- قصة الأخوة بوركات وأسلوب التفتيش المتبع
- طرق التواصل مع الأهل ودور الزوجة الأميركية
- التحايل على البؤس واختراع اللغة التزمامارتية
- قصتا الكلبة والحمامة
- انتشار خبر تزمامارت وإرهاصات الإفراج

قصة الأخوة بوركات وأسلوب التفتيش المتبع

أحمد منصور
أحمد المرزوقي
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة أحمد المرزوقي أحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب. توقفت معك في الحلقة الماضية عند لغز الأخوة بوركات، ماذا تعرف عن بعض الأمور المتعلقة بهذا اللغز؟

أحمد المرزوقي: التقيت بالأخوة بوركات بعد الإفراج عني التقيت باثنين منهم..

أحمد منصور: من؟

أحمد المرزوقي: بغازي ومدحت.

أحمد منصور: ما ترتيبهم في؟

أحمد المرزوقي: بيازيد هو الأول ثم مدحت ثم علي..

أحمد منصور (مقاطعا): كانوا الثلاثة معا؟

أحمد المرزوقي: كانوا ثلاثة أخوة، المهم كل ما عرفناه عنهم أنهم كانوا على حسب ما حكاه لنا أصدقاؤنا في العنبر الثاني كانوا يتحدثون عن القصر وقال أحدهم، يعني علي بأنه درس مع الملك الحسن الثاني، وعلى حسب رواية أحدهم قال بأنهم لما شعروا بأن الجنرال الدليمي كان بصدد التهيؤ لانقلاب عسكري..

أحمد منصور (مقاطعا): الدليمي هو الذي حل محل أوفقير؟

أحمد المرزوقي: هو الذي حل محل أوفقير، قال بأن..

أحمد منصور (مقاطعا): وكانت نهايته أيضا نهاية مشؤومة.

أحمد المرزوقي: نعم. قالوا بأنهم لما شعروا منه طبعا خيانة التجؤوا إلى الحسن الثاني بواسطة شخص ما لكي يحذره مما يخطط له الدليمي ولكن مصيرهم كان هو تزمامارت.

أحمد منصور: هناك رواية أخرى ذكرها جيل بيرو في كتابه "صديقنا الملك" يقول إن الحسن الثاني غضب عليهم وأرسلهم إلى قبر تزمامارت للأحياء بسبب أمور تتعلق بالسحر الأسود الذي هو شائع داخل القصور وداخل الحياة هنا في المغرب وأنهم كان لهم دور في بعض الأشياء التي تتعلق بالسحر الأسود بين، لعلاقات الملك بزوجته الثانية وأمور من هذا القبيل، هل تحدثوا معكم في أشياء من هذا؟

أحمد المرزوقي: لا لم يذكروا هذا أبدا.

أحمد منصور: لكن الشائع قصة أنهم كان لهم دور أو علموا بأن هناك مؤامرة على الحسن الثاني؟

أحمد المرزوقي: هذا هو الشائع، هذا هو الشائع وعلى حسب ما حكى لي أحد الأصدقاء الذين كان معهم قالوا بأن علي ليلة إلقاء القبض عليه كان مع بائع مجوهرات مشهور في باريس وبمعية الممثلة إيتشيكا تشورو فطبعا استدعاهم إلى حفلة عشاء ولم يكن يتوقع أنه في الغد سيلقى عليه القبض.

أحمد منصور: ما الذي مثله وجود الأخوة بوركات معكم في تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: لغزا من الألغاز، الأخوان الذين تعايشوا معهم، أولا مجيء الأخوة بوركات كان رحمة على ساكني العنبر الثاني.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: لأنهم كانوا يحكون لهم، يعني غيروا حياتهم نوعا ما لأنهم كانوا يخرجونهم من تلك السراديب المظلمة بقص الكثير من القصص، أنهم عاشوا في القصور وعاشوا في الفنادق الباذخة وعاشوا ورأوا أوروبا وأميركا إلى غير ذلك، فالذين كانوا يتعايشون معهم كانوا أناسا بسطاء، فلذلك كانوا يحكون لهم عن باريس وعن الحياة وعن الحفلات التي أقيمت وحضروها فطبعا كان ينشط خيال الأخوة لينسوا إلى آخره..

أحمد منصور (مقاطعا): بقوا معكم الأخوة بوركات إلى أن خرجتم من تزمامارت.

أحمد المرزوقي: إلى أن خرجنا.

أحمد منصور: في أثناء وجودكم في تزمامارت كنتم تتعرضون للتفتيش من آن لآخر، كيف كان شكل التفتيش ووقعه عليكم؟

أحمد المرزوقي: كان التفتيش يأتي على حين غرة، كانوا ينزلون ويفتشوننا.

أحمد منصور: من الذي كان يقوم بالتفتيش؟

أحمد المرزوقي: الحراس.

أحمد منصور: ليس أحدا من خارج السجن؟

أحمد المرزوقي: لا، ليس أحدا، يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): مدير السجن كان يشارك؟

أحمد المرزوقي: لا، لم يكن يشارك.

أحمد منصور: لم تروه على الإطلاق محمد القاضي؟

أحمد المرزوقي: كنا نراه في السنين الأولى كان يأتي بين الفينة والأخرى ومرة جاء كان هناك سلة من السلل توضع فيها الخبز، وكان الراشدي بن عيسى كلما آنس غفلة سرق تلك السلة ويعني أخذ منها سلكا لكي يستعمله في أشياء، وذات مرة جاء ورأى سلة الخبز قد قطعت، فقال من قطع هذا؟ قال سجين، فقال أول مرة سمعناه قال، قطعتم السلة، كسرتموها، سوف نرى، المستقبل كشاف، المستقبل أمامنا عريض وسوف نرى من سيكسر الآخر.

أحمد منصور: كيف كان شكل هذا الرجل؟

أحمد المرزوقي: كان طويلا نحيفا فيه شيء من الصلع يعني تقاسيم وجهه صارمة كأنها قدت في صخر، كان في منتهى السادية، كان سكيرا عربيدا يعني جميع الموبقات يعني يتعاطاها وكان لا يرحم أبدا، ولما نحن كان يتكلف بنا الفوج، فوج المشاة الحادي عشر كان في الأول، أقول في الأول كان الأكل مقبولا نوعا ما ولكنه فعل كل ما في جهده لكي يستحوذ على مصلحة تغذية السجن.

أحمد منصور: يعني هو كان يستطيع أن يجعل سجنكم أكثر رحمة من هذا؟

أحمد المرزوقي: طبعا، لو أراد، لو أراد أن يجعل سجننا، نحن كنا منسيين أصلا بدليل أن الحمام جاء، الحمام البري جاء وسكن في سقفنا، ولكنه كان يسرق من الخبز البارد من اللقمة الباردة التي كانوا يعطوننا إياها، يسرق من ثيابنا يسرق من بنزين الشاحنات من الحطب ويشترى نعاجا وخرافا يسمنها في ساحة السجن الداخلية ويأخذ الخبز ويعلفها كعلف ويعطيها..

أحمد منصور: كيف كان التفتيش؟

أحمد المرزوقي: التفتيش كانوا يأتون على حين غرة بكشافات ضوئية فيدخلون إلى الزنازين ويبحثوننا وطبعا يأخذون كل من..

أحمد منصور (مقاطعا): عن أي شيء كانوا يفتشون؟

أحمد المرزوقي: كانوا يفتشون عن كل شيء. فمثلا التفتيش التاريخي الذي ترتب عنه موت ما يزيد من ثمانية أصدقاء هو تفتيش 1982، كنا قد ربطنا الاتصال.

طرق التواصل مع الأهل ودور الزوجة الأميركية

أحمد منصور (مقاطعا): هذا كان في 13 يوليو عام 1982.

أحمد المرزوقي: نعم، كان يوم نحس وشؤم علينا بحيث أن بعض الأصدقاء كانوا قد ربطوا الاتصال بعائلاتهم وزودونا بشيء من الفيتامينات والنقود وأشياء أخرى، والراديو، بعض المجلات، المهم أن الأخ عبد اللطيف بالكبير كان على اتصال مع عائلته، وجيء له بمجلة..

أحمد منصور (مقاطعا): كثير من رسائل عبد اللطيف بالكبير التي كان يرسلها إلى عائلته سربت إلى المنظمات الدولية في ذلك الوقت وكان لها دور كبير في فضح تزمامارت وما يحدث فيه.

أحمد المرزوقي: طبعا لعبت عائلته بالخصوص أخواه واحد يسمى عبد الكبير وآخر يسمى خالد، لعبا دورا حاسما في هذا إضافة إلى الأدوار التي لعبها أشخاص آخرون، المهم..

أحمد منصور (مقاطعا): نعم سنأتي إلى هذا.

أحمد المرزوقي: عبد الكبير هذا كان يدرس الهندسة المعمارية في فرنسا كانت طبعا فرصة سانحة له كي يتصل ببعض الشخصيات البارزة في فرنسا من ممثلين ومغنين وإلى غير ذلك من الأناس الذين لعبوا دورا لتحسيس المجتمع المدني بقضية تزمامارت، فأول مرة خرجت رسالة في 1979..

أحمد منصور (مقاطعا): أول رسالة تخرج من تزمامات؟

أحمد المرزوقي: لا..

أحمد منصور:  إلى العالم أقصد.

أحمد المرزوقي: لا. للعالم، أما في الأول أقول في الشهور الأولى أرسل القبطان حشاد والقبطان بالكبير رسائل ومحمد قريص رسائل إلى عائلاتهم..

أحمد منصور (مقاطعا): عن طريق بعض الحراس؟

أحمد المرزوقي: عن طريق أحمد خربوش الذي اعتقل.

أحمد منصور: نعم. ثم انقطعت العلاقة مع العالم لعدة سنوات؟

أحمد المرزوقي: ثم انقطعت العلاقات إلى 1979 حيث استطاع النقيب بالكبير أن يربط اتصالا مع أسرته بواسطة أحد الحراس الذي كان يشتغل عند أسرته قبل أن ينخرط في سلك الجندية، هذا الرجل ربط العلاقة، كان يأخذ المال ويعطيه بعض الأدوية ويسلمه الرسائل، ثم دخل في الخط النقيب حشاد، حشاد الذي استطاع أن يقنع المساعد أول الشربداوي الذي سيلعب دورا جوهريا حاسما في إطلاق سراحنا لأنه كان المرسول الذي سرب الكثير من الرسائل..

أحمد منصور (مقاطعا): رسائل الحشاد وصلت..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): رسائل الحشاد ورسائل الملازم أول مبارك الطويل الذي كان متزوجا من أميركية والتي لعبت دورا كذلك حاسما في إطلاق سراحنا، لأنه لما دخلت الولايات المتحدة على الخط وجاء السفير..

أحمد منصور (مقاطعا): من أجل زوجة أحدكم أميركية؟

أحمد المرزوقي: من أجل، على سبيل المزحة، ضابط كان وسيما وكان له قبول عند النساء في القاعدة الجوية وفي الولايات المتحدة اسمه محمد الزموري وكان حكيم تزمامارت بدون منازع، هذا طبعا كان عنده قبول عند النساء..

أحمد منصور (مقاطعا): هناك في أميركا يعني أثناء الدراسة..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): في  أميركا وفي القاعدة الجوية.

أحمد منصور: نعم.

أحمد المرزوقي: فلما تحركت أميركا من أجل زوج أميركية وترك الباقي كان الزموري يصرخ فينا دائما أينك يا الجديد، أينك يا ماري أينكم، لو كنت أعلم ما سيقع لتزوجتكن جميعا.

أحمد منصور: كان يرطب عنكم يعني.

أحمد المرزوقي: قافلة طبية تحركت كلها من الرباط، قافلة، للكشف عن زوج الأميركية.

أحمد منصور: فقط عن مبارك الطويل. لكن لم تأت لأحد منكم، من الآخرين.

أحمد المرزوقي: فقط. وكان ذلك..

أحمد منصور: رحمة عليكم أيضا.

أحمد المرزوقي: رحمة ولكن  كانت إهانة ما بعدها..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا، أنتم مغاربة لا تساوون شيئا!

أحمد المرزوقي: نعم. لما الأخ الطويل فيما بعد جاءت مروحية إلى السجن وبعد أن كشف عنه وأعطيت له جميع الأدوية لكي يقف على رجله..

أحمد منصور (مقاطعا): سنة كم هذا بعد كم سنة؟

أحمد المرزوقي: 1984.

أحمد منصور: بعد 11 عاما.

أحمد المرزوقي: نعم. شرخ كبير وقف في تزمامارت حتى أن..

أحمد منصور (مقاطعا): طيب هي زوجته طوال الفترة لم تكن تعلم أين هو؟

أحمد المرزوقي: لا. علمت، كانت تعلم ولعبت في، طبعا لما ألقي عليه القبض وحكم بعشرين سنة أرسل إليها بعضهم يقول لها أنت حرة، أنا لا يمكن أن أكون أنانيا، يعني أنا أطلقك إن شئت، فكان جوابها أن أرسلت له مع أحدهم ونحن في السجن، قالت أنا اعتنقت الإسلام ومن نانسي انقلبت إلى ثريا وأنا سأدافع عنك إلى النهاية. وظلت على عهدها إلى أن أخرجته، وطبعا نحن بواسطته الطويل..

أحمد منصور (مقاطعا): ما هي النعم التي حظيتم بها من خلال مبارك الطويل الذي لعبت زوجته هذا الدور المهم؟

أحمد المرزوقي: بالحقيقة لما جاءت القافلة وأخرج الطويل وعولج في تزمامارت لكي، سنعرف فيما بعد أنه ذهب به إلى السفير الأميركي لملاقاة السفير الأميركي وعندما دخلت أميركا وقع شرخ في تزمامارت، نحن لم نكن نعلم هذا ولكن علمنا وأدركنا أن ذلك الشرخ لم يكن واردا في عقل المدير والحراس فأخذوا يتقربون إليه..

أحمد منصور (مقاطعا): إلى الطويل؟

أحمد المرزوقي: نعم. وجاء المدير ذات مرة وقال له ما أنا إلا منفذ بسيط، قال له بالفرنسية الركيكة (جملة فرنسية) ما أنا إلا منفذ بسيط، وأخذ يتقرب إليه..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا أميركا.

أحمد المرزوقي: وأخذ، فكان ذكيا الطويل، أخذ يداريه فيقول له لو ذهبت إلى أميركا سوف أرسل لك كذا وكذا، وكان يسلمه الكثير من الدواء وأقبل الحراس على الطويل وأخذوا يتسلمون من الدواء الأميركي والفيتامينات الأميركية، وكل مرة كان يأتيه أحد يشكو له بمغص في بطنه وكذا بكذا فكان يسلمه الدواء اعتقادا منهم أنه سيفرج عنه..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن بقي معكم إلى النهاية؟

أحمد المرزوقي: بقي معنا إلى النهاية ولما طال عليه الأمد ورأى المدير أنه لم يطرأ أي شيء سد عليه الباب ولكنه كان يتركه يخرج إلى الساحة الشيء الذي جعله يربط الاتصال بيننا وبين العنبر الثاني.

أحمد منصور: آه، هنا بدأت العلاقة بينكم وبين العنبر الثاني وإلا كنتم في عزلة تامة عن العنبر الثاني.

أحمد المرزوقي: وكان انقلب فضول الذي أصبح عقيدا إلى ساعي بريد بمروحية، تأتي المروحية من الرباط وتحط ويسلم الرسائل إلى الطويل.

أحمد منصور: وأنتم أصبح مجيء المروحية بالنسبة إليكم أمرا مفهوما.

أحمد المرزوقي: كنا نسمع بالمروحية مجيء فضول، كان يأتي بالرسائل ويسلمها للطويل ويطلب منه أن يرد عليها وألا يقول أي شيء بخصوص تزمامارت، كان يأمره بأن يقول "كل شيء على ما يرام" ولكن الطويل كان ذكيا، كان يرسل الرسائل مع فضول ولكن يرسل رسائل أخرى مع القبطان حشاد كان تصل إلى أميركا لتقول لها لا تثقي بكل ما كتبت لك في الرسائل التي سلمها لك فضول، هذه هي الحقيقة.

التحايل على البؤس واختراع اللغة التزمامارتية

أحمد منصور: نعود إلى التفتيش وكيف كان شؤما عليكم في العام 1982؟

أحمد المرزوقي: قلت القبطان النقيب بالكبير لما ربط العلاقة مع أسرته أراد أن يخفف عنا وأراد أن يكون ديمقراطيا أكثر من، لأن، طبعا كانت هنالك حزازات بين السجناء لماذا هذا عنده كذا وهذا كذا، فأراد، كانت له مجلة عراقية كلها تتكلم تقريبا ومكثت عندي قليلا عن الشاعر شاكر السياب.

أحمد منصور: آه، بدر شاكر السياب.

أحمد المرزوقي: ولأنني كنت أحب الأدب كثيرا قال لي انتظر نوبتك ستأتي، فأعطى طبعا..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف كنتم تمررونها إلى بعض المجلة؟

أحمد المرزوقي: في قميص. مثلا كان بعض قلة قليلة من الحراس المتعاطفين نوعا ما نقول له أرجوك لقد وقع تمزيق في هذا.. فأرجوك أن تسلم هذه لكي أرتقها، إلى غير ذلك فكنا نلفه..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف كنتم ترتقون؟

أحمد المرزوقي: بخيوط كنا نستلها من الأقمصة البالية وكان القبطان حشاد..

أحمد منصور (مقاطعا): كل شيء صنعتموه، يعني أريتني نموذجا لمقص صنعتموه من الصفيح كنتم تجزون به لحاكم.

أحمد المرزوقي: نعم. صنعه الأخ محمد..

أحمد منصور (مقاطعا): وقطع من الحديد تجزون بها شعوركم.

أحمد المرزوقي: أول مرة قصصنا تلك الشعور هو لما استطاع الأخ المرحوم بن عيسى أن يأخذ قطعة من الزنك، كان هنالك صفيح، كانوا يضعون عليه القمامة إلى غير ذلك فهو كل ما وصل أخذ يلويه شمالا ويمينا ومضاه ثم، كانت أول مرة، وهنا أفتح قوسا كانت بعض من الطرائف، فمحمد الغالو المرحوم كان يحب الدعابة كثيرا..

أحمد منصور: أيوب تزمامارت.

أحمد المرزوقي: نعم. فقال لي عبد الكريم السعودي كانت له.. كان أشقر اللون، وكانت له لحية كثة يعني تثير الرهبة، فالسعودي كان دائما يشتكي من لحيته يقول إنه لا يكف من الحك إلى غير ذلك، فقال له الغالو يعني هناك طريقة يعني مثالية للتخلص من اللحية، قال له ماذا؟ قال له كلما أكلت وبقي شيء من المرق ادهنه في لحيته، بعد أسبوع سأطلب من أحد الحراس أن يعطيك عود ثقاب ثم اشعل اللحية، يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني أبكيتمونا كثيرا، أضحكونا قليلا.

أحمد المرزوقي: لأن الآخر، السعودي فعل ذلك، طبق ذلك، فلما أراد أن..

أحمد منصور (مقاطعا): وجاء بالكبريت وأشعل النار في اللحية؟!

أحمد المرزوقي: اشتعلت فإذا به يعتقد أن النار ستأخذ.. أنيسة لن تسرح في كل اللحية فلما اشتعلت لحيته احترق وجهه أخذ يسب الغالو، فقال له أيها.. أنت فعلت لي كي تجرب فيّ هذه الوصفة؟! فضحكنا كثيرا، أشياء.

أحمد منصور: كان هناك أيوب تزمامارت تحدثنا عنه، قلت لنا حكيم تزمامارت.

أحمد المرزوقي: الزموري. محمد الزموري كان نزيل الزنزانة رقم 12، كان حسن المعشر، رجلا طيبا جدا لعب دورا جوهريا في التخفيف عنا، يعني كان حكيما وكنا نسميه بغراب تزمامارت، كان هنالك غرابان، أنا كانوا يسمونني..

أحمد منصور (مقاطعا): محمد الريس يقول هذا الغراب كان يأتي دائما ينعب حينما يموت أحد من السجناء؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم شيء غريب، كان هو والبومة..

أحمد منصور (مقاطعا):  والبومة كذلك كانت تأتي.

أحمد المرزوقي: البومة سكنت عندنا في الزنزانة رقم سبعة، وكانت كلما، كان كلما سمعنا نعيق البوم إلا وشيء غريب لا يصدق، قد نقول الطيرة وغير ذلك ولكن كانت هذه الحقيقة، كانت البومة كلما جاءت البومة إلا وتيقنا بأن أحدنا سيرحل قريبا.

أحمد منصور: خاصة من العنبر الثاني.

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: يعني تحدثنا عن كيف كانوا يموتون وكيف، يعني هل عايشتم شيئا أو شاهدتم جنازة كيف دفنوا أحد زملائكم؟

أحمد المرزوقي: لا، الدفن لم يشهد أحدنا دفنا أبدا ولكن طبعا كان هناك متعاطفون داخل الحراس، منهم من كان متعاطفا كالأخ محمد الشربدوي والأخ العربي الويز وآخر لعب دورا كذلك حاسما وهو العربي أمزيان رجل رغم أنه كان صديق المدير كان يلعب على الحبلين، كان يحظى بثقة المدير من جهة وكان يعطف علينا من جهة أخرى. هؤلاء الأشخاص إضافة إلى أشخاص كانوا يربطون الاتصال بدافع الاسترزاق..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا، لا سيما عائلات الميسورين منكم يأخذوا منهم الأموال.

أحمد المرزوقي: نعم، لم تكن تهمهم، حتى أن أحدهم لما قيل لنا إننا سنرحل أخذ يضرب على فخذيه ويقول ماذا أنا..

أحمد منصور (مقاطعا): أسترزق من أين؟

أحمد المرزوقي: ماذا سيقع بعدكم؟ ماذا أنا، يعني مصدر رزقي قد ذهب بذهابكم. على كل حال هؤلاء كانوا يحكون لنا بعض الجزئيات وبعض التفاصيل، بحيث أنه..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يكن أحد يكفن ولا يصلى عليه ولا؟

أحمد المرزوقي: أبدا أبدا، إلى السنين الأخيرة إلى أن جاء أحد الحراس وكان أخبث الحراس كنا نسميه مايك سيارة ومن المرموشة، فقال لنا اسمعوا أيها المساجين كنتم تريدون بتحسين الوضعية ها هي وضعيتكم قد حسنت، نحن جئناكم بكفن وبناقلة، من مات -ووضعوا ذلك في الزنزانة رقم واحد التي كانت فارغة- من الآن فصاعدا من مات منكم فسوف يكفن وسوف ينقل على الناقلة. طبعا والحق كان ذلك شرفا أن يكفن الميت، ولكن مجرد تفكيرنا في ذلك الكفن..

أحمد منصور: أنكم نهايتكم هذا الكفن.

أحمد المرزوقي: إذاً النهاية أمامك، أنت تراها.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: كنتم لتجنب الحراس اخترعتم لغة سميتموها اللغة التزمامارتية، كيف كانت اللغة التزمامارتية؟ كيف كنتم تتفاهمون مع بعض؟

أحمد المرزوقي: كان هنالك خليط من اللغة البربرية والعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، خليط.

أحمد منصور: من الذي اخترع هذه اللغة؟

أحمد المرزوقي: جاءت هكذا، نظرا عندما ربطنا الاتصال بعائلاتنا أصبح من الضروري أن نجعل لكل اسم رمزا فعندما كنا مثلا عندما نسمع الأخبار، الأخبار لا يمكن أن تعطى هكذا، كان صحفي العمارة أو العنبر كان مرغما لإعطائنا الأخبار بكيفية لأننا كنا متيقنين بأنهم كانوا يتنصتون علينا من الخارج، وجاء العربي الويز وقال احذروا فإننا نتنصت عليكم ولذلك ينبغي أن تبطنوا كلماتكم وتغلفوها بلغات لا يستطيع الحراس أن يفهموها، ومن ذلك الحين التجأنا إلى اللغة التزمامارتية.

أحمد منصور: تذكر لنا بعض المفردات التي كنتم تستخدمونها، هل لا زلت تذكر شيئا؟

أحمد المرزوقي: مثلا، خرابيجو.

أحمد منصور: ما معناها.

أحمد المرزوقي: هو الانقلاب العسكري.

أحمد منصور: يعني وأنتم جوه كمان ولسه بتفكروا في الانقلاب العسكري.

أحمد المرزوقي: لا،عندما كان مثلا يقول لنا الأخ عبد الكريم السعودي بأن انقلابا وقع مثلا في نيجيريا، يقول أيها الأخوة وقع خرابيجو في نغريتا، نغريتا هي نيجيريا، القادة العرب كنا نضع لكل قائد اسما، الوزراء ومستشارو الملك كنا نضع لهم.. وهكذا دواليك، الأحزاب السياسية..

أحمد منصور (مقاطعا): قل لنا بعض الأسماء بدون ما تقول دي اسم مين يعني، بعض الزعماء العرب؟

أحمد المرزوقي: البصارة، هو البصري، إدريس البصري وزير الداخلية. المسودي، هو أحمد بن سودا، القدرة هو أحمد رضا قديرة مستشار الملك، ويشن هو هواري بومدين، ويشن معناها الذئب، هواري بومدين، الولد هو القذافي، إيكو هي مصر..

أحمد منصور: كان السادات أيامها؟ لا، السادات ومبارك كنتما عايشتم فترتهم.

أحمد المرزوقي: نعم كنا نسميه المبروك. السبع يعني الأسد، حافظ الأسد، إلى غير ذلك.

قصتا الكلبة والحمامة

أحمد منصور: في أول يونيو، أريد أن أتجاوز هذه إلى في أنه في وسط الظلمة الحالكة، في وسط الظلمة الحالكة هذه في الثاني من أغسطس عام 1991 وقعت حادثة طريفة ربما من مبشرات الإفراج عنكم وهي ما أطلقتم عليها حمامة تزمامارت، كيف كان لهذه الحمامة التي جاءت ودخلت إلى زنزانتك أنت تحديدا دور في الترطيب عن باقي السجناء؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة هناك حادثتان، قبل الحمامة كانت كلبة تسمى هنده لعبت دورا كبيرا، كانت مسجونة..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف كانت مسجونة؟

أحمد المرزوقي: سجنها.. هي كلبة كانت لأحد الفرنسيين ولما ذهب إلى فرنسا سلمها إلى المدير وطلب منه أن..

أحمد منصور (مقاطعا): محمد القاضي.

أحمد المرزوقي: محمد القاضي وطلب منه أن يعني يحسن معاملتها، كان يذهب بها إلى الصيد، ومرة تقاعست فانتقاما منها سجنها في الساحة الخارجية يعني في .. وكانت تعوي في البرد الشديد تظل الليل كله تعوي وكأنها كانت تعرف أن أشخاصا أو أناسا مثلها كانوا يتعذبون فكانت تأتي إلى الباب وتحاول دائما بقوائمها أن تدفع الباب وتدخل إلينا، ظلت تعوي لشهور طويلة إلى أن جاء يوم كان يوم عيد الأضحى، يوم عيد الأضحى وترى الخيال كان مع الأسرة وكانوا يمعنون في إهانتنا في تلك الأعياد بحيث أنه في بعض الأعياد لم يكن يسلم لنا الفطور، بقينا ننتظر فإذا بالكلبة هنده آنست غفلة من الحراس ودخلت وذهبت حيتنا بشيء لا يصدق، ذهبت في الدهليز ثم جاءت ثم دخلت من الزنزانة واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة وكانت تعوي وتتمسح بنا وتبصبص بذنبها يعني كأنها، كأنها يعني التقت بأحباب الله، ولا زلت أتذكر أنها لما وصلت إلى الزنزانة 19 من فرط الحب من فرط التأثر خرج الأخ عبد الرحيم الصادقي وعانقها وقبلها في فمها، ولما جاء الحراس طردوها إلى أن حن الله عليها وسلمها المدير إلى أحد أصدقائه.

أحمد منصور: يعني مجرد أن تروا أي كائن حي كان هذا يمثل بالنسبة لكم شيئا؟

أحمد المرزوقي: طبعا، يعني حتى نهيق الحمير الذي كان يتناهى إلينا في بعض المرات، كان الخيال يسرح، كنا كل واحد يسرح بهذا المخلوق، طبعا لا نرى إلا الظلام.

أحمد منصور: أنتم كنتم في وسط هذا الظلام والظلمة الحالكة، في أحاديثكم ما هي أهم الموضوعات التي كنتم تتحدثون فيها؟

أحمد المرزوقي: تحدثنا عن كل شيء، فمثلا مشروع بورقرق الذي يصنع الآن صنعناه نحن في تزمامارت، تطرقنا إلى جميع المواضيع التي لا.. بحيث..

أحمد منصور (مقاطعا): الطعام والشراب كنتم؟

أحمد المرزوقي: كنا طبعا ندعو بعضنا البعض في الخيال ونغالي في تنظيم حفلات باذخة حتى أن النقيب بالكبير ذات مرة طبعا استدعانا إلى مأدبة فيها جمل مشوي، فيه عجول يعني معمر بالعجول والعجول معمرة بالشياه والشياه معمرة بالديك الرومي وأشياء، يعني كان الخيال يسبح والجوع هو الذي كان يجعلنا نفكر هكذا. وطبعا علمنا كل شيء عن بعضنا البعض، فلان كم له من الأخوة، متى تزوج، متى كان متى..

أحمد منصور (مقاطعا): كثيرون منكم كان لهم أبناء وكان لهم عائلات.

أحمد المرزوقي: نعم، وهنا مثلا ابن القبطان النقيب بالكبير اسمه حمزة، وابن النقيب حشاد اسمه خليل، وابن الملازم مبارك اسمه أمين، كنا نعيش مع هؤلاء الأطفال..

أحمد منصور (مقاطعا): وهم لم يروا أبناءهم طوال هذه السنوات؟

أحمد المرزوقي: لا أبدا، ولكن كانوا يقرؤون على الرسائل فنعرف مثلا أن حمزة وصل إلى القسم الفلاني وأن أمين يوجد مع أمه في الولايات المتحدة وأنه يريد أن يشتري سيارة وأن.. ونحن عشنا كذلك فترات فترات، قلت لك يعني أحسن صورة هو أنه كنا في العنبر شبه غواصة تهبط إلى قعر البحر ثم تطفو لما يقع الاتصال بالعائلات.

أحمد منصور: بعض العائلات لعبت أدوارا بطولية كبيرة مع المعتقلين؟

أحمد المرزوقي: طبعا نعم، العائلات كلها يعني العائلات، بالكبير وعائلة زوجة النقيب حشاد لعبت دورا كبيرا، وزوجة الملازم مبارك الطويل وزوجة محمد الريس لعبت كذلك دورا..

أحمد منصور (مقاطعا): كان لديها ستة أولاد.

أحمد المرزوقي: ستة أولاد وفي الحقيقة كانت هي..

أحمد منصور (مقاطعا): وأنقذت زوجها بداية من الإعدام.

أحمد المرزوقي: نعم. أنها توصلت بذكائها وبإصرارها وبإرادتها أن تختلي بالملك وتقفز من شجرة تحت رجليه وتتوسل إليه لكي ينقذ زوجها من الإعدام، وقالت له ما له في حيلة زوجي عبارة عن مرشح لم يخطط لم يبيت، عبارة عن.. وأرغم على تنفيذ الأمر وطبعا أنقذته من..

أحمد منصور: بعد الكلبة هنده جاءت حمامة تزمامارت.

أحمد المرزوقي: جاءت الحمامة. طبعا لما خلا المكان وهلك نصفنا أو يزيد جاء سرب من الحمام البري ولما أعجبه المكان خلوة المكان استقر في السقف ونحن منا من استبشر خيرا بمجيء الحمام..

أحمد منصور: هذا كان في سنة 1990 تقريبا؟

أحمد المرزوقي: بداية 1991. ومنا من تشاءم بمجيء الحمام لأن الحمام لا يسكن إلا الأماكن الخربة، ولكن سقط فرخ من الحمام أمام باب زنزانتي فالتقطته وربيته وأجهدت نفسي في تربيته إلى أن كبر وأطلقته في الدهليز وأخذ يمر على كل أسير..

أحمد منصور: كان فرخ الحمام هذا تحول إلى قصة الأسرى جميعا.

أحمد المرزوقي: نعم، أصبح ملكا لجميع الأصدقاء وأصبح طبعا يرافقنا وأصبح تزجية للوقت فلما كان الحراس ينصرفون في الصباح كانوا ينادونني، أحمد أطلق الحمامة، فأطلق الحمامة فتذهب من الزنزانة كذا تنتقل، وغريب تلك.. كانت تلاعبنا كانت تلاعبنا وتنقر..

أحمد منصور (مقاطعا): هي كانت في الخارج.

أحمد المرزوقي: في الخارج، وعندما كنا نسمع..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت تدخل من أحد الخروم هذه اللي فوق؟

أحمد المرزوقي: لا، من النافذة الصغيرة المستطيلة.

أحمد منصور: هذه الموجودة في الباب.

أحمد المرزوقي: عندما نصف ساعة قبل أن يأتي الحراس كنت أناديها وأمد يدي فكانت..

أحمد منصور: تأتي؟!

أحمد المرزوقي: تعرفني باسم، كنت سميتها فرج تيمنا به وكذلك كنت أمد لها يدي فكانت تسقط وأدخلها، نعم.

أحمد منصور: هذا جعل بينك وبين الحمام عشقا بعد ذلك؟

أحمد المرزوقي: عشقا، وأطلقتها وعادت، وقصة أخرى شيء لا يصدق، لما ساعدني الأخ عبد الكريم الشاوي بإطلاق سراحها كان الحراس قد فتحوا زنزانتي وكانت زنزانة الشاوي مفتوحة وطلبه أحد الحراس -طبعا عملية شاذة بأن يفرق الخبز علينا- أنا ثبتت الباب فصعد رغم حالته المتردية فوق الباب وأدخل الحمامة من الشباك وأطلق سراحها.

أحمد منصور: هذا من الخرم الصغير؟

أحمد المرزوقي: نعم، انطلقت الحمامة فلما ذهب الحراس وطُلب مني أن أطلق سراحها، قلت لقد أطلقت سراحها إلى الأبد إنها حرة طليقة، البعض حبذ هذه الفكرة والبعض انطلق يصرخ أنت مجرم إنها حمامتنا، إنها تريد أن تعيش معنا..

أحمد منصور (مقاطعا): إلى هذه الدرجة يعني شيء يربطكم بالحياة؟

أحمد المرزوقي: طبعا بالحياة. فإذا به وقع صمت جنائزي لما ذهبت تلك الحمامة. وغدا، يعني في الغد على الساعة العاشرة ناداني وإذا بالملازم مبارك الطويل يصرخ ينادي أحمد، الحمامة، فرج، قد عاد فرج، فهذا فرج..

أحمد منصور: رجعت مرة أخرى.

أحمد المرزوقي: رجع وكان يبحث كيف يدخل من بين الشباك، كيف يدخل، احتار إلى أن ألقى، كنت أناديه، ضم جناحيك فسوف تهبط، هو كان يبسط جناحيه ولكن بعدها اهتدى وسقط، كان في غاية الإنهاك والمهم أخذته وداويته، يعني مرات عديدة وهو يرجع بوفاء..

أحمد منصور: تطلقونه ويعود.

أحمد المرزوقي: إلى أن عاد مرة، ذات مرة عاد بصحبة حمامة أخرى، قلت له تزوج..

أحمد منصور: تزوج بقى.

أحمد المرزوقي: قلت له هنيئا أبارك لك الزواج يا فرج.

أحمد منصور: أنا يعني على الدعابة والضحكة حينما جمعتني ببعض التزمامارتيين ونحن نحضر للبرنامج لاحظت أنكم لا تكفون عن الضحك ويعني تسرون عن أنفسكم وتنظرون إلى هذه الأيام بنظرة فيها نوع من السخرية ونوع من الدعابة، يعني كيف عشتم في الموت 18 عاما ويعني لا زلتم تضحكون؟

أحمد المرزوقي: أشياء لا نستطيع لها تفسيرا، قلت لك الملازم الزموري كان حكيما كان يقول لنا دائما اضحكوا ما دامت الفرصة قد أتيحت لكم في تزمامارت فإنكم إن خرجتم لو قدر وخرجتم إلى الخارج فسوف لن تضحكوا بمثل الذي تضحكون به هنا. وصدق الزموري، فلما خرجنا طبعا جرفنا تيار الحياة والمسؤولية والأولاد ولكن كلما التقينا إلا وسخرنا وضحكنا، لأنه من قال بأن الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده فصادق كل الصدق، لماذا؟ لأننا كنا نقول ما الذي وضعنا هنا؟ لا شك أنه بئيس، لا شك أنه يعيش حزنا ويعيش..

أحمد منصور (مقاطعا): يعيش كراهية للإنسان.

أحمد المرزوقي: كراهية، وربما يكره نفسه لأن الحمقى وحدهم من يضعون أخوتهم في تلك الظروف، فكنا نقول غريب لماذا لا يجهزون علينا برصاصة ويرحموننا؟ لما كنا نتساءل، ولعب القرآن دورا جوهريا في حياتنا لما حفظنا القرآن كنا بالقدر القليل الذي أوتيناه من الثقافة كنا نحاول تفسير القرآن، الآيات القرآنية، فبرز من الفقهاء و..

أحمد منصور (مقاطعا): شعرتم بتذوق آخر للقرآن في هذه المحنة رغم أنكم لم تدرسوه من قبل.

أحمد المرزوقي: في الحقيقة لما شرعنا نعبد الله لم نعبده عن خوف، في تزمامارت عبدناه عن حب، عن محبة، لم يعد الخوف واردا في قلوبنا، كنا نقول الله رحيم، كيف لإنسان مثل الغالو أن يعيش تلك السنين الطويلة وهو..

أحمد منصور (مقاطعا): 11 عاما في الشلل.

أحمد المرزوقي: وفي الشلل، يعني أشياء لا تصدق، كنا نستغرب كيف لنا أن نعيش كالخفافيش في الظلام وكنا نسمع بأن الوزير الفلاني نقل إلى مصحة في لندن أو في باريس ومات في يعني غرفة مكيفة والعناية وكيف نحن لا نموت! هنالك حكمة ربانية.

أحمد منصور: لم تكونوا تخافون من الموت؟

أحمد المرزوقي: أبدا، يعني فكرة الموت دخلت وبرمجت في أدمغتنا، كنا فقط نطلب من الله أن يميتنا موتة فجائية لا عذاب فيها كي لا نتعذب ولا نعذب أصدقاءنا.

انتشار خبر تزمامارت وإرهاصات الإفراج

أحمد منصور: كان الخامس عشر من سبتمبر عام 1991 يوما غير عاديا بالنسبة لكم.

أحمد المرزوقي: طبعا كانت هنالك بعض التحركات وبعض الأشياء التي سبقت هذا اليوم، منها أننا سمعنا -وأفتح قوسا وأقول لأول مرة سمعت ونحن في سجن تزمامارت- سجناء يكتبون رسالة مفتوحة ويطالبون بإطلاق سجناء آخرين، كان المناضل أبراهام السرفاتي و14 صديقا مرافقا له كتبوا رسالة ووزعوها على جميع وسائل الإعلان يطلبون فيها إطلاق سراحنا.

أحمد منصور: طبعا خبر تزمامارت شاع؟

أحمد المرزوقي: شاع خبر تزمامارت.

أحمد منصور: وكان الملك يكذب وجود شيء اسمه تزمامارت.

أحمد المرزوقي: آه، سمعته بأم عيني -وهنا أقول طرفة من الطرائف- سمعت الصحفي المشهور يعني مدير جريدة نوفل أوبسرفاتور جون دانييل يطلب ويتوسل إلى الملك في لقاء جمعهما، يتوسل قائلا نحن غدا سيحتفل، سيكون عيد -نسيت أي عيد- فقال أطلب منك أن تطلق سراح هؤلاء، فقال له الملك لا، أرجوك أن لا تستثمر صداقتنا في طلب مثل هذا، فقال له هل تعطيني شبه وعد؟ فغضب الملك. وأنا أسمعهم، فقلت لو قدر لي..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا كان في الراديو سمعته؟

أحمد المرزوقي: سمعته، طبعا بأذني سمعته. لو قدر لي أن أخرج إلى الحياة ورأيت جون دانييل فسوف أشكره، وأتيحت لي الفرصة وجاء جون دانييل ليمضي كتابه وخاطب الناس في قاعة في المركز الثقافي الفرنسي فقال لهم.. طرح له سؤال عن علاقته التي تشنجت مع  الحسن الثاني بسبب تزمامارت فأجاب عن تزمامارت وقال أنا لم أكن.. كان الملك صديقي ولكني لم أكن موافقا معه في تلك السياسات، فلما انتهى فتقدمت له ورأيت الفرصة مواتية، وكانت بجانبي أستاذة للفرنسية جزائرية اسمها وحيدة ودفعتني يعني شيئا ما على خجل، كنت أخجل من الناس المحيطين بي، فقلت مسيو جون دانييل أشكرك شكرا كثيرا، لقد أتيحت لي الفرصة لأن أشكرك، قال لي من أنت؟ قلت في عجالة أنا أحد الناجين من تزمامارت، فصعق الرجل وأزاح نظارتيه ونظر إلي قال لي من أنت؟ أعاد لي السؤال، قلت له أنا من تزمامارت، فشرحت له كيف يعني سمعته وهو يطالب بإطلاق سراحنا، فبكى، يعني من كثرة التأثر بكى وقال للحاضرين، ألم أقل لكم بأن هذه الأشياء فظيعة. يعني لما كنا في تزمامارت استمعت إلى كريستين السيرفاتي التي لعبت، جعلت من قضية تزمامارت قضيتها وطبعا استمعت إلى السؤال الذي طرحه المناضل بن سعيد أيت إدر الذي كان الوحيد الذي تجرأ على طرح سؤال في البرلمان المغربي، وحكى لنا فيما بعد كيف أن ضغوطات كبيرة مورست عليه لكي لا يطرح السؤال ولكنه طرحه..

أحمد منصور: حول تزمامارت.

أحمد المرزوقي: حول تزمامارت، حول مصير ما يشاع عن تزمامارت، وكان المنتخبون يعتقدون أن السقف سيخر من فوقهم هلعا وخوفا ولكنه ورغم الضغوطات التي مورست عليه يعني طرح هذا السؤال، الملك سمعته وهو يقول بأن تزمامارت لا وجود لها إلا في خيال أعداء الديمقراطية في المغرب وكنا نسمع، ولا زلت أذكر أن صديقا نادى صديقه فقال بعد كل هذا هل نحن في الدنيا أم في الآخرة؟ هل نحن حقا لا زلنا في الدنيا؟ فيعني تزمامارت كما ترى بحر يعني يستحيل لكتاب أن يفي..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني أنا عشت الأشهر الثلاثة الماضية يعني مسجونا معكم بين الكتب ولا أستطيع أن أصف حجم الآلام التي شعرت بها وأنا أقرأ ما كتبه زملاؤك حول الموضوع وبعض الذين جلست معهم أيضا. نأتي إلى الإفراج في 15 سبتمبر، كيف تلقيتم خبر الإفراج عنكم؟

أحمد المرزوقي: لما أطلق سراح، أولا فرحنا بإطلاق سراح نيلسون مانديلا، كان هو أكبر، بعده جاء إطلاق سراح أبراهام السيرفاتي وقيل بأنه برازيلي الجنسية ونفي إلى فرنسا، نحن قلنا ربما هنالك وكثرت الضغوطات، ضغوطات منظمة العفو الدولية، وكثرت الضغوطات من إذاعة فرنسا الدولية، لعبت دورا رئيسيا فكانت كل مرة نسمع فيها عن تزمامارت. وهؤلاء الصحفيون سيكتب لي أن ألتقي بهم في فرنسا لعبوا دورا طبعا رئيسيا. لما كثرت الضغوطات على المغرب، ذات مرة في الخامس عشر، ليلة الخامس عشر من سبتمبر قيل لنا بأن.. قبل هذا جيء بأصدقاء من.. شهر قبل هذا الموعد جيء بالرفقاء الذين تبقوا على قيد الحياة في العنبر الثاني وإلى العنبر الأول.

أحمد منصور: كم واحد؟

أحمد المرزوقي: أربعة.

أحمد منصور: من هم.

أحمد المرزوقي: وترك الأخوة بوركات لوحدهم تركوا في العنبر الثاني.

أحمد منصور: يعني صدمتم حينما رأيتم الأربعة؟

أحمد المرزوقي: شيء فظيع لا يصدق.

أحمد منصور: صف لنا هذه الفظاعة؟

أحمد المرزوقي: أول من دخل علينا.. تركونا في الدهليز..

أحمد منصور: خرجتم من الزنازين.

أحمد المرزوقي: خرجنا من الزنازين وتركونا في الدهليز، كانوا يعلمون بأن شيئا سيقع، وبقينا مترقبين ننظر من سيكون الداخل الأول، دخل إنسان يعني لا أستطيع وصفه، بقايا إنسان لا هو من البشر ولا هو من.. يعني رجلان نحيفتان ومثني على نفسه وهيكل عظمي ووجه يعني عينان غائرتان وأصلع الرأس، يعني كان حاملا لرزمة على كتفه بعكاز، لم يكن له أسنان فدخل ورآنا وتبسم، ابتسم..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني شعرتم أن إنسانا خرج من قبر.

أحمد المرزوقي: نعم. يعني شيء لا يصدق، فلما قال انظروا لا زلت واقفا رغم أنهم أرادوا أن يحطمونني تحطيما فأنا لا زلت واقفا على رجلي، فإذا بنا نقول من، من هذا القادم؟ تحلقنا حوله، فإذا بعبد الكريم الشاوي -لا زلت أذكر- ضرب على الحائط ثم ضرب رأسه على الحائط وقال عبد العزيز الدولي، أخي الدولي! الحقيقة انبهرنا، انفطرنا، أهذا هو الدولي! كان له قامتي تقريبا، متر وفوق المتر وثمانين، فإذا به يعني يكون طفلا، ولكن الشيء المثير هو بسمته كان يبتسم قال أنا لا زلت واقفا. بعدها جيء بعبد العزيز بن بين طبعا مرفوعا بحارسين لأنه كان وكان يعني شيء.. وجهه بقي هو هو، ولكنه كان في حالة تفسخ تقول إنه خرج من القبر. بعده جاء عاشور رجل كان أكبرنا سنا، كان في الجيش الفرنسي، رجلا هرما بشعر حليبي أبيض ومنفوخ هذا كان منفوخا من المرض. ثم جيء بالرابع بشعر وكأن هكذا يمشي هكذا..

أحمد منصور: على أربع.

أحمد المرزوقي: كان يمشي مطويا على الأربعة، رجلاه، تقريبا كمشية القرد وشعره، وشعره.. هو بوشعيب سكيبه وكان المسكين في حالة عقلية طبعا.. وفعلنا كل ما في وسعنا للتخفيف عنهم، طبعا لما انتقلوا من العنبر الثاني إلى العنبر الأول كان بالنسبة لهم أنهم انتقلوا يعني إلى..

أحمد منصور: من النار إلى الجنة.

أحمد المرزوقي: شيء، وجدونا كأننا كنا في الجنة مقارنة معهم، سمعوا بالراديو، سمعوا بالأخبار وعرفوا بأن في الولايات المتحدة تعاقب على الحكم كم من رئيس..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني هم ظلوا طوال 18 عاما معزولين عن الدنيا تماما؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم الفرصة الوحيدة التي كان يزودهم بها بعض الأخبار هو الملازم الطويل لما أخرج، ولما أعيد إلى مكانه طبعا انقطعت الأخبار، عرفوا بأن فرنسا ذهب بومبيدو وجاء جيسكار ديستان وجاء ما بعده فرانسوا ميتيران، ونحن نسأل فلان مات.. إلى آخره، هذه كلها أشياء لم يكونوا يعرفونها، فكانوا أصحاب القبور، أصحاب الكهف إن أردت. وبعدها طُلب منا أن يكون الطيارون، أن يكون الطيارون في زنازين واحدة والمشاة يعني أصحاب معتقلي أهرومو في صف واحد، استغربنا، ولكن نظرا للراديو ونظرا لبعض الأشياء تعرفنا..

أحمد منصور (مقاطعا): شعرتم أن هناك إفراجا.

أحمد المرزوقي: قلنا إما أسودا وإما أبيضا، إما كافور وإما شاكور، إما سيطلق سراحنا وإما سنصفى.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من إطلاق سراحكم من تزمامارت. أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة نتابع شهادة أحمد المرزوقي أحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.