- الأيام الأخيرة من رئاسة الحكومة
- إعلان الإقالة ومرحلة الإقامة الجبرية

- الهروب إلى فرنسا عبر الجزائر

- أسباب الحكم بالسجن والحياة في المنفى


أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع في هذه الحلقة الثامنة والأخيرة إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق، سيد محمد مزالي مرحبا بك.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

الأيام الأخيرة من رئاسة الحكومة

أحمد منصور: في هذه الحلقة نتناول الفترة الأخيرة من رئاستك للحكومة ثم فرارك بعد ذلك عبر الصحراء والجبال إلى أوروبا، بعد أحداث القدس، بعد إقالة إدريس قيقه وفراره في تلك المرحلة بدأ الرئيس يتعامل بشك وريبة مع كل من حوله تقريبا. كيف كانت تلك المرحلة وأنت كنت الرجل الأول المقرب من الرئيس؟

محمد مزالي: من جهة أنا شخصيا واصلت الاضطلاع بالمسؤولية فكنت دائما أتجول وأرأس الاجتماعات لتوفير أسباب التنمية للشعب التونسي وألاحظ كل يوم أن صحة بورقيبة وتوازنه كان في تدن وتدهور ولوحظ هذا في الخصوص في عام 1986، فبينما كنت أفكر في تنمية التعاون مع إفريقيا وتجولت في.. زرت يعني ثمانية دول إفريقية وأمضيت مع هذه الدول ومع رؤسائها معاهدات تنمية وتعاون في كل المجالات، كان قصر قرطاج يغلي كالمرجل وابتداء من مارس/ أبريل كل يوم اثنين أزور فيه رئيس الدولة يطلب مني أو يعلمني فقط بأنه قرر إقالة هذا الوزير أو ذاك، وزير التربية وزير الثقافة وزير الشغل والشؤون الاجتماعية وزيرة النهضة بالمرأة، كنت في الدولة الداخلية إلى آخره، وفي يوم من الأيام قال لي والله أنت عندك شغل كثير قررت نعفيك من مسؤولية الداخلية ونسندها إلى السيد زين العابدين بن علي، أنا ضحكت والله فرحت كأن حملا نقص من علي، فبورقيبة تعجب ليش أضحك وأنا كنت فرحان..

أحمد منصور: الأول مدى تأثير هذه التغيرات الشديدة التي كان الرئيس يقوم بها تأثيرها عليك وأنت رئيس حكومة؟

محمد مزالي: لا أنا أدركت أن مسؤوليتي ستنتهي ولكن في وعي كنت سعيدا بالتمتع بالتقاعد حتى أصبح مواطنا عاديا، وعندما..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني سيادة الرئيس -اسمح لي هنا- يعني لا يوجد أحد أبدا في موقع السلطة يحلم بالتقاعد أو أنه يصبح مواطنا عاديا، ألسلطة لها زهوتها لها سطوتها لها وضعها لها يعني كل ما يدعو الناس من أجل أن يتقاتلوا إليها، كيف تقول لنا الآن إنك كنت سعيدا بأنك ستتقاعد؟

محمد مزالي:إذا كان كلامك صحيحا..

أحمد منصور: أعتقد أنه صحيح.

محمد مزالي: والراجح أنه صحيح فإنني استثناء، وأعلم وكنت سأقول لك إني أعلم أن كلامي هذا لا يكاد يصدقه الكثير إلا من كان حولي ويعرف ردود فعلي.

أحمد منصور: استثناء وأنت بقيت في السلطة أكثر من ثلاثين عاما؟!

محمد مزالي: نعم، دائما دائما، يعني أنا لم أعتبرها سلطة أنا أعتبرها خدمة، هذه ربما سذاجة، ولكن من كان حولي يعرف أنني كنت أنتظر اليوم الذي يعفيني فيه بورقيبة من المسؤولية.

أحمد منصور: ما الذي دفع بورقيبة إلى أن يقوم بهذه التغييرات الهائلة والدائمة في فترة وجيزة جدا؟

محمد مزالي: التأثيرات الذين كانوا معه في العشاء وفي الغداء، أنا..

أحمد منصور (مقاطعا): من هؤلاء؟ ووسيلة بدأ نفوذها يضعف.

محمد مزالي: لا، وسيلة انتهى وقتها، وسيلة ليس لها مسؤولية في هذا، سعيدة ساسي.

أحمد منصور: سعيدة ساسي وأعتقد أنها نحن تناولنا جانبا منها بعد ذلك وهي أظن أنها لعبت دورا في إقالتك وإبعادك بعد ذلك.

محمد مزالي: طبعا طبعا.

أحمد منصور: دور سعيدة ساسي إيه في هذه المرحلة؟

محمد مزالي: والله مثلما قلت لك في حلقة من الحلقات السابقة يعني باعتبارها بنت أخته كان يستمع إليها وأحيانا ينهرها ولكنها كانت الوحيدة التي تجرؤ على الدخول عليه في كل مكان وتعبر له عن رأيها وتخبره بعض الأخبار الصحيحة أو المخطئة فكانت دائما توحي إليه بإقالة هذا الوزير أو ذاك وبالصدفة كان الوزراء المقالون أقرب الناس إلي سواء من حيث التعاطف الشخصي أو بالخصوص من حيث الاشتراك في المبادئ والقيم العليا.

أحمد منصور: أعود مرة أخرى إلى الشك الدائم من قبل الرئيس فيمن حوله والإقالات الدائمة التي كان يقوم بها إلى الوزراء في تلك المرحلة من 1984 إلى 1986 والتي لا شك كان لها تأثيرها على نظام الحكم وعلى الدولة وعلى الناس، مدى تأثير هذا على الناس، على نظام الحكم أم أن بورقيبة لم يكن يرعى اعتبارا للشعب؟

محمد مزالي: لم يكن يفكر في أن هذه المبادرات كانت سلبية في أعين الشعب، يعني الشعب بصفة عامة والطبقات النيرة كانت متخوفة من المآل، كانت ترى عن حق في أغلب الأحيان أن المجهول ينتظر تونس إلى آخره.

أحمد منصور: كان هذا الأمر يوحي بأن هناك تغيرا سيحدث بالنسبة للسلطة في تونس؟

محمد مزالي: لا، كان هذه السؤال يفرض نفسه بعيد حياة بورقيبة لأن أحدا لم يكن يفكر في وقت من الأوقات في هذه الفترة أن هناك انقلابا أو تغييرا في الحكم.

أحمد منصور: رغم سن بورقيبة المتقدم الذي تجاوز الـ 85 رغم صحته التي بدأت تتدهور رغم أنه لم يعد يمسك بزمام الأمور؟

محمد مزالي: هذا هو الواقع المر ويؤسفني أن أقول كخاتمة لهذه الفقرة الحزينة المؤلمة إن بورقيبة الذي أحببته وأخلصت له والذي أعتبره أول وأكبر محرر لتونس وباني دولتها..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف وأنت طوال الشهادة لم يثبت شيئا من هذا؟

محمد مزالي: لا، هذا رأيي للآن لكن أريد أن أقول إنه من المؤسف والمحزن المأساوي وجوديا أن يكون هذا الرجل الذي قلت فيه ما قلت عن قناعة هو الذي من غير وعي وبدون إضمار هو الذي هدم كل أو جل ما بيننا، هذه هي خاتمة المأساة كانت.

أحمد منصور: في هذه الفترة عزل الرئيس بورقيبة ابنه الحبيب بورقيبة الابن من السلطة ومن المسؤولية.

محمد مزالي: وطرده كغيره من الوزراء شر طرده.

أحمد منصور: في الوقت الذي نرى فيه رؤساء يعني آخرين يقدمون حتى رؤساء الجمهوريات يقدمون أبناءهم أو يظهر أبناؤهم.

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: ألم يفكر الحبيب بورقيبة في أن يستخلف ابنه؟

محمد مزالي: لا، في اعتقادي لا.

أحمد منصور: والذين حوله ألم يسعوا لإثارة هذا الأمر لديه؟

محمد مزالي: لا.

أحمد منصور: ما هي أسباب ذلك؟

محمد مزالي: لأن أغلب الناس الذين كانوا حوله كانوا يفكرون في أنفسهم والحبيب بورقيبة الابن لم يكن..

أحمد منصور (مقاطعا): من قبيل التفكير في أنفسهم يدعمون أن يصل ابنه ويكون لهم دور وفضل في ذلك.

محمد مزالي: لا، لأن بورقيبة الابن له شخصيته وهو كذلك يطير في غير سرب معين يعني يطير بجناحين فقط فالجميع أدرك أن بورقيبة لم يفكر فيه.

أحمد منصور: في مسؤولية الإسلاميون بيلقوها عليك وهي مسؤوليتك عن المنشور 108 الخاص بمنع الحجاب وأن الهادي نويرة أثناء رئاسته للحكومة طلب منه أن يوافق على منع الحجاب ولكنه رفض رغم أنه رجل علماني التوجه وأنت تتحمل مسؤولية من وقع على هذا.

محمد مزالي: لم يرفض الهادي نويرة، حقيقة لم يرفض.

أحمد منصور: لكن القانون لم يصدر إلا في عهدك أنت وأنت رئيس..

محمد مزالي: لا لا، مش قانون لا لا، هو بورقيبة بحضوري أعترف نادى الأخ فرج الشاذلي وأعطاه أمرا بأن يصدر منشورا ممضيا من طرفه للمدارس هذا هو، لا قانون ولا أمر ولا هم يحزنون، منشور.

أحمد منصور: يعني هذا إذا رئيس الدولة الحاكم الأول والأخير أصدر منشورا أو قرارا هو فوق القانون وهو يطبق إلى الآن وهو له مشكلاته في تونس إلى الآن يعني القضية لم تقف عند موضوع الطلاق وحقوق المرأة الذي تحدثنا عنه في الحلقة الأولى ربما أو الثانية ولكن الأمر تخطى الآن إلى مجرد مساس حريات الناس الخصوصية.

محمد مزالي: الآن الآن، لكن في وقتي أنا ما كانش في مساس بالحريات وكانوا موظفات وعاملات محتجبن من غير مشكل يعني. أثناء الدرس فقط، وبيني وبينك وهذا يمكن يوما من الأيام يجيب عنه الأخ فرج الشاذلي يعني لم يقع تطبيق المنشور بصورة محكمة يعني.

أحمد منصور: ولكن مجرد صدوره أيضا هو نوع من الحكر على الناس وصدوره في مسؤوليتك أيضا يلقي عليك المسؤولية لأنه سيظل صدر في عهد مزالي.

محمد مزالي: أكرر وأقول إنه لم يكن لمزالي أي عهد ولا مدة ولا مسؤولية لا مزالي ولا الباهي الأدغم ولا الهادي نويرة رحمهم الله، كان أربعين سنة عهد بورقية.

أحمد منصور: وأنتم رجال بورقيبة الذين كنتم تطبقون وتنفذون ما يطلبه وما يصدره من قرار.

محمد مزالي: لا دائما وإنما نفذنا الكثير مما أمرنا به ولكن أحيانا عارضناه ونجحنا في المعارضة أحيانا.

أحمد منصور: وتتحملون مسؤولية ما يتحمله بورقيبة.

محمد مزالي: طبعا طبعا، في محكمة التاريخ نتحمل مسؤوليته.

أحمد منصور: في 19 يونيو 1986 في افتتاح المؤتمر 12 للحزب الاشتراكي وقف بورقيبة ليقول أمام الجميع ليقول إن محمد مزالي بمثابة ابني الروحي وإنه يتمتع بثقتي الكاملة اليوم وغدا، ثم أذيع في الثامن من يوليو عن طريق الإذاعة والتلفزة أنك قد أقلت.

محمد مزالي: من غير أن يدعوني أو يعلمني بنفسي.

أحمد منصور: في الفترة التي أو في هذا المؤتمر الذي أعلن فيه بورقيبة تقريبا عن استخلافك أنك أنت خليفته وأنك ابنه الروحي ماذا كان شعورك وهو يعلن ذلك؟

محمد مزالي: كنت أعلم أن هذا وقتي وأن مسؤولياتي ستنتهي وده واضح.

أحمد منصور: ألم يكن بورقيبة قد شعر بأنك تمهد وتهيئ للاستيلاء على السلطة ومن ثم سعى إلى تنييمك وتهدئة الوضع حتى يتغدى بك قبل أن تتعشى به؟

محمد مزالي: يعني أن ينيمني هذا ممكن لكن ليس بحاجة لأن يخاف مني فأنا ما حيلتي؟ ليس لي جيش ولا بوليس ولا حرس ولا جماعات في الحزب، أنا وحدي.

أحمد منصور: ربما أنت تقول هذا ولكن معك الدستور ومعك فراغ دستوري يمكن أن يحدث بوفاة الرئيس في أي لحظة ومن ثم فأنت الرئيس القادم.

محمد مزالي: ومن غير تواضع يعني مزيف قد يكون لي رأي عام ينسجم معي كذلك وهذا ما كان يراه الخصوم طبعا.

أحمد منصور: ما كنت تعول على الرأي العام؟

محمد مزالي: بشرط أن نتمكن من مخاطبة الرأي العام حينذاك، لكن القضية لم توضع أبدا بهذا الشكل أمام الرأي العام.

أحمد منصور: أنا أذكر ونحن نتابع تلك الأخبار والرئيس بورقيبة يعلن ذلك كان الجميع يقول إن محمد مزالي هو رئيس تونس القادم وإن هذا التقريب الكبير الذي يقربه الرئيس بورقيبة لمحمد مزالي معناه أنه أراد أن يسكت آخرين يسعون للانقضاض على السلطة.

محمد مزالي: بالضبط، لكن أود إن سمحت أن أبين لماذا كنت متشككا في هذا، لسبب بسيط، هو أن هذه الفقرة التي حررها الأخ الشاذلي القليبي ضمن خطاب كامل حرره الشاذلي القليبي هذا الخطاب وضعنا معانيه الرئيسية في جلسة في بيتي بحضور الشاذلي القليبي والباجقي السبسي والهادي باكوش، اتفقنا على المحاور وحرر الخطاب الشاذلي القليبي.

أحمد منصور: هل كان الرئيس طلب أو أوصى بهذه الفقرة؟ بورقيبة.

محمد مزالي: لا.

أحمد منصور: ولم يعلم منها شيئا؟

محمد مزالي: لا، وربما أوصى بها القليبي، الله أعلم أنا ما كنتش حاضرا.

أحمد منصور: أوصى بها القليبي الرئيس؟

محمد مزالي: يمكن.

أحمد منصور: لكن الرئيس كان يعلم ما يتلوه جيدا ويعرف أبعاده.

محمد مزالي: لأن الخطاب تلي على الرئيس ومن غد في الليل كلمتني سعيدة ساسي الساعة العاشرة مساء تقريبا، قالت لي شو هالخطاب هذا شو معناه؟ قلت لها ليش؟ قالت لي إيش معناها تقول للقليبي أن يحرر فقرة للتضامن مع القضية الفلسطينية؟ قالت لي فلسطين ما جابوا لنا غير الخراب والمشاكل، قالت لي والله يا سي محمد مزالي ما يفيدك إلا إسرائيل، هالفقرة لازم تتنحى، قلت كيف هذا! هذه من الثوابت بسياسة بورقيبة بسياسة خالك، قالت لي وإيش معناها تدافع عن التعريب وعن الأصالة؟ اللغة العربية خلاص. فأنا زعلت قلت لها اسمعي هذا خطاب عند خالك الرئيس فيه معاني بعيدة، فنودي بفريق آخر وفي تلك الليلة أعيد الخطاب والخطاب الأول اللي أنا راض عليه فيه مواقف الأصالة والتعريب والقيم العليا وفيه موقف واضح من القضية الفلسطينية موجود يعني ممكن نوجده، وخطاب بورقيبة موجود ويمكن المؤرخون غدا أو بعد أن يقارنوا بين..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن بقيت هذه العبارة، القضايا العامة طرحت لكن بقيت هذه العبارة التي توحي باستخلاف بورقيبة لمزالي.

محمد مزالي: لكن هذه مثلما تفضلت منذ حين من باب التنويم يعني والطمأنة قد يكون ذلك.

أحمد منصور: علمت بها قبل أن يتلوها؟

محمد مزالي: لا، استمعت لها مع كل الحاضرين في المؤتمر.

أحمد منصور: وفوجئت بها؟

محمد مزالي: لا لم أفاجأ بها لأن بورقيبة دائما متعود أن يمدح الوزراء، الوزراء أولين.

أحمد منصور: قبل أن يقصيهم يعني؟

محمد مزالي: يقصيهم أو يصابوا بالمرض كالهادي نويرة ويبعدون عن الساحة.

أحمد منصور: كنت تدرك تماما، أنت الآن تقول إنك كنت تدرك أن هذه نهايتك وليس استخلافك؟

محمد مزالي: نهايتي في الحكم لم تكن مشكل بالنسبة لي كانت خلاص.

أحمد منصور: كانت مسألة وقت بالنسبة لك يعني؟

محمد مزالي: لا لا كانت خلاص.

أحمد منصور: كنت تعتبر أن دورك انتهى ولكن المسألة مسألة وقت؟

محمد مزالي: لا، كنت أعتقد أنني أستطيع أن أخدم بلدي بالثقافة بالرياضة بالمحاضرات بالجولات بالاتصال بالخارج.

أحمد منصور: بدون سلطة ونفوذ؟

محمد مزالي: أبدا أبدا السلطة هي تكليف لا تشريف باعتقادي.

أحمد منصور: هكذا يقولون ولكن الحقيقة تكون غير ذلك.

محمد مزالي: يقولها أغلب الناس ولكن هناك بعض أفراد ربما شواذ مثلي يعتقدون السلطة كلها هباء في هباء.

أحمد منصور: بعد أربعة أيام فقط من هذا الخطاب الذي كان بمثابة خطاب استخلاف بالنسبة لك تم إقالة زوجتك.

محمد مزالي: لا، قبلها، قبلها.

أحمد منصور: في 23 يونيو 1986.

محمد مزالي: يعني قبلها بأيام لأن هذه مهزلة أيام الاثنين وقعت أو تمت إقالتها من الديوان السياسي، فخمسة أو ستة وزراء أقيلوا بما فيهم السيدة مزالي.

حمد منصور: ماذا كان يعني أصلا وجود زوجتك في حكومتك مهما كانت كفاءتها وأنت رئيس حكومة؟

محمد مزالي: لأن زوجتي كانت مناضلة من أيام الاستعمار ثم كانت رئيسة الاتحاد النسائي ثم برلمانية في يوم من الأيام وكنت أنا وزير تربية في حكومة الهادي نويرة وبينما كنا مجتمعين في مجلس الوزراء مع الهادي نويرة دق جرس التلفون وأجابها نويرة ثم أعلمنا بأن الرئيس قرر وقتها تعيين فتحية مزالي عضوا في الديوان السياسي وأنا لم أكن وزيرا أول هذا أولا، ثانيا في 1984 بعد أزمة الخبز وبعد كذا في اجتماع مع الرئيس بورقيبة قال لي قررت تعيين امرأتين في الحكومة مدام مزالي ومدام سعاد يعقوبي وزيرة صحة.

أحمد منصور: ألم تسع أنت إلى ذلك؟

محمد مزالي: أبدا.

أحمد منصور: ألم تسع أيضا إلى أنه يمكن أن يشكل تهمة تاريخية بالنسبة لك أن تأتي بزوجتك وزيرة في حكومتك؟

محمد مزالي: لا، هذه تهمة.. أنا كنت أشعر بالإحراج، مع هذا كنت معتزا بأن المناضلة فتحية مزالي معناها تقدر في مستوى الوزارة أن تخدم المرأة التونسية لكن من جهة أخرى كنت أشعر بألسنة السوء الذين سوف يغتنموا الفرصة للهمز واللمز طبعا.

إعلان الإقالة ومرحلة الإقامة الجبرية

أحمد منصور: بعد أسبوعين تقريبا من هذا الإعلان الذي أعلنه بورقيبة من أنك ابنه الروحي وخليفته أقلت في الثامن من يوليو عام 1986.

محمد مزالي: كنت في بيتي أستمع لنشرة الأخبار المتلفزة الساعة الثامنة فأعلن المذيع أن الرئيس بورقيبة قرر إقالة محمد مزالي وتعيين رشيد أصفر  فأخذت التلفون وعبرت عن تهاني الخالصة إلى رشيد أصفر ثم أخذت التلفون وطلبت من مدير الديوان الرئاسي المرحوم الآن منصور السخيلي مقابلة للرئيس بورقيبة حتى أودعه، ويوم الجمعة كان لي موعد مع بورقيبة في الموناستير دخلت عليه فأحسن استقبالي وقلت له سيدي الرئيس أنا اشتغلت في الحركة الدستورية أيام النضال وأيام بناء الدولة تقريبا أربعين سنة معكم وبقيادتكم وأرجو أن أكون ممن ثقلت موازينهم أن تكون النجاحات أكثر وأهم من الغلطات، فقال لي بصوت خافت جدا بصوت يعني هادئ قال لي هيك باللغة التونسية قال لي يا سي محمد ليه عربت التعليم وأنا قلت لك ما تعربش؟ هو تعبان وأنا.. قلت له سيدي الرئيس أنا أجريت تحضيرات لأن هذه عقيدتي قلت له أنا تكونت في فرنسا تكوين في السوربون لكن أعتبر أن لغتي عربية واللغة الفرنساوية لغة ضرورية كاللغة الإنجليزية لكن لابد من تأصيل الشباب في لغتهم وبيئتهم وقلت له امبارح اجتمعت وقررت إرجاع الفرنساوية إلى السنوات الأولى من التعليم الابتدائي إن شاء الله تلقوا المعلمين الأكفاء من ذوي اللسان الفرنسي، فهمني هو، قال لي به به، يعني..

أحمد منصور: هذه تحية تونسية.

محمد مزالي: به به معناها قال لي سلم على فتحية، قلت له الله يبارك فيك.

أحمد منصور: زوجتك.

محمد مزالي: نعم وانتهى الأمر، فخرجت وأنا سعيد واستأنفت معناها الاستحمام في البحر.

أحمد منصور: شعورك كرئيس حكومة كرئيس وزراء تتلقى خبر إقالتك من الراديو والتلفاز شأنك شأن الملايين؟

محمد مزالي: ما أنا فسرت هذا بتداعي صحة بورقيبة لأن بورقيبة لو كان في أيامه وفي صولاته في الستينيات..

أحمد منصور (مقاطعا): ألم تشعر وقتها أنك كان يجب أن تتحرك قبل أن يتحرك الرجل لإقالتك؟

محمد مزالي: لا أبدا، كنت مطمئنا وعندي ثقة في بورقيبة وأن من مسؤولية رئيس الدولة إقالة وتعيين الوزراء الأولين هذا مش مشكلة والمسؤولية ليست حبسا.

أحمد منصور:يعني كنت قاب قوسين أو أدنى من أن تكون رئيس الدولة الأمر ليس هنا مجرد رئيس حكومة.

محمد مزالي: كان هذا ممكنا خصوصا في الأزمة القلبية التي تعرض لها بورقيبة في أكتوبر آخر أكتوبر أو أوائل نوفبر 1984 المسألة كانت مرهونة بدقائق ولكن هذه مشيئة الله.

أحمد منصور: ما هي الظروف التي أقلت فيها؟

محمد مزالي: يعني ظروف صعبة في الأول كانت تبدو لي واضحة طبيعية لكن بدأت بعض الصحف التونسية تشير إلى مسائل وبعد أيام ألقي القبض على ابني الأكبر.

أحمد منصور: بعد أيام من إقالتك لكن قبل الإقالة أقصد.

محمد مزالي: يعني كانت الجو ثقيلا وبدأت أشعر أن بعض المسؤولين يعني أخذوا يتباعدون عني معنى هذا  أنا نفسي فاهم هذه.

أحمد منصور: حتى بعد الخطاب اللي قال فيه إنك ابنه الروحي؟

محمد مزالي: نعم، واضح يعني هالكلام هذا ما له حتى معنى، أنا نفسي أستغرب لماذا استبقاه بورقيبة في الخطاب، ربما كما تفضلت للطمأنة فقط..

أحمد منصور: لكن أنت لم تشعر بالاطمئنان كما تقول؟

محمد مزالي: لا، لا اطمئنان ولا قلق وإنما تيقنت أن المسؤولية انتهت وهي مسألة أيام أو أسابيع وكنت مستعدا نفسيا لذلك حتى المشكلة يعني.

أحمد منصور: القوى التي كانت موجودة على الساحة السياسية آنذاك في الفترة من الخطاب الذي ألقي من 19 يونيو وحتى إقالتك في يوليو كيف كان تحركها على الساحة؟

محمد مزالي: تحركها يعني بالرياء والكذب يعني والتملص يعني معناه كالزئبق يعني ما فيش مواقف واضحة رجولية يعني، مثلا يوم إقالتي اجتمع بعض الوزراء مع بورقيبة وأوهموه بأن الاقتصاد التونسي منهار كذبا وبهتانا يعني، لكن أنا كنت هنا سلمت وابتعدت قلت مهمتي انتهت خلاص، فبدأت أشعر بعد أيام أو أسابيع من إقالتي أن هناك اضطهادا بدأ بالقبض على ابني..

أحمد منصور (مقاطعا): بتهمة إيه؟

محمد مزالي: سوء تصرف، الكلمة هذه مفتاح افتح يا سمسم هذه سوء تصرف، ثم صهري زوج ابنتي طبيب وابن طبيبة، وقيل لي من مصدر موثوق في أغسطس أن بورقيبة صدق من قال له إن محمد مزالي هيأ بمعونة صهره مؤامرة طبية بالتعاون مع أربع أطباء أجلاء لاعتبار بورقيبة عاجزا عن القيام بالمسؤولية، والذي لم أهضمه إلى حد الآن كيف بورقيبة رغم مرضه ورغم تداعي صحته كيف يصدق أن محمد مزالي فكر مجرد تفكير في القيام بالمؤامرة فنادى السيد الهاشمي الزمال وكان وكيل الدولة للجمهورية يعني وكيل الجمهورية المدعي العمومي للجمهورية وقال له مزالي أحب يعمل مؤامرة يجب إلقاء القبض عليه والحكم عليه بالإعدام شنقا، وأضاف ستتدخل..

أحمد منصور: كده مباشرة!

محمد مزالي: نعم، بحضور بعض الخواص.

أحمد منصور: من الذي أبلغك بهذا؟

محمد مزالي: لا أدري من..

أحمد منصور: من الذي أبلغك؟

محمد مزالي: لا نستطيع أن نذكره الآن.

أحمد منصور: يعني أسماؤهم.. لا زالوا أحياء؟

محمد مزالي: نعم نعم لكن حتى بالنسبة لأمنه، وهناك من كان حاضرا وصادفته في باريس ذات يوم وأكد لي هذا والدليل هو أنني تلقيت دعوة من رئيس اللجنة الأولمبية الدولية سامرونش لأرتاح أسبوعا عشرة أيام في لوزان وأصطحبه إلى اليونان كان في اجتماع، رحت إلى المطار وبعد إجراء كل الأمور يعني القانونية وبينما هممت بالصعود إلى الطائرة..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا في 19 أغسطس 1986.

محمد مزالي: بالضبط.

أحمد منصور: يعني بعد إقالتك تقريبا بحوالي..

محمد مزالي: شهر وأيام.

أحمد منصور: ثم.

محمد مزالي: جاءني الكوميسار يعني المفتش في المطار وقال لي عندي إذن أن أمنعك من السفر، ليه؟ قال لي والله أمر، حاولت أن أتصل ببعض المسؤولين فأبوا الاتصال بي فأخذت جواز سفري العادي ورجعت إلى بيتي وفهمت أنني أصبحت في إقامة جبرية. ثم هناك بعض الإخوان.. والغريب -الحمد لله- معارضون البعض منهم لم أرهم أبدا، زاروني وقالوا لي إن الجماعة صمموا على القضاء عليك، يعني ستحاكم والصحافة لن تقول شيئا بل ستلصق بك التهم ويذهب حقك في باطلك وباطلك في حقك.

أحمد منصور: لماذا وأنت الآن لم تعد تصارع على السلطة ولم تعد تصارع على شيء؟

محمد مزالي: هذا الذي لم أفهمه ولكن أحاول أن أأول فأقول بكل تواضع إن القوم كانوا خائفين من محمد مزالي لأنه ولا مؤاخذة يعني أنا كنت في الساحة شعبيا وأقدمية واتصالا جماهيريا وعلاقات مع رؤساء وملوك الدول العربية والأوروبية يعني كان رؤساء الدول يتصلون بي أنا لأن بورقيبة كان مريضا وأنا كنت أمثل تونس في القمم العربية والإسلامية.

أحمد منصور: المهم وضعك في داخل الدولة وليس خارجها يعني لأن في الآخر من في يده القوة هو الذي يسيطر على السلطة.

محمد مزالي: لكن ربما يكون في هذا غرور لكن أظن أن نية الجماعة الذين كانوا يكيدون لي كيدا هي التخلص من شخص محمد مزالي.

أحمد منصور: معالي رئيس الوزراء أنت أشرت في مقابلة الرئيس بورقيبة لك أنه سألك عن التعريب، هل تعتقد أن توجهك للتعريب كان من الأسباب التي دفعت لإقالتك؟

محمد مزالي: طبعا. لأن المتآمرين عليّ والطامعين في خلافتي أقنعوا بورقيبة بأن سياسة التعريب هي التي مهدت صعود أو تصاعد الحركة الإسلامية، فربطوا بين التعريب وبين تنامي الحركة الإسلامية في تونس.

أحمد منصور: معنى ذلك أن فرنسا كانت أيضا غير راضية عليك وغير راضية على أن تكون رئيسا قادما للبلاد.

محمد مزالي: هذا شيء معروف.

أحمد منصور: كيف كان تأثير فرنسا أو طبيعة علاقة فرنسا مع نظام الحكم في تونس؟

محمد مزالي: يعني فرنسا كانت شاهدة على هذه المباراة العصيبة في ضمن قصر قرطاج، كانت تشاهد المباراة فقط.

أحمد منصور: بعد ذلك أنت منعت من السفر وأصبحت الآن تدرك تماما أنك مطلوب القبض عليك وتصفيتك كما أشرت وإعدامك.

محمد مزالي: نعم، التصفية كانت مبرمجة، مخططة، فزارني الكثير من المعارضين والتونسيين الأصدقاء ونصحني الجميع بمغادرة البلاد يعني الفرار بجلدي من البلاد، وخططت وحدي..

الهروب إلى فرنسا عبر الجزائر

أحمد منصور (مقاطعا): كيف خططت للهروب؟

محمد مزالي: خططت لأن هناك خططا اقترحت علي واخترت شخصيا خطة منها بالتعبير عن ثقتي في شهامة ورجولة الإخوة الجزائريين، فمن غير أن نعلمهم والحق يقال وصلت إلى الحدود..

أحمد منصور (مقاطعا): وحدك؟

محمد مزالي: هناك صديق أوصلني على السيارة إلى مكان يسمى حمام بورقيبة.

أحمد منصور: كيف كان لبسك زيك ما الذي كنت تحمله معك كيف ودعت أهلك؟

محمد مزالي: أنا لم أحمل شيئا، حملت معي فقط sack يعني صغير كالذي يحمله الرياضيون فيه جهاز راديو صغير وجهاز الحلاقة فقط يعني لم أحمل ولو قميصا.

أحمد منصور: أخبرت زوجتك وأولادك أن ستهرب؟

محمد مزالي: لا لا.

أحمد منصور: خرجت من البيت على أنك..

محمد مزالي: خرجت من البيت لأن يومها كان يوم 3 سبتمبر يوم عطلة.

أحمد منصور: 1986.

محمد مزالي:1986. وزوجتي راحت مع بعض الأولاد والأحفاد إلى شاطئ رأس جبل مسقط رأس عائلتها للاستحمام وكذا، وأنا بقيت وحدي، ابن واحد كان موجودا لم يصاحب أمه لأنه كان يعاني شيئا من البرد ففكرت أنه من الضروري أن أعلمه كما يقال باللغة العامية التونسية على حياة أو موت مش عارف أنه سأقطع أم لا، فأعلمته بالخطة فقط.

أحمد منصور: كانت تفاصيل الخطة تقوم على إيه؟

محمد مزالي: تقوم على الوصول إلى الحدود.

أحمد منصور: أي منطقة في الحدود؟

محمد مزالي: الشمالية.

أحمد منصور: أي منطقة؟

محمد مزالي: يعني منطقة عين دراهم. بعد عين دراهم حوالي 15 كيلو إلى حمام بورقيبة وهو مركز لمعالج أمراض الأنف والحلق وحذيت هذا المكان وهناك عناية ربانية لأن الحرس الوطني أوقف السيارة ثم سارع بالإشارة لي بالمرور لأنه كان يتحدث مع شاب آخر وأنا كنت وضعت يعني شوارب وعندي شاشية..

أحمد منصور: فأخفيت نفسك.

محمد مزالي: ونظارة سوداء.

أحمد منصور: كنت بالنهار أم بالليل؟

محمد مزالي: غادرت بيتي الساعة الواحدة بعد الزوال ووصلت بعد ساعتين أو ساعتين ونصف إلى الحدود وأقمت في بيت مبني بالحلفا وبالتبن.

أحمد منصور: كان مرتبا لك؟

محمد مزالي: لا لا، وإنما..

أحمد منصور (مقاطعا): فقط صديقك الذي أوصلك هو الذي كان يعلم بهروبك؟

محمد مزالي: نعم فقط.

أحمد منصور: لم يكن أحد في الطرف الآخر في الجزائر على علم؟

محمد مزالي: أبدا أبدا.

أحمد منصور: كنت ستهرب من الصحراء نفسها؟

محمد مزالي: لا، الصحراء هذه خطة من الخطط الأربع أو الخمس التي اقترحت علي. فبعد.. في شاب ابن هذا السيد ما عرفنيش كان غير موجود لما جاء الساعة الخامسة أو السادسة قلت له نشق؟ قال لا، قال لي حتى تغيب الشمس، قلت له لماذا؟ قال لي أن ثمة عيونا جواسيس هم حرس وطنيين، قلت له طيب، فبعد الغروب قلت له نمشي؟ قال لي نمشي، فأنا نحيت النظارات بتاعتي فهو قال لي أنت اسمك محمد مزالي لا، المسألة خطيرة ما نقدرش، فالسيد اللي معنا وأنا ما عندي ولا فلس ولا مليم والله ما عندي مليم، عندي قميص واحد هو لابسه.

أحمد منصور: ولا معك أموال ولا أي شيء؟

محمد مزالي: والله ما عندي حتى..

أحمد منصور: ولا تحمل هويات؟

محمد مزالي: عندي جواز سفر تونسي فقط، عادي.

أحمد منصور: كنت ستمر عبر الحدود الطبيعية أم ستمر عبر الأسلاك؟

محمد مزالي: لا الحدود الطبيعة يلزم الوقوف أمام مركز الأمن.

أحمد منصور: نعم. لكن هذا كان يمررك عبر الأسلاك.

محمد مزالي: عبر الأسلاك والغابات والجبال ثم نهر. فحب يترك..

أحمد منصور: يتراجع.

محمد مزالي: فأنا قلت للسيد هذا قلت أعطني بيلا وأنا مشيت وحدي والظلام أصبح دامسا ونزلت جبلا ثم قطعت واد تقريبا أربعين سنتمترا المياه لكن لم أر..

أحمد منصور (مقاطعا): ولا معك خريطة ولا معك أي شيء؟

محمد مزالي: أبدا، ولكن أمامي ظلام دامس.

أحمد منصور: ولا قرى تبان أمامك ولا أي شيء؟

محمد مزالي: لما أرفع رأسي أتبين بعض الأضواء الباهتة ثمة قرية حدودية جزائرية فكانت هي البوصلة ولكن بعدما شقيت الوادي وهويت وجرحت والدم، عندي للآن محرمة كلها دم وتراب وكذا، شقيت غابة فبعض الملابس تمزقت ثم أخذت أصعد الجبل أصعد أصعد إلى أن وصلت، فهناك بيت متواضع فيه سيد شاب وزوجته وأبناؤه عملت له إشارة، جاء وقف قال لي سي محمد مزالي!

أحمد منصور: عرفك!

محمد مزالي: إيه. قلت له من أين تعرفني؟ قال لي هو في المنطقة هذه في عندنا واحد ما يعرفش محمد مزالي!

أحمد منصور: في الجزائر أنت أصبحت.

محمد مزالي: إيه في الجزائر في الجزائر. قلت له بارك الله فيك، قلت له من فضلك خذني لمركز الأمن، قال لي ما فيش مركز أمن، قلت في إيه هنا؟ قال لي ثمة ثكنة تبعد خمسمئة متر تقريبا، قلت له امش. مشينا الخمسمئة متر في الجبل..

أحمد منصور (مقاطعا): كم ساعة استغرقت من الخروج إلى الوصول هذا المكان؟

محمد مزالي: يعني من وقت أن غادرت الكوخ تقريب ساعتين ساعتين ونصف.

أحمد منصور: فقط يعني صعود وهبوط وكل شيء.

محمد مزالي: كنت يعني أنا عندي لياقة بدنية رغم أن العرق كان يتصبب لكن كنت أشعر بأنني بصدد الفرار من الموت، وتذكرت قولة طارق بن زياد لما نزل بجنوده في أرض اسبانيا قال لهم "إن العدو أمامكم والبحر وراءكم"..

أحمد منصور: فأنت كنت تفر من الموت حتى وإن صادفت الموت.

محمد مزالي: كان الموت ورائي والحياة أمامي وثقتي بالإخوة الجزائريين، كانت علاقاتي كويسة معهم.

أحمد منصور: لكن العلاقات الجزائرية التونسية سيئة في ذلك الوقت.

محمد مزالي: لا لا كانت كويسة في وقتي أنا، كانت كويسة ممتازة.

أحمد منصور: لكن أنت استغللت علاقتك بهم إلى أنهم سوف يساعدونك، لكن ألم تكن مراهنة يمكن أن تخسر فيها؟

محمد مزالي: مراهنة طبعا، والحياة كلها مراهنة ولكن كنت أعرف أن الجزائريين أصحاب مبادئ وأنهم دائما ناصروا اللاجئين إليهم. الأخ أحمد بن صالح لما فر عند الجزائر تقريبا نفس المكان تقريبا، آووه وأسندوه وسندوه، فأنا راهنت على هذا. فالجندي الحارس لابس زي أزرق داكن حياني، عرفني، ثم نادى الضابط اللي أدخلني إلى قاعة النوم فارتحت عرق ودماء وكذا، جابوا شوية عنب وشوية دواء نظفوا لي هيك الجبين وكذا، ثم جاء شخص إلى آخره حتى دخلنا الثكنة،= ثم أخذوني إلى قسطنطينة ثم إلى الجزائر حيث وجدت نفسي في قصر مكرما معززا وجابوا لي ثيابا جديدة..

أحمد منصور (مقاطعا): وعلموا أنك هارب؟

محمد مزالي: نعم، قلت لهم إيه، ثم مسؤول كبير يعني استقبلني في مدخل القصر وأعطاني التلفون قال لي كلم زوجتك كلمتها قالت لي أين أنت الآن؟ قلت لها والله أنا في باليرم في صقلية، حتى نوجه الشرطة نحو البحر لا نحو الجبال. قالت لي متى ستعود؟ قلت لها والله حالما يتيسر ذلك، ولكن أظنهم فطنوا البوليس فطن..

أحمد منصور: هم متى أدركوا أنك هربت؟

محمد مزالي: بعد يوم.

أحمد منصور: واحد فقط. هل سعوا للقبض عليك ثم فوجئوا ولا من أين عرفوا؟

محمد مزالي: لا لا، أدركوا هروبي بعد فوات الأوان ولهذا جن جنونهم وألقوا القبض على أبنائي وعلى ابنتي وهي صبية ووضعوهم في السجن، هناك ابني طبيب ابني بيطري كلهم عذبوهم عذابا بدنيا يعني. يعني أمور كبيرة يعني.

أحمد منصور:كم يوما بقيت في الجزائر؟

محمد مزالي: أربعة أيام.

أحمد منصور: ثم ذهبت إلى باريس.

محمد مزالي: ثم ركبت الطائرة ونزلت في لوزان..

أحمد منصور (مقاطعا): كلاجئ سياسي.

محمد مزالي: نزلت في جنيف.. لا لا، بجواز سفر عادي ما كانش في فيزا في تلك الأيام، جواز السفر التونسي كان يفتح الأبواب سويسرا وفرنسا وغيرها. ورحلت إلى عائلتي الثانية وهي اللجنة الأولمبية الدولية التي آوتني وتحملت..

أحمد منصور (مقاطعا): ألم يعرض عليك الجزائريون اللجوء السياسي؟

محمد مزالي: لا لا، أنا لم أطلب.

أحمد منصور: فقط هم ساعدوك في الهروب.

محمد مزالي: لم أطلب لأنني كنت دائما ولا أزال بطبعي متفائلا وكنت ولا أزال إلى الآن أعتبر أن النفي وقتي وأنه لا بد أن تتسوى الأمور وتزول الالتباسات.

أحمد منصور: ولا زلت منفيا منذ 13 عاما.

محمد مزالي:13 عاما.

أسباب الحكم بالسجن والحياة في المنفى

أحمد منصور: في العام 20 أبريل 1987 تم الحكم عليك بالسجن 15 عاما بتهمة سوء التصرف بأموال الدولة وغرامة مقدارها سبعمئة ألف دولار تقريبا، ولا زالت هذه التهمة ملصقة بك حتى اليوم.

محمد مزالي: يعني الحكم هذا غيابي هذا نتيجة تدخلاتي في الإذاعة والتلفزيون في فرنسا في سويسرا في بعض القنوات العربية في الجرائم العربية والفرنساوية فجنوا لأنني كنت أدافع عن أطفالي الموقوفين والمسجونين عن زوجتي التي كانت في إقامة جبرية عن شرفي الذي حاولوا تلطيخه في الجرائد التونسية المأجورة، فجنوا لأنني لم أصب بالانهيار لم أبك لم أتباكى لم أتوسل بل وقفت على قدمي ودافعت عن شرفي وعن شرف عائلتي وعن عملي..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن كيف تدافع عن هذه الاختلاسات الموجهة إليك؟

محمد مزالي: هذه مضحكة، يعني كل من يعرف محمد مزالي واستقامة محمد مزالي ونظافة يد محمد مزالي وزوجته وعائلته يضحك من هذه التهم، لأن أبنائي إلى حد الآن يقيمون في بيوت على وجه الكراء، يعني هل أنت سمعت برئيس حكومة في العالم العربي أو غير العالم العربي أبناؤه لا يملكون ولو شقة ولو فيلا؟ فهذا هو الواقع.

أحمد منصور: لكن أليس لك أموال طائلة في الخارج الآن تتنعم فيها؟

محمد مزالي: يعني لو كانت هذه الأموال موجودة لأدرك الجميع وجودها وأهميتها ولكن أنا أقول ورأسي مرفوع ولا أحد يستطيع أن يقول عكس هذا إني لم أفتح حسابا جاريا لا أنا ولا زوجتي ولا أولادي في الخارج أبدا.

أحمد منصور: من أين تعيش الآن؟

محمد مزالي: أعيش بفضل بعض الدول العربية الخليجية التي لا تتدخل في سياسة تونس وإنما تحترم الصديق الذي تعاون معهم لوجه الله والذي.. قدروا نزاهته.

أحمد منصور: وأنت في عهدك كانت العلاقات التونسية الخليجية..

محمد مزالي: ممتازة، أنا أسستها وربما أعجب بي بعض الملوك والرؤساء.

أحمد منصور: يعني أنت تقر الآن بأنه ينفق عليك من بعض الدول الخليجية؟

محمد مزالي: وهذا سأكتبه وأقوله ولا حرج.

أحمد منصور: في ختام هذه الشهادة ما هو تقييمك لما يقرب من أربعين عاما من العمل السياسي وثلاثين عاما من البقاء في السلطة؟

محمد مزالي: أعتبر أنني قمت بواجبي واجتهدت ولا شك أنني أخطأت والبشر خطاؤون ولكن ما أنجزت لبلدي وما أنجزت في مستوى العالم العربي ولا فخر يشفع لي لأنه في ميزان الأعمال إيجابية إن شاء الله تكون أهم وأكثر وزنا من الأعمال السلبية وضميري مرتاح.

أحمد منصور: هل تطمح للعودة للعمل السياسي مرة أخرى؟

محمد مزالي: لا خلاص.

أحمد منصور: حتى إذا توفرت لك الفرصة؟

محمد مزالي: لا خلاص، يعني أنا مستقبلي ورائي من الناحية السياسية ولكن لا أزال أؤمن بأنني أستطيع أن أخدم بلدي ثقافيا ورياضيا بالمحاضرات يعني وأعود إلى بلدي يوم أن يرد الاعتبار وينقض الحكم الكيدي الجائر الذي استصدروه من عدالة غير مستقلة لأن بعض الناس يقولون هناك عدالة حكمت، أي عدالة؟! وهذا أقوله بكل صراحة وأتحمل مسؤوليتي فيه.

أحمد منصور: هناك من يقول بأنك حصلت على الجواز التونسي لأنك تستعد إلى العودة.

محمد مزالي: يوم 14 مايو، ونوديت من طرف القنصل العام التونسي وكانت مفاجأة سارة واستقبلني بكل لطف مشكورا وأعطاني جواز سفر تونسي عادي فشكرته وعبرت عن هذا في بعض الصحف العربية.

أحمد منصور: هل تنوي العودة إلى تونس الآن؟

محمد مزالي: أعود حالما ينقض الحكم الكيدي الصادر في 1987.

أحمد منصور: حينما تعود ألن تغير شيئا في هذه الشهادة التي أدليت بها؟

محمد مزالي:لا أبدا. أبدا.

أحمد منصور: تتحمل المسؤولية الكاملة عن كل ما قلته؟

محمد مزالي: أتحمل، لأنهم لم يحاكموني سياسيا.

أحمد منصور: هل هناك شيء أنت نادم عليه في حياتك السياسية؟

محمد مزالي: والله أنا نادم على شيء كبير قد لا يصدقه البعض هو أنه لماذا دخلت في عام 1956، 1957 في بحران السياسة، كنت أتمنى أن أبقى أستاذا وأكمل يعني أطروحة دولة جامعية وأكون أستاذا جامعيا وأساهم في الصحافة وأبقى مثقفا أحسن من السياسة، ولكن معلش خدمت بلدي في التعليم في الصحة في الدفاع عن وطني في الإذاعة في التلفزيون في الشباب والرياضة في توجيه الناس بقدر الإمكان فهذا قد يكون شفيعا لي.

أحمد منصور: ماذا تقول لعشرات الملايين من العرب الذين تابعوا شهادتك هذه على مدى الحلقات الثماني الماضية في ختام هذه الشهادة؟

محمد مزالي: أحييهم تحية الأخ لإخوته وأسألهم أن يتحروا وأن يتذكروا الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات:6] يعني التحري الموضوعية وأن يتعاطفوا مع هذا المواطن الذي آمن بعروبته بإسلامه بشخصيته بأصالته والذي حاول أن يخدم أمته بالثقافة والفكر قبل السياسة.

أحمد منصور: السيد محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق أشكرك شكرا جزيلا على كل ما تفضلت به في هذه الشهادة على العصر. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة ضيف آخر جديد في هذا البرنامج، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.