- مقابلة الملك لبعض المحكومين بالإعدام
- تنفيذ الإعدام ومعاناة عائلات السجناء

- الطريق إلى تزمامارت

- زنازين تزمامارت وصدمة البداية

أحمد منصور
صالح حشاد
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الرائد طيار صالح حشاد قائد سرب الطائرات التي قصفت طائرة الحسن الثاني ملك المغرب الراحل في محاولة انقلاب أوفقير التي حصلت في شهر أغسطس عام 1972. الرائد حشاد مرحبا بك.

صالح حشاد: أهلا وسهلا.

مقابلة الملك لبعض المحكومين بالإعدام

أحمد منصور: صدرت الأحكام عليكم في شهر نوفمبر عام 1972 رحلتم أو نقلتم إلى السجن العسكري في القنيطرة سواء المحكومين بالإعدام أو المحكومين بالسجن، صف لنا كيف كان الوضع في السجن بعد صدور الحكم.

صالح حشاد: والله بعد صدور الحكم نقلنا إلى السجن المركزي بالقنيطرة وهنا كنا في الجناح الذي كان فيه المحكوم عليهم بالإعدام يعني مدنيون محكوم عليهم بالإعدام..

أحمد منصور: آه من السياسيين وحتى العاديين الجنائيين؟

صالح حشاد: لا، غير سياسيين يعني جنائيين يعني المحكوم عليهم بالإعدام لم يكونوا سياسيين.

أحمد منصور: آه من الجنائيين.

صالح حشاد: إذاً بقينا معهم إلى أن غادرنا السجن وما ميز هذه الفترة وهو لم يكن لنا الحق في زيارة العائلة لم نتمكن أبدا أن تقوم هذه الزيارة..

أحمد منصور: أنت كنت متزوجا ولك طفلة عمرها 14 شهرا وزوجتك حامل في ابنك الذي ولد بعد ذلك.

صالح حشاد: حامل أيوه.

أحمد منصور: وكذلك معظم زملائك كان لهم زوجات وأولاد.

صالح حشاد: وصلني النبأ بزيادة ابني في السجن العسكري قبل أن أرجع إليهم.

أحمد منصور: تذهب إلى تزمامارت.

صالح حشاد: والمحامي هو الذي جاء وقال لي إنك أصبحت أبا لطفل وفرحت وقال لي زوجتك تطلب منك أن تعطيها اسما فقلت له والله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {..وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }[النساء 125] فتباركت أن أسميه خليل، وبعدها المحامي جاء فضول ونبأني أيضا قال لي مبروك زاد عندك ولد وقال لي كيف يعقل أنك أصبحت رائدا وكذا وكذا وتقوم بانقلاب ضد الملك؟ قلت له والله لم أخطط لانقلاب هذا هو ما وقع. إذاً نرجع إلى السجن المركزي أصبحنا مع المجرمين يعني الذين حكم عليهم بالإعدام كلهم كانوا حكم عليهم بالإعدام وظللنا هكذا يعني.

أحمد منصور: زملاؤك الذين حكم عليهم بالإعدام الأحد عشر كانوا معكم أيضا؟

صالح حشاد: كنا مجموعين في نفس الزنازين.

أحمد منصور: كيف كانت معنوياتهم؟ كنتم تلتقون بهم؟

صالح حشاد: كنا نلتقي يعني مرتين في النهار نخرج ونلتقي..

أحمد منصور: عن أي شيء كنتم تتحدثون؟

صالح حشاد: والله نتحدث عن أشياء كانوا يتأسفون كلام يعني كان مثل بوخليف والله لو كنت مع يعني محكوما بعشرين سنة يعني كان.. ولكن هذا كان دائما لهم أمل يعني لم يفقدوا الأمل بأن لا يعدموا ولكن..

أحمد منصور: الحسن الثاني في محاكمة الصخيرات غضب لأن المحكمة حكمت أحكاما مخففة ولم تتح له المجال لكي يعفو لأنه كان يحب الناس يعني يطلبوا منه العفو ويعفو عنهم، في هذه المرة حكم بوعشرين نفس القاضي بالإعدام على 11 من الطيارين والضباط وكان هؤلاء أيضا يأملون في أن يعفو عنهم الحسن الثاني؟

صالح حشاد: كان الأمل يعني لم نكن نفكر في أنه سيقوم بالإعدام كان هذا جاريا يعني الكل يقول الملك سيعفو عنكم يعني اصبروا إلى آخره ولكن ما بين يعني هذا هو في يوم التاسع يناير..

أحمد منصور: في مذكراتك أنت تقول "مساء اليوم التاسع من يناير عام 1973 عرف السجن تحولا غير منتظر تحت قيادة الملازم فضول دخل الدرك وأخذوا أمقران وقويرة من زنزانتهما" أكمل.

صالح حشاد: دخلوا وأخذوهم وذهبوا بهم لم نعرف أين الاتجاه ذهبوا بهم ولكن من بعد عرفنا من الدرك يعني بعض الدركيين قالوا لنا إنهم ذهبوا بهم إلى الرباط ليلتقي بهم الملك، هكذا أصبح الأصدقاء المحكومون بالإعدام ربما سيتم الإفراج عنا أو سيكون شيئا ما ولكن..

أحمد منصور: لم تعرفوا تفاصيل ما دار بينهم وبين الملك؟

صالح حشاد: لا، هذه نعرفها من بعد..

أحمد منصور: ماذا عرفتم؟

صالح حشاد: من بعد تسعة يناير يومين من بعد في 13 يناير رجعوا إلى زنازينهم..

أحمد منصور: يعني يومين غابوا لم يأتوا؟ فكرتم.. ماذا فكرتم؟

صالح حشاد: جاؤوا بهم في الساعة الثالثة صباحا ولكن الذي ميز هذه الفترة وهي سمعنا أمقران يتألم وقويرة من شدة الألم يتألمون ونسمع يعني هذا تبين بأنهم يعني..

أحمد منصور: يتعذبون. عذبوا عذابا أليما خلال اليومين.

صالح حشاد: عذبوا عذابا أليما وهكذا سمعنا قويرة ينطق وبدأ يصيح وهو يسأل أمقران ويقول له لماذا لم تقل أنت السبب لماذا لم تقل له ما أراد لما سألك لماذا لم تقل له الحقيقة وقد وعدنا بالإفراج عنا؟ وهكذا أمقران لم يجب فمكث صامتا.

أحمد منصور: أنت سمعت بأذنك؟

صالح حشاد: الكل سمع لأنه كان أمامي قويرة.

أحمد منصور: في زنزانته؟

صالح حشاد: أيوه، الكل سمع هذا الكلام. إذاًَ ماذا أراد قويرة أن يقول لماذا لم تقل له لما سألك عن أشياء؟ ماذا أراد قويرة.. أمقران لم يجب وهنا..

أحمد منصور: كان هناك تسعة آخرين محكومين بالإعدام لم يستدع أي منهم للقاء الملك، فقط أمقران وقويرة؟

صالح حشاد: لا، أمقران وقويرة.

أحمد منصور: المصادر تقول إنهم مثلا أمام الملك في قاعة نصبت في جوانبها أجهزة التصوير التلفزيونية مع مصوريها الجاهزين للتسجيل، طلب منهما الحسن الثاني أن يعترفا بخطئهما وأن يطلبا منه العفو مقابل أن يطلق سراحهما ولكنهما رفضا.

صالح حشاد: أظن هذا ربما كان من أول شيء ولكن المهم ولم يكن هذا هو السؤال طلب العفو أمام الكاميرا هذا وقع من بعد، إن السؤال المهم الذي يمكن أن يطرحه الملك على أمقران وهو من كان معكم وراء هذا الانقلاب؟ هذا هو الأهم في السؤال، أمقران لم يرد أن ينطق بأسماء ليورط الأحزاب المعارضة إلى آخره إذاً أمقران فكر ربما أن الملك يريد أن أمقران ينطق بهذه الأسماء ويقول أي شيء ما أراد الملك ومن بعدها يطلب العفو أمام الكاميرا وإلى آخره ويعدم من بعدها، إذاً أمقران لم يجب ومكث صامتا.

أحمد منصور: أمقران في تلك الفترة يقال إن كثيرا من المعارضين السياسيين كانوا يلتقون بأمقران ربما بعدم علم كما وضحت أنت في حلقة سابقة كان أمقران يخطط لتحالف مع القادة السياسيين المعارضين حتى يتخلصوا من أوفقير.

صالح حشاد: يتخلصوا من أوفقير.

أحمد منصور: وكان أوفقير يفكر أن يستخدم أمقران ثم يتخلص منه ومن الطيارين بعد ذلك.

صالح حشاد: هذا صحيح.

أحمد منصور: الحسن الثاني كان يريد من أمقران أن يعترف بالقادة السياسيين مثل عبد الكريم الخطيب مثل..

صالح حشاد: لا، البصري الزعيم البصري الذي كان في فرنسا.

أحمد منصور: اللي التقى معه في باريس.

صالح حشاد: في باريس.

أحمد منصور: حتى إذا اعترف أمام التلفزيون بهؤلاء ليكون هذا مبررا للحسن الثاني..

صالح حشاد: هذه هي الخطة، هذا هو لماذا يصرخ قويرة.. لو كان العفو طلب العفو لو نطق قويرة وقال لم تطلب منه العفو، ختم كلامه بأنه وعدنا بالعفو، إذاً كان..

أحمد منصور: إذا اعترف على هؤلاء.

صالح حشاد: إذا اعترف على هؤلاء.

أحمد منصور: ولكن أمقران رفض.

صالح حشاد: رفض. ولهذا من بعد الانقلاب تلقى بعض الزعماء تلقوا رسائل ملغومة وإلى آخره.

أحمد منصور: بعد محاولة الانقلاب؟

صالح حشاد: اليازغي مثلا تلقى رسالة ملغومة والثاني والله لا أذكر اسمه.

أحمد منصور: ما مصدرها؟

صالح حشاد: ربما أمقران لم ينطق بهذه الأسماء ولكن المخابرات بلغوا ربما بأن هؤلاء كانوا وراء..

أحمد منصور: تفسيرك إيه لصمود أمقران وعدم اعترافه أو وشايته بأحد مقابل العفو عنه؟

صالح حشاد: والله شعوري هذا موقف شجاع وكان أمقران يعني عارف بأنه سيموت ولهذا لماذا..

أحمد منصور: الحسن الثاني كان مولعا بأن يطلب من معارضيه أو مخالفيه أو الذين يراهم أن يخطؤوا أن يتوبوا إليه وأن يعتذروا إليه وكانت هناك طقوس في التوبة مليئة بالإذلال والإهانة إلى الناس. عبد الهادي بوطالب في شهادته معي على العصر في هذا البرنامج تحدث عن الخلاف الذي وقع بينه وبين الحسن الثاني وأن الحسن الثاني قال له لا بد أن تتوب فرفض بوطالب وقال إنما التوبة تكون لله، هل كان الحسن الثاني يتعامل مع الناس على أنه نصف إله؟

صالح حشاد: والله الحسن الثاني كان يعني.. لا يمكن أن أصفه بهذه الصفة يعني كان يمد رأسه..

أحمد منصور: لا تصفه ولكن هو كيف كان يتعامل مع الناس يطلب من الناس أن يتوبوا إليه؟

صالح حشاد: هذا هو ما كان جاري به العمل الكل لازم أن يركع يعني أن يكون محني الرأس يعني هذه الطريقة التي كان يسير عليها المغرب يعني لا يمكن لأحد أن يغير مسار نظام هذا هو..

أحمد منصور: إذلال الناس بهذه الطريقة..

صالح حشاد: يريد أن يرمي في نفوس الناس الخوف والهلع..

أحمد منصور: إذلال الناس بهذه الطريقة.

صالح حشاد: إذلال الناس.

أحمد منصور: إذلال شعب كامل بهذه الطريقة.

صالح حشاد: هذه الطريقة الشعب كله كان مذلولا لأن الثقافة شعب غير مثقف يعني هذه خطة جهنمية يعني الشعب يكون غير مثقف ولهذا كل شيء كان مباحا ليمهد الطريق لاستغلال الشعب وإلى آخره.

أحمد منصور: بعض المراقبين يقولون إن ما فعله أمقران بعدم الاستجابة إلى الحسن الثاني كان كأنما أطلق على الحسن الثاني الرصاص مرة ثانية.

صالح حشاد: وهذا ما دفعه يوم العيد يوم الوقفة يعني في عرفات هذا يعني انتقام كبير..

أحمد منصور: صباح السبت 13 يناير..

صالح حشاد: ولكن أحببت إذا.. يعني لما سأله قويرة أن.. والله مددت أذني أردت أن أمقران يجيب أن يقول شيئا ولكن لم يقل شيئا فصار يئن يعني بالألم أنه..

أحمد منصور: توقعتم أنه من الحادي عشر أو من التاسع إلى أن رجع إليكم بعد يومين كانا يومين من العذاب الأليم لهما؟

صالح حشاد: أيوه يومان من العذاب لأنه نسمع..

أحمد منصور: الأنين.

صالح حشاد: الأنين يعني تحس بأنه يتألم كثيرا.

تنفيذ الإعدام ومعاناة عائلات السجناء

أحمد منصور: يوم السبت 13 يناير في الساعة الثالثة صباحا عام 1973 نفذ الإعدام في حق 11 من المحكومين عليهم في القنيطرة، أمقران، قويرة، زياد، بوخليف، المهدي، العربي، الميداوي بلقاسم..

صالح حشاد: كامون.

أحمد منصور: بحراوي، كامون، المينوا.

صالح حشاد: أحد عشر.

أحمد منصور: قلت في مذكراتك إنهم واجهوا الموت بشجاعة.

صالح حشاد: هذا صحيح.

أحمد منصور: احك لنا.

صالح حشاد: ما روي إلينا من طرف الدرك أو.. أنهم واجهوا مصيرهم.. اسمح لي والله فكرتني بأصدقاء والله واجهوا مصيرهم بقوة وبشجاعة وما روي إلي أنهم كانوا ضباطا يعني طيارين ماهرين لماذا تم قتلهم؟ فكان اليزيد يشجع أصدقاءه ويقول لهم كونوا رجالا وموتوا رجالا، أمقران طلب من العربي أن يقول.. قال له اسمح لي يالعربي إنك.. قال والله إن هذا لشرف كبير أن أموت معك، والآخرون أيضا كانوا شجعانا.

أحمد منصور: تنقل زوجتك عن محاميك الفاروقي الذي كان محامي أمقران في نفس الوقت والذي حضر الإعدام أن قويرة في يوم عرفة حينما أعدم أعدم وهو يقول لبيك اللهم لبيك..

صالح حشاد: لبيك اللهم لبيك، إيه هذا صحيح وبكى أمقران وتوجه إليه الفاروقي وقال له كولونيل كيف أرى دموعك؟ قال والله هذه الدموع ليست للخوف أو.. ولكن أبكي لأن هؤلاء الذين سيعدمون معي ظلموا، لماذا أعدم هؤلاء الناس؟ هذا هو جواب أمقران.

أحمد منصور: "ياله من رعب يوم عيد الأضحى، الأمر فظيع الأمر مرعب الأمر لا إنساني، أبناء الميداوي يحيطون بوالدتهم منهارين تماما، عائلتا العربي والمهيدي تركتا منزليهما وذهبتا بجانب مكان جثة ذويهما بينما ظلت عائلتا أمقران وقويرة يغمرهما الحزن. لم أدر ماذا أفعل لم أصدق ما شاهدت" هذا وصف زوجتك للعائلات بعد تنفيذ الإعدام.

صالح حشاد: والله عاشت هذه الفترة وهذا شيء محزن وكانت تعيش.. اليزيد كان يعيش بجانبها يعني زوجته امرأة يعني بسيطة لم تكن وصلت للمدارس العليا أو شيء ما وكانت تعرف الجميع من العائلات عائلة زياد إلى آخره بوخليف.. كلهم يعني كانت تعيش معهم وهكذا كان لها حزنها هي الأخرى كثيرا.

أحمد منصور: أمقران طلب المسامحة من رفاقه، هتف الباقون جميعا هتافات تدل على الصلابة والشجاعة وهم يواجهون رصاص جنود أمير المؤمنين الحسن الثاني، رفضوا أن يطلبوا العفو رفضوا أن يقعوا في المكيدة التي وقع فيها الذين أعدموا في الصخيرات، أن طلب منهم أن يهتفوا بحياة الحسن الثاني قبل الإعدام ولن يطبق عليهم الإعدام فهتفوا بحياته ثم أطلق عليهم الرصاص.

صالح حشاد: والله هذا هو كان موقفهم لم يهتفوا له ولكن ماتوا بشجاعة وقابلوا الموت بشجاعة هذا يبين بأنهم يعني هؤلاء الطيارين كانوا متحمسين للإقلاع ببلادهم إلى الحرية إلى الديمقراطية إلى النماء ولكن يا للأسف هذا هو ما وقع.

أحمد منصور: الحسن الثاني حشد أعدادا هائلة من الضباط وقيادات الجيش لحضور الإعدام حتى يرعب الجميع ويحذرهم من أن أيا منهم إذا جرأ على أن يقوم بشيء من هذا فإن هذا سيكون مصيره.

صالح حشاد: هذا إن دل على شيء إنما يدل على.. هذا ناقوس لهم يقول لهم أي أحد منكم لم يمش في الخطة سيعدم هكذا.

أحمد منصور: كيف استقبلتم يوم 13 يناير عام 1973 خبر إعدام زملائكم؟

صالح حشاد: والله جاءنا الخبر يعني من رجال الحراس الدرك وبكينا وتألمنا وإلى آخره هذا هو..

أحمد منصور: أنا كنت أشعر بين السطور في كل ما كتب أن بعض الحراس والضباط كانوا متعاطفين معكم رافضين لما يحدث.

صالح حشاد: هذا صحيح كانوا يتعاطفون معنا الحراس كانوا يتألمون وهذا الدليل الأكبر لأننا كنا ممنوعين من زيارة العائلات ولهذا.. وكان يتم التواصل مع العائلات..

أحمد منصور: بواسطة الحراس.

صالح حشاد: بواسطة هؤلاء الحراس رسائل، أكل، إلى آخره.

أحمد منصور: تصف زوجتك معاناة العائلات في الخارج بعد تنفيذ الإعدام والسجن "بعد الظهر طلبوا من العائلات أن تأتي لتأخذ الجثث، كنا قليلين نحن الذين ساندنا هذه العائلات التي أعدم رجالها لأن الشرطة كانت تقوم بتصوير الحضور، النظام لم يحترم حق الميت في أن يبكيه ذووه" طردت كل العائلات من سكن القاعدة طبعا لأنكم كنتم كلكم تسكنون في القاعدة..

صالح حشاد: كلنا كنا نسكن في القاعدة.

أحمد منصور: ما عدا نانسي زوجة مبارك الطويل لأنها كانت أميركية أما أنتم المغاربة فلا قيمة لكم، لا قيمة لكم في مملكة أمير المؤمنين.

صالح حشاد: وهذا صحيح ليس كانت لنا قيمة لأنهم منعوا قويرة وأمقران أن يدفنوا مع الناس في الشاور يعني يدفنوا في المقبرة مقبرة المدينة فدفنوهم بعيدين عن المقبرة في مكان بعيد وحدهم وهكذا أصبحوا اثنين بعيدين في الغابة مهجورين ومنعوا الناس أن يذهبوا معهم منعوا الكل وهكذا في آخر المطاف يعني تلقت زوجة أمقران ويعني تألمت من هذا الحال وطلبت أن ترحل جثة.. ولكن لما رجعت سنتين أو ثلاثة من بعد رأت بأن هناك أناسا آخرين دفنوا بجانب أمقران وقويرة وهكذا طلبت إلا أن تنظف المقبرة.

أحمد منصور: بدأت هنا رحلة من المعاناة الإنسانية لكم ولعائلاتكم، لم يكن هناك أحد من زوجات المعتقلين أو الذين أعدموا متعلمين سوى زوجتك أنت كانت صيدلانية وزوجة زياد كانت مدرسة للابتدائي.

صالح حشاد: كانت أستاذة.

أحمد منصور: باقي الزوجات اضطرت كثير من الزوجات للعمل خادمات في البيوت من أجل إطعام أولادهم كانوا يعاملون على أنهم منبوذون في المجتمع.

صالح حشاد: هذا صحيح الكثير من العائلات كما قلت، زوجتي كانت صيدلانية ولها مكانتها في المدينة وزوجة زياد كذلك أما الآخرون فعانوا الكثير، المرأة كانت تعيش في القاعدة تعيش عيشة مريحة بين عشية وضحاها أصبحت لا شيء لديها إذاً اضطرت الكثير من النساء يعني أن يعملن في المقاهي ويعملن عند الناس يعني شيء لا يصدق هذا شيء طبيعي ولكن الله سبحانه وتعالى من بعد يعني هذا هو كان مصيرهم وزوجتي عاشت هذه المراحل نحن كنا في تزمامارت وهي التي حكت لي الكثير من هذه الأشياء.

أحمد منصور: زوجتك كتبت بشجاعة وعبرت عن آلام الأسر جميعا في كتابها أو مذكراتها "كفاح امرأة" التي نشرت مع كتابك أنك مذكراتك عن أسوار تزمامارت للأسف نشرت بالفرنسية يعني أنا ترجمتها بشكل خاص..

صالح حشاد: والله نحاول أن نترجم الكتاب بالعربية إن شاء الله.

أحمد منصور: يعني أنا ترجمته كاملا.

صالح حشاد: والله أطلب منك تعطيني نسخة منه.

أحمد منصور: سأعطيك نسخة منه. كانت ليلة السابع من آب/ أغسطس عام 1973 ليلة غير عادية.



[فاصل إعلاني]

الطريق إلى تزمامارت

أحمد منصور: صف لي بالتفصيل ما حدث في ليلة السابع من آب أغسطس عام 1973.

صالح حشاد: والله بقينا مع السجناء المحكوم عليهم بالإعدام بعد أن أصدر.. أعدم الأصدقاء الأحد عشر، بقينا مع السجناء يعني لا اتصال بالعائلات ولا أي شيء إلى السادس من أغسطس هنا نقلنا إلى مكان آخر وهذا المكان هنا بدأت قلنا يعني ربما غدا ستكون الزيارة وإلى آخره ولكن الصباح مبكرا على الثالثة سمعنا الحراس يصيحون استيقظوا ستذهبون من هنا البسوا أمتعتكم وهنا يعني كان قال لي حارس من قبل إذا قيل لكم ستذهبون إلى مكان آخر خذ معك أكثر.. يعني البس أي شيء عندك يعني..

أحمد منصور: كان الحراس متعاطفين معكم ينقلون لكم الأخبار؟

صالح حشاد: أيوه كانوا يعني..

أحمد منصور: هل سمعتم شيئا عن تزمامارت عن أنكم ستذهبون..؟

صالح حشاد: لا لم نسمع أي شيء عن تزمامارت أبدا.

أحمد منصور: حتى تلك الليلة التي نقلتم فيها..

صالح حشاد: حتى تلك الليلة يعني قالوا لنا سننقل إلى مكان آخر قلنا ربما سجن آخر سنكون نتمتع بجميع حقوقنا، خرجنا كلنا يعني سجناء الطيران ثم بدأنا نمشي في ممر طويل يصلنا إلى الباب الخارجي للسجن وهنا شفنا فوجا آخر خارجا وهم الأصدقاء الذين كانوا في..

أحمد منصور: كانوا في تزمامارت.. محاولة الانقلاب في الصخيرات.

صالح حشاد: محاولة انقلاب الصخيرات.

أحمد منصور: حتى تلك الفترة حتى ذلك اليوم لم تكونوا التقيتم على الإطلاق؟

صالح حشاد: لا مرة، مرة يعني كان يكون كلام عنهم، ولكن هم كانوا يتمتعون ببعض الحقوق زيارة العائلات يعني وإلى آخره.

أحمد منصور: ولكن أنتم منذ أن قبض عليكم عزلتم عن عائلاتكم..

صالح حشاد: عزلنا عن عائلاتنا وعن كل شيء.

أحمد منصور: بعد صدور الحكم يعني عائلاتكم آخر مرة شفت فيها عائلتك في المحكمة.

صالح حشاد: آخر مرة.. أيوه آخر مرة. إذاً بقينا نمشي في الممر إلى أن وصلنا إلى الباب الخارجي وهنا كان أمام الباب الكولونيل فضول.

أحمد منصور: كان ملازما لسه.

صالح حشاد: كان ملازما كانت ورقة في يده وبدأ.. وكانت أمام الباب شاحنتان للجيش فبدأ ينطق بالأسماء، لما ينطق يعني..

أحمد منصور: اللي يقول اسمه يدخل.

صالح حشاد: أيوه يدخل الشاحنة يكبلون يده والأعين ويرمونه يعني كبضاعة في الشاحنة وهكذا بدأ ينطق بجميع.. ركبنا وفي الآخر طلب من الأربعة الآخرين وهم شلاط وأعبابو ومريزق وعقا طلب منهم أن يتوجهوا إلى اليمين..

أحمد منصور: هل كنت تعرفهم من قبل؟

صالح حشاد: لا.

أحمد منصور: طبعا في محاولة انقلاب الصخيرات التي رواها أحمد المرزوقي في شهادته على العصر كان محمد أعبابو شقيق محمد أعبابو الذي هو قام بالمحاولة وكان عقا.. شلاط كان.. يعني الأربعة دول من بقايا الصخيرات، هؤلاء نودي عليهم وأخذوا على جانب لم يأتوا معكم.

صالح حشاد: أيوه لم يأتوا معنا في الشاحنات، ولكن تبين لي من بعد ذهبوا معنا إلى تزمامارت.

أحمد منصور: هم؟

صالح حشاد: نقلهم الملازم فضول معنا إلى تزمامارت.

أحمد منصور: الأربعة؟

صالح حشاد: الأربعة، أيوه هذا ما حكى لي الحارس يعني هو كان.. لما وصلنا إلى تزمامارت، إذاً وصلنا إلى تزمامارت وكنا 59 سجينا وكانت تزمامارت بنايات البناية الأولى والبناية الثانية فيها 29 زنزانة.

أحمد منصور: يعني تزمامارت هذا سجن ضمن.. صف لنا، قل ما هو تزمامارت.

صالح حشاد: هو سجن رهيب في الصحراء..

أحمد منصور: بناه الحسن الثاني خصيصا لكم.

صالح حشاد: بناه أوفقير، ليس الحسن الثاني.

أحمد منصور: بدأ في عهد أوفقير.

صالح حشاد: أيوه وهذا كان يقال الآن كان الناس يقولون بإنه كان يبنيه للحسن الثاني والعائلة يعني بعد الانقلاب سيذهب بالجميع إلى تزمامارت، هذا ما يقال.

أحمد منصور: ذهبتم 59 من محاولة انقلاب الصخيرات ومحاولة انقلاب أوفقير.

صالح حشاد: أيوه.

أحمد منصور: كنتم 59 بما فيكم الأربعة الذين نادى عليهم فضول؟

صالح حشاد: لا، بدونهم.

أحمد منصور: السجن كان يتكون من 59 زنزانة لـ 59 شخصا.

صالح حشاد: أيوه نعم هذا هو الصحيح.

أحمد منصور: في الطريق إلى تزمامارت صف لنا الطريق.

صالح حشاد: والله لما ركبنا في الشاحنات وقال فضول للأربعة اذهبوا إلى اليمين ذهبت الشاحنات وبعد دقائق وصلوا إلى القاعدة يعني لم تكن بعيدة من السجن.

أحمد منصور: قاعدة جوية.

صالح حشاد: القاعدة الجوية الثالثة التي كنا فيها، إذاً عرفت بأننا في القاعدة ولو الأعين مغلقة لأنني سمعت الآلات إلى آخره.

أحمد منصور: الطائرات.

صالح حشاد: من هنا رمونا في الطائرات.

أحمد منصور: يعني نقلوكم من سجن القنيطرة إلى قاعدة القنيطرة الجوية..

صالح حشاد: من سجن القنيطرة إلى قاعدة القنيطرة..

أحمد منصور: ووضعوكم في الطائرات.

صالح حشاد: ووضعنا في الطائرات. وهنا يعني أول إحساس كان للجميع بالنسبة لي أحسست بأننا سنلقى في البحر، هذا يعني ما كان يروج في ذهننا سمعنا بأن الكثير من الناس رميوا في البحر.

أحمد منصور: هل كان شائعا في عهد الحسن الثاني أن بعض المساجين السياسيين أو الغير مرضي عنهم كانوا يحملونهم في الطائرات ويرمونهم في البحر؟

صالح حشاد: رموهم في البحر.

أحمد منصور: هل بعض الحراس قالوا أو أوحوا أو أشاروا إلى أنكم يمكن أن يلقوكم في البحر من الطائرات؟

صالح حشاد: لا، لا.

أحمد منصور: هل تحدث معكم الحراس عن أي شيء أو أي معلومات؟

صالح حشاد: لا.

أحمد منصور: هل كنتم تتكلمون مع بعضكم البعض؟

صالح حشاد: مع بعضنا البعض يعني كلا يقول شيئا قال سيرمونا، البعض سنقتل، إلى آخره. رمونا في الطائرات أقلعت الطائرات وذهبوا بنا إلى الراشدية إلى الصحراء يعني بعد ساعتين يعني أو ساعة ونصف وصلنا إلى الراشدية وهبطت الطائرات وهنا أحسست..

أحمد منصور: أنت كطيار يعني علمت..

صالح حشاد: أيوه علمت يعني أحسست بالجو بحالة الطقس والهواء تغير وبدأ.. فعرفت أننا في صحراء وهنا هبطت الطائرات ورمونا في شاحنات أخرى.

أحمد منصور: مرة أخرى.

صالح حشاد: مرة أخرى.

أحمد منصور: يعني أنتم كانوا بيرموكم كانوا بيشيلوا ويرموا..

صالح حشاد: والله يدفعك هكذا كالبضاعة يعني.

أحمد منصور: وأنتم مغمايين لا ترون شيئا..

صالح حشاد: لا نعلم شيئا. إذاً من بعد مشوا بنا في الشاحنات كأننا نمشي في الطريق العادي..

أحمد منصور: مرصوف.

صالح حشاد: مرصوف. من بعد تقريبا ساعة، ساعة وربع خرجوا من الطريق وبدؤوا يمشون في طريق غير ممهد وهنا أحسسنا بأننا في طريق غير ممهد، بعد 10 دقائق أو 15 دقيقة وقفت الشاحنات وبدؤوا الهبوط للسجن، هنا بدأ الجحيم يعني أطلقوا يدينا ويدخلوا بنا إلى الزنزانة.

زنازين تزمامارت وصدمة البداية

أحمد منصور: صف لنا السجن يعني أول ما عينك..

صالح حشاد: والله أول ما عيني.. السجن وهو حائط طويل ثمانية أمتار دائر ربما بين الحائط يعني مساحة تكون 150 مترا.. أيوه طول وخمسين ستين مترا عرض يعني هذه المساحة التي تغطي.. وكانت اثنان عمارات ولكن هذه العمارات لما تشوفها..

أحمد منصور: لا، عمارات بالعربي يعني عمارات مرتفعة، العمارات لكن مباني تقصد.

صالح حشاد: أيوه مباني، سجن يعني مبنى ولكن الغريب وهو اللون يعني أسمنت يعني أنت تشوف لون الأسمنت.. مش مباني عادية يعني كالمباني، الأسمنت وهكذا بدأنا ندخل يعني.. أول حاجة ما بقيت لي في الذهن نظرت هكذا وشفت الحائط يعني الذي ظاهر في السجن ومقر صغير فوق للحراسة هذا هو ما بقى في ذهني ونظرت للسماء لآخر مرة ودخلوا بي إلى الزنزانة رموني في زنزانة وأغلقوا الباب باب الحديد وشعرت يعني بخوف شديد أنه لما دخلت الزنزانة لم أر شيئا أرى الظلمات يعني.

أحمد منصور: إحنا في هذا نموذج للزنزانة لأن زنازين تزمامارت ربما لا يوجد لها مثيل إلا في محاكم التفتيش في العصور الوسطى، هذا نموذج للزنزانة صممه السيد عبد اللطيف شأويني. صف للمشاهدين الزنازين في تزمامارت كان هناك 59 زنزانة لـ 59 شخصا نصفهم ماتوا داخل الزنازين خلال فترة تزمامارت، هذا هو شكل الزنزانة، صف لهم ما معنى أنك دخلت إلى تزمامارت 18 عاما لم تر فيها الضوء لم تر فيها الشمس، ظلام في ظلام.

صالح حشاد: والله هو هذه زنزانة واحدة ولكن لما تدخل هناك كان سبع زنازين من اليمين وسبعة من..

أحمد منصور: في اليمين، دهليز في الطرقة يعني..

صالح حشاد: في الدهليز يعني.

أحمد منصور: والدهليز مظلم.

صالح حشاد: وأمام كل زنزانة زنزانة أخرى يعني سبعة أمامه.

أحمد منصور: يعني هو دهليز مظلم أيضا؟

صالح حشاد: أيوه بين الزنازين يعني الدهليز  لا يتعدى مترا وأربعين سنتميترا أو عشرة سنتميتر.

أحمد منصور: الدهليز هذا.

صالح حشاد: أيوه الممر بين..

أحمد منصور: الممر بين الزنازين لا يزيد عن متر وأربعين سنتميترا، وكل باب في مواجهة الباب..

صالح حشاد: أيوه. وفوق الممر يعني سقف من الحديد مشبك.

أحمد منصور: فالممر مظلم أيضا.

صالح حشاد: أيوه. تدخل هنا ترى الزنازين عن اليمين وعن الشمال وفوق هذه الزنازين كان سقف آخر من الحديد كما نرى هكذا يعني فوق الزنازين..

أحمد منصور: فوق الأسمنت يعني.

صالح حشاد: يعني الزنازين وهي عبارة عن مكان مبني بالأسمنت الصب والحديد وفوقه سقف من القصدير، الزنزانة وهي أنت تدخل إلى الزنزانة كأنك تدخل على شيء مظلم يعني مظلمة لأنها لم يكن لها نوافذ، الزنزانة هكذا داخل الزنزانة وهي ثلاثة أمتار على اثنين يعني المساحة ديالها وطول الزنزانة ثلاثة أمتار.

أحمد منصور: الارتفاع.

صالح حشاد: الارتفاع. وهنا في السقف ثقب واحد يعطي على السقف الثاني القصدير يعني ترى من هنا..

أحمد منصور: يعني هناك سقفان للزنزانة.

صالح حشاد: سقفان. يعني ترى من هنا ترى الحديد يعني السقف الثاني. وهنا أمام في الباب..

أحمد منصور: الثقب ده قطره قد إيه؟

صالح حشاد: والله يكون 15، 20 سنتميترا.

أحمد منصور: فقط لا غير.

صالح حشاد: فقط. وأمام في الجهة أمام السجين كان ثقوب أخرى..

أحمد منصور: مفتوحة على الممر.

صالح حشاد: وكل زنزانة لها الحظ يعني كان عندها عشرة ثقوب 12، 14، 15..

أحمد منصور: قطره برضه صغير.

صالح حشاد: صغير شيئا ما يعني تقريبا عشرة سنتيمترا. هذا هو..

أحمد منصور: هذا لإدخال الهواء لكم.

صالح حشاد: الهواء لنا، ولكن هذه الثقوب ليست تعطينا إلى الخارج.. كل هذا..

أحمد منصور: فوقها الحديد.

صالح حشاد: كل الزنازين كانوا تحت الحديد..

أحمد منصور: يعني موجود فوقهم، الخرم الموجود أو الفتحة الموجودة في سقف الزنزانة فوقها سقف أيضا.

صالح حشاد: سقف آخر.

أحمد منصور: هذه الفتحات الموجودة في ممر الزنزانة فوقها سقف..

صالح حشاد: كل شيء كل السجن فوقه يكون كالخارج نار..

أحمد منصور: داخل الزنزانة.

صالح حشاد: داخل الزنزانة لا شيء يعني يمكن كوب من البلاستيك للأكل كوب صغير هذا للماء خمسة ليتر للماء في النهار وهذا تبسي صغير للأكل وهذا كوب صغير ليعطيك شوية قهوة في الصباح والسجين ينام هنا فوق الأسمنت والحديد ولا غطاء لا شيء.

أحمد منصور: لا شيء.

صالح حشاد: (كلمات أجنبية) يعني اثنين من الغطاء..

أحمد منصور: من الغطاء المهترئ.

صالح حشاد: يعني هش وقديم.

أحمد منصور: زملاؤك الذين في تزمامارت قالوا إنها ربما كانت تستخدم لبردعة الحمير.

صالح حشاد: أيوه هذا صحيح، وأيضا قديمة من الحرب العالمية الثانية، يعني شفت واحدة فيها سنة 1944 يعني هذا.. وهنا كان ثقب صغير للمرحاض هذا هو..

أحمد منصور: يعني كل حياتك داخل الزنزانة، لا يفتح الباب ولا تخرج منها.

صالح حشاد: داخل الزنزانة لا يفتح الباب ولا نخرج أبدا لمدة 18 سنة، وسألت طبيبا قلت له هل يمكن لأي بشر أن يعيش في هذه الظروف من دون هواء من دون الشمس؟ قال لي والله لا يتعدى أربع خمس سنوات لأن الشمس ضرورية للحياة، والهواء.

أحمد منصور: يعني حينما أغلق عليك الباب هكذا..

صالح حشاد: يعني والله لما دخلت لم أر شيئا كنت في الظلمات فبدأت كل من الأصدقاء بعد دقائق بدأنا يعني باليد كأنك تمشي في الظلمات تفتش ترى شيئا ما فبدأت يعني كنت كالأعمى ثم لمست كوب الماء ثم التبسي ثم شفت هذا الغطاء الهش وبقينا هكذا صامتين، الرعب في قلوبنا ولكن بعد نصف ساعة الحراس لما رمونا في الزنازين أول حاجة قاموا بها رمونا أغلقوا الباب ولم يتكلم أحد..

أحمد منصور: هذا باب الزنزانة.

صالح حشاد: هذا باب الزنزانة يغلقوه من الحديد، أغلقوا الباب وذهبوا وتركونا لمصيرنا. إذاً بعد نصف ساعة بدأنا نتكلم من بيننا نسأل من أنت إلى آخره وهنا عرفنا بأننا مجموعة الصخيرات ومجموعة الطيران.

أحمد منصور: يعني الآن المبنيين مبنى كان فيه 29 زنزانة ومبنى كان فيه ثلاثين زنزانة 59.

صالح حشاد: 29.

أحمد منصور: المبنيان منفصلان عن بعض.

صالح حشاد: وبينهم مدخل كبير يعني يأتي منه الحراس مجموعة تأتي..

أحمد منصور: كنتم في المبنى اللي فيه 29 زنزانة وهناك مبنى آخر فيه ثلاثون زنزانة.

صالح حشاد: 29.

أحمد منصور: 58 زنزانة.

صالح حشاد: أيوه.

أحمد منصور: أنتم لم تكونوا على صلة بالـ 28 اللي في المبنى الآخر؟

صالح حشاد: أبدا.

أحمد منصور: كنتم فقط عرفتم بعض.

صالح حشاد: عرفنا بعض.

أحمد منصور: مين كان معك في المبنى اللي كنت فيه؟

صالح حشاد: والله كنا تقريبا الأصدقاء.. من بعد تعرفنا أننا من الصخيرات ومن.. يعني لم يأتوا بنا الصخيرات لوحدهم و.. كنا يعني مجموعة خليط.

أحمد منصور: خليط. من كان معك من مجموعة القنيطرة من الطيارين؟

صالح حشاد: كان معي الليوتنانت الطويل، الزموري، كان النقيب الوافي، كان ضباط الصف منهم ستة أو سبعة يعني تقريبا نصف العمارة كان من الطيران والنصف الآخر كان..

أحمد منصور: الصخيرات. في اللحظات الأولى من وجودكم بدأتم تتحسسون بدأتم.. ما هي الهواجس التي انتابتك؟

صالح حشاد: والله أول حاجة بقينا صامتين لأنها صدمة كبيرة ثم من بعد بدأنا نتكلم من أنت إلى آخره ولكن كان دائما يعني في هاجسنا الأمل بأننا فين ربما هذا سجن قاسي أكبر من السجن المركزي ولكن كنا نفكر بأننا غدا سنخرج إلى الخارج ونتمتع بحقوقنا في المشي وإلى آخره.

أحمد منصور: في ظل الزنزانة هذه التي لا يوجد فيها مكان مفتوح تخرج منه صوتك وتنادي.

صالح حشاد: لا، لا، كل الأصوات تخرج من هنا.

أحمد منصور: معنى ذلك كنتم مضطرين إلى الصراخ.

صالح حشاد: كنا مضطرين إلى.. تصرخ يعني ليسمعك ولكن هذا من بعد لما يتكلم الجميع لا تسمع شيئا يعني هذا صداع.

أحمد منصور: قبل أن آتي إلى تفاصيل الحياة في تزمامارت قلت لي إن أعبابو..

صالح حشاد: وشلاط، مريزق وعقا.

أحمد منصور: شلاط، مريزق وعقا أخذوهم إلى تزمامارت أيضا؟

صالح حشاد: لا، من بعدها عرفت..

أحمد منصور: لأني أنا..

صالح حشاد: لما أخذهم فضول قال لهم اذهبوا إلى اليمين ونحن ذهبنا في الشاحنات.

أحمد منصور: ما مصير هؤلاء؟

صالح حشاد: لم نعرف مصيرهم ولكن من بعد لما أفرج الله عنا عرفت بأنهم ذهبوا بهم إلى تزمامارت ومن بعد خطفهم يعني فضول أو هذه لعبة من فضول باش الناس يقولوا بأن هؤلاء الناس كلهم ذهبوا بهم إلى تزمامارت بما فيهم الأربعة ذهبوا معنا إلى تزمامارت، إذاً انتهى الأمر ولكن هو لعب لعبة أخرى أخذهم ورجع بهم إلى الرباط ولهذا الكل يقول إنهم في تزمامارت ولم يكونوا في تزمامارت..

أحمد منصور: مصيرهم لا يعلم عنه أحد إلى اليوم.

صالح حشاد: ولحد الآن ما زال مصيرهم مجهولا.

أحمد منصور: فضول فقط هو الذي يعلم مكانهم هو الذي يعرف مصيرهم؟

صالح حشاد: 100% أنه يعرف مصيرهم.

أحمد منصور: قيل إنهم هربوا.

صالح حشاد: لأنهم قيل إنهم هربوا، لو فعلا هربوا وألقي عليهم القبض وأعدموا إذاً هذه أشياء معروفة، أين أعدموا وأين هم؟ لحد الآن لا أحد يعرف مصيرهم ولا زالت عائلاتهم تطالب بهم.

أحمد منصور: ما الذي أراده الحسن الثاني من وراء وضعكم في هذه الزنازين وفي هذا السجن؟

صالح حشاد: والله نرجع إلى كلام الدليمي قال 23 سنة هذا يعني انتقام شديد أو ربما يريد أن يقول للجيش هذا هو مصيركم إذا تمردتم علي وهو تزمامارت زنازين تزمامارت والموت البطيء. هذا السجن والله أنا فكرت قلت كنا نطلب من الحراس لنقول لهم أعدمونا بالرصاص أو أينما شئتم ولكن لا تخلونا في هذه الحالة، يقولون لا، ستبقون هنا وتموتون.. يعني هذا انتقام يريد أن نموت موتا بطيئا كمثل الشمعة تذوب.

أحمد منصور: هل تذكر الليلة الأولى في تزمامارت؟

صالح حشاد: والله أذكرها يعني الليلة الأولى كانت.. لم أنم أولا لما تعرفت على الزنزانة ولو مظلمة بيدي ومسست السقف وهذا يعني كان شيئا.. الحائط يعني أحس بالأسمنت لا زال كان يهبط مع الحائط ولا زال يعني تكبل في الحائط، ولم أنم وكنت أفكر.. ولكن دائما تقول ربما غدا ستتغير الأمور إلى آخره ولكن مع مرور الأيام هنا بدأت أفهم أنهم جاؤوا بنا هنا لنموت في هذه الزنازين ولكن من بعد تبين لنا حقا أننا اختطفنا وجيء بنا في تزمامارت لنموت.

أحمد منصور: هذا السجن كان سريا لا يعلم أحد عنه.

صالح حشاد: لا يعلم أحد.

أحمد منصور: وكان الحسن الثاني ينكر وجود سجن اسمه تزمامارت.

صالح حشاد: أيوه كان يسأل عن تزمامارت ويقال له ليس لنا تزمامارت ولم توجد تزمامارت هذا شيء.. ولكن كما كان الحال يعني في الشهر الأول ولكن اللي لاحظته وهي الطريقة التي يمشي عليها الحراس يعني الحارس لم ينظر إلينا يعني يأتي في الصباح يأتون بالأكل، الأكل ضعيف شيء، الحارس ينظر إلى الأرض لم ينظر إلينا ولم يتكلم معنا، تقول له صباح الخير فيدفع الباب برجله يعني الحراس اختاروهم يعني حراسا قاسين لا إنسانية في قلوبهم..

أحمد منصور: غلاظ..

صالح حشاد: ولهذا يحط لك الأكل يقول لك خذ يعني لا يخلي لك الوقت لأن تأخذ أكلك ويدفع الباب برجليه يعني يصدم الباب لكي يؤثر على أذنك. وهكذا مرت الأيام واستمر الأمر هكذا، الأكل ضعيف، في الصباح شوية القهوة يعني يشبه القهوة شوية الخبز يعني خبزة في النهار وكوب من الماء يعني خمسة ليتر من الماء هذا ما يعطونا في الصباح، في الغداء شوية الأكل يعني بعض الشيء لم يكن فيه يعني شيء من اللحم أو شيء من الدهنيات.

أحمد منصور: قضيتم 17عاما في هذا الجحيم. أبدأ معك الحلقة القادمة ببعض أوصاف الصيف والشتاء والحياة في جحيم تزمامارت. أشكرك شكرا جزيلا.

صالح حشاد: شكرا.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الرائد طيار صالح حشاد حول أهوال سجن تزمامارت، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.