- أهوال الصيف ونوعية الطعام
- مغالبة الأيام واختراع الآمال وقصة الموت الأولى
- قصة أيوب تزمامارت وفظائع أخرى
- عن الجنون والضحك والألغاز

أهوال الصيف ونوعية الطعام

أحمد منصور
 
أحمد المرزوقي
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد المرزوقي أحد الضباط المشاركين في محاولة انقلاب الصخيرات عام 1971 وأحد الناجين من سجن تزمامارت. وصفت لنا شتاء تزمامارت وبعضا من أهواله، فكيف كان صيفه؟

أحمد المرزوقي: كان الشتاء يدوم ثمانية أشهر، وحتى تلك الفترة التنقلية ما بين الصيف والشتاء كانت قصيرة جدا بحيث أنه في وقت قصير تنقلب الزنزانة إلى فرن من كثرة الحرارة المفرطة بحيث أنه مرارا سمعنا الحراس يقولون بأن درجة الحرارة فاقت 44 في الظل، الشيء الذي كنا نختنق اختناقا داخل الزنازين، وهنا كانت مأساة أخرى هي مأساة الروائح الكريهة، كانت الزنزانة تعج بمختلف أنواع الحشرات الزاحفة والطائرة..

أحمد منصور (مقاطعا): مثل؟

أحمد المرزوقي: مثل الصراصير التي كانت تكسو الجدران، طبقات من الصراصير يعني شيء فظيع، وذات يوم اشتكينا من الصراصير فجيء بالدواء وأخذوا يرشون الدواء علينا وعلى الصراصير واختنقنا، كان البعض على وشك الهلاك، عندما يأتي ويظل يضخ..

أحمد منصور: وأنت داخل الزنزانة.

أحمد المرزوقي: داخل الزنزانة يضخ سحابة من الدواء كريه الرائحة فسقطنا نحن والصراصير ولا زلت أتذكر أنني كنت أضع أنفي في شق الباب لعلي أصطاد نسمة، يعني كان هناك الاختلاق، فلما ذهبت الصراصير جاؤوا بالناقلات، أخرجوها يعني قناطير من الصراصير أخرجوها وأحرقوها في الساحة. ولما انتهينا من الصراصير ماذا وقع؟ فإذا بنا نفاجأ بأكثر من الصراصير وهو البق، واكتشفنا -وهذه على العلماء أن يتحققوا منها- اكتشفنا أن الصراصير تأكل البق، لما ذهبت الصراصير جاء البق والبق يعني يستحيل التعايش معه، إضافة إلى الفئران والأفاعي، كانت تظهر لنا الأفاعي في بعض الأحيان.

أحمد منصور: النقيب بالكبير قال "في الصيف درجة الحرارة ملتهبة والزنزانات تثير شعورا بالاختناق، يضطر بالسجين لإلصاق أنفه على خصائص الباب ليستنشق الهواء البارد وعندما ينهكه الحر ويغدو صدره كالنار يهرع إلى سريره يبحث عن بعض الراحة فتهاجمه من جميع الأرجاء الحشرات الطفيلية، البق والبراغيث والخنافس والرتيلاء أما العقارب فإنها تندس بمكر تحت الغطاء، طيف هذا الحيوان الكريه يمنعنا من القيام بأي حركة طائشة".

أحمد المرزوقي: بخصوص العقرب، لسعة العقارب الكثير من المرات السجناء وأنا شخصيا لسعتني عقرب وكنت على وشك الموت يعني أحسست بألم فظيع، لما فتح علي الباب في الصباح طلبت من الحارس، أحد الحراس كان من أخبث الحراس اسمه بغازي قلت له اعطني عود ثقاب أبحث عن العقرب فهو قهقه ضاحكا وقال العقرب مسكين ماذا فعل العقرب؟ إن لم تؤذه لا يؤذك أنت الذي ابتدأت بأذيته، وذهب. وبخصوص الأفاعي سبعة أخوان دخلت عندهم الأفاعي باحثة عن الفئران وباتت ليلها في الزنزانة ولكن لم تؤذ أحدا، ورغم ذلك كنا نحول..

أحمد منصور (مقاطعا): في الظلام هذا كيف ترى الأفعى وكيف؟

أحمد المرزوقي: في الظلام، كان يدخل يلتف في غطائه وينتظر الصباح ويحذر ألا يتحرك، والغريب أن الأفاعي كانت تنتظر قدوم الصباح فتخرج، لما يفتح الحراس كانوا يخرجون يفرون منذعرين وطبعا لم تؤذنا أية أفعى.

أحمد منصور: هذا طبعا أدى إلى جو يأتي من الأمراض، كيف كانت الأمراض تنهش فيكم أو تأتيكم؟

أحمد المرزوقي: تناسلت الأمراض بكثرة وتساقط الأخوان تباعا الواحد تلو الآخر وما كانوا يسعفوننا بأي شيء، وهنالك الإسهال المزمن وكذلك أمراض القلب وأمراض، يعني الكثير من الأمراض، أمراض الجلد حدث ولا حرج، أمراض الأجهزة التناسلية، أمراض كالبواسير ويعني كثير كثير.

أحمد منصور: أحدكم أرسل رسالة من الرسائل التي كانت تهرب من السجن إلى عائلته قال فيها "صحتي متزعزعة، فقدت أسناني، معدتي التهبت، أتبول أكثر من 12 مرة في اليوم، الأكزيما تقرض جسمي بكامله. كن مطمئنا أنا لا أخشى الموت، ما أطلبه هو أن يأتي مترفقا وفق ضوابط الإسلام". كتب آخر "تصور أننا تحولنا إلى مومياءات متحركة بوزن 45 كيلوغراما، الوجه هنا موحش بشعر طويل ولحية نجزها بطرف قطعة من توتياء مسنونة أما الأظافر فنقرضها كيفما اتفق بأسناننا، بالنسبة لمن أسعدهم الحظ ببقائها. غدا ثلاثة أرباع فرسان العذاب تعساء ونصف مجانين برأس أجرد حل به الصلع في الثلاثين من العمر. 18 عاما لم يزر تزمامات طبيب أو ممرض ولم يعط أي دواء للسجناء، المرضى كلهم شبان في قمة اللياقة البدنية سابقا غير أن السجن حطم أجسامهم".

أحمد المرزوقي: أكثر من هذا، فهذه الأشياء كلها يعني ساهمت في قتل الجزء الأكبر منا بحيث مات الأصدقاء أعتقد موتة جاهلية موغلة في البشاعة.

أحمد منصور: زاركم الموت للمرة الأولى في شهر فبراير عام 1974 كان الملازم طيار محمد الشمسي أول المتوفين، صف لنا ما حدث؟

أحمد المرزوقي: المرحوم محمد الشمسي لم يسبق لي أن رأيته ولكن طبعا تحدث عنه الأصدقاء الذين يعرفونه..

أحمد منصور (مقاطعا): في أي زنزانة كان معكم في العنبر؟

أحمد المرزوقي: لم يكن معنا في العنبر، كان في العنبر الثاني. فهذا الشخص كان يتهيأ للذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية للتدريب وطيار كان متزوجا وله بنت، وصادف ذلك اليوم يوم إلقاء القبض عليه أنه كان جالسا في نادي الضباط وجاء أحد الأصدقاء وطلب أن يعوضه بمداومة فحكم بثلاث سنوات سجن، ضابط ملتزم كان محط تقدير كل مرؤوسيه وطبعا كانت له بنية قوية جدا وكان يطلب من أصدقائه يحثهم على الصبر ولكن الغريب في الأمر آخر من توقع، لم يتوقع أحد أن يكون أول ضحية هو المرحوم محمد الشمسي نظرا لإيمانه وقوة بدنه وصبره..

أحمد منصور (مقاطعا): كلكم كنتم عسكريين ذوي بنية قوية، طيارون أو ضباط أو حتى المساعدين أو غيركم كنتم كلم ذوي بنية، لكن هذا تهدم مع السجن.

أحمد المرزوقي: تهدم، تستطيع لو وضعت فيلا في تزمامارت فإنه سيهدم، لو وضعت لست أدري، أي إنسان..

أحمد منصور (مقاطعا): فعلا وضعتم لتذوبوا موتا في هذا السجن.

أحمد المرزوقي: موتا بطيئا أقول، موتا ممنهجا على جرعات، فحتى الوجبة التي كانوا يعطوننا إياها طبعا كنا نعذب فقط لنحيا لكي نذوق العذاب الشديد.

أحمد منصور: أنت تحدثت عن الوجبات في الفترة الأولى لكن لم تتحدث عن الطعام كيف كان بعد ذلك؟

أحمد المرزوقي: الطعام لما ألقي القبض على المساعد الأول أحمد خربوش تدخل المدير وظهر خبثه وظهرت ساديته بحيث صدقني يا أخي أحمد البعض سيقول مبالغة، سيقول مبالغة ولكنها الحقيقة أمام التاريخ وأمام الله، كنا نعطى في الصباح دملجا، كنا نسميه بالدملج..

أحمد منصور (مقاطعا): ما الدملج؟

أحمد المرزوقي: يعني قطعة من الخبز بحيث أننا كنا نقتسم في العنبر الواحد خبزتين مما يسمى عندنا بالباغيت الآن.

أحمد منصور: 29 شخصا؟!

أحمد المرزوقي: 29 شخصا، كان دملجا، كنا نسميه بالدملج.

أحمد منصور: آه، يعني مثل السوار يعني.

أحمد المرزوقي: مثل السوار يعني لقمة واحدة من الخبز. في الصباح كانت القهوة تشبه الشعير أكثر منها إلى القهوة، رائحة الشعير وقليل من السكر، كانت تحدث الكثير من الحرقة كنا نحس بحرقة في المعدة. في الغداء مغرفة من أردأ القطاني، إما من الفول المسوس أو كنا نسميه بالإسبانية الخوغو بمعنى (كلمة فرنسية) أي العصير، عصير البصارة، هنالك عندنا طعام بلدي يسمى البصارة وهو طحين الفول ولكنا كنا نشرب..

أحمد منصور (مقاطعا): تأكلونه في الصباح أو يأكله البسطاء من الناس، وأنا أكلته أيضا.

أحمد المرزوقي: هذا الخوغو كنا نسميه الخوغو يعني عصير الفول أو الحمص كان المحظوظ منا يأخذ 25حبة أما الباقون فكانوا يأكلون خمسا والباقي كله ماء. في العشاء كانوا يعطوننا يعني المعجون (كلمة فرنسية) يعني مثلا كالشعرية (كلمة فرنسية) أشياء مصنوعة من..
أحمد منصور (مقاطعا): معجنات.

أحمد المرزوقي: معجنات، طبعا.

أحمد منصور: ولكن كانت عجينا وليست معجنا.

أحمد المرزوقي: وكنا، تخيل هذا يوما على يوم يعني كان..

أحمد منصور: كل يوم هذا؟

أحمد المرزوقي: يوميا، يوميا هكذا  بحيث أنه لما تساقطت..

أحمد منصور (مقاطعا): واللحم ما أخباره؟!

أحمد المرزوقي: سأصل إلى اللحم. بحيث أننا لا زلت أذكر أننا في العشاء كنا نضطر إلى إغلاق أنوفنا لكي نمرر من كثرة الغثيان الذي كنا نشعر به، يعني المرء لو أطعم الخراف أو الحمام يوميا فإنه سيعاف الحمام، فبالأحرى ناهيك بطعام لا يعطى، يعافه الكلاب. فكنا طبعا نتشبث بالحياة ونعمل قصارى جهدنا لكي نمرر ذلك الطعام. أما اللحم فكان مقتصرا على بعض الحفلات الدينية أو الوطنية، كنا ننتظر..

أحمد منصور (مقاطعا): عيد ميلاد الحسن الثاني مثلا.

أحمد المرزوقي: عيد ميلاد الملك، أو عيد المولد النبوي أو عيد الاستقلال، كنا ننتظر ذلك الطرف من اللحم أو بعض المرات كنا، كانت آمالنا تخيب حين كنا نفوز بعرض عوض من طرف اللحم. وهنا أفتح قوسا لأقول يوما أعطونا عدسا أو ما يشبه العدس شيء يشبه العدس، لما انصرفوا رجعوا على حين غرة وأمرونا أن نحضر الآنية التي..

أحمد منصور: الصحن.

أحمد المرزوقي: الصحن، فإذا بهم يزيدون لنا شيئا لم نعرف ما هو في الظلام، زادونا شيئا فإذا بنا نشرب الكازوزة، يعني الليموناضة وسمينا تلك السنة بسنة الكازوزة.

مغالبة الأيام واختراع الآمال وقصة الموت الأولى

أحمد منصور: يعني كنتم الأيام أيضا، يعني هنا الأيام كانت تتابع عليكم؟

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: بنفس الوتيرة؟

أحمد المرزوقي: بنفس الوتيرة، بنفس الوتيرة، اليوم كأول أمس كالغد كما سيأتي.

أحمد منصور: كنتم تعرفون السبت، الأحد، التواريخ؟

أحمد المرزوقي: نعم، كنا نعرف، كنا نعرف السبت والأحد كما قلت لك ونسمع الحراس يتكلمون.

أحمد منصور: تذكرون أنفسكم.

أحمد المرزوقي: نعم نذكر بعضنا، وكان عندنا أخ..

أحمد منصور (مقاطعا): لأنه وجدت بعض زملائك ممن كتبوا، كتبوا تواريخ في يوم كذا حدث كذا.

أحمد المرزوقي: نعم. كان أصغرنا سنا يعني سجين من، كان محبوبا لدينا..

أحمد منصور: ما اسمه؟

أحمد المرزوقي: اسمه أحمد بوحيده، هذا أحمد يعني نفعنا كثيرا.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: نفعنا في الخياطة، نفعنا كان طيب المعشر لطيفا يكثر من الدعابة إلى غير ذلك..

أحمد منصور: يعني في وسط هذه المحنة تجد إنسانية البعض تغرق الجميع أو تأخذ الجميع ترفع من معنوياتهم.

أحمد المرزوقي: نعم. نحن إن خرجنا فخرجنا بفضل الله وبفضل بعض الأصدقاء الذين كان لهم فضل كبير في يعني إحياء وتغذية الأمل في قلوبنا إلى غير ذلك.

أحمد منصور: إلى نهاية السبعينات تقريبا كلكم كنتم قد حفظتم القرآن الكريم من خلال البرامج التي عملتوها.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، لكن أفتح قوسا هنا لأقول لأنوه بحارس اسمه العربي الويز لعب دورا كبيرا في الرفع من معنوياتنا منذ الأول، هذا لم يبق معنا إلى النهاية ولكن هذا الرجل فعل من أجلنا الكثير ولا زلت أذكر..

أحمد منصور: اضرب مثالا.

أحمد المرزوقي: لا زلت أذكر دموعه وهو يفتح علينا الباب في عيد الأضحى ويرمي لنا بأشياء كان يأتي بها من منزله، كان يبكي صامتا، في الصمت، وهذا الرجل هو من أتى لنا ببطاريات راديو صغير هو من أتى لنا بمصحف..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا اشترى لكم راديو وأحضره لكم، راديو صغير ترانزستور تواصلتم به عبر العالم.

أحمد المرزوقي: عبر العالم.

أحمد منصور: يعني بدأتم تعرفون ماذا يدور خارج الزنازين؟

أحمد المرزوقي: هو في الحقيقة لم يشتر الراديو وإنما جاء عند أحد السجناء وقال إن كان عندكم راديو فأنا آتي بالبطاريات واتفق أن كان أحد الأصدقاء واسمه عبد الكريم السعودي استطاع رغم التفتيش أن يمرر ترانزستور صغير ظل يحتفظ به، هو والرقم يعني محمد الغالو الذي سيكون هذا الترانزستور هو مأساته حين توهم أنه سيقع تفتيش فكسر الترانزستور ورمى به في ثقب المرحاض فوقع ما وقع. المهم هذا العربي الويز أتى بالبطاريات وأعطيناها للأخ عبد الكريم السعودي، بعد مرور أعتقد في 1975 كانت، كان عنبرنا عبارة عن غواصة هبطت إلى أعماق البحار ثم بفضل تلك البطاريات عرفنا ماذا يقع في المغرب.

أحمد منصور: هو واحد فقط كان يستمع ويبلغكم بالأخبار.

أحمد المرزوقي: ويبلغنا طبعا، كان البطاريات..

أحمد منصور (مقاطعا): وكل هذا وأنتم لم تروا بعضكم بعضا ولا تعرفون وجوه بعض.

أحمد المرزوقي: أبدا. البطاريات كان يضعها في إبطه..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني في ثلاثين قبر فيها ثلاثين ميت يتواصلون فقط بالصوت فيما بينهم.

أحمد المرزوقي: يتواصلون بالصوت فقط. ولما جاءت البطاريات وأخذ يعطينا الأخبار كان طبعا يمدد من عمر البطاريات كان يضعها تحت إبطه لكي تبقى، تحافظ..

أحمد منصور: دافئة.

أحمد المرزوقي: دافئة. كان يوم الاثنين والخميس الأنظار كلها تتجه للزنزانة رقم تسعة لكي يعطينا الأخ عبد الكريم..

أحمد منصور (مقاطعا): ليس الأنظار وإنما الآذان!

أحمد المرزوقي: الآذان، الآذان. لكي يعطينا الأخبار.

أحمد منصور: فقط يفتح الراديو مرتين في الأسبوع؟

أحمد المرزوقي: في الأسبوع، وكان يحافظ ويعني مطط أكثر عدد ممكن من الأيام بحيث أن..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف هرب الراديو إلى الزنزانة؟

أحمد المرزوقي: لست أدري كيف، المهم أنه لما نقلنا إلى تزمامارت أخذ الراديو معه واستطاع أن يمرره لست أدري كيف، المهم أنه لم يضبط بالراديو في جيبه.

أحمد منصور: أعود إلى الطيار محمد الشمسي ووفاته في العام 1974.

أحمد المرزوقي: المهم أن الشمسي الذي كان يأمر أو يطالب أصدقاءه بالتريث وبالصبر انفجر ذات مرة وأخذ يسب الحراس وقال لهم ماذا تفعلون بضباط الصف هؤلاء؟ إنهم ضباط صف، إنهم برآء لماذا توغلون في تعذيبهم؟ فأخذ يخبط على الباب، أخذ يسب ويخبط على الباب، أيها الأنذال افتحوا الباب أيها الأنذال، ولكنه ظل يخبط لمدة ثلاثة أيام متواصلة.

أحمد منصور: مثل الذي في قبر لا يسمعه أحد.

أحمد المرزوقي: حتى انهدت قواه.

أحمد منصور: لا إله إلا الله.

أحمد المرزوقي: ولما صمت، فتحوا الباب فسقط لأنه كان متكئا على الباب، فلما فتح الباب سقط رأسه في الدهليز وتيقنوا بأنه مات فرفعوه وحفروا حفرة في الساحة ودفنوه.

أحمد منصور: كيف كانوا يتعاملون مع الموتى؟

أحمد المرزوقي: باحتقار شديد، كان الميت يلف في غطائه ويرمى في حفرة ثم يؤتى بناقلة الجير حمولة من الجير يوضع عليه الجير ثم يدفن..

أحمد منصور: حتى يذوب جسده فيه.

أحمد المرزوقي: وتسوى الأرض.

أحمد منصور: أحدكم وصف ما يحدث، يقول "يسمع احتضار المريض خلال يوم أو يومين إلى أن تنطفئ منه نسمة الحياة، عندها يأتون يلفونه بغطاء قذر، تسمع ضربات المعاول والرفوش وتنتهي العملية، يدفن دون غسل أو كفن في بلاد إسلامية. أعتقد أنه ما من سجين تعرض للعذاب والاضطهاد والآلام التي عانيناها منذ أيام رمسيس الثاني". كان أحدكم وأطلقتم عليه اسم أيوب تزمامارت، محمد الغالو.

[فاصل إعلاني]

قصة أيوب تزمامارت وفظائع أخرى

أحمد المرزوقي: محمد الغالو هذا كان هو رئيسي في المصلحة التي كنت أشتغل فيها في أهرومو.

أحمد منصور: كان رئيسك؟

أحمد المرزوقي: نعم رئيسي المباشر وكان صديقي في آن واحد، جمعتنا صداقة كبيرة.

أحمد منصور: كانت رتبته إيه؟

أحمد المرزوقي: ملازم أول، هذا الرجل كان يسكن الزنزانة رقم اثنين، لما سمع بأن.. شاع خبر بأنهم سفتشوننا، كسر الراديو الترانزستور الذي أتى به وخبأه في ثقب المرحاض.

أحمد منصور: سنة كم هذا؟

أحمد المرزوقي: يعني قل سنة 1974، 1975، منذ ذلك الوقت طرأت له مشكلة مع المرحاض، كلما أراد أن يتبرز كان المسكين يتعذب عذابا كبيرا لكي يمرر النفاية، وأصابه نوع من الهوس، كان يقضي سحابة يومه باحثا عن تلك القطع المكسرة يحاول استخلاصها من الثقب. اليوم، سحابة يومه يقضيها مع البرد، يعني البرد فعل به الأفاعيل فأصابه الروماتيزم في ركبتيه وانتهى به المطاف إلى الشلل التام، شل شللا تاما ما عدا يده اليمنى التي كان يحركها فكان مسجى 24 ساعة على 24 ساعة والتصق لحمه بالإسمنت وكان يتبرز يعني يقضي حاجته في مكانه، وتخيل.

أحمد منصور: كم سنة؟

أحمد المرزوقي: سنين، سنين طويلة.

أحمد منصور: أحدكم كتب أنه استمر في الشلل 11 عاما.

أحمد المرزوقي: نعم، وكانت المرة الأولى أقولها بكل تواضع، تطوعت، كنت أول من تطوع للذهاب عنده، توسلت إلى الحراس كي أذهب عنده، فذهبت عنده ولا أكتمك أنني بمجرد ما دخلت إلى الزنزانة حتى أصبت بالغثيان، بدأت أقيء من.. يعني أنا عفت رائحتي فبالأحرى رائحة صديقي، مكثت معه شهرا..

أحمد منصور: في الزنزانة؟

أحمد المرزوقي: في الزنزانة، مكثت معه شهرا وقمت بما..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى تخدمه وتساعده.

أحمد المرزوقي: خدمته طبعا وخففت عنه وطبعا نظفته..

أحمد منصور: كيف كانت حالته النفسية؟

أحمد المرزوقي: مرتفعة، شيء غريب! لو سمعته يتكلم ويغني ويضحك لقلت إنه يتعشى بأفراخ الحمام، ليس في نبرة صوته شيء من الوهن، كان يضحك وكان يأمرنا بالصبر إلى أن لما مررت معه يعني مكثت معه صبرا عوضني الأخ صديق من أصدقائي  عبد الرحيم الصدقي عوضني، وبعد ذلك..

أحمد منصور (مقاطعا): سنة كم كان هذا؟

أحمد المرزوقي: أعتقد في بداية الثمانينات.

أحمد منصور: أنا سأقرأ ما كتبته أنت عن هذا الموقف ربما ما هو مكتوب يحمل بعض البلاغة. "تحت الضوء الخافت المتسرب من الباب الذي تركه الحراس نصف مشروع تبينا مشهدا في منتهى البشاعة والهمجية، مشهد لو رآه أعدم المغاربة وطنية لدس رأسه في التراب من فرط إحساسه بالخزي والعار، كيف يسوغ للمغرب أن يطرح بأبنائه مجانا في هذا الجرف الهاري من الجحيم؟ وكيف يطيب لبعض المسؤولين أن يتصرفوا هكذا في السر تصرف القتلة المحترفين؟ تقلص جسم الغالو بشكل مهول ولم يعد سوى جثة متآكلة لطفل في التاسعة من عمره، طفل بلحية مخللة بالشيب غطت الآن كل صدره القصبي النحيف، وشعر رمادي مغبر أشعث ترامى على أكتافه الضامرتين كجدائل ممرغة في التراب اللزج. لقد حاولت مع القبطان غلول تجريده من ثيابه، ذهبت قطعة من جلده المهترئ مع مزق من قميصه المبلل فانكشفت بعض من عظامه، كان الغالو وهو عريان هيكلا عظميا مشوها ملفوفا في كيس من الجلد الممزق المثقوب تفوح منه رائحة الفناء، رائحة نتنة كانت نتاج مدة طويلة من إفرازات القيح والدم والبول والغائط والعرق، انسلخ ظهره وجلد جنبيه وأصبح قفص صدره شبه مقعر" أكمل أنت.

أحمد المرزوقي: يعني في الحقيقة حين أتذكر محمد الغالو أصاب بالغثيان، محمد الغالو يعني كان قمة القمم في الفظاعات الإنسانية ويعني أقف عاجزا الكلمات تعوزني لكي أبرز الفظاعة التي مر منها هذا الشخص، ولولا العناية الربانية، وهنا أرجع إلى المساعد الأول العربي الويز الذي تأثر كثيرا بمشهد وبمعاناة هذا الأخ فحضر له دواء بلديا صنعته زوجته فأخذ يعطيه يمده به وقد ساعده نوعا ما خفف من معاناته. إلى أن جاء اليوم الذي دخلت فيه الولايات المتحدة الأميركية على الخط، لأن الصديق مبارك الطويل كان متزوجا من أميركية وتحت الضغط الأميركي انتشل صديق من بيننا وأعطيت له الإسعافات الأولية وكان هذا الصديق هو من شفع لمحمد الغالو عند المدير، المدير الذي كان يعتقد أننا فانون على آخرنا ولما فتح المجال لمبارك الطويل وأعطاه وأقنعه بإسعاف الغالو بشيء من الدواء، جاءت الإسعافات يعني المدير قبل تحت ضغط مبارك الطويل وتحت ضغط الحراس الذين لم يعودوا قادرين على اشتمام رائحة الغالو، فعين.. تطوع أصدقاء لعبوا دورا في منتهى الإنسانية وأنا أحييهم وهو الأخ محمد غلول وعبد الكريم الشاوي وأحمد بوحيده تناوبوا على التخفيف من عذاب أخينا الغالو إلى.. بقوا معه إلى النهاية إلى أن مات، توفي..

أحمد منصور: النهاية كانت في الثالث من يناير عام 1989، بعد 15 عاما من المرض و11 عاما من الشلل التام توفي محمد الغالو في السجن.

أحمد المرزوقي: وأفتح هنا قوسا لأذكر بالدور الذي لعبه المرحوم بن عيسى، الراشدي بن عيسى كان يعني من أعظم الحراس ممن ساهموا في التخفيف عنا كي نسكن في الزنزانة رقم واحد، هو الذي كان يكره العزلة فلما أتيحت له الفرصة لكي يساعد الغالو مكث معه ما يقرب من سنتين، وبن عيسى هذا كان زجالا وكان شاعرا وكان ماهرا ماهرا جدا بأصابعه فطبعا خفف من معاناة الغالو.

أحمد منصور: "وبعد، ماذا ربح الجلادون من كل هذا العذاب المجاني؟ حظوة، جاه، مال، رتب، أوسمة، مناصب، نياشين؟ فأين الخوف من الله إذاً؟ وإذا كان إيمانهم بالله لاغيا، فأين الضمير؟ أين القيم؟ أين المبادئ؟ أين اختفى فيهم الإنسان؟ أما كان الرصاص أهون وأرحم ما دام تصميمهم على القتل أمر لا مرد له؟" هذا ما كتبته أنت.

أحمد المرزوقي: نعم. ووقعت فظاعات في العنبر الثاني، أذكر منها فقط على سبيل المثال لا الحصر، أمين رشيد مات، كان مسجى كان هو الآخر مشلولا ومعه صديق كنا نسميه مانولو اسمه عبد الصادقي، هذا الذي كان واقفا أحس باقتراب أجله فطلب الصمت من السجناء في العنبر وتوجه إليهم طالبا منهم الصفح والمغفرة، قال أنا راحل أجلي اقترب، وفي تلك اللحظة -شيء غريب- أراد أن يعانق رفيقه الذي كان مشلولا ففي الوقت الذي عانقه خرجت روحه فاضت روحه، فبقي متكئا واقفا وكان الميت على وشك قتل الحي! يعني هنالك فظاعات لا يستطيع أحد أن يصفها مهما أوتي من البلاغة ومن البلاغة ومن البيان، المهم بقي أمين رشيد مختنقا ويصرخ ويقول مانولو يخنقني، لقد توفي. ولولا مجيء الحراس..

أحمد منصور (مقاطعا): وهو الذي ذهب لمساعدته.

أحمد المرزوقي: هو الذي ذهب لمساعدته، ولولا مجيء الحراس وفكوا الميت من الحي لماتا معا.

أحمد منصور: لا إله إلا الله.

أحمد المرزوقي: وطبعا الأمين رشيد المرحوم تبعه بعد ذلك.

أحمد منصور: من الأشياء التي وقفت عليها في قصص الموتى كلهم، يعني كل واحد قصته مؤلمة، العربي إزيان حينما كان معه ابن عيسى وابن عيسى روى أنه قبيل موته ورغم كل ما كان فيه من علل وأمراض وأشياء قال "إني أرى ما لا تراه يا عزيزي ابن عيسى، جمال رائع قدسي تغرق في سحره الروح فما تشبع ولا ترتوي، آه ما أروع وما أبهى ما تشاهده عيناي، ثم فارق الحياة".

أحمد المرزوقي: نعم، فعلا، لما كان يحتضر كان المرحوم ابن عيسى الذي كان معه يوافينا أولا بأول، كان يقوم بتغطية كل ثانية من تلك اللحظات، فالمرحوم العربي إزيان كان رأسه.. كان لا يستطيع أن يوقف رأسه هكذا، كان يضحك، وكان يقول.. ابن عيسى كان يحكي لنا ونحن يعني كنا نغرق في صمت ونتصنت إلى ما كان يقوله، مات ضاحكا، مات ضاحكا، وقال بأنه يرى أشياء غريبة وجميلة في منتهى الجمال وكان يستعجل موته، هكذا مات العربي إزيان.

عن الجنون والضحك والألغاز

أحمد منصور: كيف كان الموت يختار من بينكم؟

أحمد المرزوقي: كان الموت يخبط خبط عشواء، يخبط خبط عشواء، فقط هنالك شيء عامل أساسي جعل البعض يساهم في نجاته هو أنه منا من قبل الواقع ومنا من لم يقبل ومنا من طبعا أصيب بالخبال، وهنالك من أصيب بالحمق بمجرد دخوله، لمجرد دخوله الزنزانة كان ذلك الوقع عليه شديدا بحيث أنه فقد صوابه وبقي على ذلك الحال إلى أن مات، كالملازم المرحوم عبد السلام حيفي وكآخرين وكميمون الفاغوري الذي كان الوقع عليه صعبا جدا وزاد الأمر تفاقما عندما سمع بموت ما يزيد على سبعة أصدقاء في العنبر الثاني، لما علمنا بأن في العنبر الثاني مات ما يزيد على سبعة أصدقاء فيما نحن مات منا واحد، طبعا أصيب بالصدمة..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا كان في سنة كم؟

أحمد المرزوقي: 1977. في الـ 1977جاء أناس إلى العنبر الثاني، المدير ارتأى أن يرحل نصف الأصدقاء في العنبر الأول إلى العنبر الثاني..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا وأنتم في تزمامارت جاءكم ثلاثة زوار، يعني زوار على، يعني أناس ممن ارتأى الحسن الثاني أن يرسلهم إلى تزمامارت لينالوا العقوبة مثلكم، كان من بينهم هؤلاء في 1978، مجموعة الأفارقة التي جاءتكم في 1978.

أحمد المرزوقي: نعم في 1978، كان من المتوقع، المدير ارتأى أن يضعهم في العنبر الأول، أن يرحل نصفنا إلى العنبر الثاني..

أحمد منصور (مقاطعا): عنبر الموت.

أحمد المرزوقي: عنبر الموت، وفي أثناء الترحيل، بمعنى أنه لما وصلوا إلى الزنزانة التاسعة أنا كنت بصدد الخروج من زنزانتي فإذا بالأوامر المضادة تقول ارجع إلى مكانك، ولكن الأصدقاء الذين انتقلوا إلى العنبر الثاني أرجِعوا إلى العنبر الأول، وكان هذا اللقاء الذي دام بضع دقائق كان كافيا لمعرفة ماذا وقع في العنبر الثاني يعني عدد الأموات إلى غير ذلك، فلما رجع الأصدقاء وأخبرونا أنه في العنبر الثاني مات ما يزيد على ستة أو سبعة أصدقاء طبعا وقع نزل علينا الخبر كالصاعقة وصدمنا كثيرا، إلا أنا..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكونوا تعلمون؟

أحمد المرزوقي: لا، لم نكن نعلم أبدا، لا شيء، إلا أنه..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني أنتم في مكان واحد لكن في عزلة أيضا؟

أحمد المرزوقي: في عزلة أيضا. في عزلة، العنبر الأول في عزلة عن العنبر الثاني، طبعا لا أحد يعرف ماذا يقع في.. ولما ميمون الفاغوري هذا كان رقيبا لما سمع بأن أصدقاء له ماتوا في العنبر الثاني كان الوقع عليه كالصاعقة شديدا ومنذ هذه اللحظة يعني أصيب بالحمق أصيب بالجنون وعشنا معه لحظات من أسوأ وأفظع اللحظات التي قضيناها في تزمامارت..

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: بحيث ذات مرة أخذ حجرا وأخذ يضرب على الباب بجنون وينادي باسم صديق له اسمه العيدي، المرحوم العيدي، كان يصرخ باسمه..

أحمد منصور (مقاطعا): العيدي ممن ماتوا في العنبر الثاني.

أحمد المرزوقي: كان يصرخ، في الأول كان يتحادث، كان يتحادث كأي إنسان، كان يتحادث مع الملازم مبارك الطويل فإذا به يشذ عن الطريق عن الحديث القويم فإذا به يهرف بأشياء، فقال له الأخ مبارك الطويل ميمون هل أنت لم تنم جيدا هذه الليلة؟ فقال لا، نمت جيدا ولكن جنيا قبض روحي في سنة 1953 ولكن الآن روحي هائمة في الأرض وأنا في الحقيقة أنا ميت، لكي نخرج من هنا ينبغي نقتل وينبغي أن ننتحر، أيها الأخوة لننتحر انتحارا جماعيا فلا يمكن بتاتا للروح والجسد أن تخرجا معا من هذا السجن فإما أن تخرج الروح وإما أن يخرج الجسد. أخذ يهرف هكذا، فقال ميمون ماذا دهاك؟ قال أنا أقول لك الحقيقة. منذ تلك الآونة أخذ يضرب يضرب وينادي..

أحمد منصور (مقاطعا): بالليل والنهار؟

أحمد المرزوقي: بالليل والنهار، من أين كان يستمد تلك القوة؟ ليخبط على الباب وطبعا كانت عبارة عن مقامع من حديد تهوي على أدمغتنا، كان يستحيل النوم، وأنا أعترف بأنه في تلك الآونة كنت على وشك  الجنون، كنت على وشك الجنون، يعني انهرت انهيارا تماما بحيث أنني كنت كلما أردت النوم وكلما أغمضت عيني إلا وسمعت الطرقات فأستفيق مذعورا فإذا بي لا أجد شيئا، كأن شيئا وكأن تلك الطرقات الضرب سجل في مخي فاختلط علي الحابل بالنابل، لم أعد، متى أنام، والأصدقاء كذلك عانوا من هذه، سنة، سنة كاملة وهو يضرب، الغريب من أين كان يأتي بتلك القوة!

أحمد منصور: أنتم لم يكن لديكم القوة حتى؟

أحمد المرزوقي: لا، كان الحراس يأتون ويضحكون يتركونه على حاله كذلك، كان طبعا يزيد في عذابنا وكان يعجبهم ذلك. المهم إلى أن استطاع الملازم مبارك الطويل بأن يقنعه بأن يكف عن الخبط على الباب. وطبعا من الأشياء ما تضحك وإن كانت تتعدى الحد، الأشياء إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى ضدها، قلت لك كنا نحول المأساة إلى ملهاة، كنا نضحك كثيرا من شقائنا وعذابنا. ميمون ذات مرة قال أيها الأخوة انطلاقا من اليوم سأحكي لكم قصة طويلة وعليكم أن تنصتوا إليها بكل انتباه وإلا رجعت إلى الخبط على الباب، كانت مساومة، كان يحكي لنا أشياء ولا زلت أذكر أنه كان يحكي لنا قصصا، قال البارحة بت في قصر قرطاج مع الحبيب بورقيبة، كان هناك أبو بكر الصديق رضي الله عنه والجنرال ديغول. كان يخلط الأشياء وعندما كان يكف كان يقول لنا شكرا على انتباهكم، إلى الحلقة المقبلة. وأقنعه مبارك الطويل لكي لا يحكي لنا إلا مرة في الأسبوع يوم الاثنين. في الاثنين المقبل يعني كان منضبطا يقول، يصفق فيقول هل تسمعونني؟ نعم، يقول أين تركنا في الحلقة المنفرطة أين توقفنا؟ فكان ينبغي أن تذكره بالتفاصيل إلى غير ذلك وإلا، ومرة سمع أحدنا يضحك، غلبه الضحك، فقال من هذا الكلب الذي يضحك؟ فقلنا لا، لا، واندفعنا نقول له نؤكد له بأنه فقط إنه عطس، إنه عطس وليس ضحكا، فاسترسلنا في..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني كان انتابه الجنون بشكل فعلي.

أحمد المرزوقي: نعم، إلى أن انتحر شر انتحار.

أحمد منصور: هناك ألغاز في تزمامارت، من بينها لغز الأفارقة الذين جاؤوا إلى تزمامارت عام 1978، ما هي معلوماتك عن هذا اللغز؟

أحمد المرزوقي: الأفارقة كانوا في الأول 16 أسيرا، 16 أسيرا جيء بهم على حسب ما سمعنا من سجن أسفي في أسفي عزل أربعة، ذهبوا إلى أين الله أعلم، بقي 12 سجينا في العنبر الثاني، كانوا كلهم يتكلمون لهجة أفريقية، كانوا كلهم من السود الأفارقة يتكلمون لهجة أفريقية ويدينون بالمسيحية ما عدا واحدا اسمه زكريا كان يدين بدين الإسلام، ولم يريدوا أبدا أن يفصحوا عن هويتهم..

أحمد منصور (مقاطعا): كنتم تحاولون التحدث معهم؟

أحمد المرزوقي: أنا لم أكن في العنبر الثاني، حكوا لنا من جاء عندنا من العنبر الثاني حكوا لنا بأنهم فعلوا ما في جهدهم للتعرف على هويتهم فلم يريدوا أن يكشفوا عن هويتهم، ومات منهم، في الأيام الأولى مات منهم ضابط برتبة ملازم.

أحمد منصور: يعني هم كانوا عسكريين؟

أحمد المرزوقي: عسكريين برتبة ملازم. فأقيم قداس ديني وتبادل الأخوة العزاء فيما بينهم.

أحمد منصور: هناك، وأنتم في العنبر لا تعلمون شيئا.

أحمد المرزوقي: لا يعلمون شيئا، طبعا التواصل فقط في الكلام، كنا كالعمي، وقرأ الأخوان بعض السور من القرآن ووقعت صداقة وحميمية بينهم ولكنهم كانوا دائما يرفضون الكشف عن هويتهم، وبما أنهم كانوا أفارقة وأعتقد أن من بلاد فيها حرارة إلى غير ذلك فلم يطيقوا صبرا في تزمامارت، كانوا يتعذبون تعذيبا مبرحا ويتوسلون إلى الحراس بأن يسعفونهم بالأغطية.

أحمد منصور: آه في البرد والشتاء. كم المدة التي بقوها تقريبا؟

أحمد المرزوقي: أعتقد بضعة شهور، بضعة شهور إلى أن جاء المتخصص في العمليات المشبوهة، كان الملازم فضول الذي كان يأتي إلى السجن بين الفينة والأخرى والذي كان يشرف على..

أحمد منصور (مقاطعا): فضول كان متخصصا؟

أحمد المرزوقي: متخصص في هذه الأشياء، جاء ليلا ووزع عليهم حقائب جلدية وطلب منهم أن يضعوا كل أسمالهم البالية في تلك الحقائب ولبسوا ألبسة جديدة وسيق بهم إلى حيث لا ندري، في الصباح قال لنا الأصدقاء، سمع الأصدقاء في العنبر الثاني حارسان يتحادثان، فقال أحدهما ماذا وقع لهؤلاء؟ أجابه الأول سيق بهم جاء فضول وساقهم إلى مكان نجهله، وقال من نبش هذا القبر؟ قال نبشوه في الليل وأخرجوا جثة الملازم المتوفى ووضعوه في صندوق وذهبوا..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني الموتى كانوا يدفنونهم في نفس السجن، في فناء السجن، يعني يخرجونهم من القبر إلى القبر.

أحمد المرزوقي: من القبر إلى القبر، يعني نصفنا كان، كان يعزلنا عن..

أحمد منصور (مقاطعا): كنتم أحياء في قبور وهناك أموات في قبور أخرى.

أحمد المرزوقي: في قبور أخرى.

أحمد منصور: أنا حاولت من مصادر مختلفة أن أبحث في أمر الأفارقة هؤلاء حتى أحل هذا اللغز ولكن لم أستطع، هناك رقيب جاء إليكم اسمه الصديق المولودي حل ضيفا أيضا في تزمامارت وتوفي في سنة 1980 في السجن، باختصار ما قصة المولودي ولماذا جيء به إلى تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: على حسب الأصدقاء الذين كانوا معه أثناء احتضاره قال لهم بأنه ضابط.. ليس بضابط، ضابط صف برتبة رقيب أول كان يحرس إحدى البنايات الفخمة أو إحدى الفيلات كان يحرسها برفقة صديق آخر كان يثق فيه ثقة كاملة ومرة أخذ ينتقد سكان الفيللا والبذخ الذي يعيشون فيه وأخذ يقارن بين العيشة التي يعيش عليها سائر الناس المغاربة والعيشة الباذخة التي يعيشها، ولم يكن يتوقع أن يذهب الحارس الثاني عند صاحب الفيللا ويشي به.

أحمد منصور: لكن لم تعرفوا من صاحب الفيللا؟

أحمد المرزوقي: لا، لم نعرف لم يقل أي شيء، وجيء به فقال له سكيبا وأعتقد بنبن وسكيبا هم من دخل عنده..

أحمد منصور (مقاطعا): بنبن وسكيبا بعض زملائكم في العنبر الثاني.

أحمد المرزوقي: نعم. لماذا لا تريد أن تفصح عن هويته؟ قال لساني هو الذي تسبب لي في هذا فأردت أن أعاقب اللسان وأردت أن أصمت إلى الأبد.

أحمد منصور: هنالك لغز كبير حاولت أيضا أن أفكفكه من مصادر مختلفة، وقعت على بعض المعلومات ولكن ربما تكون لديكم أنتم معلومات عنه، هو لغز الأخوة بوركات، أمهم علوية من عائلة الحسن الثاني وأحدهم كان زميلا له في الدراسة وكانوا من المحظوظين ذوي الحظوة، كانوا قريبين وكانت لهم تجارتهم ولهم أعمالهم، أبوهم كان لديه الجنسية الفرنسية وهم بالتالي كانوا لديهم هذه الجنسية، ولكنهم فجأة غضب عليهم الحسن الثاني وأخذوا من القصر إلى قبر تزمامارت أو إلى سجن تزمامارت. ما هي معلوماتك عن الأخوة بوركات؟ اسمح لي في الحلقة القادمة نبدأ في الحديث عن الأخوة بوركات وقصتهم معكم في تزمامارت. أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى أهوال سجن تزمامارت من خلال أحد الذين نجوا منه، الضابط أحمد المرزوقي. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.