- اللقاء بين المدبوح وأعبابو ومقتل المدبوح
- تفاقم الفوضى وقصة إنقاذ الأمير محمد السادس
- عمليات القتل وتصفية أعبابو لحساباته
- تشوش المعلومات وعملية الانسحاب من القصر

أحمد منصور
أحمد المرزوقي
أحمد منصور
: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد المرزوقي أحد الضباط المشاركين في محاولة الانقلاب على الملك الحسن الثاني في قصر الصخيرات عام 1971 وأحد الناجين من جحيم سجن تزمامارت. سيد أحمد مرحبا بك.

اللقاء بين المدبوح وأعبابو
ومقتل المدبوح

أحمد المرزوقي: أهلا وسهلا.

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند اللحظة التي التقيت فيها مع الجنرال المدبوح وقلت إنه كان يبدو وكأنه يبحث عن شيء أو عن أحد، كيف كان هذا اللقاء بينكما؟

أحمد المرزوقي: الجنرال كان متجاوزا، ما لاحظته هو أنه كان متجاوزا.

أحمد منصور (مقاطعا): ما معنى متجاوزا؟

أحمد المرزوقي: يعني كان يظهر لي كإنسان تجاوزته الأحداث، كان ممسكا بمنديل في يده وكان بين الفينة والأخرى يمسح على شفتيه، ناداني..

أحمد منصور (مقاطعا): كان يرتدي زيه العسكري؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، كان قميصا، في تلك الحفلة كان..

أحمد منصور (مقاطعا): الكل يحتفل بعيد ميلاد الملك والملك كان يعشق الملابس المزركشة.

أحمد المرزوقي: نعم. ناداني وقال لي أنت من أهرومو؟ قلت نعم جنرال..

أحمد منصور (مقاطعا): وأنت كنت تعرفه؟

أحمد المرزوقي: لا، عرفته، عرفته لأنه سبق لي أن رأيته في القصر لما ذهبنا للتدرب على تقديم بعض الألوية للملك.

أحمد منصور: أنت ذهبت قبل ذلك إلى القصر؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم ورأيته طبعا هو كان يمثل الملك في التدريب الأول كنا نقدم له الألوية قبل أن يعوضه جنرالا آخر.

أحمد منصور: مجرد أن لمحته عرفته؟

أحمد المرزوقي: عرفته، عرفته، قال لي أنت من أهرومو قلت نعم جنرال، قال لي هيا اخرج، نادي على التلامذة وأخرجوا المدنيين من القاعات، فامتثلت طبعا وهنا..

أحمد منصور (مقاطعا): كان في ضباط غيرك موجودين أو جنود في تلك اللحظة؟

أحمد المرزوقي: في تلك اللحظة لا أعتقد ولكن..

أحمد منصور (مقاطعا): ماذا كنت ترى في تلك اللحظة؟

أحمد المرزوقي: كان الكثير من التلاميذ يخرجون المدنيين، المدعوون يخرجونهم من القاعات، كانوا يعتصمون بالقاعات و.. المهم..

أحمد منصور (مقاطعا): يخرجونهم إلى الساحة في الخارج.

أحمد المرزوقي: إلى الساحة، إلى خارج الساحة. المهم في تلك الآونة شهدت بعض اللقاء الذي جرى بين الجنرال المدبوح والكولونيل أعبابو.

أحمد منصور: أنت إلى هذه اللحظة لم تكن قد رأيت الكولونيل أعبابو، قائدك؟

أحمد المرزوقي: لا، مباشرة بعد هذا رأيته، رأيته وكان بصحبة بضعة ضباط، بعض الأصدقاء، فطبعا جرى بينهم حديث أنا طبعا لا أدعي بأنني سمعته كله ولكني سمعت جزء منه.

أحمد منصور: ما الذي ترامى إلى مسامعك؟

أحمد المرزوقي: قال له..

أحمد منصور (مقاطعا): قبل أن تبدأ، أن تسرد ما الذي جرى، كانا متوترين، الرجلان كانا متوترين أم؟

أحمد المرزوقي: أعبابو كان، كان يعني هذا هو الغريب في الأمر، كان هادئا.

أحمد منصور: كان جرحه ينزف أم ربطه.

أحمد المرزوقي: كان جرحه طبعا تابع به، ربطه وكان ممسكا بمسدسه في يده وتابع عمله كأن شيئا لم يكن، ببرود غريب جدا.

أحمد منصور: شخصية غير عادية.

أحمد المرزوقي: ببرودة يعني مدهشة، أقول هذا طبعا ما أستطيع أن أقوله في شخصه، المدبوح كان متوترا.

أحمد منصور: هذه أول مرة أنت كنت ترى إصابة أعبابو أو تعرف أنه أصيب؟

أحمد المرزوقي: لا طبعا لما رأيته عرفت بأنه أصيب برصاصة في كتفه وسنرى فيما بعد كيف استمر رغم العناء رغم التعب رغم كل شيء، المهم ما سأحكيه هو بضع لما رأيته والباقي كمله لي أصدقائي الذين كانوا معي.

أحمد منصور: تذكر مين المجموعة التي كانت تقف مع أعبابو والجنرال المدبوح؟

أحمد المرزوقي: كان هناك المرشح الريس الذي لم يفارقه.

أحمد منصور: محمد الريس، لم يفارق أعبابو، وهو كتب في مذكرته أشياء تفصيلية حول هذه الأشياء.

أحمد المرزوقي: نعم. كان هناك الملازم عبد العزيز الدولي وبضع آخرين لم أعد.. مع مرور الوقت الذكريات تأخذ في الانطماس، على كل حال هذا المشهد طبعا قلت رأيت قليلا منه، الباقي الآخر كمله أصدقائي وأعبابو قال للمدبوح لما التقى أعبابو قال له ما هذه باللغة الفرنسية، تكلما باللغة الفرنسية، ما هذه الفانتازيا؟ وتعرف ما هي الفانتازيا.

أحمد منصور: الفوضى يعني.

أحمد المرزوقي: لا، الفانتازيا طبعا يقصد بها ذلك الفولكلور الذي يركب فيه الفرسان على الخيل ويطلقون البارود، ما هذه الفانتازيا؟ أنا لم آمر بهذا.

أحمد منصور: أنا لم آمر بهذا. معنى ذلك أن المدبوح هنا أعلن مسؤوليته عن كل التحرك.

أحمد المرزوقي: نعم، قال أنا لم آمر بهذا قال له، تجاهل ما قال، قال جنرال، أيها اللواء لقد أكملت الشطر الأول من مهمتي وعليك بإتمام الشطر الثاني، قال له أين هو؟ قال يوجد في مكان آمن وإنه يريد أن يراك.

أحمد منصور: هذا كلام عن الملك.

أحمد المرزوقي: نعم. قال هيا لنراه، قال هل استسلم؟ هل تنازل؟ قال تنازل وتنازله هنا في جيبي.

أحمد منصور: المدبوح قال هذا الكلام لأعبابو.

أحمد المرزوقي:
نعم. نعم. هيا لنراه.

أحمد منصور: إذاً كان كل هذا ملامح لاتفاق بين الرجلين بدأت رموزه تتفكك أمامكم واحدة بعد الأخرى الآن.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم. وأنا شخصيا لم أستمع، طبعا هذا ما أقوله كنا قلت شيئا من هذا ولكن الأكثرية مما جرى طبعا لما كنا في تزمامارت وفي المحكمة إلى غير ذلك اكتملت الصورة..

أحمد منصور (مقاطعا): الريس الذي كان ملاصقا لأعبابو وكان يسمع الحوار كتب هذا أيضا في مذكراته.

أحمد المرزوقي: نعم، فقال له هيا لنره، قال سأذهب، يريد أن.. قال سأذهب بمعية ضباطي، قال لا، إنه يريد أن يراك رأسا لرأس، فقال لا. على حسب ما قال لي أصدقائي لما تبع أعبابو المدبوح قال المدبوح كلمة -على حسب ما قاله الريس- قال كلمة ربما كانت هي السبب في القضاء عليه، قال أعتقد أنه هنا، هيا لنبحث عنه..

أحمد منصور (مقاطعا): كأنما يضلل، إشارة كأن فيها تضليل لأعبابو؟

أحمد المرزوقي: أنا لم أكن بعيدا من المشهد لأني سمعت طلقات نارية، التفت فإذا بالمدبوح يسقط أرضا مضرجا بالدماء.

أحمد منصور: طيب دعني أكمل لك قبل أن، آخذ لك مربع في الصورة رواه الملك بنفسه إلى الصحفي الفرنسي إيريك لوران في الكتاب الذي نشر في "ذاكرة ملك" يقول "عند الشروع في إطلاق النار لم يخطر ببالي أن المدبوح يمكن أن يقوم بعمل من هذا القبيل، لقد كان رجلا يحترم المظاهر العسكرية ويوليها من اهتمامه الشيء الكثير" ثم يقول بأن المدبوح طلب منه بأن يذهب بصحبته لرؤية أعبابو ولكن الملك رفض وقال "لا أتفاوض مع ضابط تحت إمرتي ولكن اذهب إلى أعبابو وأحضره لي هنا إن أردت" معنى ذلك أن المدبوح كان صادقا حينما تحدث مع أعبابو بناء على رواية الملك التي لم يسمعها أي من الرجلين ولم يشاهدها لأن كلاهما قتل بعد ذلك، أنت سمعت وزملاءك الحوار الذي دار بين المدبوح وبين أعبابو والملك هنا يؤكد صدقية المدبوح على الأقل في هذا النص، ألست معي؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، نعم.

أحمد منصور: نعود إلى استكمال باقي المشهد، التفت بعد إطلاق الرصاص فوجدت المدبوح على الأرض.

أحمد المرزوقي: نعم، هذا المشهد رأيته ورأيت مزيرق ينحني على المدبوح..

أحمد منصور (مقاطعا): مزيرق هذا صهره، صهر المدبوح.

أحمد المرزوقي: صهره، ويبكيه يقول أخي أخي، يعني يبكي موت الجنرال المدبوح، أعبابو كان ينظر إلى المدبوح ملقى على الأرض، هز كتفيه وانصرف. أنا شخصيا..

أحمد منصور (مقاطعا): ببرودة الأعصاب التي يدير بها المشهد من بدايته.

أحمد المرزوقي: أنا لم.. الحقيقة من أطلق النار؟ هل بإيعاز من الكولونيل أعبابو أم كما قال البعض رصاصة طائشة أو طلقات طائشة؟ العلم لله، لأن المدبوح سقط في نفس اللحظة مع طبيب الملك الدكتور ابن عيش، سقطا في نفس اللحظة، يعني نفس الطلقات التي أصابت المدبوح هي التي أودت بحياة الدكتور ابن عيش.

أحمد منصور: كم متر المسافة كم متر كانت بينك وبين هذا المشهد تقريبا؟

أحمد المرزوقي: أعتقد عشرة أمتار.

أحمد منصور: ليس أكثر.

أحمد المرزوقي: ليس أكثر من ذلك.

أحمد منصور: هنا رواية ذكرها محمد الريس الذي كان يقف إلى جوار أعبابو وسمع الحوار مع المدبوح وكان ضمن المجموعة التي تقف، في صفحة 28 من كتابه "من الصخيرات إلى تزمامارت، تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم" يقول الريس إن "تلاسنا تم بين الجنرال المدبوح وامحمد أعبابو حيث اتهم كلا منهما الآخر بالخيانة مما جعل أعبابو يأمر كل من الضابطين دال وباء -على حسب رواية الريس- بقتل الجنرال فأطلقا دفعتين من الرشاشات واحدة قتلت الجنرال المدبوح والأخرى قتلت طبيب الملك ابن عيش وبذلك أصبح أعبابو هو المتفرد في إدارة الأمر" محمد الريس هنا الذي كان أقرب منك إليهما يقول إن أعبابو ربما أومأ إلى هؤلاء الذين قتلوا المدبوح.

أحمد المرزوقي: ذلك ما قاله لنا في السجن.

أحمد منصور: هذان الضابطان اللذان أشار لهما، دال وباء، تعرف من هما؟

أحمد المرزوقي: لا، لا أعرفهما. وكثير منهم يبتدئ اسمهم بالدال..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن حينما روى لكم الرواية لم يذكر أسماء الذين أطلقوا النار؟

أحمد المرزوقي: لا لم يذكر أسماء.

أحمد منصور: وهو الوحيد الريس الذي كان موجودا وبقي حيا من المجموعة التي شهدت عملية تصفية المدبوح؟

أحمد المرزوقي: الأصدقاء يعني الذين التقيت بهم وكانوا على مقربة يعني لم أجد أحدا أكد أو نفى هذا، يستطيع الإنسان من.. يعني يستحيل على الإنسان أن يقول شيئا لم يره.

أحمد منصور: لكن التأكيد على أنه الآن الجنرال المدبوح هو القائد الفعلي لذلك التحرك.

أحمد المرزوقي: نعم مؤكد هذا.

أحمد منصور: وأن أعبابو هو الأداة من خلال المدرسة والطلبة الذين تحركوا للقيام بهذا الانقلاب أو المحاولة الانقلابية هذه، أعبابو.. مقتل قائد أي حركة تمرد يصيب الباقين، لكن أعبابو هنا وكأن شيئا لم يحدث.

أحمد المرزوقي: واصل إلى النهاية.

تفاقم الفوضى وقصة إنقاذ الأمير محمد السادس

أحمد منصور: ما هي الخطوات التي قام بها أعبابو بعد قتل المدبوح؟

أحمد المرزوقي: أعبابو كان يطلب من جميع الطلبة أن يخرجوا المدنيين إلى خارج القصر، وكان كأنه يبحث عن شخص بعينه، كان يمر ذهابا وإيابا يبحث عنه..

أحمد منصور (مقاطعا): بين الناس الموجودين؟

أحمد المرزوقي: بين الناس. كان جميع الشخصيات من وزراء ومن رؤساء الأحزاب ومن السلك الدبلوماسي إلى غير ذلك. طبعا كان يذهب يبحث عن شخص بعينه، أنا لم أره في هذه اللحظة.

أحمد منصور: لم تر المدبوح ولا لم تر ذلك؟

أحمد المرزوقي: لا، المدبوح مات..

أحمد منصور (مقاطعا): عفوا، قصدي أعبابو، لم تر أعبابو؟

أحمد المرزوقي: لم ألتق به إلا ثانية، كنت أمر وإذا به..

أحمد منصور (مقاطعا): وأنت لم تكن تعرف ما دورك وكذلك باقي الضباط، الكل كان ضائعا وتائها؟

أحمد المرزوقي: الكل كان تائها، يعني لو سمحت لي بتوضيح بعض معالم المشهد..
أحمد منصور: أنا أريدك أن توضح هذا.

أحمد المرزوقي: نعم، في الحقيقة كانت هنالك فتنة عارمة يعني كالسيل الجارف الذي أخذ الأخضر واليابس في طريقه.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: بحيث أنه لما بدأ تراشق النار حتى الطلبة فيما بينهم بدؤوا يتراشقون في النار فيما بينهم، سقط الكثير من الضحايا يعني بالرصاص الطائش وهم يعتقدون أنهم يناورون، هذه هي المأساة والحقيقة، كيف تقنع بها الناس؟ّ! الناس.. كل شيء كان متجاوزا، في المحكمة كان المستشارون من الضباط صاروا يقولون لماذا لم تفعل كذا؟ فقال له ضابط ولماذا أنت لم تفعل ذلك؟ أنت الضابط السامي تريدني أنا أن أكون عنترة بن شداد لكي أحول مجرى التاريخ، لماذا أنت كنت مكتوف الأيدي تنظر مستسلما، لماذا؟ طبعا..

أحمد منصور (مقاطعا): كان هذا الضابط موجودا في القصر؟

أحمد المرزوقي: طبعا طبعا.

أحمد منصور: من هو؟

أحمد المرزوقي: الكولونيل خرّابة والملازم الصفريوي، قال له أنت ماذا فعلت؟ أنا كنت أمر بجوارك مرارا وتكرارا هل أمرتني بشيء؟ إذاً..

أحمد منصور (مقاطعا): الكل كان خائفا ومرعوبا ولا يستطيع..

أحمد المرزوقي: الكل كان متجاوزا، الكل كان لا يفكر إلا في نفسه إلا في النجاة، بدليل أن أعبابو كان بعض الناس يرحبون به ويهنئونه طبعا..

أحمد منصور: من بين هؤلاء.

أحمد المرزوقي: طبعا، الناس وهذه هي الحقيقة المرة مع الغالب.

أحمد منصور: محمد الريس يقول "كان من بين الحاضرين سفراء معتمدون في الرباط ووزراء ونواب برلمانيون وزعماء أحزاب سياسية ونقابيون وموظفون سامون وجنرالات، رجال أعمال، ضيوف أجانب، فنانون، كلهم وقفوا جنبا إلى جنب مع السائقين والطباخين والمدربين كما في يوم الحساب، وقد وقف أعبابو كآمر بأمر نفسه بيده حياة الناس ومماتهم، كان العرق يتصبب منهم بفعل الحرارة وبفعل الخوف من التصفية الجماعية أيضا" أكمل لنا المشهد، أكمل أنت.

أحمد المرزوقي: الحقيقة أن أعبابو عندما كان يبحث كان الكل يتفاداه والكل كان يخشى أن تقع عينه عليه، مشهد من بين هذه المشاهد يعني وقفت عليه ورأيته رأي العين وطبعا أنا كنت المأمور، في كتابي لم أرد أن أقولها أنا -يشهد بها الريس نفسه- هنالك رواية أقولها، لم أرد أن أقولها في الكتاب.

أحمد منصور: هذه للمرة الأولى تكشف عنها؟

أحمد المرزوقي: أكشف عنها للمرة الأولى. لما خرجت مع.. لما قتل المدبوح كنت أمام مسبح فإذا بتلميذ يسيء معاملة فرنسية أو أجنبية، تتكلم اللغة الفرنسية، أنا دفعته وبالأحرى ركلته. أقول هذا لا لتزكية نفسي ولكنه الحق، من أراد أن يصدقه ومن شاء أن يرى فيه شيئا آخر فلير فيه ما يريد، هذه هي الحقيقة المطلقة بشهادة الريس وبشهادة من كان، لم تعجبني معاملة التلميذ لهذه السيدة، ضربته فالتفت إلي وأراد أن يصفيني..

أحمد منصور: تلميذك.

أحمد المرزوقي: تلميذ، وتلميذي يعرفني، كان تحت إمرتي وفي السنة الثالثة، صوب رشاشه الخفيف وقال والله لو لم يكن خيرك قد سبق لقتلتك كالكلب، نحن هنا لسنا في أهرومو، إياك أن تعيدها مرة ثانية.

أحمد منصور: انفلتت الأمور.

أحمد المرزوقي: انفلتت. لكي أعطيك صورة..

أحمد منصور (مقاطعا): أصبح السلاح والرصاص هو الحاكم.

أحمد المرزوقي: لكي أعطيك صورة عن الانفلات، أنا لم أجد طبعا، طبعا العقل السليم يطلب مني أن أتريث وأن لا أرد الفعل وإلا صفاني، سكتت على أن أؤجل النظر في هذا التصرف في أهرومو، طبعا كنت أعتقد أننا..

أحمد منصور (مقاطعا): ستعودون إلى أهرومو.

أحمد المرزوقي: نعم. في هذه المرة وبمحضر من السيدة التي سأعرف فيما بعد أنها مربية، إحدى المربيات البلجيكيات إما لأحد الأمراء، وأعتقد أن لها من النزاهة ومن الصدق لكي تؤكد هذه الرواية، التفتت إلي وقالت سيدي أعتقد أنك ضابط؟ قلت نعم يا سيدتي، قالت لي هل بإمكانك أن تأتي لي بالطفل الذي يبكي هناك. قلت لها طبعا وليس هناك أي مشكلة، أخذت طفلا..

أحمد منصور (مقاطعا): كم عمره كان، كم سنة؟

أحمد المرزوقي: أعتقد سبع سنوات أو شيء من هذا القبيل، أخذته بيدي وهو يبكي..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكن تعرفه؟

أحمد المرزوقي: لم أكن أعرفه. أخذته بيدي، فقط أقولها للتاريخ يعني عمل إنساني، أخذت الطفل وصاحبت السيدة مع جموع المدنيين الخارجين إلى خارج القصر وسلمته لها وأوصيت في الخارج بعض الطلبة بحسن مساعدة هذه السيدة وانتهى الأمر.

أحمد منصور: دون أن تعرف شيئا عن الموضوع.

أحمد المرزوقي: سأعرف فيما بعد، دقائق بعد، خرج عندي من بين المدنيين رجل أسود اللون من الذين يعملون بالقصر كان لابسا جلبابا أبيض وطربوشا أحمر وارتمى علي، قال لي أرجوك ما أنا إلا عبد من العبيد نحن لم نصنع شيئا، إذا أردت أن تبحث عن سميد سيدي- شيء من هذا القبيل- فهو يوجد هناك..

أحمد منصور (مقاطعا): على الملك.

أحمد المرزوقي: أنا فهمت ولم أرد أن أفهم، بكل صراحة، نظرا للظرف الدقيق. إذا كنت هل سميد سيدي -شيء من هذا القبيل أنا لا أعرف الكلمات التي.. أذني احتفظت بها- فهو هناك، أما نحن ما نحن إلا عبيد، هذه السيدة، هذا الطفل الذي أتيت به إنه أمير وهذه مربية، أرجوك إن أردت شيئا من هذا فأنا أعطيه إياك ولكن خل سبيلي، قلت له أنت مع الجميع. أنا لم أرد أن أدخل في التفاصيل، عرفت أن الأمر صعب جدا. مباشرة وراء هذا الحادث التقيت بأعبابو..

أحمد منصور: أنا لم أقرأ التفاصيل هذه في كتابك ولا في أي من الكتب الأخرى ولكني قرأتها هذه القصة دون اسمك أنت في كتاب "صديقنا الملك" لجيد بيرو وقال إن هذا الطفل لم يكن سوى ولي العهد الأمير محمد الذي أصبح بعد ذلك ملك المغرب محمد السادس، جيد بيرو قال هذا في كتابه عن تلك القصة بالضبط لكن أنت لا تعرف هذه التفاصيل وإلى الآن تعتقد أنه كان مجرد أحد الأمراء؟

لم أعلم أن الطفل الذي أنقذته مع مربيته ولي العهد الأمير محمد الذي أصبح بعد ذلك ملك المغرب محمد السادس ولم أتحدث بقصة الإنقاذ لكي لا يقولوا هذا يتملق أو يظهر ملحمة وبطولة
أحمد المرزوقي:
أنا لا أدعي بأنني عرفت الطفل ولا.. المهم على حسب ما قال لي ذلك الخادم بالقصر قال لي إنه الأمير، أمير، أنا لم أرد أن أبحث عن التفاصيل، هذا العمل أؤكد لك التقيت براهب اسمه فينسو كان يعمل في مكتبة اسمها لاسوس وهو حكى لي بأنه التقى بهذه المربية وحكت له نفس القضية، لماذا لم أقل بأن الضابط هو أنا؟ لأنني أعرف الكثير من الناس سيقولون، بعد تزمامارت ها هو ذا يتزلف، ها هو ذا يتملق، ها هو ذا يظهر ملحمة وبطولة. أنا عملته إنسان بسيط جدا، عمل إنساني ولم أشأ أن أذكر اسمي.

[فاصل إعلان]

أحمد منصور: حينما التقيت مع أعبابو في هذه اللحظة بعد ذلك كيف كان الوضع؟

أحمد المرزوقي: كان خف الرصاص.

أحمد منصور: بعد كم تقريبا كان استمر الرصاص مشتعلا؟

أحمد المرزوقي: أعتقد الرصاص مر ما يزيد من نصف ساعة كانت الكثافة مهولة وبعدها خفت العاصفة نوعا ما.

أحمد منصور: حينما خفت العاصفة كيف كان المشهد؟

أحمد المرزوقي: كان المشهد عبارة عن يوم الحشر، كل نفس تنادي نفسي نفسي، كل واحد يريد النجاة بنفسه، حتى نحن حاملي السلاح كنا نقول ما هذه المصيبة الدهماء ما هذه الكارثة؟ ففي الحقيقة وقع انفلات وقعت فتنة عارمة ويعني هنالك من الأشياء التي لا زلنا نطرحها حتى اليوم كيف بضابط في مستوى أعبابو أن يتسبب في هذا؟ هنالك أشياء غامضة نجهلها التي تسببت، وهنا أفتح القوس وأقول بأن مزيرق لما كنا في السجن قال لي كلاما..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا صهر الجنرال المدبوح.

أحمد المرزوقي: نعم صهره. قال لي كلاما أعتقد أن له كثير من الموضوعية.

أحمد منصور: ماذا قال؟

أحمد المرزوقي: قال لما تأخرنا ساعتين عن الموعد المحدد طبعا المدبوح شعر بالخطر وقال بأن أعبابو سينقض علي بكيفية أخرى يعني سيحل محله، سيذهب عند الملك ويقول له انظر ماذا كان يصنع ويخطط له المدبوح، فخاف على نفسه خاف أن ينفضح الأمر، فأرسل في طلب أعبابو يقول له تابع السير إلى ابن سليمان ولنؤجل مرة أخرى هذا الانقلاب. ولكن أعبابو في نفس الآن لما جاء عنده قال له تابع السير، مع العلم أن أعبابو كان قد أرسل زوجته وأولاده إلى فرنسا فهي إما لعبة البوكر إما هكذا وإما هكذا، قال كيف يمكن أن أؤجل بعد الذي أجلناه، كيف يمكن أن أؤجل هذه المرة؟

أحمد منصور: هل هذا هو السبب الذي جعل كلا منهما يتهم الآخر بالخيانة؟

أحمد المرزوقي: هذا ما قال لي مزيرق، هو في الدار الباقية رحمه الله هذا هو، {..وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ..}[البقرة:283] هذا ما قاله لي، وإحنا كنا في.. كان معي في الزنزانة وقال، العلم لله هل هذا صحيح؟ على كل حال.

أحمد منصور: أين الدرك الملكي آنذاك وأين؟

أحمد المرزوقي: لم يبق لا درك ملكي ولا شيء، لم يبق لا دركا، كله كان معتقلا، البعض كان منبطحا على بطنه والبعض واقف والبعض الآخر جالس القرفصاء..

أحمد منصور: ماذا عن الجرحى والقتلى؟

أحمد المرزوقي: الجرحى مرميون هنا وهناك يعني كانت مناظر مهولة.

أحمد منصور: وماذا عن موائد الطعام الفاخرة؟

أحمد المرزوقي: موائد الطعام الفاخرة، تلميذ أخذ رشاشا وأخذ يرشق بالرصاص تلك الموائد -ما زلت أعقل- قال انظر ماذا يأكلون ونحن نأكل كيكي! -كيكي هو كان نوعا من السردين الرديء الذي كان يعطى- انظر ماذا كانوا يأكلون؟ كان البذخ، طبعا كأن ذلك البذخ يلعن الطلبة، الحقيقة أنهم أغاظهم ذلك ولكن كما قلت وقع انفلات لم يعد أحد يحكم أحدا لم يعد أحد يدري من ضد من؟ يعني فتنة كقطع الليل المظلم.

عمليات القتل وتصفية أعبابو لحساباته

أحمد منصور: هل رأيت أعبابو يقتل أحدا بيده؟

أحمد المرزوقي: لا لم أر، للتاريخ لم أر. رأيت مقتل كولونيل أمامي.

أحمد منصور: الكولونيل الخياري؟

أحمد المرزوقي: لا، كولونيل كان قائد الدرك، الكولونيل أبو الحمص.

أحمد منصور: أبو الحمص.

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: كيف قتل أبو الحمص؟

أحمد المرزوقي: أبو الحمص، كان بعض الجنرالات فوق سيارة رباعية الدفع، الكاتكت وجاء أعبابو وببرودته المعهودة طلب من الطلبة وضباط الصف المتواجدين هناك بأن ينزلوا الجنرالات من على السيارة..

أحمد منصور (مقاطعا): الجنرالات دول كانوا مشاركين في الاحتفال؟

أحمد المرزوقي:
كانوا في الاحتفال وكانوا محروسين بالحراب.

أحمد منصور: تفتكر من من هؤلاء الجنرالات؟

أحمد المرزوقي: كان الجنرال حمو.

أحمد منصور: حمو هذا كان رفيق الجنرال أوفقير في الحرب الصينية.

أحمد المرزوقي: نعم، وكان يعني صهر الملك نوعا ما لأنه من قبيلة زايان التي تزوج منها الملك، على كل حال كان الجنرال حمو وهو جنرال مشهور، كان مشهورا جدا وله صيت طيب جدا نظرا لطيبوبته ولبساطته ولأشياء أخرى، وكان هنالك الجنرال الخياري وهذا كذلك كان جنرالا من أجود الجنرالات وطبعا وأشهرهم، والجنرال أمحارش الذي كان مديرا لنا في الأكاديمية الملكية العسكرية، كان في السنة الأولى طبعا يعرفني وأعرفه جيدا منذ كنت تلميذا، والجنرال الرابع أعتقد أنه الجنرال حبيبي أعتقد، أما الكولونيل هو الوحيد الذي كان مع الجنرالات هو الكولونيل أبو الحمص.

أحمد منصور: كيف تخلص أعبابو من أبو الحمص؟

أحمد المرزوقي: نزل الجنرالات وقد كانوا مطوقين من طرف الطلبة، تقدم الجنرال حمو هو الأول تبعه الخياري مشي معه الخياري ثم أمحارش ثم الجنرال الآخر وأخيرا نزل الكولونيل أبو الحمص وكان رئيسا للدرك.

أحمد منصور: للدرك الملكي.

أحمد المرزوقي: والكل كان يعلم أن عداوة قائمة كانت بين الرجلين.

أحمد منصور: بين أعبابو وأبو الحمص، كان كلاهما يكره الآخر.

أحمد المرزوقي: كانا يتباغضان، الكل كان يعلم هذا. المهم قال له بأدب جم تفضل كولونيل تفضل، هذا ما سمعته، بعض الأصدقاء سمعوا أشياء أخرى أنا لم أسمعها..

أحمد منصور: لكن أنت سمعت هذا بأذنيك؟

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: سمعت أعبابو يقول له هذا؟

أحمد المرزوقي: بالفرنسي يقول له [كلمات فرنسية] تفضل كولونيل. بأدب جم، أنا طبعا هنا لم أقل بأن المقصود هو أنا، قلت التفت إلى ضابط ولكن في محاضر الشرطة هناك موجودة، التفت إلي أعبابو وقال اقتله، اقتله. كانت من أحرج اللحظات التي عشتها في تلك الفترة.

أحمد منصور: قال لك أن تقتل الكولونيل أبو الحمص.

أحمد المرزوقي: اقتل أبو الحمص. يعني أشكر العناية الربانية التي.. تخيل في ظرف يعني أقل من الثانية ينبغي أن تفكر إما أن تقتل وإما أن تُقتل، هداني وكأن شيئا ما بداخلي لم أعد أنا أحمد هو الذي يتحرك، يعني تفاعلت أو تماثل.. يعني أوهمت حاولت أن أوهم أعبابو بأنه وقع لي حدث في..

أحمد منصور (مقاطعا): أيضا دون ذكر اسمك، هذه الرواية جاءت في كتاب "صديقنا الملك" قال بأن الضابط تعلل بأن عطلا حصل في سلاحه.

أحمد المرزوقي: الحمد لله، أنا لم أقرأ، آه "صديقنا الملك" قرأته. ولكن أنا تماثلت بعطب وقع في رشاشتي وأخذت أجر ما يسمى الكولاس إلى الوراء، أعبابو في هذه اللحظة رمقني بنظرة حادة وكأنه يختبر صدقي، وفي هذه اللحظة تطوع تلميذ وأطلق النار على الكولونيل، كان مشهدا فظيعا إلى حد الساعة أتذكره بحذافيره كان مثيرا وغاية في.. سقط الرجل ولما سقط ذهب أعبابو..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني عملية الإعدام بهذه الطريقة أمام الناس، كيف كانت ردة الفعل من الوقوف؟

أحمد المرزوقي: يعني تفرغ الدماغ، الجمجمة من مخها، يعني تبقى ذاهلا، تبقى مشدوها لا تعرف ماذا يصنع، هل أنت تعيش في واقع أم في خيال يعني في خيال بشع، والغريب في الأمر أن هذه اللحظات مرت بسرعة، بسرعة مرعبة كأنك تعيش كابوسا.

أحمد منصور: حينما ينادي أعبابو على الكولونيل، تفضل يا كولونيل، ثم يطلب من الضابط، منك أنت يقول لك اقتل الكولونيل، أي برودة أعصاب؟ أي شخصية؟ وهو مصاب في كتفه برصاصة ربما منذ ساعة وهو ينزف.

أحمد المرزوقي: أفتح قوسا هنا لأقول بأن أعبابو -على حسب ما قال ما صرح به أصدقاء كي أنور طبعا- قال إني لا أندم على شيء، ندمي على هذه المدرسة التي ورطتها في هذه العملية القذرة. هذه كثير من الضباط شهدوا له بهذه المقولة. مقولة ثانية قال أنا سأبيع جلدي غاليا، إلى النهاية، سأبيع جلدي غاليا.

أحمد منصور: قرأت هذه الجملة تحديدا في أكثر من مصدرين. الآن أصبح أعبابو هو الآمر الناهي، لم يعد هناك المدبوح لم يعد هناك أحد، كان أعبابو يبحث عن الملك لا يعرف أين هو موجود وفي نفس الوقت لم يفته أن يصفي عداواته الشخصية. في استكمال للمشهد بالنسبة لقتل أبو الحمص، حينما ضربه الجندي وسقط على الأرض، يبدو أنه لم يمت من فوره؟

أحمد المرزوقي: لم يمت، فعلا لم يمت. والغريب يعني المثير في هذه القضية هو أن ابن عمتي كان من الدرك في القصر يشتغل في القصر وكان على مقربة مني منبطحا ورأى المشهد هو نفسه وكان ينادي علي همسا، أنا تعرفت ببضعة من أصدقائه في الدرك وسهلت لهم الفرار وهم يستطيعون أن يشهدوا بهذا، أنا لم أر ابن عمتي، اسمه عبد الحق، لم أره، ولكن هو يشهد طبعا شهد، أعبابو لما ذهب جاء تلميذ وقال إنه لم يمت كان يحتضر فرجع وأمر تلميذا فأجهز عليه.

أحمد منصور: يقال إن أعبابو وضع قدمه على رأسه وأطلق هو عليه الرصاص..

أحمد المرزوقي: فعلا، هذا صحيح.

أحمد منصور (متابعا): وقال للتلميذ هكذا يكون القتل.

أحمد المرزوقي: نعم، صحيح، صحيح.

أحمد منصور: في مشهد آخر للقتل مرعب مثل كل القصة، محمد الريس رواه لأنه هو الذي قام بعملية القتل، محمد الريس الوحيد فيكم جميعا الذي اعترف أمام المحكمة وقال إنه ارتكب جريمة قتل وبالتالي هو الوحيد الذي حكم عليه بالإعدام. يقول محمد الريس، في غمار البحث عن الملك أخرج أعبابو قبطانا مسنا من المساعدين الأقربين للأمير مولاي عبد الإله، كان واقفا ضمن الرهائن ودار بينه وبين أعبابو نقاشا حول مكان اختفاء الملك لكن الرجل أنكر. أترك هنا الرواية لمحمد الريس في صفحة 38 من مذكراته يقول "صرخ أعبابو في وجه القبطان بوجمعة قائلا، كلكم جبناء وخونة سأقتلكم جميعا ثم استدار نحوي ومسدسه مصوب إلى صدري ثم أصدر الأمر إلي التالي، الريس اقتل هذا الخائن، ترددت، حسبت أنني أحلم وأنها مجرد تهيئات لا أقل ولا أكثر لكن أعبابو كرر الأمر بلهجة تهديد وقد صوب الماسورة نحوي والتمعت في عينيه شرارة حقد ورعب، كان ينتظر رفضي ليرديني قتيلا، نظرت إليه نظرت المتسول الذي ينتظر صدقة وكانت صدقتي التي أنتظرها من هذا الإنسان البشع والمنعدم الضمير هي تراجعه عن قراره القاسي والحال أنه أصر بإلحاح وهددني بالقول حذاري لا تدفعني لكي أقتلك أيضا، هذا الإنذار هز كياني وارتعدت له فرائصي فطفا على السطح جبني الذي طالما أخفته أنفتي الزائفة وإحساسي الإنساني المزعوم واستولى علي جبن رهيب وقاهر وتاهت نفسي في سراديب الخوف من الموت في عز شبابي، اهتز جسدي كله وأنا أفكر بأني سأقتل إنسانا لا أشك أنه بريء أو أعزل على الخصوص، لم يكن أمامي خيار فإذا ما أنا رفضت تنفيذ هذا الأمر الوضيع سيقتلني أعبابو ويقتل القبطان أيضا وإذا قتلته ستظل الجريمة عالقة بي إلى الأبد حتى لو كانت فعلتي غير إرادية وإجبارية تحت تهديد السلاح ستظل جريمة وعملا غير عادل ولا إنساني في حق شخص اتهمه المتآمر الرهيب بأنه خائن. كلما كنت أفكر فيما سأقدم عليه، اختلطت علي أفكاري وتشوشت ذاكرتي مع تسارع الأحداث ورعب الفعلة، لم أستطع أن أقاوم إحساس الإنسان الذي دفعني على القيام بما أمرت به وانتصر الجانب المدنس في ودفعني إلى الضغط على الزناد حتى أن دوي الطلقة فاجأني، خر القبطان صريعا وسقط معه ليس فقط كل ماضي الذي كان مصدر عزتي وافتخاري تاركا وراءه إحساسا بالعار، بل سقط معه أيضا مستقبلي، أصبحت إنسانا محطما لأن امحمد أعبابو نزع عني في رمشة عين أعز ما لدي، شرفي، مكثت مسمرا في مكاني شارد الذهب أنظر إلى الفراغ الذي اكتسح حياتي منذئذ". أنا سؤالي هنا، كيف كان يريد أعبابو أن يحولكم جميعا إلى قتلة؟

أحمد المرزوقي: أعتقد أنه لما أدرك بأن الانقلاب فشل وأن المدبوح العقل المخطط الذي لم يكن يريد أن يدير هذا الانقلاب بهذه الكيفية -لأنه على حسب ما قيل لنا فإنه كان يريد انقلابا أبيض- لما وقع هذا الانفلات ورأى أعبابو أن الأمور خرجت من يده كانت له حسابات وأراد أن يصفيها وأراد أن يحدث الكثير من الأضرار قبل أن يموت. وصديق توفي معي في تزمامارت أكد لي.

أحمد منصور: من هو؟ اذكر لنا الأسماء.

أحمد المرزوقي: محجوب، المرحوم محجوب الياقدي، أكد لي وأكد أمام المحكمة..

أحمد منصور (مقاطعا): كان ضابطا معكم؟

أحمد المرزوقي: ضابط طبعا في فوج من فوجي، أكد بأن أعبابو -هنا زاد الأمور غموضا- كان يهتف لنقتل الخونة، عاش الملك.

أحمد منصور: هذه وجدتها في كثير من الكتب أيضا، كيف كان يهتف بحياة الملك وهو يبحث عن الملك حتى يقتله؟!

أحمد المرزوقي: هل للتمويه أم لتغليط، لست أدري، المهم أنا لم أسمع ولكن أصدقاء كثر قالوا هذا، طبعا لكي أبرز الفتنة الكل كان متجاوزا، الكل كان ينتظر النهاية، كيف ستؤول إليه نهايته؟ وطبعا المحظوظون هم من لاذوا بالفرار، من سهل لهم اللوذ بالفرار أما الباقي فظل ينتظر القرار..

أحمد منصور (مقاطعا): هل هناك من تم تسهيل لوذه بالفرار؟

أحمد المرزوقي: طبعا.

أحمد منصور: من قبلكم أنتم أم من قبل؟

أحمد المرزوقي: قال لي الملازم الصفريوي عندما كان داخلا رأى الوزير مستشار الملك أحمد رضا غديرة كان خارجا طبعا..

أحمد منصور: هاربا. الكل هنا كان يهرب بجلده.

أحمد المرزوقي: الكل يهرب بجلده، وطبعا الناس الذين طلبوا منا كثيرا في المحاكم أشياء لماذا لم تفعل.. يعني شيء لا يخطر ببال أحد، كيف لي مثلا، يقول لك الرئيس لماذا لم تغير الأحداث؟ أغير ماذا؟ من ضدنا؟ من تعلم، ليست لي معطيات محددة لا أعرف الوضعية، هل الجيش كله متورط؟ ونسيت -مهمة جدا هذه النقطة- هو أن أعبابو قال لا تنسوا في بوقنادل بأن هناك عناصر أخرى من الجيش ستتدخل في اللحظة المناسبة، وهذه مهمة جدا..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني كده أعطاكم إيحاء أنكم لستم وحدكم في هذه الموضوع.

أحمد المرزوقي: نعم، عناصر وحدات من الجيش ستتدخل في..

تشوش المعلومات وعملية الانسحاب من القصر

أحمد منصور (مقاطعا): هل تعتقد أن المدبوح كان قد رتب هذا وكان فقط أعطى لأعبابو هذا القسم من الموضوع وكان هناك ترتيبات مع جنرالات وضباط وأقسام أخرى من الجيش؟

أحمد المرزوقي: يعني أستاذ أحمد كيف لي أن أعرف وأنا ضابط صغير.

أحمد منصور: بعد ذلك، من المعلومات، من المحاكمة؟

أحمد المرزوقي: من المعلومات التي كانت تروج والتي قيلت هو أن المدبوح كان يخطط لانقلاب أبيض نظيف وكان سيخرج الملك وسيخيره بين فرنسا وبين الولايات المتحدة الأميركية لكي يذهب إليها.

أحمد منصور: من بعض الأشياء التي قيلت إنه، في بعض المصادر من الكتب قالوا إن أعبابو سأل المدبوح في هذه النقاش الذي كان يترامى إلى مسامعك، هل أعطاك التنازل؟ فقال نعم هو في جيبي..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): نعم.

أحمد منصور: هذه من الروايات التي، وقيل إن، بعض المصادر أيضا وليست موثقة قالت إن الملك كان قد تنازل وأعطى المدبوح فعلا هذا التنازل ولكنه سحب من جيب المدبوح بعدما قتل المدبوح بعد ذلك، لكن كل هذه الأشياء غير مؤكدة..

أحمد المرزوقي: غير مؤكدة.

أحمد منصور (متابعا): وفيها، يعني نفس المشهد المليء بالتشوش كان يبدو كثير من الروايات والأشياء كانت مشوشة. أعبابو بعد ذلك ماذا قرر؟

أحمد المرزوقي: أعبابو بعد هذه الأحداث وغيرها طلب من المدرسة..

أحمد منصور (مقاطعا): أريد أن أسألك أنت شاهدت الريس وهو يقتل هذا الرجل؟

أحمد المرزوقي: لا، لم أشاهده. أعبابو بعد هذه الأحداث طلب من المدرسة أن تنسحب، ووقع انسحاب فوضوي كانت الفتنة على أشدها.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد المرزوقي: يعني كان كثير من السيارات، الشاحنات معطلة، من العجلات يعني..

أحمد منصور: أصيبت بالرصاص.

أحمد المرزوقي: بالرصاص إلى غير ذلك، فوقع انسحاب بعد أن طلب من أخيه أن يبقى في القصر وأن يتابع البحث عن الملك.

أحمد منصور: سمعته وهو يصدر؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، طبعا سأعرف، الإنسان في.. القصر واسع لا يمكن أن ترى إلا جزءا من الأحداث، لا يمكن أن ترى كل شيء.

أحمد منصور: أنا نفسي كنت أحاول أن أستكمل المشهد من المصادر المختلفة وأجد صعوبة وتشويش حتى عند الرواة.

أحمد المرزوقي: نعم، هناك صعوبة كبيرة. المهم لما خرجنا الأغلبية الساحقة، كلنا لنقل، كلنا تابعنا وكأننا، وكأن عقولنا..

أحمد منصور: أنتم مأخوذون.

أحمد المرزوقي: مأخوذون كأننا في ذهول كأننا نعيش كابوسا..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يقتل طلبة في..

أحمد المرزوقي: طلبة قتلوا كثيرا، وهذه الروايات، هنالك بعض الجهات الصحفية التي تريد أن تغطي على مقتل الطلبة..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، هنا في القصر.

أحمد المرزوقي: في القصر تضرروا، كان أول طالب سقط هو المرحوم العود اسمه العود حتى أننا كنا في المحاكمة عندما يأتي التلميذ يقول له ماذا رأيت؟ يقول رأيت العود قد سقط، فكان ذلك يثير أعصاب الرئيس فيقول ألم تر إلا العود؟ والعود عندنا بالمغربية هو الفرس، ألم تر إلا هذا الفرس يعني، يقول لا، أقصد بالعود تلميذ ضابط صف سقط -وكان مشهورا لأنه كان رياضيا في كرة القدم- رأيت العود قد سقط، سقط كثير من الطلبة.

أحمد منصور: على أي أساس استبقي عددا من الجنود ويعني كنتم أنتم قسمين وأنت كنت تبع القسم اللي تبع شقيق أعبابو، الآن أنت ذهبت مع أعبابو إلى خارج القصر؟

أحمد المرزوقي: لا بعد هذا يعني اختلط الحابل بالنابل..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يجمعكم، يقول هؤلاء يبقون؟

أحمد المرزوقي: لا، اختلط الحابل بالنابل، المهم وقعت فوضى عارمة وقال هو قال لمن حوله بأن الطلبة بأن يأخذوا الشاحنات ويتبعوه وهذا قال لذاك إلى غير ذلك ووقعت الفوضى وخرج الناس..

أحمد منصور (مقاطعا): آه يعني لم يجمعكم..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): لا، لا، كانت الفوضى عارمة، فتنة، فتنة، أقول لك كقطع الليل المظلم، كيوم الآخرة كيوم الحشر، ماذا يمكن أن تجمع في هذا الشتات؟ المهم طبعا عرفنا فيما بعد أنه توجه إلى أخيه وقال له امكث هنا وتابع التفتيش، عن الملك طبعا، محمد بقي في القصر مع ثلاث أو أربع كوماندوهات أما الباقي كله ذهب.

أحمد منصور: يقولون تسعين ضابطا وجنديا.

أحمد المرزوقي: لا، كان هذا العدد.

أحمد منصور: ما هو آخر ما وقعت عليه عيناك قبل أن تغادر الصخيرات؟

أحمد المرزوقي: آخر ما رأيت عندما أمرنا بالرحيل يعني بالانسحاب، ركبت في سيارة فإذا برصاصة تسقط مدنيا كان أمامي، لست أدري كيف لم تصبني أنا، فخرجت من السيارة ووجدت سائقا من أهرومو أعرفه..

أحمد منصور (مقاطعا): أي سيارة التي ركبتها، سيارة عسكرية أم مدنية؟

أحمد المرزوقي: مدنية، مدنية.

أحمد منصور: تركبوا أي حاجة.

أحمد المرزوقي: أي حاجة، أي حاجة. مثلا..

أحمد منصور (مقاطعا): كان هناك عشرات السيارات طبعا، هؤلاء الضيوف جايين في سيارات، ركبتم أي سيارة.

أحمد المرزوقي: أي سيارة، كانت الفتنة عارمة، الإنسان كان لا يفكر إلا في الانسحاب، أقولها بكل صراحة، الانسحاب كان، يعني جئت هنا لماذا؟ ماذا يفعل بك؟ ماذا سيفعل بك؟ لماذا أنت هنا؟ لماذا لم يقولوا لنا؟ لماذا لم يشرحوا لنا المهمة؟ لماذا استُعملنا؟ كذا، يعني طبعا أنت تكون في غليان شديد ويعني أسئلة شتى تتضارب في رأسك وفي مخك، ماذا حدث وماذا سيحدث؟ يعني كانت هذه هي الحقيقة. المهم لما حصل هذا ركبت مع سائق اسمه العياشي من بلدتي..

أحمد منصور (مقاطعا): ركبتم سيارة عسكرية أم مدنية؟

أحمد المرزوقي: سيارة عسكرية كاتكت سيارة رباعية الدفع وانطلقت وتبعت كما تبع الآخرون.

أحمد منصور: مشيتم في موكب، في قافلة؟

أحمد المرزوقي: في موكب، في قافلة، في قافلة.

أحمد منصور: كنتم تتجمعون في الخارج مثلا.

أحمد المرزوقي: قافلة، المهم الكل يتبع، يتبع.

أحمد منصور: كم المدة التي بقيتموها في الصخيرات؟

أحمد المرزوقي: تقريبا ثلاثة ساعات.

أحمد منصور: فقط ثلاث ساعات.

أحمد المرزوقي: ثلاث ساعات مرت كلمح البصر.

أحمد منصور: كأنها ثلاث دقائق.

أحمد المرزوقي: ثلاث دقائق، يعني يستحيل على الإنسان يستوعب بأنه مكث في القصر ثلاث ساعات.
أحمد منصور: وحينما خرجت كنت تعلم أين تذهبون؟

أحمد المرزوقي: لا أبدا، أنا شخصيا لم أكن أعلم، تبعت القافلة كما تبع غيري القافلة حتى وصلنا إلى القيادة العليا، لما طبعا توقفت الشاحنات..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يدر بينك وبين زملائك من الضباط أي نقاش أي حديث استفسار؟

أحمد المرزوقي: طبعا كنا مرة ألتقي بهذا وألتقي بهذا وأقول له في تلك الفتنة العارمة ألتقي بهم فأقول لهم ماذا حدث؟ يقولون لا أعلم، لا أعلم، حتى الذين علموا لم يرد أن يخرج من فمه انقلاب، لم يصدق أو لم يرد أن يقول بأنه علم، ماذا، التقيت برئيسي أنا والمرحوم الغالو قلت له ماذا حدث؟ قال لي لا، لست أدري.

أحمد منصور: ماذا رتبته كانت؟

أحمد المرزوقي: كان ملازما أول، قال لي لا، لست أدري ماذا، العلم لله ماذا..

أحمد منصور (مقاطعا): العلم لله وكلكم تحملون السلاح؟

أحمد المرزوقي: طبعا الكل يحمل السلاح ولكن ما هي المهمة التي جئنا من أجلها؟ لم نكن نعلم أي شيء، يعني كنا تقريبا عبارة عن سيارة زاغت عن الطريق، زاغت بالسائق عن الطريق وأخذت تدهس الناس.

أحمد منصور: ذهب أعبابو إلى الرباط واستولى على الإذاعة وأعلن البيان الأول. أبدأ معك الحلقة القادمة من البيان الأول، شكرا جزيلا -وكان البيان الأول والأخير أيضا- أبدأ معك الحلقة القادمة شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة أحمد المرزوقي أحد الضباط الذين شاركوا في محاولة الانقلاب على الملك الحسن الثاني في قصر الصخيرات عام 1971، وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.