الفرنسية في ربوعنا.

أحمد منصور: على المدى البعيد ألم ينجحوا؟ على المدى البعيد الآن.

محمد مزالي: نرجع بعد الاستقلال ربما نرجع له.

أحمد منصور: لا، أنا أقصد الآن المدى البعيد لأنني حينما أتناول سياسة التعليم في الأربعينيات ثمارها الآن تظهر يعني، ألم ينجح الفرنسيون في تحقيق هذا الأمر؟

محمد مزالي: نجحوا.

أحمد منصور: حتى في ربط تونس ثقافيا وعقليا، عقول التوانسة بفرنسا؟

محمد مزالي: نجحوا ولكن أريد أن أضيف أن من بين الأسباب التي حالت دون نجاح الفرنسيين في خطتهم اللغوية والثقافية وجود جامع الزيتونة.

أحمد منصور: ألغي بعد الاستقلال.

محمد مزالي: بعد الاستقلال، لذلك حبيت أقول لك سنة 1956 و1957 كان التعليم الزيتوني في جامع الزيتونة وبفروعه المنتشرة في الإيالة كما كنا نقول كان حجر عثرة دون نجاح الاستعمار.

أحمد منصور: لو رجعت بك من 1947 إلى 1950 فترة تواجدك ودراستك في باريس، كان لك نشاط سياسي هناك في تلك الفترة؟

محمد مزالي: كان لي نشاط سياسي من قبل فرنسا يعني..

أحمد منصور: أقصد فترة فرنسا.

محمد مزالي: طبعا، كانت في فرنسا خلايا نسميها شعب دستورية يعني تابعة للدستور الجديد، دستور الحبيب بورقيبة، وهذه الشعب تنتخب جامعة دستورية، في باريس كانت هناك جامعة دستورية للتونسيين وشخصيا كنت ناشطا ضمنها وكنت نائب رئيس هذه الجامعة، كان رئيس الجامعة حينذاك الأخ محمد المصولي والأمين العام لهذه الجامعة هو الطيب المهيري رحمه الله وأمين المال الأخ الدكتور رزق الله وشخصيا كنت نائب رئيس.

أحمد منصور: طبيعة النشاط الذي كنتم تقومون به وسط الطلبة هناك؟

محمد مزالي: أولا التعريف بالقضية التونسية، الاتصال المستمر بالفرنساويين الليبراليين بالمثقفين بالجامعيين ثم تنظيم محاضرات ثم تنظيم جامعات وخاصة في مقر طلبة شمال إفريقيا المسلمين..

أحمد منصور (مقاطعا): كان يسمح لكم؟ كانت السلطات الفرنسية تسمح لكم بهذه الأنشطة؟

محمد مزالي: في مضايقات ولكن تسمح. أنا في فرنسا..

أحمد منصور: كنتم تحت الكونترول الفرنسي؟

محمد مزالي: طبعا كانوا يراقبوننا بصورة مستترة وأحيانا بصورة واضحة، يعني عدد من الطلبة التونسيين وقع إيقافهم وبحثهم وتفتيشهم.

أحمد منصور: هل كانت هناك قوى سياسية أخرى تونسية منافسة لكم على الساحة هناك؟

محمد مزالي: وقتها لا، وقتها كنشاط نقابي الذي كان يتزعمه المرحوم المناضل فرحات حشاد كان منسجما..

أحمد منصور (مقاطعا): اللي هو الاتحاد التونسي للشغل.

محمد مزالي: للشغل، كان منسجما وقتها مع الحزب الدستوري في كفاحه.

أحمد منصور: والقوى السياسية الأخرى كانت هناك بعض الأحزاب الأخرى علاقتكم بالحزب الدستوري القديم.

محمد مزالي: كان في حزب قديم لكن من سوء حظه لم يكن له نشاط ميداني ولا أذكر أنه كان في فرنسا حينذاك أي هيكل ينتمي للحزب الدستوري القديم وكانت هناك أحزاب اشتراكية وشيوعية لكن هي فروع من الأحزاب الأم في فرنسا بحيث كانت عزلت نفسها بنفسها.

أحمد منصور: سافر بورقيبة إلى باريس في أبريل 1950، قبل 1950 في العام 1947 وقع تقسيم فلسطين، 1948 قامت حرب 48، هل أنتم في المغرب العربي كانت القضية الفلسطينية لها أي انعكاس عليكم لا سيما وأنتم كان لكم نشاط حزبي ونشاط سياسي وتسعون لاستقلال بلدكم؟

محمد مزالي: أنا أخ أحمد أتذكر أنه في عام 1937 نظمنا مظاهرات تضامنا مع القاوقجي..

أحمد منصور: مع الثورة العربية.

محمد مزالي: ومع الثورة ومع..

أحمد منصور: عز الدين القسام.

محمد مزالي: القسام والجماعة قبل التقسيم وقبل يعني لما أيام الانتداب البريطاني. وكان التضامن والتأييد وجمع الأموال مستمرا في تونس وعندما وقعت الحرب في 1948 ذهب تلقائيا عشرات ومئات الشباب عبر الحدود الليبية للانضمام إلى الكفاح وأنا أعرف العديد من الأصدقاء من المنستير راحوا إلى فلسطين منهم من وصل ومنهم من توقف في القاهرة وفي ليبيا لأن الحرب انتهت بعد مدة قصيرة، حيث إن التضامن مع فلسطين هو جزء وبعد من أبعاد الكفاح الوطني، هذا منذ نعومة أظفاري أذكره يعني.

توجهات بورقيبة ونشاطه النضالي والسياسي

أحمد منصور: في العام 1950 سافر الحبيب بورقيبة إلى تونس..

محمد مزالي: كنت في باريس.

أحمد منصور: كنت في باريس. ما هي معلوماتك عن هذه السفرة والاتفاقات التي قيل إنها بدأت أن تكون سرية بين بورقيبة على وجه الخصوص وبين الفرنسيين من أجل منح تونس استقلالا مشروطا يرعى بورقيبة تنفيذ بنوده؟

محمد مزالي: يمكن أن أحتاج للإجابة على هذا السؤال أن أذكر أن الحبيب بورقيبة بعد الحرب بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها يئس من فرنسا الجديدة الحرة، فرنسا ديغول، كان يظن أن الفرنساويين بعد أن.. الأحرار يعني الديغوليين سوف يمنحون البلدان المسيطرة عليها فرنسا شيئا من الحرية ولكن ما وقع في قسطنطينة في 1945 والاضطهاد الذي سلط على الأحرار في تونس جعل بورقيبة ييئس أو يكاد ييئس فشق الصحاري والتحق بالقاهرة وقضى أربع سنوات إلى سبتمبر 1949 في القاهرة، وبكل صراحة يجب أن نقول على الأقل..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن هنا في اتهامات معينة له من أنه كان عميلا للإيطاليين في تلك المرحلة واتهم بذلك والفرنسيون أيضا كانت لهم ملفات ضده -ضد بورقيبة- بسبب عمالته كما يقال للإيطاليين وتدخل الأميركيون بعد ذلك وقاموا بتسوية المسألة.

محمد مزالي: لا، هذا أظن اختصار يعني قد لا يصادف الحقيقة.

أحمد منصور: كنت على دراية وثيقة بهذا الملف في تلك الفترة؟

محمد مزالي: كنت على دراية وسأحاول الإجابة يعني.

أحمد منصور: تفضل.

محمد مزالي: حينئذ راح بورقيبة للقاهرة وحاول إقناع المرحوم عبد الرحمن عزام على الأقل برسم القضية التونسية في جدول أعمال الجامعة العربية، وكان عزام يجيبه لما نخلص من فلسطين نتفرغ إلى تونس والمغرب العربي لأن المشغول لا يشغل، حاول حاول لكن.. في ذلك الوقت بعض القوى السياسية الصغيرة نسبيا روجت أن بورقيبة يتعامل مع فرنسا ولكن بورقيبة كان في القاهرة بعد أن قضى خمس سنوات في السجن الفرنساوي وبعد أن قضى عامين في السجن في أقاصي الصحراء التونسية حيث بورقيبة تقريبا يئس من حل دبلوماسي عربي.

أحمد منصور: لكن هو في هذا الوقت استنفد أيضا كل العلاقات مع الأطراف المضادة لفرنسا من أجل مساعدته على قضية الاستقلال.

محمد مزالي: هو أظن وأعتقد شخصيا أنه شعر بالإحباط عندما رأى أن القضية التونسية لم تتقدم، سنرجع إلى.. لكن نحب نجاوب على قضية إيطاليا.

أحمد منصور: نعم نعم.

محمد مزالي: هذه التهمة مفبركة يعني منتحلة في 1938 عندما ألقي القبض على بورقيبة يوم 10 أبريل 1938 وظل يبحثه العقيد الفرنساوي العسكري الكولونيل غيران دوكيلاه يبحثه مدة عام أو عام ونصف وكانت التهم ووثيقة الاتهام تؤول إلى الحكم عليه بالإعدام، من بين الوثائق التي انتحلت ووضعت في الملف أنه كان على علاقة مع جهات إيطالية فاشستية لكن هذا ظهر فيما بعد حتى من طرف الوثائق الإيطالية والمكتب الثاني يعني مكتب المخابرات الفرنساوية ظهر أن هذا كله كذب يعني.. ثم لما يعني في نطاقه تعاون مع إيطاليا بورقيبة بقي أظن ثلاث سنوات أو أكثر شوية أو أقل شوية في برج سان نيكولا في مرسيليا وكان الفرنسيون الديغوليون يبعثون إليه بعض عملائهم حتى يستدرجوه حتى يعرفوا ما يقول، فكان بورقيبة يقول إياكم ثم إياكم التعاون مع الألمان والإيطاليين، إن الحلفاء سينتصرون، وقال هذا وأكده عندما بالخصوص هجم الألمان على روسيا في 1942.

أحمد منصور: يعني إذاً هو كان يلعب على الحصان الرابح في تلك المرحلة وحينما ذهب أيضا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ذهب أيضا ليقوم بعملية ربط أو لاتفاقات معينة مع الأميركان مع الفرنسيين.

محمد مزالي: قضية الأميركان تنوصل لها، حبيت أكمل لك على الطليان يعني وقائع مظبوطة. الألمان أطلقوا سراحه في 1943 أظن وبعثوه إلى روما، في روما هو وجماعة الديوان السياسي أظن كانوا ثمانية  أو عشرة غازلهم الطليان وقالوا له أنت نعتبرك زعيما ورئيس حكومة وكذا بشرط أن تطلب من الشعب التونسي أن يؤازر الألمان وأخذوه أخذا أو دفعوه دفعا إلى إذاعة باري.

أحمد منصور: هذه إذاعة إيطالية؟

محمد مزالي: باري على الساحل الأدرياتيكي يعني.

أحمد منصور: نعم.

محمد مزالي: فأخذوه إلى باري وألحوا عليه حتى يوجه نداء إلى الشعب التونسي كي يضم جهوده إلى جهود المحور فبورقيبة تكلم ولكن تخلص بمهارة وقال يوم أن تستقل تونس نستطيع أن نختار أصدقاءنا، أما الآن فنحن في طور كفاحي لكن إذا تخلص بحياد، حياد لأن الشعب التونسي في كفاح. نرجع إلى سمحت إلى باريس..

أحمد منصور (مقاطعا): في أبريل 1950.

محمد مزالي: في أبريل 1950 بالضبط كنت حينذاك نائبا بالطلبة الدستوريين وكنا مع بورقيبة نزل في أوتيل يوتيسيه المنطقة السادسة وعندما عاد يائسا من الحلول الأخرى حاول أن يؤثر على فرنسا لتقديم برنامج معتدل في سبع نقاط، سبع نقاط مجملها يركز السيادة التونسية ولكن يضمن بعض حقوق فرنسا حتى يسهل الأمر ويخرج من تلك الحالة.

أحمد منصور: استقلال شكلي.

محمد مزالي: لا، منقوص، مش شكلي لا، منقوص.

أحمد منصور: يعني حينما تبقى السيادة للفرنسيين وحينما هو لا يستطيع أن يفعل شيئا إلا بموافقة الفرنسيين فهذا استقلال شكلي.

محمد مزالي: لا، معناه الفرق بين الحماية التي كانت تجعل من الحكومة التونسية هيكلا صوريا ومن الباي رمزا فارغا.

أحمد منصور: لكن في هذه الفترة كانت تونس فيها تعددية تونسية كان فيها حكومات كان في فيها الباي.

محمد مزالي: من ناحية سياسية.

أحمد منصور: الآن مطالب بورقيبة في تلك الفترة لم تكن ترق إلى تغيير كبير عما هو قائم في..

محمد مزالي (مقاطعا): من بين المطالب فيما أذكر حكومة تونسية 100%، برلمان تونسي، بحيث يعني يفتك بعض أجزاء هامة من التسيير المباشر للفرنساويين، فألقى هذه الندوة الصحفية أذكر وكان رد الفعل الفرنساوي كان وحشا كان سلبيا وكان المعمرون الفرنساويون يعني كرجل واحد ضد بورقيبة يعتبرونه عدو فرنسا الألد، ويكفي أن تراجع ما كتبته الصحافة الفرنسية أو بعضها والصحافة الفرنسية في تونس حتى تدرك مدى الحقد والكراهية والخوف الذي كان يعني..

أحمد منصور: مع كل ما قدمه يعتبر من تنازلات بالنسبة للفرنسيين كان الإعلام الفرنسي وضع فرنسا كانت تسعى بإبرازه إلى هذا الشكل حتى لا يفقد شعبيته تجاه الشعب التونسي وهي في نفس الوقت تعده أن يكون الرجل الذي سيتم معه المصالحة.

محمد مزالي: أظن أن الأمر ما زال شعبية بورقيبة متأتية من تضحياته لأنه كان دائما في مقدمة التونسيين للسجون يعني عاش على الإسمنت وتعذب مع المناضلين البسطاء بينما بعض المتبجحين بالاستقلال التام كانوا في بحبوحة من العيش وفي مأمن من السجون والاضطهاد حيث شعبيته متأتية أولا كونه ضحى ودخل السجون سنوات ثم من صدق لهجته ولهجته التونسية الشعبية التي دخل بها إلى القلوب، يعني هذا هو ثم عنده طبعا مناورات، السياسي يجب أن يستعمل مناورات حتى يلقى منفذا يفتك منه وبه شيء من السيادة.

أحمد منصور: لكن أيضا هو كان يتحرك وحده.

محمد مزالي: هو وجماعته.

أحمد منصور: جماعته كان يخالفهم ولا يلتفت إليهم كثيرا، وفي العام 1953 في 3 يونيو -عفوا- 1955 وقع اتفاقية خاصة مع الفرنسيين دون إطلاع رئيس الحزب صالح بن يوسف عليها وحدث خلاف شديد في ذلك الوقت.

محمد مزالي: رئيس الحزب كان بورقيبة، بن يوسف كان كاتبا عاما للحزب معلش -سنرجع لهذه- لكن حابين نقول لك في عام 1950 سياسة هذه السبع نقاط كانت حيلة تكتيكية ولم تنجح والدليل هو أن الحكومة الفرنساوية رفضت كل المطالب في مذكرة شهيرة كان لها وقع كبير وهي مذكرة 15 ديسمبر 1952 وبعد ذلك ويوم 18 جانفيه دخل بورقيبة السجن ثم اقتيد إلى الجنوب ثم اقتيد إلى جزيرة لافاليت في البحر المتوسط حيث بقي عامين وحيدا في جزيرة غير آهلة إلا من بعض الأرانب والحيوانات حيث رغم هذه المطالب التي ظاهرها بسيط والتي في اعتقادي باطنها يعني من شأنه أن يدك الاستعمار دكا شيئا فشيئا داخل السرب، بعد السجون والمنافي والمحنة الثالثة هذه من 1952 حتى 1955 ونظرا للكفاح وإيجاد يعني آلاف من..

أحمد منصور: ألم تكن هذه وسائل لصناعة شعبية بورقيبة من قبل الفرنسيين؟

محمد مزالي: لا، فرنسا ليست تحتاج إلى سجن شخص حتى يصبح زعيما.

أحمد منصور: كيف؟ صناعة الزعماء تحتاج إلى أشياء كثيرة جدا لأنه إذا تم تقديمه وتقريبه فسيبدو كأنه عميل أما إذا تم التعامل معه بهذه الطريقة فسيبدو، فسيصنع كبطل بالنسبة للتونسيين.

محمد مزالي: أنا شخصيا يعني لا أرى هذا الرأي يعني أرى أن بورقيبة فرض نفسه بتضحياته وبقدرته العجيبة على الانسجام مع الشعب وتقديم برامج واضحة يقبلها الذوق السليم والعقل السليم.

أحمد منصور: كيف كانت علاقاتك الشخصية ببورقيبة في تلك المرحلة وأنت من نفس موطنه؟

محمد مزالي: أنا في تلك المرحلة كنت أعتبر نفسي مناضلا قاعديا بسيطا تابعا لبورقيبة، وشخصيا كنت مقتنعا بأن سياسة بورقيبة من شأنها أن تسير بالشعب التونسي شيئا فشيئا نحو الحرية والاستقلال.

أحمد منصور: اللي هي السياسة التدريجية في الحصول على الحقوق والاستقلال تقصد؟

محمد مزالي: نعم ما سمي بسياسة المراحل.

أحمد منصور: التنازل عن بعض الحقوق في مقابل الحصول على بعض المكاسب؟

محمد مزالي: يعني كلمة تنازل فيها وعليها، يعني الحقوق هذه لم تكن ملك الشعب حتى يتنازل عنها بل هي كانت بيد حديدية هي الاستعمار، فالسياسة هي أن نأخذ بعض ما كان يمتلكه ويحتكره الاستعمار.

حول اغتيال فرحات شحاد والخلاف بين الدستوريين

أحمد منصور: في شخصية كان لها مكانة كبيرة عند التونسيين في ذلك الوقت وهو فرحات شحاد رئيس الاتحاد التونسي للشغل اغتيل في العام 1952.

محمد مزالي: في 5 ديسمبر 1952.

أحمد منصور: عملية اغتيال فرحات شحاد هل يمكن أن تلقي الضوء عليها إذا عندك معلومات قوية عن هذه العملية؟

محمد مزالي: أنا عندي معلومات وأكدها بعض المؤرخين الذين لا يشق لهم غبار في العلم والتاريخ يعني مثل المؤرخ الفرنساوي الكبير شارل أونريه جوليان وهناك تقارير الأمن الفرنساوي وبعضها وقع نشره أو تمكين باحثينا منه، ولما اغتيل حشاد كان بورقيبة منذ أكثر من عام كان وحيدا في جزيرة لافاليت كان منفيا يعني، والزعماء كانوا كلهم في السجون أو في المنافي أو في الخارج، وكان حشاد لعبقريته النضالية وتفانيه كان هو في الحقيقة قائد الثوار قائد الحركة الثورية في تونس ومن جهة أخرى كانت له سمعة ومكانة ومنزلة مرموقة في اتحاد النقابات خاصة سيزل إفاوو اللي هو تابع للأميركان، وحضر هو في مؤتمرات هذه النقابات بحيث تعذر على الفرنساويين إلقاء القبض عليه، فهناك ما يسمى باليد الحمراء وهي عصابة متكونة من بعض ضباط الشرطة والمخابرات الفرنساوية رأت أن تغتال زعماء وقيادات تونسية حتى لا تتورط وترتبك بوضعها في السجن ومنهم الزعيم حشاد ومنهم الزعيم الهادي شاكر رحمهم الله ومنهم الدكتور بن مامي ومنهم أولاد حفوز وغيرهم كثير وعندما يغتال المقاومون التونسيون بعض رموز الاستعمار أو الخونة كانت الحمراء ترد الصاع صاعين وتغتال بعض وجوه القيادات التونسية.

أحمد منصور: تقصد أنه اغتيل على يد الفرنسيين.

محمد مزالي: وهذا تثبته الوثائق إلى حد أن دانسيو أوريد رئيس الجمهورية الرابعة في مذكراته يعتبر المقيم العام الطاغية دوهوت أوكلوك يعتبره قد جن لأنه ترك هذه العصابة من الكوميسرات وضباط الأمن تركهم يعيثون فسادا في الأرض ويغتالون الزعماء يعني.

أحمد منصور: أعود بك إلى 3 يونيو 1955 والوثيقة التي وقعها بورقيبة في تونس والتي لقيت رفضا من باقي القيادات الوطنية في الحزب الدستوري الجديد وعلى رأسهم صالح بن يوسف.

محمد مزالي: شوف هذه نقطة هامة يعني لأنها فيصل في الكفاح التونسي. لما لاحظ الاستعمار أن المقاومة اشتدت وعمت وذهب ضحيتها فرنسيون كثيرون من جند ومعمرين وضباط وقوات أمن حاولت أن تجنح إلى التفاوض، من جهة ثانية أصابت فرنسا مصيبة نكراء في وقيعة ديان بيان فو في فييتنام وانهزمت هزيمة شنعاء ولإخراج من هذه الورطة في الهند الصينية انتخب البرلمان زعيما معروفا وهو مانديس فرانس وكان معروفا بذكائه وبعبقريته وبشخصيته القوية، وبعد أن انتهى إثر مفاوضات مضنية في جنيف ووجد حلا مع جماعة فييتنام والصينيين ووقع إيقاف القتال والاتفاق تفرغ للقضية التونسية وكان بورقيبة حينذاك في السجن ومانديس فرانس قرر بغتة ومن دون أن يعلم أي إنسان أن يوم 31 جوليا 1954 قرر أن يحل بقصر قرطاج ويلقي على مسامع الباي خطابا عرض فيه عليه الاستقلال الداخلي.

أحمد منصور: المشروط بوجهة النظر الفرنسية.

محمد مزالي: طبعا يعني لا يمكن أن ننتقل من حالة استعمار مطبق لحالة حرية تامة من غير..

أحمد منصور (مقاطعا): خاصة وأن الفرنسيين منذ قبل تاريخ الاستقلال في 20 مارس 1956 ربما قبلها بعشرين عاما وهم يهيئون أنفسهم للخروج ويعدون الذين سيسلمونهم السلطة في تونس.

محمد مزالي:لا أدري هل كان لهم هذا التخطيط ولا أدري هل كانوا يعتقدون أن فرنسا ستغادر مستعمراتها.

أحمد منصور: يعني هل تعتقد دولة كبيرة خبيرة في الاحتلال لا زالت تحتل نصف إفريقيا إلى الآن مثل فرنسا لا تخطط لأنها ستخرج من بلد ما فلا بد أن تعد هذه البلد لما بعد خروجها، فجأة يقررون أنهم سيخرجون؟

محمد مزالي: أنا أعتقد أن دولة كفرنسا وكبريطانيا العظمى كانتا تخططان للبقاء إلى أبد الدهر، ولكن ولكن..

أحمد منصور (مقاطعا): بأساليب مختلفة.

محمد مزالي:لا ولكن تأتي الأحداث وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فتضعضعت فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

أحمد منصور: أنا في الحلقة القادمة أبدأ مع من هذه النقطة وهي نقطة الوثيقة التي وقعها بورقيبة في العام 1955 وتأثيرها بعد ذلك على الاستقلال وعلى الحزب الدستوري الجديد على وجه الخصوص ثم ندخل في الاستقلال وبداية الدور السياسي الذي بدأت تلعبه على الساحة التونسية منذ 1956 وحتى 1986. أشكرك معالي الوزير الأول شكرا جزيلا. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمدمزالي رئيس وزراء تونس الأسبق. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.