- أهوال الصيف والشتاء والصراع من أجل الحياة
- خروج الرسالة الأولى وتنظيم برنامج للاستمرار
- اختراع الكابازال والقبض على الشمس

- زيارة الموت الأولى وتعامل الحراس مع المعتقلين

أحمد منصور
صالح حشاد
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الرائد طيار صالح حشاد قائد سرب الطائرات التي قصفت طائرة الحسن الثاني في محاولة انقلاب أوفقير التي وقعت في شهر أغسطس عام 1972 وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب. مرحبا بك.

أهوال الصيف والشتاء والصراع من أجل الحياة

صالح حشاد: أهلا وسهلا.

أحمد منصور: قبل أن أبدأ معك وقد نقلت إلى تزمامارت في الحلقة الماضية وشرحت الزنزانة وشكلها، تقريبا أنا عشت معظم أهوال تزمامارت من خلال ما كتب، لا أعرف إن كان أحدا قد قرأ كل ما كتب لكن تقريبا قرأت كل المذكرات التي كتبها زملاؤك حتى ما كتب بالفرنسية مثل كتابك أنت ترجمته ترجمة خاصة لي واطلعت عليه. الأمر يعني به من الأهوال ما أريد أن يعيشه المشاهد على قدر المستطاع لأن لم يُتخيل أن إنسانا يفعل في بشر مثلما فُعل بكم. ذهبت إلى تزمامارت، قضيت الليلة الأولى والليالي التالية ووجدت أنك يجب أن تتعايش أنت ومن معك في هذا الوضع الذي كنتم فيه لكن بين سطور الكتب والمذكرات التي كتبت شعرت أنه في الأسابيع الأولى وربما في العام الأول بدأ شيء من الهستريا والجنون يسيطر عليكم.

صالح حشاد: هي صحيح في الأول يعني المسافة ما بين الزنازين ولما بدأ الكل يتكلم ويصيح يعني هذا كان شيئا رهيبا، الإنسان يعني وبدأ الأصدقاء في الأيام الأولى كان أمل خفيف يعني أن ربنا يمهد لنا الأشياء لنخرج إلى الخارج ولكن مع طول الأيام لم يتم شيء وبدأنا دخلنا في مرحلة قاسية وهي لمدة خمس سنوات وفي هذه المرحلة..

أحمد منصور: السنوات الخمس الأولى..

صالح حشاد: الخمس الأولى..

أحمد منصور: كانت أصعب سنوات عليكم.

صالح حشاد: يعني هذا بالنسبة لي يعني كما عشت تزمامارت أفرق بين المراحل بالنسبة لي لأنه غادي تحدث بعض الأشياء..

أحمد منصور: في مراحل أخرى.

صالح حشاد: بالنسبة لي في مراحل أخرى، إذاً في هذه السنوات كانت قاسية جدا..

أحمد منصور (مقاطعا): ما أصعب ما كان في السنوات الخمس الأولى؟

صالح حشاد (متابعا): كنا نعيش كما تعيش الحشرات يعني ليست عيشة لإنسان يعني الظروف قاسية الزنزانة يعني مظلمة، فصل الصيف الحرارة تفوق 42 يعني كيف يمكن لإنسان أن يعيش في هذه الظروف؟ ولكن الأسوأ..

أحمد منصور (مقاطعا): 42 خارج الزنزانة؟

صالح حشاد: يعني نحن داخل الزنزانة تفوق أربعين سنتيغراد..

أحمد منصور: دون هواء؟

صالح حشاد: دون هواء نقي ودون تغير الهواء..

أحمد منصور: صف لنا الصيف داخل الزنزانة.

صالح حشاد: والله يعني الصيف حرارة كثيرة يعني ولكن المشكل الرئيسي الذي كنا نتخبط فيه وهو في الليل نريد أن ننام شيئا ما ولكن هناك مئات الحشرات تهجم علينا في الليل..

أحمد منصور: مئات!

صالح حشاد: مئات ولهذا الكثير منا لا يستطيع أن ينام إذاً يظل في الليل يقفز ليبتعد من هذه الحشرات، وفي النهار نستطيع أن ننام شيئا ما لنكون يقظين في الليل، وهذه نكتة يعني كل يوم سنحكي لأصدقائنا قتلت مائة بقة يعني الآخر يقول خمسين إلى آخره، هذه يعني الظروف التي بدأنا نعيش فيها. ولكن كنا دائما نحمل الأمل أن ربنا سيغير الأوضاع، وكنا نصيح ونضرب الأبواب ونطلب من الحراس أن يأتوا بالمدير إلى آخره ولكن لم نلق أي أذن..

أحمد منصور: من كان يسمعكم وأنتم في هذا الممر وفي هذه الزنازين حتى لو طرقتم، هل كان الحراس يسمعونكم؟

صالح حشاد: ليس الحراس ولكن الحراس الذين يحرسون على السجن..

أحمد منصور: من الخارج.

صالح حشاد: أيوه من الخارج كانوا يسمعون الأبواب ويأتي الحراس..

أحمد منصور: وماذا كانوا يفعلون لكم؟

صالح حشاد: يفعلون، لا يفعلون شيئا.

أحمد منصور: النقيب بالكبير يقول "في الصيف درجة الحرارة ملتهبة والزنزانات تثير شعورا بالاختناق، يضطر السجين لإلصاق أنفه على خصائص الباب ليستنشق الهواء البارد وعندما ينهكه الحر ويغدو صدره كالنار يهرع إلى سريره يبحث عن بعض الراحة فتهاجمه من جميع الأرجاء الحشرات الطفيلية البق والبراغيث والخنافس والرتيلاء والعقارب تندس بمكر تحت الغطاء، كان هذا الحيوان الكريه يمنعنا من القيام بأي حركة طائشة".

صالح حشاد: هذا صحيح، هذه هي تزمامارت هذه هي زنزانة تزمامارت وهذه هي حياتنا التي دامت مدة خمسة أشهر يعني هكذا..

أحمد منصور: وكيف كان الشتاء؟

صالح حشاد: الشتاء كانت يعني الحرارة تهبط ربما ثلاثة يعني تحت الصفر وهذا كان مرعبا أيضا لأن الغطاء لم يكن لدينا غطاء ولهذا كان السجين أيضا في الليل يريد أن ينام لا يستطيع أن ينام والذي ينام سيصبح مريضا بكثرة البرودة..

أحمد منصور: "الشتاء جليدي، الثلج يتساقط في تزمامارت، يستيقظ السجين وسط الليل وهو يرتعش فينصرف إلى رقص مجنون.."

صالح حشاد: رقص مجنوه إيه.

أحمد منصور: ".. ليدفأ كما أن صرير الصفيح وهو يتقلص يعطي لتلك اليقظة طابعا شيطانيا".

صالح حشاد: شيطانيا. هذه صفة والله صورة جميلة لتزمامارت ما قاله هذه هي الحقيقة، وهكذا مرت الأيام.

أحمد منصور: كيف كنتم تتعاملون مع الأمراض؟

صالح حشاد: بعد سنة أولا يعني كان بيننا أتى السجناء الذين حكموا بثلاث سنوات، وبعد سنة نطق واحد من هؤلاء السجناء وطلب من الحراس أنني قضيت الثلاثة عقوبتي..

أحمد منصور: وأريد أن أخرج.

صالح حشاد: أريد أن أخرج، قالوا له ok سنذهب إلى المدير سنبلغ رسالتك، في الغد جاء حارس وقال له حكمت بثلاث سنوات؟ هنا يا أخي لا تقل ثلاث سنوات، هنا قل إلى الأبد هذا هو آخر المطاف، الذي دخل تزمامارت لن يخرج منها أبدا. هنا عرفت أننا حكم علينا بالموت البطيء في تزمامارت. الظروف كانت غير إنسانية كنا نعيش يعني لا يمكن وصفها لأنه بكثرة الآلام وبكثرة المشاكل وهكذا بدأنا، بدأ.. الأكل كان هزيلا لا دهنيات ولا لحوم ولا أي شيء.

أحمد منصور: كان واضحا أن هناك صراعا بين الحياة والموت، جاء بكم الحسن الثاني حتى تموتوا في هذا المكان لكنكم تشبثتم بالحياة..

صالح حشاد: تشبثنا بالحياة.

أحمد منصور: كيف كان الصراع؟

صالح حشاد: والله كان صراعنا قويا، لأنه عرفنا بأننا رمينا هنا للموت إذاً فعلينا أن نفعل شيئا واحدا وهو أن نستمر في الحياة.. كان ربما يقع شيء ما.

أحمد منصور: كيف استطعتم السيطرة على الأوضاع وأنتم تغالبون الموت وتتشبثون بالحياة؟

صالح حشاد: وهذه كانت نقطة من قوتنا في العمارة لما أحسسنا بيننا الصداع وهذه الهستريا والناس بدأت تضرب الأبواب، هذا الصداع هو خطر للجميع إذاً هنا بدأنا نفكر في خطة جماعية وناقشناها وهي أن يكون لنا برنامج مدقق للمرور في الحياة في هذه الظروف الصعبة..

أحمد منصور: ما أهم عناصر هذا البرنامج؟

صالح حشاد: البرنامج وهو كالتالي، في الصباح لما نسمع صوت العصافير واحد من الزنزانة أو بعد الآخر سيقرأ آيات من القرآن الكريم ويدعو إلى الله أن يفرج عنا، هناك نبدأ الكلام بكلام خفيف يعني ليس بصداع يعني كل واحد يتكلم مع صديقه الذي بجانبه أو أمامه ثم..

أحمد منصور (مقاطعا): من كان بجانبك ومن كان أمامك؟

صالح حشاد: كان أمامي الملازم منصت، لي معه قصة لأنه أنبأني بشيء جميل سنأتي إليه لما نمر إلى الرسائل. وكان..

أحمد منصور (مقاطعا): منصت كان من الصخيرات ولا..

صالح حشاد: كان من الصخيرات.

أحمد منصور: من كان إلى جوارك؟

صالح حشاد: كان الطويل بجواري..

أحمد منصور: مبارك الطويل.

صالح حشاد: وكان بجوار منصت النقيب الوافي، الوافي الذي حكم بعشر سنوات، من بعد كان أمامي من أهرمومو النقيب غلول، غلول ليس.. لأنهما اثنان. وهكذا مرت الأمور.

أحمد منصور: متى رأيتم وجوه بعضكم لأول مرة؟

صالح حشاد: والله بعد سنين يعني لم أكن..

أحمد منصور: فقط لم تكونوا تعرفون بعضكم إلا بالصوت.

صالح حشاد: بالصوت، وأعرف عائلته وما يجري في عائلته وأصدقاءه وأباه وأخوته ولكن لم أصفه يعني حسب صوته لأني كنت أعرفه بصوته. وهكذا أخي المنصت هو من بعد سنوات ربما أربع سنوات وخمس..

أحمد منصور: خمس سنوات، أول مرة تراه بعد خمس سنوات.

صالح حشاد: أيوه..

أحمد منصور: رغم أنه في الزنزانة المقابلة لك!

صالح حشاد: مقابلة لي يعني أتكلم معه كل يوم.

أحمد منصور: كيف كانت صورته حينما رأيته؟

صالح حشاد: والله أنا كنت أتخيله رجلا طويلا، لما رأيت منصت لأول مرة كانت صدمة كبيرة..

أحمد منصور: صدمة لماذا؟

صالح حشاد: رأيت إنسانا يعني رقيق القامة وكانت له لحية هيك هوشي منه، يعني لحية هوشي منه، وكان يلبس نظارات ولكن حيدوا النظارات وهكذا ترى يعني بأنه كان يلبس النظارات تشوف وكان له شعر طويل، طويل يصل إلى ركبتيه، هكذا رأيته..

أحمد منصور: طبعا لم تكونوا تحلقون شعوركم..

صالح حشاد: لا لم يكن أي شيء..

أحمد منصور: ولا تستحمون ولا تقصون أظافركم ولا..

صالح حشاد: ورأيت الشعور تهبط إلى ركبتي هكذا وشعور يعني رطبة وخفيفة يعني تهبط أمامي. لما رأيته والله ابتسمنا وهو قال لي أيضا لما رأيتك يعني كنت أتخيلك بشكل آخر، هكذا يعني..

أحمد منصور: يعني طيار وقائد سرب طويل وعريض..

صالح حشاد: هذه أرجعتني إلى الوراء، طويل وطيار.. يعني المهم رأيت منصت ورآني في الحقيقة والله كانت صدمة بيننا وصرنا نضحك.

أحمد منصور: أنا ما تعجبت له أيضا وأنا أطالع المذكرات، حتى ربما في العام الماضي حينما زرتك التقيت مع بعض الذين كانوا في تزمامارت وكثير منهم رووا لي بعض الأشياء. لم ير أحد منكم الآخر إلا بعد خمس سنوات!

صالح حشاد: أيوه.. يعني تقريبا..

أحمد منصور: تقريبا يعني. وكل واحد فيكم حينما رأى الآخر ذهل بمنظر الآخر ولم يكن يتخيل..

صالح حشاد: أيوه، كل كان يتخيل بشكل آخر حسب الصوت وحسب.



خروج الرسالة الأولى وتنظيم برنامج للاستمرار

أحمد منصور: أول رسالة خرجت من سجن تزمامارت خرجت في 20 أغسطس عام 1973..

صالح حشاد: أيوه.

أحمد منصور: وكانت منك أنت إلى زوجتك، ما معنى النجاح الآن في أن تربطوا اتصالا مع عائلاتكم؟

صالح حشاد: والله أول هاجس كان لذهني يعني عرفت بأننا في هذا السجن الرهيب كنت دائما أفكر في ربط اتصال مع عائلتي هذا هو المهم الوحيد يعني لتكون عائلتنا على.. ولكن الأهم هو أن تكون على علم..

أحمد منصور: بأنك على قيد الحياة..

صالح حشاد: على قيد الحياة وما يجري في تزمامارت، إذاً كان حارس كان رجلا قيما كان لي وطلبت منه، هل ممكن أن؟ قال لي أنت من أين؟ قلت له أنا من القنيطرة، زوجتي صيدلانية وهكذا، وهو كان يقطن بجانب القنيطرة، وهكذا من بعد قال لي يوما أتاني بورقة وكتبت رسالة ولكن..

أحمد منصور: كتبتها بأي شيء؟

صالح حشاد: لا، أتاني بطرد من الشمع يعني ولكن دائما فكرت بأن ربما شيء.. ربما يريد أن..

أحمد منصور: يوقع بك.

صالح حشاد: أن يلعب بي أو شيئا ما، إذاً كتبت إلى زوجتي، غادرنا القنيطرة ونحن في هذه.. ولم أقل لها شيئا يعني عن..

أحمد منصور: حتى تمضي سنة أو..

صالح حشاد: والرجل الذي سيأتي بهذه الرسالة هو رجل طويل له.. يعني الصفة..

أحمد منصور: وصفته زوجتك في مذكراتها.

صالح حشاد: أيوه. إذاً ذهب بالرسالة الأولى، والثانية..

أحمد منصور: هذا كان اسمه أحمد..

صالح حشاد: أحمد خربوش. لما بدأت الثقة يعني أحسست أنه ثقة هنا كتبت إلى زوجتي قلت لها ما يجري في تزمامارت وأرسلي لنا الدواء إلى آخره، وفعلا أتى بشيء من الدواء ولكن وا أسفاه ألقي عليه القبض وتم التفتيش، ولكن النقطة الأهم هنا وهي كانت في جيبه الرسائل ولما بدؤوا التفتيش..

أحمد منصور (مقاطعا): بعد شهرين ألقي القبض عليه، في أكتوبر.

صالح حشاد: أيوه. لما بدأ التفتيش كان له صديق..

أحمد منصور: من السجانين.

صالح حشاد: من الحراس الذين بدؤوا تفتيشه وهكذا غمز إلى صاحبه وقال له عندي رسائل وهكذا أخذ الرسائل الحارس الذي الآن نسميه ملاك تزمامارت.

أحمد منصور: هذا الذي ظل إلى طوال الـ 18 عاما يربط بينكم وبين عائلاتكم.

صالح حشاد: أيوه، من سنة 1978 يعني بعد خمس سنين من 1973 إلى1978.

أحمد منصور: يعني أنتم قعدتم من 1973 إلى 1978..

صالح حشاد: عشنا تزمامارت القاسية وبدأنا في موت بطيء..

أحمد منصور: اللي هي الخمس سنوات الأولى هذه.

صالح حشاد: أيوه هذه المرحلة الأولى..

أحمد منصور: لكن فقط زوجتك علمت أنك على قيد الحياة..

صالح حشاد: على قيد الحياة وأنني في تزمامارت..

أحمد منصور: وبقيت إلى 1978..

صالح حشاد: إلى 1978 لم تعلم شيئا.

أحمد منصور: لكن متى هذا الحارس.. لو تذكر اسمه تكريما له لأن..

صالح حشاد: سي محمد الشربادوي يعني..

أحمد منصور: هو لا زال على قيد الحياة.

صالح حشاد: والله لا زال على قيد الحياة وهو رجل طيب ورجل عظيم لأن ضميره يعني لم يسمح -قالها لي بالحرف- ضميري لم يسمح لي أن أرى هذا المنكر يعني هذه الأشياء وهكذا..

أحمد منصور: كل زملائك الذين كتبوا عن أهوال تزمامارت حتى سموه ملاك تزمامارت يعني هو كان في نفس الوقت نائب مدير السجن..

صالح حشاد: أيوه نائب مدير السجن.

أحمد منصور: في مذكراتك أيضا تقول إنه في بداية العام 1974 -أنا لسه في الخمس سنين الأولى لأنها كانت خمس سنوات عصيبة- "سادت الفوضى الجناح، الرجال أصبحوا قريبين من الجنون، كان لا بد من الاتفاق على مواجهة الموت والتشبث بالحياة".

صالح حشاد: هذا صحيح لأنه يعني الظروف يعني كانت قاسية إلى أن وصلنا إلى الحد يعني الذات فقدت جميع الاحتياطات التي كانت فيها، إذاً أصبحنا العقل تاه يعني وأصبح مريضا ولهذا بعد الهستريا وصلنا إلى الموت بدأ الموتى في العمارة في..

أحمد منصور: بدأ الموت في..

صالح حشاد: في 1977.

أحمد منصور: 1974 فبراير كان أول من مات منكم؟

صالح حشاد: 1977.

أحمد منصور: محمد الشمسي؟

صالح حشاد: لا، لا، هنا نفرق بين أشياء، كانت العمارة الأخرى لم نعلم عنها شيئا..

أحمد منصور: على الإطلاق؟

صالح حشاد: لم نعلم أي شيء عن العمارة الثانية.

أحمد منصور: خلينا نقول العنبر علشان يفهموا المشاهدين في مصر، السجن كان عبارة عن عنبرين، عنبر لكم فيه 28 زنزانة؟

صالح حشاد: 29 زنزانة.

أحمد منصور: وهناك 29 زنزانة في العنبر الآخر.

صالح حشاد: 29 زنزانة أيوه.

أحمد منصور: إذاً 58 زنزانة كانوا كل الاثنين، الـ 29 زنزانة في العنبر الآخر كانت..

صالح حشاد: يعني أسوأ أكثر منا في.. عاشت تزمامارت بحيث أن أربعة فقط..

أحمد منصور: نجوا.

صالح حشاد: نجوا.

أحمد منصور: و24 ماتوا.

صالح حشاد: ماتوا.

أحمد منصور: يعني العنبر الأول مات فيه 24 داخل السجن.

صالح حشاد: أيوه، ونحن نجا منا 24.

أحمد منصور: يعني أنتم خمسة فقط ماتوا من عندكم و24..

صالح حشاد: أيوه.

أحمد منصور: أول من مات من المجموعة كلها كان الطيار محمد الشمسي..

صالح حشاد: الطيار الشمسي.

أحمد منصور: في 1974. أنتم متى علمتم بوفاته؟

صالح حشاد: من بعد في الثمانينات لما جاؤوا بستة من العنبر الذي كان يقطن فيه الشمسي جاؤوا بهم إلى عنبرنا إذاً وحكوا لنا ما وقع في العنبر..

أحمد منصور: في العنبر الآخر. الموت حينما زاركم للمرة الأولى، صف لنا كيف جاء الموت إلى عنبركم وكيف اختطف..

صالح حشاد: والله كنا كما قلت وصلنا إلى يعني وصلنا إلى الحد يعني من ولو نظمنا أنفسنا ولكن قوتنا كانت في التنظيم الذي نظمناه وعشنا به إلى أن أفرج الله عنا، وهذا التنظيم جعلنا يعني نعيش في عالم آخر، فقدنا العالم الذي كنا فيه..

أحمد منصور: لم تكونوا على صلة بالعالم الخارجي.

صالح حشاد: الخارجي. إذاً عشنا عالمنا نحن ونظمنا رؤوسنا وكانت لنا حركة يعني لنستمر في الحياة حركة ثقافية وحركة..

أحمد منصور (مقاطعا): اعط المشاهدين جانبا من هذه الحياة.

صالح حشاد: والله كان لنا برنامج مليء بالأشياء مثلا عند الصباح لما يأتوا لبضع دقائق يرمون لنا شيئا من الخبز ويذهبون فنبدأ برنامجنا يعني أولا نبدأ بالقرآن الكريم يعني في أول المطاف لم يكن لنا كتب أو أشياء ولكن كل واحد منا كان في رأسه حزبا أو حزبين..

أحمد منصور: يحفّظ الآخرين.

صالح حشاد: يحفّظ لنا، وهكذا بدأنا كانت حصص الثقافية بالإنجليزية، الكل كانوا في الولايات المتحدة إذاً كانت دروس للإنجليزية للآخرين، الإسبانية كذلك، وكنا نأخذ وقتا للتفريج عنا نحكي حكايات إلى آخره، واستمر..

أحمد منصور: كل واحد منكم تعرف بالتفصيل الممل على حياة الآخر وعائلته وأبنائه إذا كان له أبناء وكل ما يتعلق..

صالح حشاد: الكل كان يعرف أبنائي هدى وخليل ويعرف كل شيء عنا، حتى أن الصديق الذي كان بجانبي وجاء من بعد اسمه المشاوي أقسم لي بالله لأنه من بعد يشوف الصورة، أقسم بالله إذا أفرج الله عنا وإذا تزوج وكان له بنت وولد سيسميهما هدى وخليل لأنه كان صديقا حميما إلى آخره، وأفرج الله عنه وأتاه الله بطفل وأسماه خليل..

أحمد منصور: خليل ولد وأنت في السجن ولم تر خليل على الإطلاق إلا بعد الإفراج عنك.

صالح حشاد: نعم لم أره على الإطلاق..

أحمد منصور: ولم تر هدى إلا وعمرها؟ آخر مرة رأيتها كانت؟

صالح حشاد: رأيتها كان عمرها 15 عاما..

أحمد منصور: لا، حينما دخلت إلى السجن كم كان عمرها؟

صالح حشاد: 15 عاما..

أحمد منصور: شهرا.

صالح حشاد: إيه شهرا، لما بدأت تمشي على الأرض.

أحمد منصور: ولم ترها بعد ذلك إلا..

صالح حشاد: لا، لم أرها بعد ذلك..

أحمد منصور: عام 1991.

صالح حشاد: لما أفرج الله عنا. ولكن في السجن المركزي قمت بجميع الوسائل لأرى ابني يعني أول مرة بعد زيارتي يعني قمت بأشياء مثلا قلت لامرأتي أن ترسل لي شيئا من الدراهم يعني فأرسلت لي كمية لا بأس بها من الدراهم ولكن لما وصلوا لي قلت لهم لا، لا أريد هذه الدراهم ارجعوها إلى زوجتي، إذاً طلبت من أنه لما تجي زوجتي أن يذهبوا بي لأقول سأرجعهم لك وتأتي بخليل في ذراعها ولكن لم يتم هذا، رغم يعني حاولت..

أحمد منصور: كيف كان خليل في مخيلتك؟

صالح حشاد: والله من بعد ست سنوات يعني تعرفت عليه في الصورة، في الصورة..

أحمد منصور: أول مرة ترى صورته بعد ست سنوات.

صالح حشاد: أيوه.

أحمد منصور: وكيف كانت هدى في مخيلتك؟

صالح حشاد: وهدى كانت لها صورة في ذهني لما تركتها وهي في السن ولكن من بعد ست سنوات يعني جاءتني الصورة يعني..

أحمد منصور: هذه الصورة التي جاءتك للمرة الأولى حملها الحارس الأول الذي قبض عليه وظلت في حوزة الحارس الثاني عدة سنوات..

صالح حشاد: لمدة سنوات أيوه..

أحمد منصور: ثم أعطاها لك.

صالح حشاد: أكثر من خمس سنوات..

أحمد منصور: ثم أعطاها لك وشرح لك كيف.. أنت قلت إن ابنك من المفترض أنه غير هذا، بقي محتفظا بالأشياء خمس سنوات..

صالح حشاد: أيوه..

أحمد منصور: ثم أعطاها لكم بعد خمس سنوات وبدأ يربط بينكم وبين عائلاتكم.

صالح حشاد: أيوه. لما وقعت الواقعة بدأ الحراس يعني هستريا كثيرة أخذتهم وصاروا يسبوننا ويلوموننا ويضربون علينا الأبواب ويعني يقولون لم تموتوا؟ موتوا، يعني يريدون قتلنا، قالوا يعني تريدون أن تسببوا لنا في أشياء يعني لما قبضوا خربوش إلى آخره..

أحمد منصور: لما قبضوا على أحمد خربوش..

صالح حشاد: على أحمد خربوش.

أحمد منصور: فظل الكل في رعب خمس سنوات.

صالح حشاد: خمس سنوات.

أحمد منصور: لم يمد لكم أحد يد المساعدة..

صالح حشاد: أحد يده ولم.. ولكن كمثل مثلا صديق بدأ يعني يصيح في الليل وجاء الحراس وقالوا مالك؟ قال يعني عنده ضرسه يعني تؤلمه يطلبهم يقول لهم يعني اذهبوا إلى المدير وائتونا بكلاب باش نحيد الضرس هذا، لم يفعلوا شيئا.



[فاصل إعلاني]

اختراع الكابازال والقبض على الشمس

أحمد منصور: خمس سنوات لم تخرجوا من باب الزنزانة؟

صالح حشاد: خمس سنوات.

أحمد منصور: وأول مرة ترى من أمامك كان بعد خمس سنوات.

صالح حشاد: كان بعد خمس..

أحمد منصور: من كان الشخص الذي رأيته؟

صالح حشاد: والله أنا يعني رأيت الذين كانوا بقربي يعني منصت..

أحمد منصور: يعني فقط كان يتاح لك أن ترى من هنا.

صالح حشاد: أيوه كنا أرى من هذا الثقب الصغير يعني نرى يعني الطويل كان يعني بجانب منصت أقدر أراه الطويل رأيته ولكن أعرفه الطويل كان معي.

أحمد منصور: في وسط هذا حتى تواصلوا الحياة اشتهرت بأنك كنت مخترعا اخترعت أشياء..

صالح حشاد: أيوه في هذه المرحلة هذه السنين الصعبة بدأنا يعني بدأ ما نسميه في تزمامارت بعهد الاختراع يعني وفي الحقيقة اخترعنا أشياء كثيرة..

أحمد منصور: المرآة مثلا، نبدأ بها.

صالح حشاد: والله أولا لأنه بما كنا ما كان لدينا نور كنا يعني عايشين في الظلمات ولكن يعني فكرت في أشياء كثيرة ومن بينهم هذا الاختراع الذي هو اختراع عظيم، كما قلنا الزنزانة مكونة من ثقب هذا الثقب يعطي إلى السماء.. لا إلى السماء إلى السقف الآخر.

أحمد منصور: ليس إلى السماء بل إلى السقف الآخر.

صالح حشاد: وهنا..

أحمد منصور: السقف الآخر الشمس أحيانا تأتي منه.

صالح حشاد: تأتي منه يعني بعد الثالثة مساء وشيء تأتي ولا تدخل إلى الزنزانة بل تأتي يعني فوق رأس الثقب.

أحمد منصور: لكن لا تدخل إلى الزنزانة.

صالح حشاد: لا، لا تدخل إلى الزنزانة.

أحمد منصور: فقط ترون ضوءها.

صالح حشاد: الضوء نراه بجانب المدخل يعني الثقب، الثقب كان طويلا هكذا إذاً أرى الشمس في الجانب، المهم هو بدأت أفكر، لماذا جاءتني الفكرة هكذا يعني ترى النور يأتيك يعني..

أحمد منصور: دعها حتى المصور يستطيع أن ينقلها إلى الناس كما..

صالح حشاد: هكذا يمر الضوء تماما، يعني في الليل لما يشعلوا الأضواء التي كانت هنا تحت السقف ليس في الممر يعني تحت السقف سنأخذ ضوءا ونأتي بها إلى الزنزانة هكذا، أكتب بها وأرى ما آكل وإلى آخره.

أحمد منصور: أنت من أين أصلا حصلت على المرآة أو كيف توصلت إلى الاختراع؟

صالح حشاد: سآتيك، هذا شيء آخر بدأت بهذه القصديرة.

أحمد منصور: القصدير.

صالح حشاد: للسردين.

أحمد منصور: هي دي نفس المراية بتاعتك في السجن؟

صالح حشاد: نفس المراية ونفس القصديرة يعني.

أحمد منصور: أنت خلعتها من أين؟

صالح حشاد: مع الحارس الأول سي أحمد حربوش يعني زودني بمقص صغير (كلمة أجنبية) وبمقص صغير..

أحمد منصور: مقص.

صالح حشاد: أيوه يعني أخذتهم منه القصدير وشيء من الشوكولا، الألمنيوم..

أحمد منصور: آه الألمنيوم اللي تلف فيه الشوكولا.

صالح حشاد: هذا كله كل هذه الأشياء كانت عندي ولما بدأت..

أحمد منصور: هذا يرميه الناس ولا قيمة له عندهم..

صالح حشاد: لها قيمة عظيمة عندنا. يعني ولما بدأت يعني أرى ما يجري في الزنزانة لقيت بعض الخشب أو السلك يعني طرف من السلك الحديد وكل هذه الأشياء كانت لها أهمية..

أحمد منصور: قيمة كبيرة.

صالح حشاد: إذاً بدأت بهذا يعني ندير النور هكذا يعني للزنزانة.

أحمد منصور: وكان حجم ما يأتيك كان يعني نعمة كبيرة.

صالح حشاد: أيوه نعمة، ومن بعد أتيت بالألمنيوم الذي كان لدي أيضا، هذا الشيء في سنة 1973 يعني احتفظت بهذه الأشياء، يعني عملت الألمنيوم فوق الحديد هذا وبدأت وأعطتني الضوء أكثر ولكن طلبت من الله أن لو كان لي هذا ولكن من بعد الله استجاب لي..

أحمد منصور: وجاءت لك هذه..

صالح حشاد: وجاءتني هذه المرآة.

أحمد منصور: واعتبر هذا شيئا عظيما بالنسبة لك.

صالح حشاد: أيوه عظيما. ولكن المهم وهو بدأنا نعيش ومعنا النور منذ سنة 1978.

أحمد منصور: المراية جاءت في 1978.

صالح حشاد: أيوه. كيف استطعت أن أدخل النور؟ وهي أخرج هذه المرآة من الثقب هكذا تخرج ونبدأ يعني نحاول أن نقبض..

أحمد منصور: تلتقط الضوء ضوء الشمس لينعكس عليك.

صالح حشاد: ضوء النور، ليس الشمس، ضوء النور ويدخل النور إلى الزنزانة ويصبح هكذا يعني..

أحمد منصور: بس الزنزانة مرتفعة كيف كنت تصل إلى أعلى لتخرج هذا؟

صالح حشاد: هذه قصة أخرى، كيف استطعت أن يكون لي.. هذا هو الخشب الذي كان لدي كان عندي خمسة..

أحمد منصور: آه يعني كانت طويلة من هذا.

صالح حشاد: أيوه كانت طويلة هذه كانوا خمسة من هذا في هذا الطول.

أحمد منصور: تربطها كله وترفعها لتخرجها إلى أعلى.

صالح حشاد: أيوه هذه خيوط لربط..

أحمد منصور: وهذه عممتها على كل المعتقلين؟

صالح حشاد: على كل المعتقلين؟

أحمد منصور: أصبح هناك 29 زنزانة تضاء بهذه الطريقة.

صالح حشاد: 29 مرآة، الحارس الذي فرق على كل زنزانة، يعني أخرج هذا وألتقط النور وأدخله إلى الزنزانة.

أحمد منصور: ماذا سميت هذا الاختراع؟

صالح حشاد: هذا الاختراع سميناه كابازال.

أحمد منصور: إيش معنى كابازال؟

صالح حشاد: هذا هو اسم الكتاب.

أحمد منصور: اسم كتابك، نعم.

صالح حشاد: والله هذا اسم (كلمات أجنبية) يعني إذا كان خطر ما واحد أو اثنين من الأصدقاء سينطق بالاسم كابازال، كان ممنوعا على أي واحد منا أن ينطق بهذا الاسم كابازال إلا..

أحمد منصور: في حالة الخطر، ما هي المخاطر التي كنتم تخشونها؟

صالح حشاد: الخطر الذي كنا نخشاه وهو لما تكون الريح قوية هذا القصدير مرة..

أحمد منصور: ينتشر.

صالح حشاد: يذهب يطيح، أو يكون خلل في النور..

أحمد منصور: في الإضاءة.

صالح حشاد: يعني يأتون ويأتون من بعيد، الباب كان بعيدا ويذهبون فوق هذا القصدير ويمشون فوقه ولما يمشون نسمع الصداع صداع كبير وهذا لما يأتوا هنا سيهبطون من باب آخر..

أحمد منصور: ويشوفوا المراية.

صالح حشاد: ويشوفوا المراية. إذاً لما نسمع يعني الصداع فوقنا فنذهب كابازال..

أحمد منصور: معنى ذلك يعني كنتم تثبتوها، هذه كانت مثبتة بحيث تدخل لكم الضوء بشكل دائم؟

صالح حشاد: أيوه دائم، ضوء النهار أو الليل ضوء الإنارة، ولكن هذه المرآة يعني لما السجين يسمع كابازال أول شيء يعمله سيهبط ويدسها في..

أحمد منصور: يخفيها.

صالح حشاد: يخفيها، وثانيا نقدر نقول لك إن هذا كابازال كان أعز ما لدى السجين، تطلب منه تخير 15 يوما بغير طعام أو كابازال..

أحمد منصور: إلى هذا الحد؟

صالح حشاد: أيوه إلى هذا الحد.

أحمد منصور: يعني إلى هذا الحد كان الضوء بالنسبة لكم..

صالح حشاد: الحياة.

أحمد منصور: هو الحياة؟

صالح حشاد: إن هذه كانت يعني الحياة كانت الأمل كانت يعني الصديق الحميم هذا الشيء البسيط والله يعني لعب دورا كبيرا في أنفسنا في (كلمة أجنبية) يعني ديال الإنسان..

أحمد منصور: التوازن يعني.

صالح حشاد: التوازن. هو بدأ يعني شيء..

أحمد منصور: يعني هذه المرآة الصغيرة التي تعتبر اختراعا لكم نقلتكم نقلة أخرى في حياة سجن تزمامارت؟

صالح حشاد: وهو الصديق الذي مكننا أن نرى ما نأكل يعني إنه الكثير من الأمر في المدة التي قضيناها خمس سنوات كنا نأكل الحشرات في الأكل لأنه لم تر شيئا ستأكل الأكل تحس بحشرة في فمك ولكن بفضل هذا كنا نرى ولكن الفضل الكبير هو الاتصال مع العالم الخارجي هذا كنا نرى السماء كنا نرى.. ولكن أجمل شيء وهو لما تأتي الشمس وتمر عبر الثقب الذي في السقف فنأتي بهذا..

أحمد منصور: وتدخلوها.

صالح حشاد: وندخلها إلى الداخل.

أحمد منصور: تمسكون الشمس.

صالح حشاد: والله نرى الشمس ونبكي نرى الشمس في داخل هذه كما نرى..

أحمد منصور: كم دقيقة كانت تبقى الشمس يعني؟

صالح حشاد: تبقى عشر دقائق والله فقط، ولكن كل واحد كان يصرخ هيه قبضتها! يعني قبض الشمس قبض الحياة قبض النور، ونحس بشيء من السخونة وهذا والله كان شيئا جميلا كانت الدموع تهطل منا. هذا لعب دورا كبيرا وهكذا الاسم كابازال وهو اسم لما يكون خطر أي ما (كلمة أجنبية) نسميه كابازال وهذا جعل أي شيء كانت لنا لغة خاصة يعني..

أحمد منصور: كانت لكم لغة خاصة في تزمامارت.

صالح حشاد: في تزمامارت، الحراس بيننا يعني يمشون ونحن نتكلم.

أحمد منصور: وتتكلمون ولا يفهم الحراس شيئا؟

صالح حشاد: هم يظنون أننا بدأنا نفقد وعينا.

أحمد منصور: بدأ الجنون إليكم.

صالح حشاد: الجنون إلينا وهكذا يعني مرت الأيام.

أحمد منصور: قل لنا بعض ما في لغة تزمامارت، المرزوقي قال لنا شيئا ولكن قل لنا أنت.

صالح حشاد: والله المرزوقي هو ماهر في هذه اللغة، والله كنا نسمي أي شيء بلغة مثلا فرنسا نسميها فوكسترون، باربارو هو الملك يعني الفريخة..

أحمد منصور: كنتم مسمين الملك إيه؟

صالح حشاد: باربارو يعني..

أحمد منصور: آه شتيمة له يعني؟

صالح حشاد: وكنا نسمي مسامري المائدة يعني وهم البرلمانيين، خارابيجو لوكديتا يعني الانقلاب، وهكذا كل شيء أعطيناه اسما وهكذا نبدأ نتكلم فمثلا باربارو التقى غانديديج مع الفريخات يعني.. وهكذا نفهم بعضنا البعض.



زيارة الموت الأولى وتعامل الحراس مع المعتقلين

أحمد منصور: أنتم كنتم في عزلة عن العالم لمدة ثلاث سنوات لا تعلمون ماذا يدور خارج هذه الزنازين..

صالح حشاد: لمدة خمس سنوات.

أحمد منصور: جيء لكم براديو، أحد الحراس أحضر راديو لكم وأربع بطاريات..

صالح حشاد: لمدة قصيرة أيوه.

أحمد منصور: حينما انتهت البطاريات عدتم إلى أول أمركم.

صالح حشاد: انتهى الأمر.

أحمد منصور: كيف ارتبطتم بالعالم الخارجي مرة أخرى؟

صالح حشاد: والله من بعد هذه الخمس سنوات بدأ الموت، أول ما فقدنا هو الأخ السجعي.

أحمد منصور: السجعي.

صالح حشاد: هنا قصة، لها قصة يعني مرض السجعي بدأ قال لنا أيها الأصدقاء إنني.. ينزف بالدم من أنفه..

أحمد منصور: من الأنف؟

صالح حشاد: أيوه وبدأنا نتألم ونحاول أن نشجعه ونرسل له شيئا ما من.. ونطلب من الحراس.. لأنه مرة أو مرتين أو ثلاثة في العام يعني في المناسبات في العيد يأتون بشيء من اللحم أو شيء من الخضار وكنا نمده بهذه ونحاول مرة أن نطلب من الحراس أن يسامحوا واحدا يأتي بالماء والأكل، ولكن يوما ما فأخذوه من الزنزانة وذهبوا به خارجا هنا بدأنا نضرب الأبواب ونصيح السيد في الموت ولم تفعلوا شيئا، ذهبوا به للخارج وبعد 15 دقيقة يعني رجعوا به إلى الزنزانة وبدأنا نصيح ونضرب الأبواب، قالوا لماذا تصيحون؟ خرجنا وأتيناه بشيء من الدواء فعملنا له يعني..

أحمد منصور: حقنة.

صالح حشاد: حقنة من الدواء، هذا شيء جميل. في الغد توفي الأخ فذهبوا به إلى الخارج ودفنوه. أما المهم في هذه وهي -وهذا حارس يروي لي هذه القصة- فذهبوا به إلى الخارج ولما أرادوا أن يرموه في الحفرة يعني حفرة الموت..

أحمد منصور: ليدفنوه.

صالح حشاد: أيوه ليدفنوه فشهق يعني خرج منه النفس حينما أراد واحد من الحراس نسميه مولاي علي يعني أخذ العصا وأراد أن يكمل عليه أن يقتله، حارس آخر قال له لا،  تفعل هذا، الله سبحانه الذي.. لما يموت إذاً رجعوا به إلى العمارة وقالوا لنا إننا أتيناه بشحنة من الدواء، هذه قصة يعني مؤلمة التي تبين الحقد الذي كان في.. يعني صورة عن هؤلاء الحراس.

أحمد منصور: هؤلاء الحراس من أين أتوا بهم؟ لا تجد شيئا من الإنسانية فيهم؟

صالح حشاد: والله أتوا بهم من كل.. ليس من جهة واحدة ولكن من كل جهة، ربما كانوا يعرفونهم قاسين وهذا هو الأمر وهذا يعني تبين لنا أن هؤلاء الحراس ربما كانوا يعرفون عزلوهم يعني أو قالوا لهم شيئا ما هؤلاء ناس..

أحمد منصور: أنا أسأل عن هؤلاء الحراس لأنه أيضا كل زملائك في الكتب كتبوا أشياء مرعبة عنهم، وجدت أنه لا يوجد أحد منهم إلا وكانت له نهاية يعني سيئة تقريبا يعني.

صالح حشاد: كلهم، كلهم، والله هذه آية من عند الله سبحانه وتعالى يعني كلهم لما أفرج الله عنا الموت بدأ بالمدير، المدير الذي كان في السجن هذا ما نسميه.. المهم كلهم ماتوا، الأكثرية منهم ماتوا، والذين يعني حركهم ضميرهم وفعل الخير كلهم بخير وناشطون وأبناؤهم يعني وصلوا درجات عليا وإلى آخره وبينهم هذا الحارس الذي سنتكلم عليه، يعني هؤلاء الحراس بقوا معنا من البداية إلى النهاية لم يغيروا الحراس أو يبدلوا هذا بهذا، بقوا معنا من 1973 إلى 1991 إلى أن أفرج الله عنا ولم يكن لهم رحمة.. النقطة المهمة هنا هؤلاء الحراس يعني كنا فقدنا السجعي في سنة 1977 يعني بدأنا نحس بالحقد في أعين هؤلاء الحراس..

أحمد منصور: عليكم؟ بعدما مات زميلكم؟

صالح حشاد: علينا، لماذا؟ يقولون لنا بالحرف يريدون أن نموت يقولون تاواحد فيكم ما بغى يموت؟ يعني أي واحد منكم لم يمت؟ كيف؟ يعني يريدون أن يروا الموت في العمارة لماذا؟ لأنه في العمارة الأخرى فقدنا..

أحمد منصور: في العنبر الآخر.

صالح حشاد: في العنبر الآخر -عرفنا من بعد- لما فقدنا واحدا هم فقدوا 15يعني 15 اللي ماتوا يعني الموتى في العنبر الآخر كثيرون والمدير كان يشجع.. كان يعطيهم يتفخروا بأنهم يعني يقومون بجدية بعملهم، هؤلاء الحراس الذين معنا أرادوا أن يكون موتى ليذهبوا إلى المدير ويقولوا له عندنا موتى أيضا.

أحمد منصور: كان الحراس يتفاخرون بموتكم؟

صالح حشاد: بموتنا، ليكونوا مع المدير ليرضى عليهم المدير، هذا ما كنا نلاحظه في أعينهم كيف يرون، هذا على سبيل المثال، كان صديق مريضا قرب للموت وكنا كل يوم بفضل هذا الحارس يبقى معه واحد في زنزانته ليلة يعني ليغسله ويأتي..

أحمد منصور: الغالو؟

صالح حشاد: لا، الديك. والله كنت معه تلك الليلة، في الصباح الحارس حل الباب ورأي الصديق كان نائما.

أحمد منصور: ما اسمه؟

صالح حشاد: مولاي سعيد.

أحمد منصور: لا، زميلكم ما اسمه؟

صالح حشاد: الديك جيلالي.

أحمد منصور: جيلالي نعم.

صالح حشاد: رأى إليه هكذا وقال له -وأنا أنظر بعيوني وأسمعه- قال له باي باي، هكذا، باي باي! فقلت له عار أن تقول هذا الكلام لمريض في الموت، لماذا تقول له هذا؟ فضحك وكأن شيئا لم يكن. يعني بعد مرور سنين بدأ هؤلاء الحراس يعني تكيفوا مع الوضعية وما بقيت رحمة في قلوبهم أو شيء بدوا كالحيوان كأنهم حيوان، يريدون الموت ولما يموت أحد سيأتون به بغطائه ويدفعونه برجلهم في الحفرة، هذا يعني ليس لهم إنسانية داخلهم. إذاً بقينا هكذا إلى 1978، هنا لما مات السجعي فكرت قلت سأحاول.. لماذا لم أحاول في بضعة سنين؟ لأنه لما قبضوا على خربوش كلهم الحراس كانوا خائفين وكانوا يعني كانت الهستيريا قائمة بهم لأنهم خافوا على أنفسهم، وهكذا بعد خمس سنوات فكرت في أن أعيد الكرة وأحاول أن..

أحمد منصور: تعيد الاتصال بعائلتك.

صالح حشاد: إذاً بدأت ولاحظت أن هذا الإنسان الحارس محمد سلبادوي كنت بدأت بأشياء بسيطة يعني في الصباح أقول له صباح الخير يعني يرد علي السلام، هذا مبشر قلت والله هذا رجل طيب، يعني كل مرة صباح الخير..

أحمد منصور: معنى ذلك أن الحراس الآخرين إذا قلت صباح الخير لا يردون؟

صالح حشاد: والله إذا قلت صباح الخير يدفع عليك الباب ويصدمك أو يسبك أو يقول لك شيئا يضرك. قلت له صباح الخير قال لي صباح الخير، مرة أخرى صباح الخير نظر إلي وتبسم وهكذا مرت الأمور لمدة شهور، إذاً بدأت أقول له صباح الخير يرد علي وفي يوم بعد شهور قبل أن يغلق الباب وقف أمامي وقال لي هل أنت الكابتن حشاد؟ قلت له نعم، ونظرت إليه وقلت له هل أنت من ناحية القرية ديالي بني ملان، قال لي من بعد من بعد، هذا هو أول لقاء بيني وبينه. مشيت هكذا كأن شيئا لم يكن، بقيت على هذه الحال لمدة ستة أشهر أخرى، هنا أنا قلت لا بد أن أفعل شيئا إذاً هنا أخذت طرفا من الورق كان لدي من الشوكولا -يعني دائما احتفظت به- وكان لدي طرف من.. يعني كتبت له وطلبت منه أن يعمل اتصالا بعائلتي هكذا، هكذا.. قلت سأغامر وبقيت هكذا، يوما جاء وأوقفني وقبل أن يغلق الباب أخذت الورقة وعملت له في جيبه يعني كان لابسا كسوة عسكرية، رميتها، نظر إلي هكذا وذهب، يعني هذا كان أول اتصال. في يوم ما يعني فتح الباب وقبل أن يغلقه رمى شيئا داخل الباب، هنا فرحت كثيرا يعني والله أطلب يخرجوا يعني أردت أن يخرجوا بسرعة من العنبر لما ذهبوا، وأغلقوا الباب يعني الرئيسي بدأت أفتش.. عملت أول شيء هي الكابازال لم يكن المرآة بل كان..

أحمد منصور: القصدير.

صالح حشاد: بدأت ورأيت الأشياء التي رماها، وهنا بدأت فتحت الأشياء لقيت طرفا من الشموع يعني الإنارة شوية ديال الوقيد..

أحمد منصور: الكبريت.

صالح حشاد: الكبريت شعلت وبدأت أول حاجة شفته يعني هزيته وصورة صغيرة يعني تطيح منه، لما شفته يعني والله يعني عرفت ابنتي وولدي يعني صورة خليل وهدى ولكن استغربت قلت كيف؟ هذه صورة لهم صغيرين، نحن في سنة 1978 يعني لم أفهم شيئا إلى أن أخذت الرسالة وبدأت أقرأ وهي الرسالة كانت مؤرخة 1973 هي رسالة زوجتي يعني.

أحمد منصور: هذه الرسالة التي أرسلتها زوجتك عن طريق أحمد خربوش الذي قبض عليه.

صالح حشاد: أيوه قبض عليه.

أحمد منصور: وحينما قبض عليه سلم ما معه..

صالح حشاد:  لسي محمد الشربادوي.

أحمد منصور: لمحمد الشربادوي، محمد الشربادوي حفظ هذا عنده طوال أربع سنوات ثم أتاك به.

صالح حشاد: خمس سنوات.

أحمد منصور: خمس سنوات. في الحلقة القادمة نكمل هذا الاتصال الذي كان بينكم وبين عائلاتكم ونتعرف على باقي الاختراعات التي اخترعتها في تزمامارت وربما أيضا نصل إلى العام 1991 حيث أفرج عنكم، شكرا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى أهوال تزمامارت مع الرائد طيار صالح حشاد قائد سرب الطائرات التي قصفت طائرة الحسن الثاني في محاولة انقلاب أوفقير عام 1972 وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.