- الطريق إلى تزمامارت
- لحظة الوصول ووصف المكان
- طبيعة المعاملة والحياة في الأشهر الأولى
- جحيم الشتاء وعذابات المعتقلين التالية

 
أحمد منصور
أحمد المرزوقي
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة أحمد المرزوقي أحد الضباط الذين شاركوا في محاولة انقلاب الصخيرات التي تمت ضد الملك الحسن الثاني عام 1971 وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب، مرحبا بك.

أحمد المرزوقي: مرحبا أستاذ أحمد.

الطريق إلى تزمامارت

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند يوم فاصل في حياتك وفي حياة كل المحكومين سواء في محاولة الانقلاب الأولى عام 1971 أو الثانية عام 1972 وكذلك يوم فارق في تاريخ المغرب الحديث وهو السابع من آب/ أغسطس عام 1973، ما الذي يمثله هذا اليوم بالنسبة لك؟

أحمد المرزوقي: هو طبعا هذا يوم مشؤوم في حياتي وحياة جميع أصدقائي الذين رحلوا إلى تزمامارت، فكما سبق لي أن قلت لك، تلك الليلة المشؤومة ونحن نائمين ننتظر الصبح لملاقات أصدقائنا الطيارين فإذا بنا نستيقظ على خبط على الأبواب وجلبة كبيرة وإذا بنا نرى جماعة من الدركيين ومن البوليس وجماعة الشرطة يطلبون منا أن نلبس ثيابنا ونستعد للرحيل.

أحمد منصور: في أي ساعة من الليل؟

أحمد المرزوقي: في الثانية صباحا. وطبعا دارت في أذهاننا الكثير من التساؤلات سيما بعد أن طلبوا منا أن نترك حوائجنا في الزنازين وقد قيل لنا بأنها ستلحقنا فيما بعد إلى المكان الذي سنذهب إليه.

أحمد منصور: ما هي الهواجس والأفكار التي انتابتك أنت وانتابت الآخرين ممن تحدثوا إليك بعد ذلك؟

أحمد المرزوقي: الغريب في الأمر كنا نفكر في نفس الشيء خصوصا عندما أخرجونا إلى ساحة السجن حيث وجدنا يعني أقول جيشا صغيرا مدججا بالأسلحة، كان هناك العسكريون والدركيون ورجال الشرطة يعني كانت جلبة وكانت تعلو سحناتهم الكثير من الصرامة، أول ما دار في خلدنا هو ربما تنفيذ الإعدام والتصفية الجسدية..

أحمد منصور (مقاطعا): الإعدام؟!

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: ليس الإفراج؟

أحمد المرزوقي: لا، ليس، أبدا، الإفراج مؤشراته واضحة.

أحمد منصور: ما هي المؤشرات التي سبقت هذه الليلة السابع من آب/ أغسطس عام 1973 لا سيما وأن المحكومين بعامين من زملائك تم الإفراج عنهم في الأول من آب/ أغسطس؟

أحمد المرزوقي: لم يكن أحد يتوقع أبدا أن يرحل إلى تزمامارت، يعني كنا منبسطين منشرحين في انتظار اللقاء بأصدقائنا الطيارين، طبعا لضخ شيء من يعني كسر الروتين الذي كنا نرزأ تحته، ولكن لما جيء هكذا على حين غرة وأخرجونا بهذه الكيفية و سيما بعد أن أعدم الطيارون كما تعلم فطبعا أول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان هو أن التصفية ستقع لا محالة وسيما بعد أن أعصبوا أعيننا وقيدوا أيدينا وشحنونا في شاحنات عسكرية..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، قبل هذا الشحن والتقييد، هل وصلتكم أي معلومات قبل هذا أنكم ستنقلون إلى سجن آخر.

أحمد المرزوقي: لا، لا، معلومة وحيدة قبل الانقلاب الثاني هو أننا بشهر يعني تقريبا قبل محاولة الانقلاب الثانية..

أحمد منصور (مقاطعا): الانقلاب الثاني كان في أغسطس عام 1972.

أحمد المرزوقي: نعم. يعني سرت أخبار وروجت أخبار مفادها أن سجنا يبنى في الصحراء في قرية تسمى تزمامارت.

أحمد منصور: وصلتكم هذه المعلومات وأنتم في السجن.

أحمد المرزوقي: نعم، ولدي قريب في الهندسة العسكرية لدي قريب جاء لزيارتي وقال لي إنهم بصدد إنجاز سجن في تزمامارت.

أحمد منصور: لكن لم تصلكم معلومات تفصيلية عن هذا السجن، آليته، شكله أي شيء من هذا؟

أحمد المرزوقي: أبدا.

أحمد منصور: ولم تكونوا تتوقعون أنكم أنتم الذين ستكونون ضيوفا في هذا السجن؟

أحمد المرزوقي: نحن كنا نتوقع الإفراج عنا.

أحمد منصور: هل وجودكم في السجن العسكري قبل السابع من آب/ أغسطس عام 1971كان أقاربكم يزورونكم، كانت الأمور عادية بالنسبة إليكم، كنتم تعاملون كمسجونين عاديين؟

أحمد المرزوقي: كان النظام عاديا جدا، كنا طبعا نزار من طرف أقاربنا، وكذلك في السجن المدني في القنيطرة كنا نتمتع تقريبا بجميع الحقوق إلا، وهنا أركز على هذا، إلا أصدقاءنا الطيارين، هؤلاء لم يكونوا يتمتعون بأي شيء، لا بزيارة، كانوا في جناح المحكوم عليهم بالإعدام.

أحمد منصور: كلهم حتى اللي آخذين أحكاما عادية كلهم كانوا في جناح المحكوم عليهم بالإعدام؟

أحمد المرزوقي: كلهم كانوا في جناح المحكوم عليهم بالإعدام.

أحمد منصور: هؤلاء الذين لم يتم إعدامهم من الطيارين الذين حوكموا بعد محاول أوفقير في أغسطس 1972. كانت حياتك قبل محاولة انقلاب الصخيرات عام 1971، يوليو عام 1971 حياة عسكرية تأخذ أوامر وتنفذ أوامر وتعيش حياة عسكرية صرفة، في فترة السجن هذه بين عامي 1971، 1973 قبل أن تذهب إلى تزمامارت هل علمت شيئا عن المغرب الذي لم تكن تعرف منه إلا الأوامر ممن فوقك وتصدر الأوامر لمن دونك من العسكريين؟

السجن بحد ذاته تجربة كبيرة جدا تعرفها وتتعرف فيها على طبقة الناس وعلى طبيعتهم
 
أحمد المرزوقي:
الحقيقة السجن بحد ذاته تجربة كبيرة جدا تعرفها وتتعرف فيها على الناس وعلى طبيعة الناس، أنا مثلا لما سجنت طبعا كانت لي فكرة عن الأقارب وعن الأصدقاء وعن وعن ولكن عندما تسجن لا يزورك ولا يبقى على العهد إلا القلة القليل من الناس.

أحمد منصور: من الذي بقي على العهد معك؟

أحمد المرزوقي: طبعا بعض الأصدقاء.

أحمد منصور: كانوا يزورونك؟

أحمد المرزوقي: طبعا وأذكر هنا كثير من الأصدقاء ولكن هناك من خذلني طبعا كسائر الأصدقاء الذين كانوا معي وهنالك حتى من الناس من كانوا على صلة يعني كانوا بصدد الزواج فإذا بزوجاتهم أو خطيباتهم يتخلون عنهم.

أحمد منصور: لمجرد أنك صديق لهم.

أحمد المرزوقي: لا.

أحمد منصور: آه، من المسجونين.

أحمد المرزوقي: نعم، كان هنالك من بصدد الزواج كان ينتظر فقط الإجازة السنوية لكي يتزوج، هنالك من تركته خطيبته فقط لأنه حكم بخمس أو بعشر سنوات، طبعا فالإنسان يقع، في بعض اللحظات يقف مشدوها أمام بعض التصرفات.

أحمد منصور: بعدما ركبتم الشاحنات هل علمتم إلى أين أنتم متجهون؟

أحمد المرزوقي: لا.

أحمد منصور: لم يخبروكم بأي شيء.

أحمد المرزوقي: لم يخبرونا. طبعا..

أحمد منصور: كنتم كلكم معصوبي الأعين؟

أحمد المرزوقي: معصوبي الأعين وموثقي الأيدي، فبعدها..

أحمد منصور (مقاطعا): كم واحد في كل شاحنة تقريبا؟

أحمد المرزوقي: تقريبا 29.

أحمد منصور: في كل شاحنة؟

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: علمت من الذي معك في شاحنتك؟

أحمد المرزوقي: لا، كان خليطا، كنت معصوب العينين وطبعا كان محرما علينا التكلم، كنت أحس طبعا بسجين عن يميني وعن يساري وبأن هنالك في داخل الشاحنة رجال الدرك ورجال البوليس، المهم لم يكن مسموحا لنا بالكلام.

أحمد منصور: كيف كان الطريق إلى تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: لما وصلنا إلى..

أحمد منصور (مقاطعا): الطريق. صف لي الطريق قبل الوصول؟

أحمد المرزوقي: طبعا. لما وصلنا إلى.. طبعا عرفنا، تعرفنا فيما بعد أننا وصلنا إلى القاعدة الجوية في القنيطرة، وجدنا طائرتين في انتظارنا، شحن النصف في طائرة والنصف الآخر في طائرة أخرى، أقلعت الطائرتان..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكونوا تعرفون إلى أين؟

أحمد المرزوقي: في المجهول، نحن كنا طبعا نغوص في المجهول، إلى أين؟ نقاط استفهام تتراقص في أذهاننا إلى أن جاء شرطي سادي وهمس في أذن البعض منا..

أحمد منصور (مقاطعا): وأنتم في الطائرة؟

أحمد المرزوقي: ونحن في الطائرة. تهيؤوا فإننا بعد قليل بصدد رميكم في البحر، في عرض البحر، ويعني باستطاعة أي إنسان أن يبذل جهدا أن يتخيل هذا الموقف.

أحمد منصور: أنت ما الذي انتابك أنت؟

أحمد المرزوقي: فزع كبير كسائر الناس يعني وكنت أحاول أن أقمع هذا الفزع كسائر الأصدقاء وكنت أخذت أستعجل كسائر أصدقائي أن يرمى بنا، لأن أفظع ما في العذاب أو في الإقدام على التصفية الجسدية هو الانتظار، أعتقد أن الانتظار أفظع وأصعب من العملية نفسها.

أحمد منصور: مثلت هذه اللحظات في حياتك..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): يعني أقول صدمة ورجة كبيرة جدا، هنالك لحظات عشتها لحظات ستبقى طبعا منقوشة في ذاكرتي إلى الأبد، فهذه اللحظة لحظة فظيعة جدا فالخيال يقدم لك نفسك وأنت تتأرجح في الهواء وتقول أي حوت ينتظرني لكي يبتلعني، حتى يدي لا أستطيع أن أستعملها كي أسبح، حتي عيني لا أستطيع أن أرى بها، إذاً أي نهاية مأسوية هذه. طبعا هذه الهواجس التي كانت تنتابنا وطبعا كانت الحالة متوترة، هنالك بعض اللحظات التي جاوزت فيها يعني جاوزت حدود التوتر، أشياء حتى وصلت كان بجانبي شخص لم أعرفه فقلت من أنت؟ قال أنا ضابط في الطيارين، قلت له ما اسمك؟ قال أنا اسمي محمد الزموري، لما انتظرنا ولم يشرع في رمينا من الطائرة، قلت أتدري إلى أين نحن متجهون؟ قال لي أعتقد ربما إن لم نرم فنحن متجهون إلى مكناس، مدينة مكناس.

أحمد منصور: وقد كان بالفعل.

أحمد المرزوقي: لا. فلما طالت المسافة وطال الطريق، قال لي أعتقد أننا الآن متجهون نحو الصحراء، وكذلك كان، حطت بنا الطائرتان في مطار بمدينة كانت تسمى آنذاك القصر الكبير، الآن تسمى الراشدية، في حدود الخامسة صباحا وبعدها شحنا في كيفية مهينة بكيفية مهينة جدا بحيث أننا كنا نأخذ كأكياس لبضاعة بائرة وكنا نرمى الواحد على الآخر في الشاحنة، رمينا بهذه الكيفية كنا نرمى في الشاحنة..

أحمد منصور (مقاطعا): وما زلتم معصوبي الأعين ومكتوفي الأيدي.

أحمد المرزوقي: صحيح. انطلقت الشاحنات بسرعة.

أحمد منصور: لم يتحدث أحد معك من الحراس؟

أحمد المرزوقي: أبدا، أبدا، الكلام محرم.

أحمد منصور: ولم تكونوا تعرفون إلى أين تذهبون؟

أحمد المرزوقي: ولم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبون.

أحمد منصور: وكانت هواجس الموت لا زالت تلاحقكم؟

أحمد المرزوقي: لا أنا شخصيا لما وضعت في الشاحنة يعني خمنت وقلت ربما نحن ذاهبون إلى سجن في الصحراء، لماذا؟ لأني قلت لك كان قريبي يعمل في الهندسة العسكرية قال لي بأنهم بصدد بناء سجن في الصحراء.

لحظة الوصول ووصف المكان

أحمد منصور: متى وصلتم إلى تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: تقريبا في حدود الثامنة صباحا، كانت الشمس قد طلعت، كان يوما عصيبا كان مفرط الحرارة، فأدخلنا إلى ساحة، وكما تعلم لما كانت أعيننا معصوبة كنا نحرك الحواجب، كان كل واحد فينا يريد أن يرى أين يضع قدمه، أين سيرمى به، وطبعا بتحريك الحواجب وبتحريك الرأس هكذا تستطيع أن ترى طبعا من تحت العصابة تستطيع أن ترى بعض الأشياء.

أحمد منصور: ماذا رأيت؟

أحمد المرزوقي: رأيت منظرا مهولا، يعني ساحة كبيرة جدا شاسعة رملية يتخللها بعض أكوام الحجر وحيطان صخرية رمادية قاتمة تميل إلى السواد وبنايتين، عمارتين بنيتا على خط مستقيم، وهذا التفصيل مهم جدا وهو أن البنايتين كانتا مسقفتان بالزنك بالقصدير وكانتا يعني كان هنالك منحدر يعني لم تكن الأرض متساوية بحيث أن البناية الأولى كانت توجد في الأعلى والبناية الثانية كانت توجد في المنحدر في أسفل المنحدر وهذا تفصيل مهم جدا سنتطرق إليه.

أحمد منصور: هذا باختصار من الخارج وصف عنبري سجن تزمامارت، كيف كان الوصف من الداخل؟

أحمد المرزوقي: أعتقد أنه من المفيد أن أفتح قوسا هو أنه عندما فتشنا وتحقق من هويتنا سمعت شرطيين يتهامسان ويقول أي سجن هذا! ما أتوا بهم إلى هذا المكان إلا ليصفوا تصفية رهيبة.

أحمد منصور: سمعت هذا قبل أن تدخل إلى الزنزانة وقبل أن ترى شيئا؟

أحمد المرزوقي: قبل أن أدخل سمعت هذا وتصور الوقع الذي..

أحمد منصور (مقاطعا): كلكم كنتم  معصوبي الأعين مكتوفي الأيدي؟

أحمد المرزوقي: بدون استثناء، وفي هذه.. طبعا خضعنا لتفتيش دقيق، في أثناء عملية التفتيش جاء ضابط سامي برتبة كولونيل يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): عقيد، عميد؟

أحمد المرزوقي: مقدم. فدخل لتفتيش إحدى الزنزانات وخرج متهكما وقال بكيفية ساخرة، يمكن للإنسان أن يعيش هنا، ولا زلت أذكر أنه في أثناء التفتيش نزعت النظارات للأخ أحمد المنصت وهو ملازم فأخذ يقول ردوا إلي نظارتي، فقال لست في حاجة إليها منذ اليوم. وأدخلنا إلى دهليز الواحد تلو الآخر وفكت القيود وأزيحت العصابات وأدخل كل واحد منا وطبعا في هذه اللحظة استطعت أن أرى دهليزا طويلا يشبه نفق القطار، دهليز مظلم..

أحمد منصور (مقاطعا): عرضه كم؟

أحمد المرزوقي: أعتقد متر ونصف.

أحمد منصور: فقط؟

أحمد المرزوقي: ضيق. واصطفت الزنازين الواحدة قبالة الأخرى، وقبالة الباب الرئيسي اصطفت 15 زنزانة، الجهة المقابلة 14 زنزانة، لماذا؟ لأن الزنزانة الخامسة عشرة كانت مقابلة للباب.

أحمد منصور: في النهاية في الواجهة.

أحمد المرزوقي: نعم، كان لها حجم وكان لها ضعف مساحة الزنازين الأخرى.

أحمد منصور: كيف كانت مساحة الزنازين؟

أحمد المرزوقي: ثلاثة أمتار على مترين ونصف. الزنزانة مظلمة عبارة غار قل أو بئر أو قل قبر أو قل ما شئت من هذا القبيل.

أحمد منصور: من الداخل كيف كانت؟

أحمد المرزوقي: من الداخل كان الظلام مطبقا لا ترى شيئا، فعندما رمونا في الزنزانة كانت كذلك لحظة في منتهى البشاعة.

أحمد منصور: متى أزالوا العصابة عن أعينكم؟

أحمد المرزوقي: لما أرادوا أن يرموا بنا في الزنازين.

أحمد منصور: قبل أن تدخلوا إلى الدهليز؟

أحمد المرزوقي: لا، في الدهليز.

أحمد منصور: في الدهليز في الداخل.

أحمد المرزوقي: وهذا ما مكنني من رؤية الدهليز ومن إلقاء نظرة على كيفية..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن قبل أن تدخل لم تستطع أن ترى البناء كاملا من الخارج؟

أحمد المرزوقي: قبل أن؟

أحمد منصور: قبل أن تدخل إلى الدهليز.

أحمد المرزوقي: لا، رأيت من تحت العصابة.

أحمد منصور: لكن لم تكشف أعينكم إلا في الداخل؟

أحمد المرزوقي: إلا في الداخل. وطبعا كانت هنالك لحظة كبيرة جدا.

أحمد منصور: ما هي؟

أحمد المرزوقي: لما صفقوا الباب، أنا شخصيا لما صفقوا الباب من خلفي أحسست بالنهاية، ارتج قلبي وكنت أعوم في الظلام، لم أهتد إلى أي شيء.

أحمد منصور: لم يوجد أي منفذ للضوء داخل الزنزانة؟

أحمد المرزوقي: أي منفذ، في الأول لم أتلمس شيئا من الضوء إلا بعد مرور على ما يزيد من نصف ساعة، يعني كنت في الخارج فلما وضعت في الزنزانة رميت في الزنزانة كان الظلام مطبقا لا ترى فيه أي شيء، الشيء الذي جعلنا نقول هذا حمق..

أحمد منصور (مقاطعا): قبر يعني.

أحمد المرزوقي: قبر، قبر. ما ذا يريدون؟ وتيقنت بأنها ستكون النهاية، ولم أتلمس يعني شيئا، لم أر شيئا من الضوء إلا بعد نصف ساعة حين كان ضوء خافت يتسلل من ثقب في السقف ضوء خافت لا تكاد ترى فيه أصابعك وكان ينعكس على أرضية الزنزانة طبعا كان له حجم أعتقد قطر متر.

أحمد منصور: هذا الضوء يأتي من الدهليز أم من الخارج؟

أحمد المرزوقي: يأتي من السقف.

أحمد منصور: من السقف. السقف كان ألواحا من القصدير تقول.

أحمد المرزوقي: السقف كان من الإسمنت المسلح وكان فوقه خواء وكان فوق الخواء كان طبعا سقف من القصدير مثبت بركائز من الخشب.

أحمد منصور: فوق الخواء.

أحمد المرزوقي: فوق الخواء، أما الزنزانة فكان فيها دكة أو يعني بمثابة سرير.

أحمد منصور: مصطبة يعني.

أحمد المرزوقي: نعم، بمثابة سرير..

أحمد منصور (مقاطعا): من الخرسانة؟

أحمد المرزوقي: من الأسمنت، لما كنت أتلمس بيدي كانت كثير من النتوءات في الجدار حتى في الأرضية، لما تعودت بالظلام رأيت قبالتي ثلاثة صفوف من الثقوب، 17 ثقبا.

أحمد منصور: عددتها؟

أحمد المرزوقي: طبعا، سطر فيه ستة، في خمسة، في ستة، تطل على الدهليز.

أحمد منصور: هذه لم تكن تأتي بأي ضوء؟

أحمد المرزوقي: لما استأنست بالظلام، لا أقول ضوءا، ولكن تأتي لي بالهواء أكثر من الضوء..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني هذا كان فقط المتنفس الوحيد لهذا القبر المسمى زنزانة.

أحمد المرزوقي: لم تكن هناك نافذة أبدا، ولهذا.. وتحت هذه الثقوب كان مرحاض، مرحاض لعب دورا يعني رئيسيا في تعذيبنا بيحث أن من خطط لهذا السجن تعمد أن يكون ثقب المرحاض ضيقا جدا، نحن عندما كنا نأتي حاجتنا كان ينغلق وكنا، كانوا يعطوننا خمسة ليترات في اليوم من الماء للشرب والغسل، افعل بها ما شئت 24 ساعة في الصيف كما في الشتاء، ولهذا طبعا حينما كنا نريد أن نقضي حاجتنا كان الثقب ضيقا الشيء الذي كان يضطرنا لاستعمال أيدينا لتمرير النفايات.

أحمد منصور: أحد أصدقائك الذين كانوا معك أو زملائك وصف الزنزانة قال إنها "بطول ثلاثة أمتار وتسعين سنتميترا وعرض مترين وأربعين سنتيمترا وارتفاع ثلاثة أمتار وثلاثة وسبعين سنتيمترا، في الزاوية مرحاض مجرد من طرادة المياه ومصطبة دون فرش تستخدم  سريرا، غطاءان كان كل الأثاث، لا طاولة ولا كرسي، وعاء من بلاستيك وصحن هما الأداتان الوحيدتان الموضوعتان تحت تصرف المعتقل، الطابع المميز للزنزانات هو أنها تغرق ليلا ونهارا في الظلمة، الهواء وليس النور يصل من 17 ثقبا بقطر عشرة سنتيمترات تخترق أعلى الجدار وتشرف على الممر بعيدة عن متناول السجين. الممر نفسه كان مظلما، أكثر من 18 عاما في الظلام في بلد يطلقون عليه مملكة الشمس".

أحمد المرزوقي: وحتى الأغطية يعني ينبغي التذكير بأنه، كان الأثاث كما قال طبعا هو كذلك، الأغطية كانت عبارة عن.. أنا شخصيا الأغطية التي.. غطاءان كان من حظي غطاءان كانا يستعملان كترتيبة تحت السروج لأنني كنت أشتم منهما رائحة البغال أو الحمير لست أدري وكان فيهما شعر كبير يعني عرق البهائم التي ستغدو فيما بعد أحسن بكثير من رائحتنا نحن.

أحمد منصور: يعني حتى الأغطية تعمدوا أن يأتوا لكم بأغطية من الإسطبلات أو من..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): ووجدنا في بعضها تواريخ، 1936، وكانت أغطية مهلهلة يعني أغطية شبه ممزقة، وأشير هنا إلى أن الصحن لعب دورا كبيرا، وهنالك من الأصدقاء من لعب المرحاض في حياته يعني دورا رئيسيا في التعذيب فكان يضطر في الصحن الذي يأكل فيه كان يتبرز فيه ويضع الماء فيه لكي يمرر التبرز، وسترى أن صديقا في الزنزانة رقم اثنين يعني قضى ما يزيد على 11 سنة مشلولا ويتبرز في مكانه وكان المرحاض هو سبب هذه المأساة، سنرى فيما بعد.

أحمد منصور: يعني أنتم قضيتم داخل هذا القبر أو ما يسمى بالزنزانة أكثر من 18 عاما.

أحمد المرزوقي: نعم وثلاثة أشهر.

[فاصل إعلاني]

طبيعة المعاملة والحياة في الأشهر الأولى

أحمد منصور: هل لا زلت تذكر الوجبة الغذائية الأولى التي جاءتك في هذا القبر؟

أحمد المرزوقي: الوجبة الغذائية كانت وجبة أعتقد لكي نقول الحق ونبقى في، كانت محترمة، يعني ما يأكله الجنود، كانت من الفاصولياء كما الخبز يعني كانت معدة إعدادا جيدا وكان الخبز، يعني أعطونا الخبز بما فيه الكفاية، كانت الوجبة يعني لم تكن سلطة ولم يكن هناك..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه أول مرة؟

أحمد المرزوقي: أول مرة.

أحمد منصور: ماذا بعد ذلك، كيف كان طعامك؟

أحمد المرزوقي: في الأول، في الثلاثة أشهر الأولى، طبعا لا الحراس كانوا لا زادوا بآدميتهم وكانوا يعتقدون بأن مقامنا لن يطول هنالك لأننا بصدد يعني ستمارس علينا عقوبة ثم نرجع إلى مكاننا.

أحمد منصور: صف لنا هؤلاء الحراس.

أحمد المرزوقي: الحراس كما قلت في الأول كانوا بآدميتهم، كانوا يتعاملون معنا معاملة إنسانية.

أحمد منصور: تعرفتم عليهم، تحدثتم معهم؟

أحمد المرزوقي: في الأول كان محرما عليهم تحريما باتا أن يتكملوا معنا، ولكن في الأول أقول في الشهور الأولى، كان رئيسهم رجلا فاضلا يعني رجل إنسانيا وأحييه اسمه أحمد خربوش، وهذا الرجل سيؤدي ثمن تعاطفه معنا غاليا، لأن في الأشهر الأولى..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف أدى ثمن تعاطفه، كيف كان يتعامل معكم؟

أحمد المرزوقي: كان يتعامل معنا بإنسانية وكان طبعا..

أحمد منصور (مقاطعا): صف لي إنسانيته؟

أحمد المرزوقي: إنسانيته كانت تتجلى أولا في ترك الأبواب مفتوحة.

أحمد منصور: أبواب الزنازين.

أحمد المرزوقي: نعم. عندما كان الحراس يأتون ليسلمون لنا وجبة الغذاء أو الأكل كان يتعمد في ترك بعض الزنازين مفتوحة وكان..

أحمد منصور (مقاطعا): هل هذا أتاح لكم أن تعرفوا بعضكم بعضا؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، كان كل واحد في زنزانته ولكن..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تخرجوا من الزنزانة؟

أحمد المرزوقي: أبدا، أبدا.

أحمد منصور: كيف تعرفت على من حولك؟

أحمد المرزوقي: طبعا بالصوت.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: بالصوت لما..

أحمد منصور (مقاطعا): حينما كان يغلق باب الدهليز كنتم تعزلون تماما عن العالم؟

أحمد المرزوقي: كنا نعزل عن العالم عزلة شاملة لأن الحراس كانوا لا يأتون إلا في ثلاث مناسبات، يأتون في الصباح ثم في الزوال ثم بعد العصر وينصرفون.

أحمد منصور: ويختفي الحراس بعد ذلك؟

أحمد المرزوقي: ويختفي الحراس بعد ذلك بكيفية نهائية بحيث أنه من أصيب بشيء يبقى على تلك الحالة..

أحمد منصور (مقاطعا): وكل في داخل هذه الزنزانة لا يستطيع أن يفعل شيئا، لا يخرج منها ولا..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): لا، أبدا. كان.. سنرى فيما بعد أن الكثير..

أحمد منصور (مقاطعا): لا تقل لي شيئا فيما بعد، قل لي الآن ما تراه.

أحمد المرزوقي: كان المحتضرون مثلا، إن أفظع ما كان في تزمامارت هو أن تسمع العذاب يمارس على صديقك.

أحمد منصور: من الذين كانوا حولك؟

أحمد المرزوقي: كان قبالتي الأخ عبد الله الجو، رقم خمسة.

أحمد منصور: أنت في أي زنزانة كنت؟

أحمد المرزوقي: أنا كنت في الزنزانة رقم عشرة، عن شمالي كان الملازم عبد الكريم السعودي، عن يميني الملازم إدريس اشبرق، وفي الزنزانة أربعة الملازم كان عبد العلي الصفريوي وقبله في الزنزانة القبطان عبد اللطيف بن الكبير وفي..

أحمد منصور (مقاطعا): حينما تقول القبطان، الطيار يعني.

أحمد المرزوقي: لا، لا أقول الطيار، من مدرسة أهرومو.

أحمد منصور: آه، من أهرومو.

أحمد المرزوقي: والمرحوم رقم 6 والمرحوم..

أحمد منصور: قبطان تقصد نقيب كرتبة عسكرية؟

أحمد المرزوقي: نقيب، نعم. وكنا نتواصل بالصراخ.

أحمد منصور: الباب كيف كان شكله؟

أحمد المرزوقي: الباب كان حديديا، الباب كان حديدا وكانت له نويفذة صغيرة كانت تسد بصفحة من الحديد..

أحمد منصور (مقاطعا): من الخارج؟

أحمد المرزوقي: من الخارج، وتغلق من الخارج وكان لها رأس يضع فوق نتوء فكان يسد يغلق بالحديد، نحن كنا نقضي سحابة يومنا محاولة في التخلص.. في فتحه من الداخل، كانت لعبة قطة وفأر مع..

أحمد منصور (مقاطعا): كنتم تنجحون أحيانا؟

أحمد المرزوقي: نعم نجحنا، نجحنا في كثير من الأشياء، الشيء الذي طبعا أتاح لنا أن ننظر إلى بعضنا البعض من خلال تلك النويفذة الصغيرة.

أحمد منصور: كيف كان سمك الجدار؟

أحمد المرزوقي: غليظة جدا، كان بالحجر والأسمنت المسلح وأنا رأيته لما رجعت إلى تزمامارت في السنة المنفرطة ورأيت كيف هدموا السجن للأسف الشديد، هم يريدون أن يحافظوا على الذاكرة فإذا بهم يطمسون هذه الذاكرة.

أحمد منصور: سمكه كم، متر، نصف متر؟

أحمد المرزوقي: أعتقد متر وزيادة.

أحمد منصور: لو رجعت إلى أحمد خربوش كبير الحراس في الفترة الأولى والكيفية التي كان يتعامل فيها معكم، معنى ذلك أن الثلاثة أشهر الأولى في تزمامارت لم تكن كما كانت من بعد؟

أحمد المرزوقي: كانت هي من أخف الشهور التي عشناها في تزمامارت لأنه أولا كان أحمد خربوش يفعل ما في وسعه، كان يأتي لنا من مطبخ السجن كان يأتي بقطع من السكر وبشيء من التمر ويفرقه هنا وهناك وكان يفعل ذلك تيقنا منه بأنه صديق للمدير..

أحمد منصور (مقاطعا): من المدير؟

أحمد المرزوقي: المدير اسمه محمد القاضي، لأنه عمل في الصفوف تحت الألوية الفرنسية في الجيش الفرنسي فكانا ينحدران من نفس القبيلة وكان طبعا يبيح لنفسه أن يتجاوز بعض.. وأحمد خربوش بعد مجيئنا إلى تزمامارت قام بربط الاتصال بين بعض الأسرى وعائلاتهم.

أحمد منصور: طبعا أنتم كنتم في عزلة تامة عن عائلاتكم.

أحمد المرزوقي: عزلة تامة.

أحمد منصور: ولم يكن عائلاتكم يعرفون أين تزمامارت وأين أنتم موجودون؟

أحمد المرزوقي: في الأول لم يكونوا يعرفون شيئا ولكن تعرفوا على تزمامارت فيما بعد بفضل أحمد خربوش الذي سرب بضعة رسائل وجاء بالجواب وفي أثناء محاولته الثانية للقيام بربط الاتصال وشى به نائبه الذي كان إنسانا يعني شيطانا..

أحمد منصور (مقاطعا): ما اسمه؟

أحمد المرزوقي: اسمه بن إدريس، سميناه نحن السلك لأنه كان دائما يغلق النوافذ من الخارج..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه النوافذ الموجودة على الأبواب الصغيرة.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، طبعا لقبناه بالسلك، وشى به وطبعا وجد عنده ضبط بكميات كبيرة من الدواء ولكن الرسائل وهنا يعني تقع، يعني هذا الشخص مدين لحارس آخر سيلعب دورا حاسما في إطلاق سراحنا وهو الأخ المساعد الأول محمد الشار بدوي، هذا محمد الشار بدوي كان رجلا إنسانيا أرسله الله إلينا يعني كملاك طاهر في وسط هؤلاء الوحوش.

أحمد منصور: هذا بقي معك طوال الـ 18 عاما؟

أحمد المرزوقي: طوال، طوال، هذا محمد الشار بدوي هو اللي كان عندما كان يفتش من بين المفتشين لأحمد خربوش وجد الرسائل ورغم ذلك تشجع..

أحمد منصور: رسائل من العائلات.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، وغامر ولما آنس لحظة أخفى الرسائل في جيبه لكي ينقذ صديقه، وفعلا أنقذه.

أحمد منصور: وينقذكم أيضا وعائلاتكم.

أحمد المرزوقي: وينقذنا أيضا طبعا. وأحمد خربوش عوقب بستة أشهر طعبا وطرد من الجيش رغم ذلك رغم غياب الحجج، ومن ذلك اليوم يعني بدأ الجحيم.

جحيم الشتاء وعذابات المعتقلين التالية

أحمد منصور: صف لنا بداية هذا الجحيم؟

أحمد المرزوقي: الجحيم بدأ مع حلول البرد، طبعا لما سافرنا لما جيء بنا يعني لبسنا ثيابا خفيفة كان الوقت صيفا، بقميص بدون أكمام وسترة رقيقة وسروال ونعال من يعني مطاط الشاحنات..

أحمد منصور (مقاطعا): مطاط الشاحنات، هذه إطارات السيارات.

أحمد المرزوقي: إطارات السيارات.

أحمد منصور: هذه كان حذاؤكم مصنوعها منها؟

أحمد المرزوقي: نعم، يعني نستعمل من تلك النعال، فلما دخل البرد لم نكن نعتقد أو ندري بأن البرد يعني رهيبا في تلك الربوع بحيث أن الدرجة كانت تنزل ما تحت الصفر.

أحمد منصور: صف لنا الشتاء في تزمامارت؟

الشتاء في سجن تزمامارت كان عبارة عن جهنم باردة، عشت أيامه بغطاء واحد
أحمد المرزوقي:
الشتاء عبارة عن جهنم بارد، هذا، جهنم بارد، بحيث أن الموقع كنا على مقربة من جبل العياشي الذي كان دائما مكسوا بالثلوج وكان يرسل سمومه إلى تزمامارت بحيث أن الدرجة كانت تهبط، وأذكر بأنني أنا عشت بغطاء واحد.

أحمد منصور: والغطاء الثاني؟

أحمد المرزوقي: كنت أعتقد، قيل لنا بأن الكولونيل آنذاك الدليمي سيأتي إلى السجن لتحديد ولطبعا..

أحمد منصور (مقاطعا): الدليمي الذي حل محل أوفقير؟

أحمد المرزوقي: نعم. قيل لنا بأن الدليمي سيأتي إلى السجن لتحديد قانون السجن وسيعطيكم كذا وكذا وستتواصلوا مع عائلاتكم، أنا بسذاجتي اعتقدت بأن الأمور ستكون على ما يرام فأخذت الغطاء فصنعت منه حبلا، فتلته وصنعت منه حبلا طويلا كنت أتواصل عبر ثقوب الزنزانة نتواصل مع الأصدقاء به، ولما حل البرد وجدت نفسي في.. وكان بردا فظيعا بحيث لا زلت أذكر بعض الأصدقاء أرسلوا لي رقعتين، الأخ مفضل الماغوتي والأخ مبارك الطويل، وكانت طبعا هبة سماوية تلك الرقعة.

أحمد منصور: النقيب بن الكبير وصف الشتاء فقال "إن حياة السجين غدت صراعا لا يتوقف ضد البرد، فالشتاء جليدي والثلج يتساقط في تزمامارت، يستيقظ السجين وسط الليل وهو يرتعش فينصرف إلى رقص مجنون ليدفأ، كما أن صرير الصفيح وهو يتقلص يعطي لتلك اليقظة طابعا شيطانيا".

أحمد المرزوقي: وأكثر من هذا ففي الليل عندما كنا نسمع فرقعة في القصدير من شدة البرد، تخيل يستحيل استحالة مطلقة أن تنام، يستحيل، الكل كان يتمنى رصاصة في الرأس لكي يستريح من ذلك العذاب..

أحمد منصور (مقاطعا): إلى هذا الحد؟

أحمد المرزوقي: إلى هذا الحد، فمنا من كان يقفز، منا من كان يزرع الزنزانة جيئة وذهابا وكنا نتمشى في الزنزانة خطوتين ونصف خطوة كالحيوانات، ومنا من كان يستمر في حكك أطرافه إلى أن ننهار وفي عز الليل كنا نسمع الشهقات، كان البعض يبكي ولا يرضى أن يسمع شهيقه ولكنه كان يبكي بصمت، وكلنا كنا ننهار، كان الانهيار، ولم يكن.. لا أقول نوما وإنما كان انهيارا كنا نسلم للأمر وننهار إلى أن يأتي الحراس ففي الحقيقة كان ذلك.. وكان ذلك يتجدد، وقبل مجيء الليل ففي الحقيقة كان العذاب وأعتقد أن أروع ما يصور بهذا العذاب هي آية قرآنية كثيرا عندما أمر بها أتوقف لأتمعن فيها، يقول الله سبحانه وتعالى {..لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا..}[فاطر:36].

أحمد منصور: أعوذ بالله، كأنكم في جهنم؟

أحمد المرزوقي: في جهنم، هكذا بالضبط {..لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا..}، كذلك كنا نسام ألوان العذاب إضافة إلى العزلة إضافة إلى المهانة إضافة إلى أشياء أخرى والتجويع الرهيب.

أحمد منصور: هل علمتم من الذي صمم هذا السجن الرهيب؟ من الذي بناه؟

أحمد المرزوقي: فيما بعد علمنا أنه مهندس كان يشتغل مع الجيش اسمه، لا أقول مهندسا وإنما مقاول اسمه المرنيسي.

أحمد منصور: هو الذي صمم السجن؟

أحمد المرزوقي: ولما ذهبنا في السنة المنفرطة إلى تزمامارت وجدنا من بين الناس من عمل في السجن، يعني من بناه.

أحمد منصور: من العمال؟

أحمد المرزوقي: نعم من العمال، فقال لنا عامل لما اكتملت بناية السجن دخل المرنيسي لتفقد زنزانة فجاء أحد الضباط وسد عليه أغلق عليه الباب فأخذ يصرخ منذعرا فقال أتريدون مني أن أكون أول ضحية؟ فطبعا فتحوا له الباب تحت ضحك من كان معه.

أحمد منصور: هذا السجن بأمر من بني؟

أحمد المرزوقي: بأمر من تريد أن يبنى؟ أعتقد أنه بني بأمر من الملك، لا يستطيع ضابط سامي مهما كانت مرتبه أن يتخذ إجراء كهذا، لنكن صريحين.

أحمد منصور: بعض المصادر أشارت إلى هذا وقالوا إن الملك بناه حتى تذوبوا موتا فيه ردا على جريمة تجروئكم على أن تنالوا من الملك.

أحمد المرزوقي: الملك كان يعلم علما صادقا بأننا لم نخطط ولم نبيت، كان يعلم هذا ولكنه فقط عندما قتل وقضي على جميع مدبري الانقلاب أراد أن يضرب بنا المثل فكنا أكباش الفداء ليس إلا، وطبعا هذا خطاب كان موجه إلى الجيش كأنه يقول لهم وإن عدتم عدنا، انظر ماذا فعل بهؤلاء فقط، نحن كنا فئران تجارب مورست علينا أبشع أنواع العذاب فقط للترهيب، كنا فزاعة للجيش.

أحمد منصور: تعتقد أنكم أرسلتم إلى هذا السجن الرهيب حتى لا تخرجوا منه أحياء؟

أحمد المرزوقي: في الأول كنا نغذي آمالا كثيرة، كنا نعتقد أننا بصدد المكوث في السجن بضعة أشهر وسنرجع إلى سجن القنيطرة الذي كان بدأ يظهر وكأنه أوتيل هيلتون مقارنة مع تزمامارت، ولكن لما سقطت الضحية الأولى في ظروف بشعة اعتقدنا بأن الدنيا ستقوم ولا تقعد وأن هناك ستأتي لجان عسكرية للبت في هذه القضية، لما رأينا أن الأمور بقيت على ما هي عليه تيقنا في نهاية المطاف بأننا في ذلك المكان من أجل تصفية من أجل موت بطيء رهيب.

أحمد منصور: كيف كان تعامل الحراس معكم في هذه الفترة الثانية، بعد فترة الثلاثة شهور الأولى وذهاب الحارس الذي كان متعاطفا معكم ومحاكمته وسجنه وإبعاده من الجيش؟

أحمد المرزوقي: لما رأوا ما فعل المدير بصديقه الذي قضى معه سنين طويلة في فرنسا في حرب الهند الصينية، لما رأوا ما فعل به أخذ الواحد يتجسس على الآخر..

أحمد منصور: من الحراس؟

أحمد المرزوقي: من الحراس، وأخذ كل واحد يشك في الآخر ويبرئ ذمته وأخذوا يتنافسون في إيذائنا لكي يبرهنوا..

أحمد منصور (مقاطعا): ما أشكال الإيذاء؟

أحمد المرزوقي: الإيذاء مثلا أنا شخصيا أعطيك كعينة، أنا أصبت، كان لي تقيح في ضرس ومكثت أربعة أيام وأنا أصرخ وأضرب الباب إلى أن انفجر، انظر من هنا، إلى أن انفجر القيح من هنا. وطلبت كلابا -لم أطلب طبيبا- طلبت كلابا أنزع به الضرس..

أحمد منصور (مقاطعا): كماشة أو شيء.

أحمد المرزوقي: نعم. ولكنهم أبوا وظل أصدقائي يضربون على الباب فإذا بهم يقطعون عنا الماء والطعام أربعة أيام عقابا لنا.

أحمد منصور: دون ماء أو طعام؟

أحمد المرزوقي: دون ماء أو طعام أربعة أيام، ومن هنا من هذا اليوم سن المدير سنة جهنمية تقضي بأن يعاقب الجميع بذنب الواحد، من رأى أنه مذنب فإنه يعاقب العنبر كله.

أحمد منصور: كنتم 29 سجينا في 29 زنزانة وكان العنبر الآخر مثل ذلك 29 في 29 زنزانة، كانت هناك فوارق بين العنبرين، العنبر الثاني لم يخرج منه من الـ 29 أحياء سوى أربعة فقطة، بينما توفي أربعة في عنبركم أنتم..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): لا، أكثر من أربعة.

أحمد منصور: أو أكثر من أربعة. العنبر الآخر ما وضعه السيء الذي جعل الموت يحصد من فيه حصدا بشكل بشع أكثر منكم؟

أحمد المرزوقي: العنبر الأول الذي كنت فيه، أعتقد، ربما قد يخالفني الرأي من كان في العنبر الثاني، أننا كنا أحسن تنظيما من العنبر الثاني، بحيث أن العنبر الأول كان فيه الكثير من الضباط وكانت التراتبية قائمة في الأول كنا نحترم من هم أرقى منا مرتبة، في الأول رأينا ولاحظنا أن الضجيج سيكون عاملا سيئا سيزداد على العوامل السيئة الأخرى فلذلك ارتأينا أن نصنع لأنفسنا برنامجا متقنا نحترمه جميعا لكي نخفف عن أنفسنا من الضجيج ومن تزجية الوقت لأننا كنا كطاحونة لا تجد ما تطحن، الفراغ المقيت، الفراغ، فأنت كلما تكلمت إلا وسرح خيالك في الخارج وكلما سكت إلا ورجعت إلى الواقع المرعب.

أحمد منصور: نظمتم حياتا داخل السجن منذ الاستيقاظ إلى النوم؟

أحمد المرزوقي: نعم، منذ الاستيقاظ إلى النوم.

أحمد منصور: كيف كنتم تميزون الليل والنهار وأنتم في ليل دائم؟

أحمد المرزوقي: كنا نسمع شدو الطيور في الصباح وكان يتناهى إلينا من بعيد صوت مؤذن يؤذن للفجر وصوت حمار ينبح من بعيد أو نباح كلاب وطبعا هذه الأصوات التي كانت تتناهى إلينا كنا نعيش معها في خيالنا، نتذكر البلدة نتذكر الأحداث، نتذكر..

أحمد منصور (مقاطعا): الصمت المطبق.

أحمد المرزوقي: الصمت المطبق، القبور، صمت القبور.

أحمد منصور: ممكن ترسم لي لوحة لهذا الصمت، ترسم لي مشهدا لهذا الصمت؟

أحمد المرزوقي: طبعا نحن كنا نتكلم لما كنا نتكلم فنحن نعيش، خططنا لبرنامج يعني احترمه الجميع، برنامج فيه حفظ القرآن الكريم في الصباح وفيه حكاية الأفلام والقصص وهنا تبارى المتبارون في إخراج..

أحمد منصور: ما هي المواهب التي ظهرت عند زملائك؟

أحمد المرزوقي: طبعا الكثير من المواهب، فهنالك ظهر الخياطون..

أحمد منصور (مقاطعا): محمد الريس كان يجيد رواية الأفلام والقصص والمسلسلات.

أحمد المرزوقي: نعم، محمد الريس كان يطالع كثيرا وكان يقرأ كثيرا في حكاية وعبد ربه، أنا كذلك كنت أقرأ في حياتي قبل السجن..

أحمد منصور (مقاطعا): وكنت أنت مطرب العنبر أيضا.

أحمد المرزوقي: كنت أغني طبعا للأصدقاء وكنت أتحفهم بقصص نجيب محفوظ الثلاثية وكنت أمدد ما أمكن حتى..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني تصل بالرواية إلى الوصف الممل.

أحمد المرزوقي: إلى الوصف، إلى الوصف، كلما طبعا مددت فيه وأنت تساهم في إسعاد أصدقائك، ولذلك ظهر الخياطون، ظهر الإسكافيون، ظهر..

أحمد منصور (مقاطعا): كل هذا وأنتم لا ترون بعضكم بعضا؟

أحمد المرزوقي: لا، لا نرى بعضا. طبعا الإشارة هنا إلى الأصدقاء الطيارين لم نرهم أبدا، فكنا نسمع أصواتهم وكان الواحد منا مثلا يتخيل بأن صوت غليظ تقول بأن هذا ضخم الجثة وإنه قوي البنية ولكن عندما رأينا البعض منهم فوجئنا، الصورة لا تطابق الوجه.

أحمد منصور: بعد كم سنة كان اللقاء الأول بينكم؟

أحمد المرزوقي: أعتقد بعد عشر سنوات.

أحمد منصور: عشر سنوات وأنتم في الزنازين متجاورون لا يرى أحد منكم الآخر؟

أحمد المرزوقي: لا يرى أحد أحدا إلا في بعض الفرص القليلة التي يكون فيها الحارس الأول يفتح الباب على صديق ويكون الحارس الثاني يفتح الباب فتكون تلك الخطفة، تخطف تسرق نظرة، أنا مثلا استرقت النظر ودهشت إلى الأخ محمد المنصت وكان نحيفا وكان له شعر رطب وأول ما تبادر إلى ذهني هو صورة المسيح عليه السلام، فرقة هنا وشعر حريري يهبط ولحية، لما حط الصحن في الأرض رأيت شعره قد انسدل.

أحمد منصور: لم تكونوا تحلقون شعوركم؟

أحمد المرزوقي: لا، أبدا.

أحمد منصور: ولا لحاكم.

أحمد المرزوقي: لا، لماذا نحلق؟ يعني أناس بدائيون يعني عاشوا ما قبل التاريخ، أنا..

أحمد منصور (مقاطعا): وملابسكم رثة لا تغسل؟

أحمد المرزوقي: ثلاث سنين لم يعط لنا فيها ولو بنطلون واحد حتى تمزقت ثيابنا وانكشفت عوراتنا آنذاك تفضلوا علينا بسروال وسترة. طبعا..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكونوا تستحمون، تغتسلون؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، نستحم بماذا؟! بخمسة ليترات، بخمسة ليترات، هل تكفي؟ كان الهاجس الوحيد هو تمرير البراز.

أحمد منصور: حدثتنا عن زمهرير الشتاء، أبدأ معك الحلقة القادمة في لهيب الصيف. أشكرك شكرا جزيلا كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة أحمد المرزوقي أحد الضباط الذين شاركوا في محاولة الانقلاب في الصخيرات عام 1971 وأحد الذين عايشوا عذابات سجن تزمامارت الرهيب. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.