- المحاولة الانقلابية الثانية ونهاية أوفقير
- عمليات الانتقام وتأثير الوضع على شخصية الملك
- العمل كسفير للمغرب في واشنطن
- المسيرة الخضراء ومهام المستشارين

أحمد منصور
 
عبد الهادي بوطالب
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور عبد الهادي بوطالب وزير العدل والإعلام والخارجية والمستشار الخاص السابق لملك المغرب الراحل الحسن الثاني، معالي الدكتور مرحبا بك.

عبد الهادي بوطالب: يا مرحبا بك.

المحاولة الانقلابية الثانية ونهاية أوفقير

أحمد منصور: بعد ثلاثة أسابيع قضاها الملك في قصره في بيتس شمال فرنسا قرر العودة للمغرب في السادس عشر من آب/ أغسطس عام 1972 في طائرته البوينغ 727 التي كان يقودها محمد قباج النقيب السابق في سلاح الجو، لكن البوينغ التي كانت تحلق فوق تطوان فاجأتها ست طائرات F5 مغربية بدأت ثلاث منها كانت مسلحة إطلاق النار على طائرة الملك، أحدثت أضرارا فادحة عُطل محركين من الثلاثة ثُقبت الطائرة في خمسة مواضع، قال الحسن الثاني فيما بعد إنه وفق الحسابات التي تتعلق بتكامل الأضرار التي تعرضت لها الطائرة أعطت قرارا لا يقبل النقض بأن حظ الطائرة من النجاة بعد الأعطاب التي أصابتها لا يتخطى نسبة الواحد في المليار.

عبد الهادي بوطالب: صحيح.

أحمد منصور: كيف سمعت بمحاولة إسقاط طائرة الملك وهي كانت محاولة انقلاب أوفقير في 16 أغسطس 1972؟

عبد الهادي بوطالب: أنا كنت في بيتي في الدار البيضاء بعد أن اعتزلت غادرت القصر الملكي بما يقرب من سنة ولما سمعت الخبر في التلفزيون من وزير الإعلام الدكتور بن هيمة وهو يتحدث عن الحادث ويقول إن جلالة الملك في سلامة وعافية ولم يذكر أن أوفقير قد توفي في الخبر الأول، يعني استغربت كيف يمكن للملك أن ينجو من هذه المؤامرات واحدة بعد أخرى مما جعل عامة الناس والذين يثقون في رجال الصلاح والتقوى يقولون البركة مع الملك.

أحمد منصور: هذه نقطة مهمة أريد أسألك عنها أن الملك استغل نجاته المتلاحقة من هذه.. لا سيما موضوع الطائرة في أن يتحدث مع الناس وكأنه فعلا فيه من دماء النبي وأن له خصوصية ألا يمسه أحد.

عبد الهادي بوطالب: هو ما فيش شك أنه مر بأزمات كلها كانت أزمات قاتلة ونجا. أنا أود أن أقول لكم إن جلالة الملك كان له من جوانب دينية عميقة وتأثره بالدين الإسلامي وبالشريعة الإسلامية بشكل كبير، يعني هو من القلائل الذين كانوا يكلون إلى بعض الفقهاء أن يقرؤوا من القرآن لصالحه والدعوات معه، وجدت هذا حتى في تونس، في تونس هناك مسجد تونسي معروف الفقهاء يأتون كل يوم قبل صلاة العشاء ليقرؤوا القرآن للحسن الثاني ويدعون له بالبركة..

أحمد منصور: دعني أقول لك شيئا في هذا الجانب، قضية الأعمار هي مقرونة بأقدار الله سبحانه وتعالى..

عبد الهادي بوطالب: بالله سبحانه وتعالى.

أحمد منصور: وهناك خالد بن الوليد رضي الله عنه خاض حروبا ونُفي ومات على فراشه..

عبد الهادي بوطالب: ومات على فراشه كما يموت البعير.

أحمد منصور: وهناك كثير من الناس، أنا غطيت حروبا وعشت الموت عشرات المرات ولكن قد مات الناس إلى جواري كان الصاروخ ينزل يموت الناس وأنا أبقى حيا، فهذه الأقدار ليس لها علاقة لا بهذه، لكن..

عبد الهادي بوطالب: أنا قلت لك كلام العامة..

أحمد منصور: آه أنا بأقولك لك.

عبد الهادي بوطالب: لكن لا يكون شيء إلا ما قدر الله.

أحمد منصور: لكن العامة أصبحوا يعتقدون في الحسن الثاني.

عبد الهادي بوطالب: بعض الناس ما أصبحش يعني عبارة عن شيخ طريقة أو رائد من رواد الدين، الناس اللي هم كانوا يثقون بأن كل شيء يقع بإذن الله قالوا هذا الرجل معه نوع من البركة ولم..

أحمد منصور: وهو استغل هذا الأمر أيضا.

عبد الهادي بوطالب: لا أبدا، هو عمره ما كان يخطب يعمل الخطب الدينية كما يفعل المشعوذون، لا أبدا.

أحمد منصور: يعني حجم المظالم التي كانت...

عبد الهادي بوطالب: كان عقلانيا، الرجل دارس دراسة عربية أو دراسة إسلامية ولكن أيضا دراسة أوروبية، كان يتكلم.. يسمع كلام الملحدين يسمع كلام الزنادقة ويعرفهم، لا أبدا ما كانش..

أحمد منصور: هذه المرة كان أوفقير وراء العملية بشكل واضح.

عبد الهادي بوطالب: واضح.

أحمد منصور: الملك في حواره مع إيريك لوران الذي نُشر في كتاب "ذاكرة ملك" قال عن أوفقير ومحاولته "كنت أعرف أن الأمر يتعلق بإنسان طموح لكن لم يكن يخطر ببالي أبدا أنه يمكن أن يدبر مخططا جهنميا يتمثل في إسقاط الطائرة التي كانت تقلني فوق البحر الأبيض المتوسط واستغلال الدستور بعد ذلك للإعلان عن مجلس الوصاية وتنصيب ابني البالغ من العمر تسع سنوات على العرش فذلك كان مخططه، إنه كان يريد أن يصبح المغرب متوفرا على حكومة صورية يسيرها حجّاب الملك مما كان سيؤدي بالبلاد إلى كارثة".

عبد الهادي بوطالب: هذا ممكن، وارد هذا كله هذا وارد. يعني المغرب حسب ما يقال وما سمعت الناس اللي كانوا قريبين ويفهمون أوفقير أو يُسر إليهم بأسراره أنه كان يريد أن يقيم مجلس وصاية على العرش ويكون هو الوصي يعني مثل اللي وقع في العراق ووقع في.. كان الملوك صغار وكان الوصي على عرش البلد..

أحمد منصور: لكن خطة أوفقير بقيت في داخله هو عنده هو، الملك اجتهد في هذا ربما لأنه أعلن عن انتحار أوفقير ولكن قيل إن أوفقير نُحر وأن الذي.. فاطمة زوجته قالت في كتابها "حدائق الملك" مذكراتها أن الدليمي قتل أوفقير في حضور الملك وأمامه في داخل القصر.

عبد الهادي بوطالب: سمعت هذا وقرأته ليس لي عليه أي تعليق لست أدري هذا كان تلفيقا صحفيا إعلاميا أو هو الحقيقة، يمكن أن يكون الحقيقة لست أدري.

أحمد منصور: هل لديك تفصيلات أخرى عرفتها عن المحاولة؟

عبد الهادي بوطالب: لا ليس عندي تفصيلات سوى أنه يعني الملك أنا بمجرد ما سمعت أوفقير قتل أو مات قمت إلى سماعة التلفون وطلبت الملك، لا بل طلبت الجنرال مولاي حفيد قلت له سلم لي على جلالة الملك قل له الله يحفظه نجا والحمد لله وادع له بكل خير. لماذا عملت هذا؟ لأنه لما كنت أنا أحاجج جلالة الملك في موضوع أوفقير ما كان يصدقني وبالرغم أنني لم أصل في الحكاية إلى وقائعها..

أحمد منصور: لم يعطك أي فرصة.

عبد الهادي بوطالب: لم يعطني فرصة. فبعد نصف ساعة نادى علي.. يومين، نادي علي قال لي جلالة الملك يطلب منك أن تأتي، ما شفتوش أنا منذ أن..

أحمد منصور: منذ أن خرجت من البرلمان.

عبد الهادي بوطالب: إي. قال لي يطلب منك أن تأتي لغداء رسمي يقيمه على شرف الرئيس بورقيبة، صديقك ومبعوثه الخاص إليه، فذهبت وأجلسني..

أحمد منصور: كان بورقيبة يحب أن يرسلك الملك إليه؟

عبد الهادي بوطالب: دائما، وحتى الرئيس بورقيبة كان يطلب يفضل أن يكون الواسطة بيني وبين الملك هو أنا. فما قال الملك معك الحق ولكن كون يعيط لي ما أعيط له أنا، أنا ما قلتش يقول له مولاي حفيد مثلا بأسه به وقع أو ما كنت أريد أن أقوله لجلالة الملك قد وقع.

أحمد منصور: لكن أنت شعرت بإيه لما عرفت أن أوفقير هو الذي دبر هذا؟

عبد الهادي بوطالب: لا أنا كنت متوقعها، أنا كان عندي اليقين بأنه.. قلت لك الأسباب يعني، هل يمكن وزير الداخلية في الجيش وزير الدفاع يجيب سيرة الملك ويطرحها مع وزير آخر؟ لا يعقل هذا إلا إذا كان متآمرا على الملك، ولما قلت له نصلح، قال لي لا.

أحمد منصور: أوفقير الذي أطلقه الحسن الثاني ينهش في الشعب المغربي قرر أن ينهش في الحسن الثاني نفسه.

عبد الهادي بوطالب: مؤكد.

أحمد منصور: ولد محمد أوفقير عام 1920، كلوت كليمن الضابط الفرنسي السابق وكاتب سيرة أوفقير قال إن أباه أبا أوفقير كان قاطع طريق وهو الذي علمه وسائل التعذيب والسادية التي ميزت حياته، التحق أوفقير بمدرسة الدار البيضاء العسكرية عام 1939، تخرج منها ملازما ثانيا في شهر يوليو/ تموز عام 1941، شارك في الحرب العالمية الثانية حيث كان أحد ضباط الجيش الفرنسي، تلقى وسام صليب الحرب بعد عامين قضاهما في إيطاليا انتقل بعد ذلك إلى الهند الصينية وأبدى كفاءة عسكرية عالية في حربه مع الفرنسيين ولذلك يقول جير بيريه عنه الرجل الذي عاد إلى المغرب هو نتاج خالص للاستعمار الفرنسي. كان أوفقير مرافقا للجنرال الفرنسي دوفيل قائد الجيش الفرنسي في المغرب الذي قتل في مايو/ أيار عام 1945 أربعين ألف مغربي ممن خرجوا في مظاهرات مطالبين بالاستقلال، كان أوفقير مرافقه فجأة حينما عاد محمد الخامس من مدغشقر قفز إلى جواره في السيارة..

عبد الهادي بوطالب: حضرت هذا بنفسي.



عمليات الانتقام وتأثير الوضع على شخصية الملك

أحمد منصور: وأصبح مرافقا لمحمد الخامس ومن بعده لابنه الحسن الثاني، سلطوه على الشعب ينهش فيه والآن جاء دوره لينهش فيهم. قرر الحسن الثاني أن ينتقم من كل عائلة أوفقير، زج بزوجته فاطمة وأولاده السبعة في السجن وكان أصغر هؤلاء الأولاد عمره عامين ونصف بقوا في السجن ما يقرب من عشرين عاما في زنزانات منفصلة، ما رأيك في هذا؟

عبد الهادي بوطالب: هذا قرأته ولكن لا أستطيع أن أقول لك إنني شاهدته، هذا ما كانش يمكن الاتصال بهؤلاء الناس يشوفونهم وهم في التعذيب في هذا.. اللي مورس عليهم.

أحمد منصور: طبعا قُبض على الطيارين حوكموا الذين قاموا بهذه المحاولة، صدرت الأحكام في سبعة تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1972 حُكم بالإعدام على الطيارين أمقران وقويرة، أمقران كان قائد القاعدة الجوية في القنيطرة التي انطلق منها، وسبعة طيارين حكموا بالأشغال الشاقة المؤبدة وعلى 32 وبُرئت ساحة 170 وأعدم سبعة طيارين آخرين وقيل إن الحسن الثاني أيضا حضر عملية الإعدام التي تمت لهم. عملية الانتقام من أوفقير وأولاده وأنت رجل قانون أنا الحقيقة ما تعودت أن أقرأ يعني شيئا ولكن هذه مليكة أوفقير ابنة أوفقير كتبت كتابا سمته "السجينة" بالفرنسية وتُرجم إلى العربية وروت فيه المعاناة التي عاشتها العائلة، أمها كتبت كتابا سمته "حدائق الملك" أيضا وروت فيه كل العلاقات التي كانت بالملك والمعاناة. سأقرأ بعض السطور الصغيرة مما كتبته مليكة عن حياتها وحياة أخوتها في المعتقل حيث كانوا في اعتقالات منفردة، "كانت حرمتنا منتهكة وخصوصيتنا مغتصبة كانوا يحصون علينا أنفاسنا نعيش تحت رحمة أنظارهم نغتسل ونذهب إلى الحمام ونتأوه من الألم -تقصد الحراس- ونرتعش من الحمى كله هذا نتقاسمه معهم، الليل وحده كان يلفنا بغلالته السوداء ويسترنا من نظراتهم الفتاكة عندها كنا نستسلم صاغرين لأحزاننا التي تجتاحنا كالسيل الجارف فنبكي ونبكي حتى تجف دموعنا" ده في صفحة 194. صحفة 210 تقول "كانت الجرذان هي أكثر ضيوفنا تخويفا وترويعا لنا في الليل، ما إن يدار المولد الكهربائي حتى كانت تهب الفئران لزيارتنا، كنا نترقب مجيئها واقتحامها لنا بهلع ونحن نتقوقع في أسرتنا والدماء متجمدة في عروقنا، الغريب أننا كنا نصاب بنوبات من الضحك ونحن نعلق على مجيئها، كان يحلو لها التنافس والتسابق بعدائية باتجاه زنزاناتنا وتنجح في التسلل إلينا من تحت بابها المصفح"، وصف لموضوع.. بعد 15 سنة قضوها في السجن تقول "في 4 مارس/ آذار عام 1986 في اليوم التالي في الساعة الثامنة والنصف صباحا فتحوا كل الأبواب ودفعونا باتجاه الخارج كنا نتمايل ونترنح لم نعد نحسن المشي، الضوء كان يخدش أعيننا كدنا نجن من الفرح برؤية بعضنا بعضا مجددا إنها المرة الأولى منذ أعوام طويلة، لقد تغيرنا كليا منا من نما وكبر ومنا من اقترب من الشيخوخة أو شاخ، لم تعد أمي تعرف فتياتها اللواتي كن صغيرات تركت سكينة وماريا وهن في الرابعة عشرة والخامسة عشرة وها هما المرأتان شابتان في الثانية والعشرين والثالثة والعشرين من عمرهما، أصبح رؤوف رجلا، عبد اللطيف غدا شابا في السادسة عشرة من  عمره ودخل السجن وعمره عامين ونصف" بعد ما هربوا من السجن "منذ مدة طويلة أدرك فجأة الحالة المأساوية التي مر بها عبد اللطيف سُجن عندما كان في الثانية والنصف من عمره إنه أول خروج له في حياته بعدما بلغ الثامنة عشرة الآن، كان أخي الصغير يحدق في كل ما يمر أمامه باندهاش وانبهار وكأنه قدم لتوه من كوكب آخر".

عبد الهادي بوطالب: مؤسف مؤلم مخزي، كل هذا. لكن لا بد أن نفرق بين الملك الحسن الثاني وأدوات القمع التي ربما استعملها ولكن لم يباشرها بنفسه.

أحمد منصور: باشرها الذين كلفهم بذلك.

عبد الهادي بوطالب: كلفهم أو طلب منهم أن يصفوا حسابهم مع الخارجين عن النظام.

أحمد منصور: وكانت التصفيات بليغة.

عبد الهادي بوطالب: طبعا أنا أستمع إليك وأنا أتأثر بما أسمع.

أحمد منصور: في سجن تازمامارت الذي ذهب له من بقوا أحياء من الذين قاموا بالمحاولة الأولى والثانية بقي الناس ثمانية عشر عاما في الظلام يعيشون كالحيوانات.

الملك في السنوات الأخيرة من حياته أنشأ مجلس حقوق الإنسان ودخل في اتفاق مع أعدائه وخصومه
عبد الهادي بوطالب:
مؤسف ومؤلم ومخزي كل هذا، كل هذا مؤسف ومؤلم ومخز. لكن كل هذا ما مات الملك حتى مسحه مسحا. الملك في حياته في السنوات الأخيرة أنشأ مجلس حقوق الإنسان دخل في اتفاق مع أعداء النظام أو خصوم النظام، جاء بحكومة اليوسفي وهي حكومة الاتحاد وحكومة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تعاونوا معه على أساس أنه لا يمكن أن يتهموه شخصيا بما وقع، إنما وضع المسؤولية على الأدوات التي كان يستعملها هو أو..

أحمد منصور (مقاطعا): هي أدوات الملك، الملك أطلق أوفقير ينهش بالناس وفي الآخر نهشه أوفقير.

عبد الهادي بوطالب: لكن هم كانوا على رأسها، أوفقير كان الرئيس.

أحمد منصور: الملك أطلق بعده الدليمي وبعده البصري وكانوا ينهشون في الناس.

عبد الهادي بوطالب: ولكن هذا كله الملك يعني محاه على أساس أنه عهد جديد.

أحمد منصور: لا يستطيع أن يمحو هذه أشياء عند الله، فيها دماء وفيها أعراض..

عبد الهادي بوطالب: لا، عند الله، لا عند الله ولا عند التاريخ.

أحمد منصور: ولا عند التاريخ.

عبد الهادي بوطالب: إيه أنا متفق معك. ولكن هل هو الذي كان يباشر هذا أو هو طلب منهم أن يلقوا القبض ويسجنوا ويعذبوا، ما أحد كتب..

أحمد منصور (مقاطعا): هل من الممكن أن تكون عائلة أوفقير وأولاده اعتقلوا دون علم الحسن الثاني؟

عبد الهادي بوطالب (متابعا): ما أحد كتب من هؤلاء أنه رأى الملك جاء وحضر هذه العمليات.

أحمد منصور: عادة لا يحضر الملوك لكن يكلفون الناس بهذا. كيف تحولت حياة الحسن الثاني بعد محاولتين انقلابيتين خلال عام واحد نجا منهما وكانتا محاولتين لا يمكن أن ينجو من أي منهما، كيف تحولت حياته بعد ذلك؟

عبد الهادي بوطالب: تحولت حياته إلى حياة تنسخ وتلغي كل ما كان في السابق.

أحمد منصور: كيف؟

عبد الهادي بوطالب: أنا قلت لك تغير الحسن الثاني، أنشأ المجلس الوطني الاستشاري لحقوق الإنسان، أوقف..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، لا، هذا كان في سنة 1990، أنا لسه الآن لسه في 1972، من 1972 إلى 1990 مورست مظالم وانتهاكات..

عبد الهادي بوطالب: الكلام اللي أنا قلت لك.. أنا اختصرت لك في كلمتين أن هذا شيء مؤسف مؤلم مخزي لا يشرف أحدا هذا. ثانيا السؤال الثاني هل كل ما قاله هذا هو صحيح ولا شيئا ما كان يتكلم بلغة الموتور الناقم الحاقد على بعض ما نزل به؟ يجوز. هل أحد قال إن الملك تولى هذا بنفسه؟ لا أحد قال هذا. هل لم يكن المعارضة التي يقاومها الملك الحسن الثاني أو يكل إلى أوفقير وجماعته القيام بها هل أصبحوا لهم حكم خاص على الملك أنه لا يُتعامل معه وأنه ملك سفاح ذباح؟ لا، جاؤوا وتعاونوا على أساس أنه لا شيء هناك يثبت ضلوع الرجل شخصيا فيما تتحدث عنه بنت أوفقير في هذا الكتاب.

أحمد منصور: مش بنت أوفقير وحده، أنت تعرف الذين كانوا في تازمامارت كثيرون ومنهم من كتب مذكرات.

عبد الهادي بوطالب: إيه كلهم تحدثوا، أنا لا أدافع في هذا عن.. أنا قلت لي كرجل قانوني..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا لا أريد أن أسهب في القراءة لأن القراءة مؤلمة..

عبد الهادي بوطالب (متابعا): القاضي يحكم بما يظهر له، "أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" وهذا حديث. أنا لم أشهد هذا كما أنني لم أسمع أن أحدا قال بأن الملك كان يرأس هذه جلسات التعذيب أو يشرف عليها بنفسه.

أحمد منصور: ولكنه أعطى وسمح بقيامه.

عبد الهادي بوطالب: يجوز.

أحمد منصور: "إن الأرق أصبح رفيق الملك الدائم كل ليلة وقد حاول التغلب على الأرق بكل المهدئات شرابا أو أقراصا ومع سهر الليالي أصبح التدخين متواصلا..

عبد الهادي بوطالب (مقاطعا): من يقول هذا؟

أحمد منصور (متابعا): ".. سيجارة من سيجارة رغم إلحاح الأطباء عليه أن يطرد الأرق بوسائل أخرى وأن يكف عن حرق رئتيه بالتدخين". هيكل يقول هذا عن مصدر فرنسي التقاه قبيل وفاة الملك في العام 1999 في باريس وروى له كيف أن الملك كانت حياته بعد محاولة أوفقير.

عبد الهادي بوطالب: يمكن إذا كان الملك كان يعد لسياسة.. لمراجعة السياسة القائمة بطبيعة الحال هذا يؤرقه إلى أن وجد الحل، الحل الذي وجده في الآخر هو الرجوع إلى النظام الذي يحترم حقوق الإنسان..

أحمد منصور (مقاطعا): ده لسه ما رجعش، الملك بعد 1972 ما رجعش؟

عبد الهادي بوطالب: لا.

أحمد منصور: تكررت ظاهرة أوفقير مرة أخرى في شخصية أحمد الدليمي.

عبد الهادي بوطالب: 1972، هذا جزء من اللي تقوله،أنا قلت جاوبتك عليها هذه، هذا الذي.. لكن كان هناك عملية انتقال إلى حكم آخر من نوع آخر.

أحمد منصور: أنا لسه ما جيتش ليه. الآن الملك أصبح منطويا على نفسه لم يعد يثق في الناس أنت طلبت منه ألا يثق في لباسه، لكنه بعد محاولة أوفقير يبدو أنه لم يعد يثق في الناس كما كان يثق، كان يقضي فترات طويلة منعزلا..

عبد الهادي بوطالب: كان يحذر منهم.

أحمد منصور: كان يحذر منهم. لكنه أوكل مهمات أوفقير في العام 1975 إلى إدريس البصري وكان إدريس البصري يفعل ما كان يفعله أوفقير في المغرب.

عبد الهادي بوطالب: البصري تلميذ في مدرسة أوفقير رباه أوفقير وهو شاب وعلمه..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا التقيت بإدريس البصري في فرنسا، لكن سأترك لك أنت..

عبد الهادي بوطالب: شنو هو؟ البصري؟

أحمد منصور: إدريس البصري قبل أن يموت..

عبد الهادي بوطالب: لقيته؟

أحمد منصور: نعم في فرنسا.

عبد الهادي بوطالب: ماذا قال لك؟

أحمد منصور: وأقول للتاريخ وجدت حطام رجل، هذا الرجل الذي كان المغاربة يخافون من اسمه كان يعيش محطما في فرنسا ويعيش على غير هدى. لكن أنا أريدك أنت أن تقول للناس من هو إدريس البصري.

عبد الهادي بوطالب: إدريس البصري هو رجل الحقيقة ابتدأ مجهولا ما كانش معروفا ولكن بعد ذلك دخل في المدرسة الأوفقيرية، اعتبر أن أوفقير هو رئيسه كان يستلم منه التعاليم كان يطبق ما يريده أوفقير. رجل ليس بذكي جدا بصراحة ما كانش مش رجل مكر ولكن رجل كان يعني يعمل كل ما يعتبره يقره في وظيفته يطيل عمره على رأس الوزارات التي اشتغل فيها، كان يحارب ويودي ويشي بمن لا يتفقون معه، أنا كنت واحدا من هؤلاء دائما دخل بيني وبين الحسن الثاني في مقولة وقد نسبها إلي وقالها له، يعني الرجل كان..

أحمد منصور (مقاطعا): الحسن الثاني كان يثق في أوفقير ثقة عمياء حتى نهشه أوفقير، الآن أصبح يثق في إدريس البصري بنفس الطريقة.

عبد الهادي بوطالب: ممكن أن تقول الحسن الثاني كان رجلا يختصر أنه مش.. السلطة بين جماعة هذا يدعوه إلى أن يتصل بكل رئيس على حدة ويناقشه في.. كان يختصر، يعني منذ أن كان كان عنده رجل أول هو إكديرا، اختصره..

أحمد منصور: أكديرا، أحمد رضا أكديرا.

عبد الهادي بوطالب: تبعه الجنرال أوفقير وحده، بعد ما شال خالد الدليمي بعد السبعين كان دائما يختصر حاشيته في واحد منها.

أحمد منصور: فيما يتعلق بالجوانب الأمنية تحديدا؟

عبد الهادي بوطالب: بالجوانب الأمنية كان الملف محفوظا.

أحمد منصور: لا أحد يطلع عليه إلا من كان من هؤلاء.

عبد الهادي بوطالب: ما في حدا.

أحمد منصور: الجنرال الدليمي الذي يقال بأنه قام باغتيال بن بركة أو ساهم في اغتيال بن بركة في فرنسا وهو الذي يقال إنه قتل أوفقير بالرصاصات التي قيل إن أوفقير انتحر فيها، كانت له علاقاته الخاصة بالملك ولكنه قتل في ظروف غامضة هو أيضا، الدليمي، ماذا تعرف عنه؟

عبد الهادي بوطالب: لا، على ما أنا سمعته أنه فوجئنا بأنه وقع له حادث ومات.

أحمد منصور: هناك علامات استفهام أنه كان يعد لما قام به أوفقير أيضا.

عبد الهادي بوطالب: يجوز، يجوز. هو كان بينه وبين.. كان أول ما.. تتلمذ على أوفقير مثل قلت عن البصري كان في مدرسة أوفقير ولكن في الوقت نفس أنه كان يتظاهر بالموالاة لأوفقير مع المرور ثبت لدى أوفقير أنه كان يكيد له أو يناهضه وإلا لقضى عليه قبل أن..

أحمد منصور: لتغدى به قبل أن يتعشى به.

عبد الهادي بوطالب: قبل أن يتعشى به الآخر.



[فاصل إعلاني]

العمل كسفير للمغرب في واشنطن

أحمد منصور: هناك أيضا من الأشياء التي قرأت عنها ولا زالت غامضة عندي آمل أن تساعدني في فهمها وتساعد المشاهدين، إحنا تكلمنا عن القصر والحاشية والخدم والحشم وغير هذه الأشياء ولكن هناك الأخوة بورقات هؤلاء سُجنوا في تازمامارت وأنا حاولت أن أفهم أبعاد قصتهم حتى من بعض معتقلي تازمامارت قالوا إنهم كانوا غامضين ومنطوين على أنفسهم. بورقات أمهم علوية من الأسرة وأبوهم كان يحمل الجنسية الفرنسية وهم كانوا مقربين من الملك، هل كانوا من الحاشية الخاصة أيضا؟

عبد الهادي بوطالب: لا أبدا.

أحمد منصور: يقال إن أسباب سجنهم تعود إلى عمليات سحر أسود كانوا يمارسونها أو لهم علاقة بها، عمليات من السحر الأسود تتعلق.. كانت تتم في القصر وغيره، هل لديك معلومات؟

عبد الهادي بوطالب: والله هذا السحر الأسود كيف قلت لك يعني يلجأ إليه كثير من الناس، لا أقول إنه محصور في فلان أو عائلة بورقات، لا، كان الناس يعني وأظن في تاريخ الملوك كان دائما هذا كان رجل يكون يلتمس الناس بركته يقول له أعطينا شي حاجة نبلغها للملك الملك يقول له يقرأ لك بعض الأوراد وكذا فيقول تفضل يبعث له رسالة الملك يؤدي له ثمنها، هذا الشيء موجود يعني.. لكن هذه مش السياسة العليا، هذه سياسة الشارع.

أحمد منصور: لكنها موجودة للأسف في القصور.

عبد الهادي بوطالب: إيه موجودة.

أحمد منصور: منذ أن قدمت استقالتك من رئاسة البرلمان في شهر أكتوبر عام 1971 ذهبت للتدريس مرة أخرى حتى استدعاك الحسن الثاني نهاية العام 1974 ليعينك سفيرا للمغرب في واشنطن، ما هي ظروف تعيينك سفيرا للمغرب في واشنطن؟

عبد الهادي بوطالب: ظروف تعييني هي أن الملك كان يعد للمسيرة الخضراء وكان يضع الرجال في المراكز التي يعرف أنهم يستطيعون أن يفيدوا فيها، هو لما بعث لي وقال لي أنت ستذهب إلى واشنطن سفيرا لي قال لي نحن نعد شيئا كبيرا لتحرير الصحراء ولا أريد أن أفاتحك بهذا الموضوع أولا بعد مدة سأتصل بك لكنني أريد أن أحرر الصحراء بطريقة جديدة علمية ولم يُسبق إليها.

أحمد منصور: ما هي هذه الطريقة؟

عبد الهادي بوطالب: المسيرة الخضراء.

أحمد منصور: ما هي المسيرة الخضراء؟

عبد الهادي بوطالب: أنا سأحدثك عنها وباش تقول لي لماذا أنت عينك. ثم أنه لما أراد أن يعينني قال إنك قال لي بلغني أنك منذ سنتين وأنت تقرأ الإنجليزية وأنك أصبحت فيها..

أحمد منصور: أنت ثقافتك طبعا فرنسية عربية.

عبد الهادي بوطالب: عربية إيه، العربية أولا الثقافة الفرنسية ثانيا وبعد أخذت اللغة الإنجليزية مش الثقافة الإنجليزية.

أحمد منصور: حينما انتهزت فرصة خروجك من المسؤولية السياسية السنتين دول ودرست اللغة الإنجليزية؟

عبد الهادي بوطالب: إيه الإنجليزية. كنت في دار أميركا كنت آخذ دروس للطلبة مع الأساتذة وكان لي أستاذ خاص يعينني ويساعدني فقال لي الملك..

أحمد منصور: لا تجد حرجا ومضاضة أن تتعلم وأن تجلس تلميذا وأنت كبير في السن، لا تجد حرجا أو مضاضة في هذا؟

عبد الهادي بوطالب: لا أبدا بالعكس، لا بالعكس هذا يشرفني، يعني أنا رجل.. قال الرسول "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" وما أزال أتعلم ويسرني أن أقرأ لشخص وأستفيد منه فأقول له أستاذي، يعني ليس عندي في هذا الباب من شيء، أعتقد أن الطريقة التي قمت بها ميزتني عن رفقائي في الدراسة، رفقائي في الدراسة في القرويين ما كان أحد يفكر أنه يقرأ الفرنسية أو يقرأ الأدب الفرنساوي أو باش يقرأ الشعر الفرنساوي، بعد ما مشيت الإنجليزية كذلك أصبحت أخطب بها بدون ورقة في واشنطن وأسجل خطبي وأنا..

أحمد منصور (مقاطعا): وتعلمتها وأنت كبير؟

عبد الهادي بوطالب: يعني تعلمتها في 1974، ثلاثين سنة.

أحمد منصور: يعني كنت في الخمسين.

عبد الهادي بوطالب: إيه معلوم، وتعلمت بعدها في الستين وفي السبعين وما أزال أتعلم لحد الآن.

أحمد منصور: نعم، يعني وأنت في الخمسين اكتسبت لغة جديدة مع أنهم يقولون إن من الصعب اكتساب لغات جديدة بعد الأربعين.

عبد الهادي بوطالب: لا غير صحيح. شوف دخلت إلى.. في إحدى زياراتي إلى مصر ذهبت إلى الخزانة الوطنية اللي اسمها..

أحمد منصور: دار الكتب.

عبد الهادي بوطالب: دار الكتب. وكان فيها محافظ ديالها هو مؤلف اللي.. كان لا يتقن اللغة الإسبانية مؤلف كتاب من الكتب اللي عن الأندلس تاريخ الأندلس..

أحمد منصور: نعم عن تاريخ الأندلس.

عبد الهادي بوطالب: اسمه هذا؟ ما تتذكروش؟

أحمد منصور: هو معروف بس أنا.. الدكتور..

عبد الهادي بوطالب: أنا سأذكره ربما من بعد.

أحمد منصور: اللي كاتب عن الأندلس الدكتور طاهر مكي.

عبد الهادي بوطالب: لا، لا هذا غيره. المهم ذهبت إليه وكان عمره 75 سنة فوجدته يقرأ اللغة الإسبانية قلت لماذا تدرس الإسبانية؟ قال لأنني أنوي أن أخرج كتابا عن الأندلس، بعد عشر سنوات أخرج الكتاب بعد أن قرأ مصادر الكتاب باللغة الإسبانية.

أحمد منصور: يعني تعلم وهو في السبعين.

عبد الهادي بوطالب: في السبعين، ويمكن أن تتعلم حتى في الثمانين.

أحمد منصور: هذه فرصة للناس أيضا حتى يتشجعوا على هذا. تعلمت الإنجليزية..

عبد الهادي بوطالب (مقاطعا): عينان، عبد الله عينان.

أحمد منصور: عبد الله عنان نعم طبعا الدكتور عبد الله عنان طبعا معروف. أعود بك إلى تكليفك كسفير للمغرب في واشنطن..

عبد الهادي بوطالب (مقاطعا): لا، أكمل لك قال لي أولا أنت الإنجليزية الآن تعلمتها، ثانيا ستلعب الغولف، قلت له ألعب الغولف أنا ما.. قال الغولف هو مفتاح كل العلاقات تبتدئ ممن يلعبون الغولف بعضهم مع بعض ولا يلعب الغولف إلا كبار الساسة وكبار القادة في.. فستتعرف على ناس كثير وهذا يسهل مهمتك وخاصة المهمة التي سأحدثك عنها، لم يقل ما هي، قال أريد أن أحرر الصحراء بأسلوب جديد.

أحمد منصور: لم يفصح لك حتى ذلك عن..

عبد الهادي بوطالب (مقاطعا): لا، بعد ذلك قال لي بعد شي مدة لما مشيت وأخذت أوراق اعتمادي.

أحمد منصور: قدمت أوراق اعتمادك في الولايات المتحدة.

عبد الهادي بوطالب: إلى فورد.

أحمد منصور: الرئيس الأميركي فورد.

عبد الهادي بوطالب: الذي جاء عوض نيكسون، نيكسون الذي..

أحمد منصور: ترك في فضيحة ووتر غيت.

عبد الهادي بوطالب: الفضائح الكبرى ووتر غيت.

أحمد منصور: استطعت في خلال فترة وجيزة أن تفتح علاقات واسعة بالأميركان..

عبد الهادي بوطالب: كثيرة جدا..

أحمد منصور: مين أهم الشخصيات اللي عرفتها؟

عبد الهادي بوطالب: أولا كله كان يعرف بأنني كنت في وزارة كذا ووزارة كذا والملك مهد لي لما جاء أنريكه سيغال في زيارة رسمية إلى المغرب ولم أكن إذ ذاك في الحكومة فبعث إلي لأحضر معه في استقباله وقال له هذا هو السفير الذي رشحته للوزارة وقال له اعتبروا أن كلموه كما تكلموني أنا رجل ثقتي وأنا أريد إنجاحه وأعتمد عليك في إنجاح مساعيه وعمله على رأس السفارة. يعني كان الناس ينظرون إلي مش سفير عادي، نقول شيء فوق العادة ربما.

أحمد منصور: أنت كنت ترفع تقاريرك إلى الملك أم إلى وزارة الخارجية؟

عبد الهادي بوطالب: لا إلى الملك.

أحمد منصور: كانت علاقاتك به مباشرة.

عبد الهادي بوطالب: مباشرة.

أحمد منصور: ما هي المهام الأساسية التي كُلفت أن تقوم بها في واشنطن؟

عبد الهادي بوطالب: كلفني بها أنني أدافع عن موقف المغرب في الآخر في قضية الصحراء وأعرفه للجميع، وكنت أطوف على النواب وعلى المستشارين واحدا واحدا أو أستدعيهم لبيتي أو أقيم حفلات على شرفهم.

أحمد منصور: الأميركان في مأدبات الغداء والعشاء لا يوصوا.

عبد الهادي بوطالب: والطبخ المغربي يستلذونه ويهتمون بالمائدة المغربية.

أحمد منصور: طبعا، طبخة وكاسين تظبط المسائل.

عبد الهادي بوطالب: يعني وجدت سهولة يعني كنت أشتغل يعني تقريبا 18 ساعة في اليوم أخلد فيها إلى الراحة ست ساعات، ولكن كنت أشتغل وأجد التشجيع من طرف البيت الأبيض ومن..

أحمد منصور (مقاطعا): ما أهم ما أنجزته خلال العامين الذين قضيتهما سفيرا للمغرب في واشنطن؟

عبد الهادي بوطالب: أولا ما أنجزته ما كان ينبغي لي أن أنجزه وهو أن تتفهم الولايات المتحدة موقفنا من قضية الصحراء وأنها ليست اعتداء على إسبانيا وأننا نريد أن نأخذ حقنا بشكل آخر، كان الملك يقول يسميها قبل أن تقوم المظاهرة الوطنية على وزن المظاهرات الشعبية التي يخرج فيها الناس إلى الشوارع، فآخرا نادى علي قال لي سأسميها سأقوم بالمسيرة الخضراء سماها لي.



المسيرة الخضراء ومهام المستشارين

أحمد منصور: المسيرة الخضراء.

عبد الهادي بوطالب: وقال لي أنا ما قلت هذا إلا لثلاثة أو أربعة من الأفراد طلبت منهم ألا يذيعوا هذا السر وقلت لهم يكتموه في صدورهم ولا يبيحونه للناس وأقسموا باليمين، أنا أعفيك من القسم أنت لا تقسم كلمتك تكفيني، يبقى هذا بيني وبينك إلى أن تسمعه. أول ما وصلت الملك يعمل المسيرة الخضراء ما احتاجش...

أحمد منصور: ما هي المسيرة الخضراء؟

المسيرة الخضراء هي أسلوب جديد وضعه الملك الحسن الثاني حيث كان في المسيرة قرابة 350 ألفا من الناس مشوا فيها بدون سلاح حاملين المصاحف وينادون بتحرير الصحراء إلى أن وصلوا إلى الحدود واخترقوها
عبد الهادي بوطالب:
المسيرة الخضراء هي أسلوب جديد يعني لم يسبق أحد الملك الحسن الثاني إليه، هي كان فيها تقريبا 350 ألفا من الناس مشوا فيها ليس لهم سلاح آخذين المصاحف حاملين المصاحف ينادون بتحرير الصحراء يتقدمون خطوة خطوة على صعيد الصحراء إلى أن وصلوا إلى الحدود واخترقوها، وعظُم هذا على الإسبان لأنهم لم يكونوا ينتظرون أن الملك يستعمل هذا الأسلوب بهذه الطريقة وأخيرا اضطروا إلى التفاهم واعترفوا للمغرب بأنه هو مالك الصحراء وأبرموا مع المغرب المعاهدة الثلاثية 1975 اللي هي ما بين موريتانيا والمغرب والجزائر، كان هو المغرب و..

أحمد منصور: والجزائر؟

عبد الهادي بوطالب: لا، إسبانيا وموريتانيا والمغرب، معاهدة ثلاثية.

أحمد منصور: لكن لا زالت قضية الصحراء إلى اليوم أيضا منظورة.

عبد الهادي بوطالب: لا، منظورة، بالنسبة للمغرب انتهت.

أحمد منصور: بالنسبة للمغرب انتهت.

عبد الهادي بوطالب: يعني عنا في الصحراء ما يزيد على ثلاثين سنة، الصحراء فيها دماء لا نطالب بها، لو كنا ما عملناش المسيرة الخضراء وتحررت ما زالت كانت..

أحمد منصور: تعتبر المسيرة الخضراء أسلوبا مبتكرا جدا للتحرير؟

عبد الهادي بوطالب: جدا، وراق وحضاري.

أحمد منصور: بعد عودتك من واشنطن عينت بين عامي 1976 و1978 مستشارا خاصا للملك الحسن الثاني، ما معنى مستشار خاص للملك؟

عبد الهادي بوطالب: مستشار عرّفه الملك الحسن الثاني بمسير عندما جمعنا نحن الأربعة المستشارين الأولين، كان ..

أحمد منصور: أحمد رضا أكديرا..

عبد الهادي بوطالب: وكان إدريس سلاوي، وكان أحمد بن سوده وكان عبد الهادي بوطالب، قال لنا إن المستشار عندي هو الذي يمكن أن أستقبله في كل وقت وفي كل مكان وأن أبوح له بأسرار الدولة وأعلم أنه لا يذيعها، المستشار عندي هو الذي سبق له أن كانت له خبرة في الوزارات، كلكم مررتم بوزارات كبيرة وعظيمة، كلكم نجح فيها، لم أعلم أن واحدا منكم قد فشل كلكم قادرون على أن تشتغلوا معي بالأسلوب الذي أرتضيه وأبتغيه ولو بأن تأتوا إلي وأنا في غرفة النوم، أنتم داخلون بدون استئذان. وفعلا كان الأربعة كلهم كان عندهم علاقات حميمة مش علاقات صغيرة علاقة وزير برئيس الدولة.

أحمد منصور: هل حدد لكم مهاما خاصة؟

عبد الهادي بوطالب: حددها.

أحمد منصور: ما هي مهمتك؟

عبد الهادي بوطالب: أولا قسم الوزارات إلى أربعة أقسام، على كل واحدة مخاطب هو الذي يكون الواسطة بين الوزير وبين الملك.

أحمد منصور: وفين رئيس الوزراء هنا؟

عبد الهادي بوطالب: لا، كلها حتى رئيس الوزراء يتبع.

أحمد منصور: يعني أنتم كنتم فوق رئيس الوزراء؟

عبد الهادي بوطالب: فوق عمله، ما شي قانونيا ولا حسب تنظيمات معنية، لا، بمعنى أنه كان الوزراء يأتون إلى الديوان الملكي ويتحدثون مع المستشار ويطلبون منه أن يقول للملك كذا وكذا، أو يقدمون تقريرا فالمستشار إلى الملك. قسم الوزارات إلى أربعة..

أحمد منصور: كل الوزارات؟

عبد الهادي بوطالب: كل الوزارات.

أحمد منصور: لم يكن هناك وزير مستثنى؟

عبد الهادي بوطالب: كنا نحن الأربعة..

أحمد منصور (مقاطعا): كان إدريس البصري مستثنى طبعا.

عبد الهادي بوطالب: أعطانا كل.. أعطى كل مستشار الوزارة التي مارس فيها الحكم لمدة.

أحمد منصور: ما هي الوزارات التي؟

عبد الهادي بوطالب: أنا مثلا أعطاني وزارة الخارجية، قبل أعطاني وزارة التعليم وأعطاني وزارة الإعلام وأعطاني وزارة البرلمان لأني كنت فيه وأعطاني وزارة التربية والتعليم والبرلمان، كل الوزارات أربعة أو خمسة، أكديرا كذلك الداخلية..

أحمد منصور (مقاطعا): الداخلية؟ يعني أكديرا كان فوق إدريس البصري؟

عبد الهادي بوطالب: فعلا، فعلا، في الوقت اللي كان فيه المستشارون يشتغلون، هذا فوق هذا، أعطاه وزارة الأوقاف..

أحمد منصور: بن سوده؟

عبد الهادي بوطالب: أعطاه لبن سوده الشبيبة والرياضة وأعطاه وزارة الأوقاف، مش أنا، أنا أخذت الإعلام و..

أحمد منصور: الإعلام والتربية والتعليم والعدل؟

عبد الهادي بوطالب: العدل والبرلمان. وكل اختص على..

أحمد منصور (مقاطعا): والسلاوي؟

عبد الهادي بوطالب: كذلك أعطاه كان هو في المالية والاقتصاد، أعطاه وزارة الاقتصادية.

أحمد منصور: كيف كانت علاقتكم بالملك؟

عبد الهادي بوطالب: نحن علاقتنا كان دائما يرانا كل يوم.

أحمد منصور: كل يوم ترون الملك؟

عبد الهادي بوطالب: كل يوم.

أحمد منصور: منفردين ولا مجتمعين؟

عبد الهادي بوطالب: مجتمعين أم منفردين على حسب ما إذا كان..

أحمد منصور (مقاطعا): ما الذي كان يدور بينكم وبينه؟

عبد الهادي بوطالب: يعني هو إحنا كنا نرفع التقارير اللي تجي من عند الوزراء، الوزراء الصبح يمرون..

أحمد منصور (مقاطعا): من خلالكم.

عبد الهادي بوطالب: من خلالنا إلى جهة الملك، ويسهل عليه الخدمة هو بالنسبة له، عوض ما يبقى كل واحد يقصد شو قال له الوزير يقيم اللي قاله له ويحفظه في دفتر خاص أو في كتاب خاص، يعني نحن أراد أن يبلغ التعليمات هذه يرفع السماعة ويقول للوزير يجي عنده، إحنا يستخدمنا في الأوقات التي يستطيع أن يلتقينا فيها ولكن كل يوم كان لنا معه جلسة أو جلسات.

أحمد منصور: معروف أن منصب المستشار لدى الملوك أو الرؤساء هو منصب شرفي لما الرئيس أو الوزير أو الملك يحب يركن أحد يعينه مستشارا.

عبد الهادي بوطالب: لا، لا، مش هذا هو، لا، إحنا ما كنا معينين وإحنا فاشلين في الحكومة اللي كنا فيها..

أحمد منصور (مقاطعا): مش فاشلين، الملك بيرقيكم وبيقول لكم..

عبد الهادي بوطالب (مقاطعا): أنت قلت.. كلمة أنه يركن، بعد لا، أبدا، إحنا عمل معنا في الحقيقة تجربة عظيمة، يعني كان يعطينا التعليمات دياله وكنا نسهر على تنفيذها كنا نسمع من الوزراء ونكتب رأينا في الدفتر، هذا رأي الملك ونقول لجلالتكم واسع النظر طبعا في الآخر، ولكن كان جلالة الملك يقرؤها أو ينادي علينا لنشرح له خبايا او ما وراء ما كتبناه.

أحمد منصور: كيف كان يتقبل مشورتكم؟

عبد الهادي بوطالب: يقبل كل شيء، كان يقبل لدرجة أن الوزراء كانوا في غيرة، كانوا يقولون هذه وزارة أخرى هذه هي الوزارة الحقيقية، نحن محكومون بالمستشارين، هذا كان هذا الكلام كله.

أحمد منصور: هل كان الحسن الثاني الذي كنت مستشاره في الفترة بين عامي 1976 و1978 ثم كنت وزيره منذ 1961 وحتى نهاية رئاستك للبرلمان 1971 في كل الوزارات والحكومات بعد ذلك، كان هو الحسن الثاني في 1976 و1978؟

عبد الهادي بوطالب: إحنا لم يتغير علينا الحسن الثاني.

أحمد منصور: بعد محاولة الانقلاب؟

عبد الهادي بوطالب: أبدا، أبدا. نحن جئنا بعد ما درس هالأحداث كلها وأصبح يحب ينظم الحكم بطرق جديدة وبأسلوب جديد، من جملتها هو أنه تقسيم المسؤوليات بين المستشارين وجعل كل القضايا تمر على يدنا وبواسطتنا لأجل أن يستريح من استقبال كل واحد وحده ويعمل البحث و.. كنا ما كان يجيبون له إلا الملفات التي انتهى البحث فيها إلى نتيجة بحيث يمكن تقول كنا غربالا.

أحمد منصور: كيف كان يدير الدولة في ذلك الوقت؟

عبد الهادي بوطالب: كان وزير الدولة كان كبقية الوزراء.

أحمد منصور: كيف كان الحسن الثاني يدير الدولة في ذلك الوقت؟

عبد الهادي بوطالب: يديرها بواسطة المستشارين، وكانت عنده بحق جهات أخرى لكن لا يدخل فيها المستشارين..

أحمد منصور: كيف كان دور..

عبد الهادي بوطالب (متابعا): الأمن مثلا، الأمن هذا لا دخل للمستشارين فيه إلا إذا كان مع أكديرا مثلا أمور داخلية ولا شي حاجة.
أحمد منصور
: نعم، عينك الملك في في الثامن من نوفمبر عام 1978 وزيرا للإعلام مرة أخرى في حكومة أحمد عثمان، هذه المرة. ما طبيعة الدور؟ الآن أنت كنت وزيرا للإعلام من قبل وكنت مستشاره الآن المقرب له، الآن نقلك إلى الإعلام؟

عبد الهادي بوطالب: في الحقيقة لما جينا كمستشارين كان فينا واحد يشوش على شؤون واحد وهو أن الملك له علاقة حميمية بالسيد رضا أكديرا، والسيد رضا أكديرا كان يريد أن يستغل هذه العلاقة الخاصة ليأخذ أكثر ما يمكن من اختصاصات على حساب بقية المستشارين، وأنا ما قبلت هذا، ما قبلته..

أحمد منصور: رفضت.

عبد الهادي بوطالب: أن أتعامل كوحدة بدون أن يكون هذا سوابق أو ماضي أكديرا مع جلالة الملك يجب أن يطوى وأننا الآن..

أحمد منصور (مقاطعا): أبلغت الملك بهذا؟

عبد الهادي بوطالب: اتصلت بالملك وأخبرته بكل صراحة.

أحمد منصور: ماذا قلت له؟

عبد الهادي بوطالب: قلت له أنت ما عندك أربعة مستشارين عندك واحد.

أحمد منصور: معنى كده أن الملك كان يقدمه عليكم.

عبد الهادي بوطالب: كان يقدمه ويؤثره ببعض الأخبار وبعض التعاليق على الأشياء ويتبادل معه الرأي، كان يرتاح إليه. قلت له لذلك أنا أبغى تعفيني من المستشارية.

أحمد منصور: أنت دائما غضبان..

عبد الهادي بوطالب: آه دائما.. مش غضبان، دائما يعني متأقلم مع الجو ومع الجديد اللي يقع.

أحمد منصور: ومع نفسك.

عبد الهادي بوطالب: ومع نفسي، افتكر المحافظة على الكرامة ما نكونش كيف تقول يعني، لا.

أحمد منصور: مع أن اللي حوالين الملوك يعني معظمهم..

عبد الهادي بوطالب: لا، أنا غير هالشكل هذا. قال لي فهو قال لي الآن فهمت، إذاً أنت ستكون وزير الدولة في الإعلام.

أحمد منصور: وزير الدولة في الإعلام، يعني تحت رئيس الوزراء؟

عبد الهادي بوطالب: دولة الإعلام، وقال لي أنا نعطيك شيء، قال لي واحد عبارة، قال لي أنت تقابل الحلوفة اللي صنعتها أنت، الحلوفة هي الخنزيرة يعني وزارة الإعلام، هذه يعني فيها شيء يعني واحد يكون عنده نفس طويل وجهد موصول وقدرة على العمل وحس سياسي وغيره..

أحمد منصور: كان عندك رؤية إيه لوزارة الإعلام؟ ما وزارة الإعلام في الممالك وفي.. شغلتها تلمع النظام؟

عبد الهادي بوطالب: إيه؟

أحمد منصور: شغلة وزارة الإعلام في العالم الثالث في الدول العربية تلمع النظام، تغطي على المساوئ وتبرز المحاسن..

عبد الهادي بوطالب: لا ما كناش نعمل هذا الشيء كنا نعمل أشياء أخرى.

أحمد منصور: ما هي طبيعة الدور؟ كان دورك مختلفا عن وزارة الإعلام من قبل؟

عبد الهادي بوطالب: كنا نراقب الإذاعة والتلفزيون، في الإعلام كنا الناطق باسم الحكومة في الإعلام، كنا كذلك عندنا حضور في الساحات السياسية إذا كانت الأمور تحتاج إلى ترويجها أمام العموم، تقديمها إلى الناس وكذلك كنا كان نراقب الصحف أيضا ولكن ما كناش نمنعها إنما نتابعها.

أحمد منصور: لم تبق في وزارة الإعلام فترة طويلة وإنما يبدو أنك بدأت تغضب الملك ببعض الأشياء التي كنت تقوم بها ولكن وأنت في وزارة الإعلام كلفت بمهمة كبيرة للغاية حيث كان شاه إيران وكان صديقا لملك المغرب كان في أيامه الأخيرة يترنح، كانت المظاهرات بدأت تعم إيران مطالبة بإقالة الشاه وكان الخميني خطبه بدأت تلهب الإيرانيين حتى ينقبلوا على الشاه وطلب الشاه من ملك المغرب أن تكون هناك عملية وساطة بين الخميني وبين الشاه حتى يتم ترتيب الأمور، اختارك الحسن الثاني لهذه المهمة وأوفدك حتى تقوم بعملية الوساطة. اسمح لي أبدأ الحلقة القادمة بهذه الوساطة التي حاولت أن تقوم بها بين شاه إيران وبين آية الله الخميني؟

عبد الهادي بوطالب: بكل سرور.

أحمد منصور: شكرا جزيلا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور عبد الهادي بوطالب وزير الإعلام والتربية والعدل والمستشار الخاص السابق لملك المغرب الراحل الحسن الثاني. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.