- إرهاصات انقلاب يوليو 1958
- ممارسات الانقلاب والصراع بين قائديه
- انفراد عبد الكريم قاسم بالسلطة واعتقال الجبوري
- دور حركة القوميين العرب وتجربة السجن
- انضمام أحمد حسن البكر إلى البعث
- ديكتاتورية عبد الكريم قاسم ومحاولة اغتياله

إرهاصات انقلاب يوليو 1958

أحمد منصور
 حامد الجبوري
أ
حمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد حامد الجبوري وزير شؤون رئاسة الجمهورية والشؤون الخارجية والإعلام والثقافة في عهد الرئيسين أحمد حسن البكر وصدام حسين، أستاذ حامد مرحبا بك. في الحلقة الماضية توقفنا عند الإرهاصات التي سبقت انقلاب يوليو 1958 في العراق أو ما ذكر عن ثورة يوليو 1958 في العراق، هاني الفكيكي في كتابه "أوكار الهزيمة" يقول بأن البعثيين كانوا قد تمكنوا في هذه المرحلة التي سبقت الانقلاب من التسلل إلى الجيش والتواجد في أماكن كثيرة فيه، أنتم كقوميين عرب هل كان لكم أي اتصال بالجيش أو ما كان يطلق عليه في ذلك الوقت تنظيم الضباط الأحرار؟

حامد الجبوري: بالتأكيد يعني حركة القوميين العرب كان عندها امتداد عسكري بالتأكيد.

أحمد منصور: إيه حجم الامتداد ده؟

حامد الجبوري: والله ليس في حجم التنظيم العسكري البعثي، حقيقة، لأن البعثيين عندهم نظرية تنظيمية كانت أنضج بكثير من النظرية التنظيمية لحركة القوميين العرب.

أحمد منصور: إيه اللي أدى لأن البعثيين تكون حركتهم التنظيمية والتنظيرية أكبر من حركتكم أنتم القوميين العرب؟

حامد الجبوري: أولا تاريخيا البعث قبل الحركة ولد في سوريا، بعدين سوريا كانت، المناخ السياسي في سوريا والتجربة السياسية في سوريا أنضج بكثير من تجربة العراق فلهذا السبب كان الحقيقة كان..

أحمد منصور: طبعا كان أيامها في سوريا ديمقراطية وحرية وأحزاب وانتخابات وحكومات متعاقبة، يعني كانت الحركة الديمقراطية في سوريا في الأربعينات والخمسينات يعني كانت تعتبر سابقة بمراحل معظم الدول العربية.

حامد الجبوري: يعني مقارنة على الأقل بالنسبة للعراق، فهذا المناخ غير موجود في العراق لذلك..

أحمد منصور:  بدأت إرهاصات الانقلاب تظهر متى؟

حامد الجبوري: والله بعد عدوان 1956 كانت المسألة غير خفية أصلا وغير سرية يعني كان معروفة على نطاق معين..

أحمد منصور: خطب عبد الناصر كانت تعلب دورا في المسألة؟

حامد الجبوري: وخطب عبد الناصر كانت تلعب دورا.

أحمد منصور: صوت العرب كانت بتعلب دورا؟

حامد الجبوري: صوت العرب كانت تلعب دورا، والتهيئة للانقلاب كانت موجودة الحقيقة.

أحمد منصور: كيف كان وضع الجيش في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: من أي ناحية؟

أحمد منصور: التململ الموجود فيه، التيارات السياسية الموجودة فيه..

حامد الجبوري: يعني مثلا على سبيل المثال تجلس في أحد الأندية العسكرية المتواجد فيها ضباط من مختلف الرتب من ملازم إلى فريق مثلا تسمع الكلام بشكل واضح وعلني وبالتأكيد هذا الجمع الكبير في الأندية العسكرية ليس فقط في بغداد، لكن هذه في بغداد أنا عايشها، في بغداد النادي العسكري الأكبر في بغداد على نهر دجلة كان يتحدث الضباط بمنتهى الصراحة.

أحمد منصور: هل كان هؤلاء الضباط يمثلون تيارات مختلفة؟

حامد الجبوري: والله توجههم عموما قومي.

أحمد منصور: لكن كانت كل مجموعة معينة تريد أن تسبق الأخرى في عمل انقلاب؟

حامد الجبوري: هو بالتأكيد لكن.. كان هناك التنظيم الأساسي هو تنظيم الضباط الأحرار.

أحمد منصور: محمد جمال باروت في كتابه "حركة القوميين العرب" يقول إن عدد القوميين العرب في العراق عشية انقلاب يوليو تموز 1958 لم يكن يتجاوز عشرين فردا.

حامد الجبوري: لا، مبالغة أكثر من اللزوم.

أحمد منصور: كم كان عددكم تقريبا؟

حامد الجبوري:  والله لا يخطرني ولكن ده مستحيل.

أحمد منصور:  يعني بصفتك أنت قيادي موجود في ذلك الوقت.

حامد الجبوري: يعني على الأقل في المئات، لا أقول بالآلاف طبعا في ذلك الوقت حتى حزب البعث كان محدودا لكن عشرين شخص لا.

أحمد منصور: عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم كيف نجحا في 14 يوليو 1958 من أن يسبقا باقي الضباط الذين كانوا يريدون أن يقوموا بحركة انقلابية على النظام الملكي ويقوما بالانقلاب بهم؟

حامد الجبوري: هي مو قضية سبق، أولا عبد الكريم قاسم كان عنده قوة ضاربة اللي هي اللواء التاسع عشر، هو قائد الفرقة.. اللواء قصدي آسف، قائد الفرقة اعتقل في صبيحة 14 تموز اللي هو اللواء غازي الداغستاني. اللواء التاسع عشر من الفرقة اللي معسكرها قريب من الحدود الإيرانية وعبد السلام عارف كان آمر فوج في اللواء عشرين في نفس الفرقة لذلك هذين الشخصين يتميزان عن بقية الضباط الموجودين في الضباط الأحرار نعدهم قوة ضاربة، فهو الأرجحية صارت لهم، بعدين رتبة عبد الكريم قاسم يعني من القلائل اللي كان في الضباط الأحرار عنده رتبة عالية اللي هي رتبة زعيم في ذلك الوقت عميد يعني، عميد ركن، لذلك شيء طبيعي أن هم اللي بادروا في.

أحمد منصور: هل عندك فكرة إذا كان الضباط الأحرار كان عبارة عن تنظيم محدد ولا مجرد أفكار عند هذا الضابط وذاك يعني أفكار مبعثرة عند ضباط مبعثرين؟

تنظيم الضباط الأحرار في العراق لم يكن متماسكا بدليل أنه بعد استيلائهم على السلطة بعد 14 تموز ظهرت الخلافات، فعبد الكريم قاسم تبنى التيار الماركسي وعبد السلام التيار القومي
حامد الجبوري: والله هذا الوصف الأكثر واقعية يعني لم يكن هناك تنظيم متماسك بدليل أنه بعد استيلائهم على السلطة بعد 14 تموز ظهرت الخلافات، عبد الكريم قاسم تبنى التيار الماركسي وعبد السلام التيار القومي وإلى آخره.

أحمد منصور: حنا بطاطو في كتابه "العراق" يقول إن محي الدين اللواء الركن محي الدين عبد الحميد كان هو زعيما من تنظيم الضباط الأحرار ومع ذلك الذي ظهر في الصورة هو عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم، هل لديك معلومات عن هذا؟

حامد الجبوري: والله ما.. سامع هذه القصة، بس مثلما ذكرت لك، موضوع التنظيم بالأساس، أساسا لا عبد الكريم قاسم ولا محي الدين عبد الحميد رفش ما يسمى رفش هو، وإنما رفعت الحاج سري، المقدم رفعت الحاج سري..

أحمد منصور: رفعت الحاج سري له قصة سنأتي لها في حينها.

حامد الجبوري:  اللي أعدم.

أحمد منصور: نعم.

حامد الجبوري: فهو هذا اللي بذر بذرة الضباط الأحرار وهو المؤسس الفعلي..

أحمد منصور: هل كان عبد الناصر، عندك معلومات، أن عبد الناصر كان له علاقة بانقلاب 1958 في العراق؟

حامد الجبوري: والله لا استبعد، طبعا لأنه هو..

أحمد منصور: أنت كنت بتاع القوميين العرب، وعبد الناصر زعيم القوميين العرب آنذاك..

حامد الجبوري: طبعا..

أحمد منصور: وأنتم ما عندكوش فكرة عن اللي بيحصل في البلد؟

حامد الجبوري: بالتأكيد، بالتأكيد، لكن بتعرف الضباط كان عندهم، وعبد الكريم قاسم ذكرها أعتقد في مناسبات كثيرة أنه التقى في سوريا مع ضباط سوريين وتكلموا بموضوع ضرورة.



ممارسات الانقلاب والصراع بين قائديه

أحمد منصور: كان احتلال الإذاعة من نصيب عبد السلام عارف وعبد السلام عارف هو الذي بث البيان الأول للثورة والشعوب تعودت من الضباط بعد ذلك بث البيانات الأولى، هاني الفكيكي في كتابه يقول إن عبد السلام عارف طلب من الجماهير التوجه إلى القصور الملكية وقصور المسؤولين لدكها على رؤوس أصحابها وتسليم الفارين من رجالات العهد السابق وتم إعدام العائلة المالكة بشكل فيه من الوحشية ما فيه رغم أنهم استسلموا ولم يكن لديهم ملجأ أو فرار؟

حامد الجبوري: يعني هذه أستاذ أحمد، هذه بقعة سوداء ليس في تاريخ 14 تموز 1958 وإنما في تاريخ العراق السياسي المعاصر..

أحمد منصور: إزاي؟

حامد الجبوري: أنا في عيني رحت توجهت أنا وأخي المرحوم عداي إلى قصر الرحاب من باب الحقيقة الاستطلاع، فقبل وصولنا إلى قصر الرحاب في منطقة معروفة في بغداد منطقة، بعدئذ سميت منطقة معرض بغداد الدولي، شفنا جمهرة من الناس متجهة صوب بغداد من قصر الرحاب، السيارة كنا موجودين فيها سيارة جيب مفتوحة، تعرف الستيرنغ بجهة اليسار كان عداي، أخي عداي يسوق بالسيارة وأنا جالس ومرت جثة عبد الإله إلى جانبي بالضبط..

أحمد منصور: كانوا بيجروها؟ سحب؟

حامد الجبوري: بيجروها من الرقبة بالحبل وعاري كاملا يعني حتى عورته كانت، فأنا حقيقة..

أحمد منصور: وأنت عرفت أن ده عبد الإله؟

حامد الجبوري: طبعا. مجموعة من الوحوش البشرية كان واحد يحمل القميص، مدمى، واحد يحمل الملابس الداخلية، واحد الساعة يلازمها ويفتخر فيها وإلى آخره، فأنا والله يا أستاذ أحمد التفتت على أخي عداي هو أكبر مني بسنتين، قلت له عداي العراق سوف يغرق بالدماء إلى هنا، حقيقة لأن هذه البداية بشعة وسيئة، وبعدين تعرف مثل بالجثة وعلقت في كذا ونوري السعيد وما حدث من كثير من الجرائم البشعة.

أحمد منصور: أنا باجي معاك شي، واحدة واحدة، الآن أنت وأخوك شاهدتم جثة الوصي على العرش عبد الإله وهو يسحل في الشارع وكان ده شعورك أن العراق سيغرق في الدماء في ذلك الوقت، الجثة بعد السحل قطعت وبعد التقطيع علقت أمام وزارة الدفاع يومين، أسلوب من..

حامد الجبوري: وحشي، وحشي.. لا يمكن تصوره.

أحمد منصور: عبد السلام عارف هو الذي وجه النداء ليذهبوا؟

حامد الجبوري: ما هو هي..

أحمد منصور: حنا بطاطو يقول في صفحة 111 "أما نور السعيد فقد قبض عليه في اليوم التالي متنكرا بزي امرأة وقتل فورا بيد رقيب من سلاح الطيران وبعد دفنه سحبت الحشود الغاضبة جثته ثانية من القبر وسحلته في الشوارع ثم شنقت الجثة ومزقتها إربا وأحرقتها في النهاية".

حامد الجبوري: شيء مؤلم طبعا، شيء مؤلم، لكن هل أن العراقيين هكذا؟

أحمد منصور: أنا لا أعرف، أنا أسألك.

حامد الجبوري: لا، لا أبدا، أبدا، وإنما تستغل بعض المناسبات استغلالا سيئا، هذه المسألة حقيقة كان يجب أن تتحرك القيادة العراقية الجديدة اللي أجت العسكريين، فورا تتحرك وتتخذ الإجراءات الصارمة حتى لا يكون الانطباع أن الشعب العراقي شعب متوحش وإلى آخره.

أحمد منصور: الانقلاب قامت به مجموعة محدودة من الضباط، هل تعتبره انقلابا أم ثورة كما يقولون، كل مجموعة ضباط عملت حاجة سمتها ثورة.

حامد الجبوري: والله هو طبعا انقلاب عسكري يعني هذا بالتأكيد، انقلاب عسكري لكن لقى صدى من الشعب لأنه كان عدم ارتياح إلى الملكية..

أحمد منصور: كان دورك أنت إيه في المرحلة دي، كنت بتعمل إيه؟

حامد الجبوري: يعني نحن في حركة القوميين العرب ومؤيدين للثورة..

أحمد منصور: أيدتموها؟

حامد الجبوري: طبعا أيدناها.

أحمد منصور: أيدتموها بشكل علني باسم القوميين العرب؟

حامد الجبوري: بالتأكيد.

أحمد منصور: كانت حركتكم سرية أم معلنة؟

حامد الجبوري: كما ذكرت لك هي سرية لكن تعمل بشيء من الحرية لأنه ما كانت واصلة الأنظمة البوليسية من هذا النوع.

أحمد منصور: الصراع بين الرجلين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بدأ من اليوم الأول للثورة، يقول صبحي عبد الحميد "أسرار ثورة 14 تموز" " إن النجاح الذي حققه عبد السلام عارف صبيحة 14 تموز غرس التعالي والغرور في نفسه وبدأ يتحدث على أنه القائد الأوحد ورفض تأسيس مجلس لقيادة الثورة".

حامد الجبوري: والله اثنينهم، عبد الكريم وعبد السلام.

أحمد منصور: كيف؟

حامد الجبوري: اثنينهم اتفقوا على، هما كانا متفقين بالبداية قبل حدوث 14 تموز على تشكيل مجلس قيادة الثورة وأن تكون القيادة جماعية لكن عندما وصلوا إلى السلطة هذه المسألة ضربوها عرض الحائط وعلى أساس يستفردوا اثنينهم بالسلطة، فاثنينهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف تآمرا على هذه الفكرة ووأدوها..

أحمد منصور: وأقصوا باقي الضباط. موقفكم أنتم إيه القوميين العرب؟

حامد الجبوري: يعني صار هو بعدين الحقيقة انقسام حاد، يعني عسكريا وشعبيا وسياسيا عموما بين التيار الذي يمثله عبد الكريم قاسم اللي الشيوعيين والتيار القاسمي، مثلما سمي بعدئذ، والقوميين يعني التفوا إلى حد ما مع عبد السلام عارف فصار انقسام شديد بالمجتمع العراقي في ذلك الوقت.

أحمد منصور: في 18 تموز يعني بعد أربعة أيام فقط من قيام الثورة ذهب عبد السلام عارف مع وفد عراقي والتقى جمال عبد الناصر في دمشق وطلب وحدة بين مصر وسوريا والعراق لأن الوحدة بين مصر وسوريا كانت قائمة آنذاك، هذا حدث دون علم مجلس الوزراء أو عبد الكريم قاسم، حتى أن عبد الناصر لما سأله عن رأي عبد الكريم قاسم في الموضوع، فقال له إن دور عبد الكريم قاسم في الثورة مثل دور محمد نجيب في ثورة يوليو أو انقلاب يوليو. عندك معلومات عن الموضوع؟

حامد الجبوري: والله هذا اللي سمعناه، طبعا ما عندي معلومات دقيقة لكن هذا اللي سمعناه وهذا لا أستبعده من عبد السلام عارف ولو أن معرفتي به محدودة جدا، ولكن عبد السلام عارف معروف متهور، يعني الله يرحمه، متهور ويتخذ قرارات آنية وبدون تفكير وبدون استشارة الآخرين فلا أستبعد هذا وغير هذا.

أحمد منصور: هيكل في كتابه "سنوات الغليان" ينقل عن صديق شنشل حينما التقى عبد الناصر في دمشق بعد، لما كان ضمن الوفد العراقي هذه، فسأل عبد الناصر صديق شنشل عن عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف كأنه لا يعرفهما فرد صديق شنشل قال له إن عبد الكريم قاسم نصف مجنون وعبد السلام عارف نصف عاقل.

حامد الجبوري: صحيح مشهورة هذه المقولة وهو وصف دقيق جدا، صحيح.

أحمد منصور: يعني كان الرجلان بهذه الطريقة؟

حامد الجبوري: صحيح، صحيح.



انفراد عبد الكريم قاسم بالسلطة واعتقال الجبوري

أحمد منصور: في 12 أيلول سبتمبر 1958 قرر عبد الكريم قاسم إعفاء عبد السلام عارف من منصبه كنائب للقائد الأعلى للقوات المسلحة واتخذ إجراءات عديدة انتهت باعتقال عبد السلام عارف 4 تشرين الثاني نوفمبر 1958 حيث حوكم وحكم عليه بالإعدام لكن قاسم أبقاه ولم ينفذ الحكم. كانت متابعتكم إيه لهذا.. الآن صار عبد الكريم قاسم انفرد بالسلطة ودعموه الشيوعيون والتفوا حوله وأصبحوا جزء رئيسيا يركن إليهم في إدارة الدولة، أنت اعتقلت في 22 ديسمبر 1958..

حامد الجبوري: مظبوط.

أحمد منصور: كيف جرى اعتقالك؟

حامد الجبوري: والله أنا كنت موظفا في وزارة المالية في ذلك الوقت، يعني عندك مجال أذكر لك؟..

أحمد منصور: آه تفضل، طبعا أنا عايز تقول.

حامد الجبوري: أجاني الفراش، يعني اللي يجيب الشاي وكذا يخدم بدائرة الميزانية، أنا كنت موظفا في دائرة الميزانية في وزارة المالية، فجاءني قال لي الرائد عمر فاروق محمد جلال يريد يشوفك، أنا حقيقة طرت من الفرح لأن عمر فاروق محمد جلال نحن زملاء في الحلة في المتوسطة والثانوية ومعرفة ونطلع نسهر سوا وندرس سوا وإلى آخره هو وأخوه الآخر أيضا صار لواء بعدين بالجيش العراقي اللي اسمه طارق محمد جلال، فأنا الحقيقة فرحت لأن آخر شيء شفت به الرائد عمر فاروق محمد جلال هو بالحرس الملكي وكان جميل الصورة وخيال من سلاح الفرسان بالحرس الملكي ففوجئت بعد هالمدة الطويلة والسنين الكثيرة ما شايفه إلا بالتلفزيون، التلفزيون كان بسيط أبيض وأسود كان في بغداد في ذلك الوقت، أشوف عمر فاروق بالحرس الملكي وبعدها انقطعت أخباره عني فرحت آني حاضنه فدفعني بشكل استغربت، يعني آني أريد أن آخذه إلى المكتب أقول له تفضل..

أحمد منصور: فاكره جاي يزورك يشرب قهوة وشاي.

حامد الجبوري: يشرب قهوة، شاي أو عنده شغلة بالمالية، ما كان ولا أعرف أين يعمل أساسا، فالحقيقة فوجئت قال لي تفضل معنا بس بخشونه شوي، وزارة المالية كانت موجودة في مبنى السراي القديم في بغداد فسلم حجري كبير عالي.. فنزل فاروق وأخذني معه، أشوف سيارتي انضباط عسكري موجودين جوه ومدججين بالسلاح وإلى آخره، أخذني، قال لي وين بيتك؟ قلت بالوزيرية، عرفت آني معتقل..

أحمد منصور: عرفت الآن أنك معتقل؟

حامد الجبوري: طبعا.

أحمد منصور: لم يبلغك أنك تحت الاعتقال ولا أي شيء؟

حامد الجبوري: أبدا، أبدا، صدفة ما كان عندي مفتاح، كان عند أخي عداي، تعرف عزابية نحن.

أحمد منصور: مفتاح البيت؟

حامد الجبوري: إيه، مفتاح البيت. فقلت له خلينا نخابر عداي، أيضا صديقه جدا، فرفض وخلع الباب كسره، كسر الباب وأخذ كل الأوراق وما أحتفظ به من الجامعة الأميركية إلى ذلك الوقت وأخذها لكن يسمعني كلمات خشنة، خونة، متآمرين وإلى آخره، وأخذني رأسا إلى سجن الموقف، ويوصي، سمعته يوصي آمر الموقف في سجن الموقف، أنه شدد عليه الخناق في..

أحمد منصور: دي مكافأة العيش والملح.

حامد الجبوري: إيه والله، والله العظيم. طبعا بعدها بفترة..

أحمد منصور: طيب إيه اللي خلاه، يعني كثير من الضباط أو الناس في جانب إنساني خاصة أنه إذا أنتم طفولتكم مع بعض كما تقول، إيه اللي خلا جواه حقد ليتعامل معك بهذه الطريقة؟

حامد الجبوري: هو لأنه كان بالحرس الملكي، فشوف التناقض اللي يصير، المفارقات عند البشر حتى يثبت ولائه لعبد الكريم قاسم اندفع بشكل غير معقول لمحاربة التيارات القومية والوطنية اللي ضد عبد الكريم قاسم.

أحمد منصور: أنت كانت تهمتك إيه اللي قبضوا عليك بسببها؟

حامد الجبوري: لأني ناشط في حركة القوميين العرب.

أحمد منصور: لا، أنت اتهموك أنك ناشط في الحزب التركماني.

حامد الجبوري: لا، لا مو لهالسبب آني مو تركماني حتى أساوي حزب، لا، لا هذه تهمة ملفقة أنه أنت تتعاون مساوي جبهة مع التركمان.

أحمد منصور: طيب أنت كنت بتعمل إيه في حركة القوميين العرب؟ حنا بطاطو هنا بيقول كان التيار القومي بأطيافه المختلفة مشتتا في ذلك الوقت، كنت بتعمل إيه في حركة القوميين العرب حتى يقبض عليك و..

حامد الجبوري: والله اسأل عبد الكريم قاسم، ليش اختارني من بين..

أحمد منصور: ما هو أنا بسألك وجاوبني، طبيعة دورك إيه في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: منطقيا أستاذ أحمد، لماذا يستهدف شخص معين؟

أحمد منصور: أنت متهم أنك لك علاقة بالحزب الطوراني التركماني.

حامد الجبوري: لا، لا هذه تهمة سخيفة.

أحمد منصور: طيب إيه التهمة الحقيقية؟

حامد الجبوري: التهمة الحقيقية لأني كنت ناشطا في حركة القوميين العرب.



[فاصل إعلاني]

دور حركة القوميين العرب وتجربة السجن

أحمد منصور: طبيعة دورك إيه الآن في حركة القوميين العرب وإيه المخاطر التي كنتم تشكلونها في حركة القوميين العرب على عبد الكريم قاسم؟

حامد الجبوري: التحريض والتنظيم ونشر المنشورات والتدريب على السلاح اللي كان يجري في مزرعتي في محافظة بابل والاجتماعات التي تعقد في بيتي في الوزيرية كانت كلها حركة القوميين العرب تعقد معظم اجتماعاتها في بيتي..

أحمد منصور: مين أبرز الناس اللي كانوا بيحضروا الاجتماعات دي؟

حامد الجبوري: ما هو نحن ذكرناهم يعني.

أحمد منصور: لا، أذكر لي أنت، قل لي أنت.

حامد الجبوري: باسل الكبيسي وبعدين جاءنا هذا الهندي فترة وصالح شبل بعدئد وآخرين ما أذكر الأسماء حقيقة.

أحمد منصور: جاؤوا لك في الفترة دي بعد 1958.

حامد الجبوري: نعم؟

أحمد منصور: هاني الهندي جاء بعد 1958 لك؟

حامد الجبوري: والله ما أذكر بالضبط أعتقد قبل 14 تموز.

أحمد منصور: لكن بعد 14 تموز كانت طبيعة نشاطكم إيه أنتم القوميين العرب؟

حامد الجبوري: ما قلت لك التحريض وطبع المنشورات و..

أحمد منصور: فترة التدريب على السلاح دي كانت متى؟

حامد الجبوري: قبيل 14 تموز 1958.

أحمد منصور: في مزرعتك؟

حامد الجبوري: في مزرعتي.

أحمد منصور: عدد اللي جاؤوا تدربوا على السلاح كانوا كم واحد؟

حامد الجبوري: بحدود سبعة، ثمانية ومن ضمنهم باسل الكبيسي.

أحمد منصور: كم مرة تدربوا على السلاح؟

حامد الجبوري: والله أكثر من مرة كنا ندرب على رمي القنابل اليدوية.

أحمد منصور: بعد ما أوصى صديق الطفولة لك آمر السجن بأن يشدد عليك الحراسة في السجن، كيف كانت، كيف وجدت، من وجدت في السجن؟

حامد الجبوري: هو في بداية الأمر وضعوني في زنزانة صغيرة كان معي شخص مهندس اسمه عدنان رانيا اللي هو عديل عبد السلام عارف..

أحمد منصور: آه.

حامد الجبوري: عديل عبد السلام عارف، وبعدها بفترة نقلوني إلى قواويش مثل ما يسموها..

أحمد منصور: زنازين يعني؟

حامد الجبوري: لا، لا، مو زنازين، قاعات.

أحمد منصور: عنبر يعني؟

حامد الجبوري: عنبر، عنبر، عنابر..

أحمد منصور: أصل نحن مفهومنا بالمصري، نحن منصدر الحاجات دي..

حامد الجبوري: يعني قاووش هو بالعراق يسموه قاووش، يعني صالة كبيرة، فوجدت هناك بعض الأصدقاء طبعا، المحامي توفيق المؤمن اللي كان عضوا في حزب الاستقلال وفي القاووش نفسه الذي أنا فيه، وعقيد تعرفت عليه أول مرة هو العقيد أحمد حسن البكر.

أحمد منصور: يعني أنت تعرفت على أحمد حسن البكر للمرة الأولى في السجن؟

حامد الجبوري: في السجن، أحمد حسن البكر كان في ذلك الوقت آمر فوج ضمن اللواء العشرين اللي هو اللواء اللي قائده عبد السلام عارف، صار لواء بعدين ومسؤول عن منطقة حساسة في بغداد اللي هي الصالحية في الكرخ اللي تقع ضمنها دار الإذاعة والتلفزيون، وطبعا في ذلك الوقت..

أحمد منصور:  أهم حاجة اللي يسيطر على الإذاعة يسيطر على الدولة، البيان رقم واحد.

حامد الجبوري: بيان يعني إيه، يسيطر وخلص. فمن الصدف أنه ليلة التنفيذ أو قبيل التنفيذ بساعات..

أحمد منصور: دي كانت محاولة انقلابية ضد عبد الكريم قاسم.

حامد الجبوري: أيوه ضد عبد الكريم قاسم، وهي أولى المحاولات الجادة ضد عبد الكريم قاسم لولا وشاية أحد الضباط الصغار، ملازم ثاني، قتل عمه في تكريت اللي متهم بأنه شيوعي والتيار الشيوعي وإلى آخره ويقال، يقال الله أعلم ما أقدر، إن المرحوم صدام هو نفسه هو اللي قتل هذا الشخص..

أحمد منصور: في مصادر كثيرة قالت، بس قالت المعلومة غير مؤكدة، أن دي أول جريمة قتل يرتكبها صدام.

حامد الجبوري: أنا أنقلها بتحفظ، هكذا قيل، وليش أنا أميل إلى تصديقها لأنه لماذا يروح هذا الشخص يشي بالحركة علما أنه واحد من المتآمرين ضد عبد الكريم قاسم هو ضابط في فوج أحمد حسن بكر..

أحمد منصور: يعني أراد أن ينتقم من صدام؟

حامد الجبوري: سينتقم لأن أحمد حسن البكر، أقارب صدام لذلك ربما تكون صحيحة هذه المسألة لذلك عبد الكريم قاسم بعد ما جاءته المعلومة ألقى القبض عليهم وكلهم جابهم للسجن، 12 ضابط.

أحمد منصور: مين أبرز الضباط الآخرين غيرهم اللي تفتكرتهم؟

حامد الجبوري: والله المقدم فاضل ساقي والرائد شهاب أحمد والنقيب عبد المجيد ما أدري إيش عبد المجيد اللي صار مرافق عبد السلام عارف بعدئذ، والبقية ما أعرفهم.

أحمد منصور: طيب هؤلاء كانوا.. ليس لهم.. يعني لم يكن أحمد حسن البكر بعثيا في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: لا لم يكن بعثيا، كان طبعا أحمد حسن البكر رجلا متدينا حقيقة إلى النهاية يعني بقي بس في تلك الفترة يعتقد أن حزب البعث ناس علمانيين ليس لهم..

أحمد منصور: كان قومي في تحركه، كان إيه دوافعه؟

حامد الجبوري: بالضبط، بالضبط..

أحمد منصور:  ولا مجرد أن هو ضابط وعنده شوية دبابات يقدر يعمل انقلاب ويبقى رئيس ثاني يوم.

حامد الجبوري: لا، لا، توجهه قومي، هو توجهه قومي.

أحمد منصور: طيب في أحد من حركة القوميين العرب غيرك اعتقل في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: لا.

أحمد منصور: فقط أنت؟

حامد الجبوري: حسب علمي أنا لأنه اندبينا بالسجن فأنا أول واحد على الأقل.

أحمد منصور: إيه التهم اللي واجهوك بها؟

حامد الجبوري: أنا حقيقة أذكر لك شيئا، هو هذا الموضوع التركماني وما أدري إيش سمعتها بعدين، يعني ما لها علاقة أساسا. بس الحقيقة وراء الاعتقال اللي هو نهاد هيكل اللي كان معنا في حركة القوميين العرب ذكر لنا في أحد الاجتماعات أنه تعرف على ضابط يعمل في وزارة الدفاع، ضابط شاب، وقال لنا في مجموعة أصدقائه من الضباط الشباب اللي رايدين يدخلوا في حركة القوميين العرب، فبناء على هذه التوصية صار الاتفاق بيننا في الحركة أنه آني أقابلهم حتى أقيم موقفهم، ففعلا رحت، فوجئت بجو غريب، حديقة كبيرة، هو كان الوقت ليلا، يعني أول الليل، حديقة كبيرة من البيوت اللي كانوا يسكنون فيها المهندسون الإنجليز في بغداد، حدائق كبيرة ومشجرة وكذا وإلى آخره، فأنا حقيقة توجست في بداية الأمر، أخذنا شخص واحد، وأخذنا للاجتماع مع الضباط يمكن حوالي ستة سبعة ضباط كانوا موجودين وكلهم برتب صغيرة كانوا موجودين وبرتبهم يعني، فتوجست خيفة، كانت الحديقة ظلمة يعني بالليل تعرف وديسمبر شتاء فأنا تخلفت من أجل التخلص من عنده بس هو أحس يبدو وسحب المسدس وجاء وأخذني، فأخذني تحت السلاح للاجتماع.

أحمد منصور: آه.

حامد الجبوري: طبعا، فهناك مخلين..

أحمد منصور: أنت متى توجست، لما رحت وشفت الجو، قلت إنك حتمشي ترجع؟

حامد الجبوري: حديقة ظلمة وشيء حقيقة، الحس، تعرف الحاسة السادسة.

أحمد منصور: تفتكر في شهر كام في الضبط؟

حامد الجبوري: ديسمبر.

أحمد منصور: ديسمبر 1958؟

حامد الجبوري: يعني بعدها بكام يوم قبضوا علي. فهناك كان الحديث كله ضد عبد الكريم قاسم، كل الحديث للضباط، وأنا أخذت موقف الدفاع المستميت عن عبد الكريم قاسم..

أحمد منصور: عارف أنه كمين لك مثلا؟

حامد الجبوري: طبعا، متأكد أنه كمين، ولا سيما هذا سلام يعني سحب المسدس، يعني هم الحقيقة تصرفهم صبياني كان، فكيف يريدون.. طبعا ما مخلين المسجل واضح، بس أنا شعرت أن المسألة تسجل. فهذا التسجيل على الرغم من أنه آني كنت أدافع بقوة عن عبد الكريم، الزعيم، الوطني إلى آخره، راح وصل إلى عبد الكريم قاسم. من أين وصلت لي المعلومات؟ من الرائد صبحي عبد الحميد والرائد صالح مهدي عماش اللي كانوا يشتغلوا في وزارة الدفاع، يعني في مديرية الاستخبارات العسكرية اثنينهم..

أحمد منصور: متى بلغوك؟ لما جاؤوا السجن؟

حامد الجبوري: بعد هذا الاجتماع مباشرة، ماخدين.. عبد الكريم قاسم كان يقول لهم عندي في مؤامرة، القوميون يعملون على التآمر ضدي وإلى آخره وعندي مسجل، بس ما سمعهم إياه، ليش؟ لأنه بعث علي نجيب الرباعي، رئيس مجلس السيادة، بعث علي في ذلك الوقت نجيب الرباعي هو أيضا توجهه قومي الحقيقة، فرحت يم نجيب الرباعي وذكر لي أن عبد الكريم قاسم يحتفظ بتسجيل أنت موجود تحرض ضباطا ضده.

أحمد منصور: بس طبعا أنت ما حرضتش أنت كنت منتبه.

حامد الجبوري: أبدا على العكس قلت له سمعت التسجيل سيادة الريس؟ قال لي ما سمعته. قلت له كذا وكذا، قال لي لهذا السبب عبد الكريم قاسم ما سمعني التسجيل. فهذا الموضوع هو هذا الأساس، ولا هي موضوع التركمان هي مسألة..

أحمد منصور: أنت بقيت في السجن من ديسمبر 1958 لأغسطس 1961، مين أهم الناس اللي تعرفت عليهم في السجن؟

حامد الجبوري: في القاووش الآخر في المرحلة، مرحلتين، مرحلة سجن الموقف في بغداد والمرحلة الأخرى في سجن بعقوبة، في المرحلة الأولى التي استمرت حوالي سنة يعني 22ديسمبر 1958 لغاية تقريبا نهاية 1959.

أحمد منصور: تحاكمت في الفترة دي؟

حامد الجبوري: في هذه الفترة اعتقال فقط.

أحمد منصور: فقط بدون محاكمة ولا توجيه تهم؟

حامد الجبوري: فقط بدون محاكمة وبدون توجيه أي تهمة إلى آخره.

أحمد منصور: تعرفت على البكر في المرحلة دي ولا في المرحلة..

حامد الجبوري: في المرحلة دي، الأولى هذه في بغداد، وكان موجودا أيضا قيادة حزب البعث اللي هي الأمين العام علي صالح السعدي في ذلك  الوقت وفيصل حبيب الخيزران المحامي والرائد صالح مهدي عماش.

أحمد منصور: الثلاثة دول كانوا معك تعرفت عليهم أيضا في السجن؟

حامد الجبوري: لا، لا، تعرفت عليهم في أوائل الخمسينيات.

أحمد منصور: آه، لكن كانوا أيضا فترة السجن معك.

حامد الجبوري: فكانوا في قاووش آخر طبعا، بس نحن نجتمع دائما..

أحمد منصور: طبعا الفترة دي في مارس 1959 وأنت في السجن اندلع ما يسمى بثورة الشواف التي يعني انتهت في مهدها، كان لكم علاقة كقوميين بثورة الشواف؟

حامد الجبوري: والله أنا بالسجن، وبعدين نحن كان مشددا علينا بشكل يعني لا زيارات ولا مواجهات..

أحمد منصور: طبعا الشيوعيون بعد ذلك كانوا متحالفين مع عبد الكريم قاسم وأقصوا كل القوى السياسية الأخرى، السجون كان تمتلئ بالناس؟

حامد الجبوري: بشكل، بشكل.

أحمد منصور: كيف أنتم كنتم من داخل السجن تتابعون التطورات بره، كان لكم علاقات بما يدور في الخارج؟

حامد الجبوري: والله يعني بشكل نادر، قسم من الضباط، يعني أذكر واحد منهم اللي جاء بعد مصباح الخيرو اللي هو استلمني وكان أيضا قاسمي وبعدئذ دخل في حزب البعث، جاء أنور عبد القادر الحديثي ملازم ما كنت أعرفه بس هذا بعثي وصار وزير في فترة نحن زملاء في مجلس الوزراء، أنور عبد القادر الحديثي كان يجيب لنا أخبار في السجن بعدين كانوا موجودين في القاووش الآخر ونحن طبعا نلتقي، العهد البائد الوزراء والرؤساء..

أحمد منصور: اللي هم أيام الملكية؟

حامد الجبوري: من العهد الملكي، فكان ظروفهم بكثير أفضل من ظروفنا، يعني..

أحمد منصور: أنتم كانت ظروفكم إيه؟

حامد الجبوري: سيئة بشكل؟

أحمد منصور: إزاي صف لي، الأكل والشرب والنوم؟

حامد الجبوري: يعني الأكل والشرب والنوم وكل شيء والتضييق وعدم الزيارات، عدم وجود الزيارات.

أحمد منصور: كانت إيه نوعية الأكل اللي بيقدموه لكم؟

حامد الجبوري: والله أسوأ ما يكون.



انضمام أحمد حسن البكر إلى البعث

أحمد منصور: في الفترة هذه لم يكن أحمد حسن البكر بعثيا لكن قيادة حزب البعث كانت موجودة في السجن.

حامد الجبوري: وكانوا يريدون يكسبوه لهم.

أحمد منصور: كيف استطاعوا، واستطاعوا هم في الفترة هذه أن يضموا أحمد حسن البكر إلى حزب البعث، كيف؟

حامد الجبوري: اقتراح ضابط الاستخبارات صالح مهدي عماش أنه خلي نفهم العقيد البكر أن نحن حزب البعث مو حزب لا ديني، فخلوا نصلي خلفه..

أحمد منصور: هو كان بيصلي؟

حامد الجبوري: آه، طبعا، طبعا. وقاموا يصلون خلفه، فشاف أنه..

أحمد منصور: يعني صلوا وراءه تمثيل؟

حامد الجبوري: يعني هو..

أحمد منصور: يعني هم كانوا يصلون أصلا؟! لا، أنا بسألك فعلا أنت كنت معهم.

حامد الجبوري: لا طبعا.

أحمد منصور: يعني نصبوا له فخا.

حامد الجبوري: ولا واحد منهم.

أحمد منصور: فقط صلوا وراءه علشان يشدوه.

حامد الجبوري: حتى يشدوه.

أحمد منصور: طيب مكسب أحمد حسن البكر للبعثيين؟

حامد الجبوري: يعني ضابط بذلك الوقت عقيد، كان في فترة من الفترات آمر فوج، أحمد حسن البكر كان معروفا يعني في الأوساط العسكرية عنده سمعة طيبة، فتلك الفترة حقيقة كونت علاقة شخصية جدا متينة مع البكر في تلك الفترة.

أحمد منصور: كيف كانت طبيعة العلاقة دي؟

حامد الجبوري: والله..

أحمد منصور: أنتم كنتم في عنبر واحد، أنت وهو؟

حامد الجبوري: في عنبر واحد ونجلس نقعد على صفحة ومدري إيش..

أحمد منصور: كانت إيه أفكار أحمد حسن البكر وقتها؟

حامد الجبوري: يعني هو عموما وطني، ضد عبد الكريم قاسم، ضد التوجه الشيوعي، ضد المد الشيوعي والشعوبي أيضا إلى جانبه، في ذلك الوقت أروي لك شيء..

أحمد منصور: ارو لي، ما أنا عايزك تروي لي.

حامد الجبوري: فوجئنا بمجيء عمر فاروق محمد جلال إلى السجن.

أحمد منصور: اللي هو نفسه اللي قبض عليك؟

حامد الجبوري: اللي قبض علي.

أحمد منصور: جاي معتقل؟

حامد الجبوري: لا، على رأس مفرزة من الانضباط العسكري..

أحمد منصور: كانت مسؤوليته إيه في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: هو يشتغل في مديرية الخطط العامة يسموها، كان العميد طه الشيخ أحمد، بس هو اللي مكلف بقضية متابعة التيارات المعادية للزعيم عبد الكريم.

أحمد منصور: زي أمن الدولة مثلا.

حامد الجبوري: تقريبا، ففوجئنا بمجيء عمر فاروق محمد جلال ومعه مفرزة كبيرة من الانضباط العسكري لتفتيش السجن، بس كان طبعا في منتهى الخشونة، فوصل للمقدم فاضل الساقي، فاضل الساقي سريره جانب سريري في القاووش، فوصل يم فاضل الساقي وصارت مشادة كلامية ما أعرف آني..

أحمد منصور: بينهما؟

حامد الجبوري: بينهما..

أحمد منصور: وأنت كنت جانبهم يعني؟

حامد الجبوري: بالضبط، بالضبط، نعم هو يم سريري..

أحمد منصور: فاضل الساقي بعثي؟

حامد الجبوري: فاضل لا ما كان بعثي، يعني ضابط وطني عموما مع..

أحمد منصور: كان مع مجموعة البكر.

حامد الجبوري: مع مجموعة البكر طبعا، يعني هو الضابط الثاني، مقدم رتبته لأن أعلى من البقية، فصارت مشادة نحن ما نعرف أولياتها، مشادة فبحيث عمر فاروق بصق في وجه المقدم فاضل وهو رائد، يعني فاضل أعلى منه رتبة..

أحمد منصور: بس ده سجان وهذا سجين.

حامد الجبوري: وهذا سجين..

أحمد منصور: والأيام دوَل.

حامد الجبوري: والأيام دوَل. فهجم بشكل عنيف على عمر فاروق، يعني لو لا تراجع عمر وهجوم مفرزة الانضباط على المقدم فاضل الساقي وإلا كان مزقه فعلا، كان مزقه إربا. فبعدين افتهمنا. يوم 14 تموز 1958 المقدم فاضل كان في فوج، في اللواء العشرين اللي تابع لعبد السلام عارف، كان أعتقد آمر فصيل أو شيء من هذا القبيل برتبة مقدم أيضا، فالفصيل هذا مكلف بتأمين السيطرة على البلاط الملكي في باب المعظم في بغداد، فبعد ما أكمل السيطرة صبيحة يوم 14 تموز انسحب المقدم فاضل، مقابل البلاط في دوار كبير، فلكه، في معهد الفنون الجميلة فهناك أخذه مثل مقر المقدم فاضل..

أحمد منصور: كل شيء مستباح.

حامد الجبوري: لا هو كان عطلة صيفية، تموز، فيقول فاضل آني تعرف صيف ولابسين هي اللباس على أساس هم رايحين للجبهة..

أحمد منصور: كانوا رايحين للأردن.

حامد الجبوري: إيه للأردن، فلابسين لباس الميدان، فتعرف صيف وكذا فيقول رجلي يعني صارت..

أحمد منصور: عايز يغير حذاءه.

حامد الجبوري: عايز يريحها يخليها في الماء البارد، فجايبين له طشت من الماء البارد الجنود، يقول مخلي رجلي بالماء البارد، أجاني جندي، المرافق، ضابط مرافق معنا، قال يا سيدي الرائد عمر فاروق محمد جلال يريد يشوفه، قلت إيه خلي يجي خلي أشوفه. هو يعرف طبعا عمر بالحرس الملكي، كتيبة الخيالة بالحرس الملكي، فيقول دخل علي عمر فاروق محمد جلال، فتح له الباب، أول ما دخل جاء هرولة وركع بالأرض وطلع رجلي من الطشت وقام يقبل بها، والله وبالله يا أستاذ أحمد يقول دفرته بدون شعور صدره هيك قلت يا كذا.. اخجل انت ضابط قوم على حيلك ما تخجل أمام هؤلاء الملازمين هؤلاء أنت رائد تعمل هذا العمل! يقول قام دب نفسه عليه دخيلك آني، الله يخليك، أخاف تعدموني، أخاف.. قلت له روح، امش. فطرده بس ما ساوى له شيء، يعني هو بالعكس أراد يحفظ كرامته. فشوف تصور شلون هذا الإنسان حقيقة مثل ما عمل فيي وأنا صديق العمر، صديق الطفولة، يلقي القبض علي يعمل مع فاضل الساقي.



ديكتاتورية عبد الكريم قاسم ومحاولة اغتياله

أحمد منصور: عبد الكريم قاسم كيف تحول من حاكم متواضع فقير مهتم بالفقراء إلى ديكتاتور؟

حامد الجبوري: أروي لك قصة.

أحمد منصور: ارو لي.

حامد الجبوري: إيه، نقلا عن وزير خارجية عبد الكريم قاسم جواد..

أحمد منصور: هاشم جواد.

حامد الجبوري: هاشم، لا، لا مو هاشم جواد بعدين صار..

أحمد منصور: طيب خلاص حافتكر لك أنا اسمه.

حامد الجبوري: المهم، إيه، فيكتب نقلا عن محمد حديد، اللي شفت مذكراته في بيتي، أنه رايح عبد الكريم قاسم بأول ظهور علني بعد ما صار زعيم العراق إلى مبنى من أحد مباني السينمات في بغداد، إحدى السينمات، كان المناسبة هو مؤتمر لنقابة المحامين العراقيين، فالمحامين كلهم لأول مرة، وكانت منقولة بالتلفزيون طبعا، لأول مرة يرفعون شعارات عاش الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم إلى آخره، فيقول نقلا عن..

أحمد منصور: اسمه هاشم جواد.

حامد الجبوري: هاشم جواد، وجواد هاشم وزير بعثي بعدين، إيه هاشم جواد مظبوط، مظبوط، فيقول التفت على..

أحمد منصور: روى لك أنت؟

حامد الجبوري: لا،لا، في الكتاب، في الكتاب كان أو مجلة..

أحمد منصور: أنا عندي روى فين، بس قل القصة..

حامد الجبوري: إيه صحيح. أن محمد حديد ناقل لهاشم جواد يقول له عبد الكريم قاسم بعد ما سمع هذه الهتافات من رجال القانون العراقيين، يعني المفروض يكون، يقول التفت قال لي أبو هيثم، محمد حديد أبو هيثم، قال له أبو هيثم أنا شايف العراقيين راح يساووني ديكتاتور! وأنت تعرف عبد الكريم قاسم..

أحمد منصور: هنا أنا لقيت حنا بطاطو ناقل دي بالضبط برضه تأكيدا، حنا بطاطو ناقلها في 174 من الجزء الثالث يقول "نقلا عن هاشم جواد في الفترة من 1959 إلى 1963 كان وزير خارجيته قال، وهكذا فإن قاسم الذي لم يكن له رأي ولا مبادرة حينما عرفته في العام 1958 بدأ يتذوق لذة كونه الرجل الوحيد في البلد وبكلمات أخرى لقد صنعنا ديكتاتورا، إن شعبنا في الحقيقة صانع للديكتاتوريين". أنتم العراقيون تصنعون الديكتاتوريين يبدو من أيام الحجاج إلى اليوم وأنتم تصنعون ديكتاتوريين. صحيح كل واحد يأتي إلى حكم العراق ينزل دبح وتقتيل بالناس؟

حامد الجبوري: ربما.

أحمد منصور: لا، مش ربما، ما نحن قدامنا هو حتى اللي جاؤوا على الدبابات الأميركية عاملين يدبحوا في الناس.

حامد الجبوري: يعني نحن العراقيون الآن في هذه المحنة الكبيرة وبعدين تقول لهم أنتم تخلقون الديكتاتور..

أحمد منصور: لا، بس أنا لم أصنع التاريخ ولست مسؤولا عنه، أنا لم أصنع هذا الكلام أنا أنقل وأناقش ما عشته أنت وما عاشه هؤلاء.

حامد الجبوري: ربما هو أكو..

أحمد منصور: هذا وزير خارجية يقول نحن نصنع ديكتاتوريين، وزير خارجية عراقي.

حامد الجبوري: ربما، هو في مثل شعبي دارج في العراق يقول "الإمام اللي ما يشور سميه أبو الخرق" يعني اللي ما يشور اللي ما يؤذي، فهذه تنطبق على الحاكم اللي ما شديد وقوي، ربما.

أحمد منصور: في سبعة تشرين/ أكتوبر 1959 قام البعثيون بمحاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم قيل إن صدام حسن شارك فيها، وأصيب فيها وهرب إلى مصر.

حامد الجبوري: صح.

أحمد منصور: بعض الذين اعتقلوا جاؤوا إلى السجن، هل كان معكم أحد من هؤلاء؟

حامد الجبوري: يعني أذكر على سبيل المثال الدكتور، أنا كنت قبلهم في سجن بعقوبة بعد ما صدر علي الحكم لمدة سنتين..

أحمد منصور: آه، أنت حكمت..

حامد الجبوري: أنا أحلت من هذا سجن الموقف في بغداد إلى المجلس العرفي العسكري الأول في معسكر الوشاش وصدر الحكم علي لمدة سنتين.

أحمد منصور: كانت تهمتك إيه؟

حامد الجبوري: ما في أي تهمة، أنك تعمل ضد..

أحمد منصور: ما حققوا معك؟

حامد الجبوري: لا، هو، هذا مشهور مقدم النعساني، معروف عنه أنه جلاد كان، رئيس المجلس العرفي..

أحمد منصور: غير المهداوي.

حامد الجبوري: لا قبل المهداوي.

أحمد منصور: ما هو المهداوي كان مع عبد الكريم قاسم.

حامد الجبوري: لا هذه بعد، بعد محاولة الاغتيال صارت محكمة..

أحمد منصور: بعد 1959؟

حامد الجبوري: بعد 1959، بس التهمة الرئيسية أن ناشط ضد النظام، لذلك يعني..

أحمد منصور: حكم عليك بسنتين؟

حامد الجبوري: حكم علي بسنتين ورحت على سجن بعقوبة.

أحمد منصور: شفت مين بقى في سجن بعقوبه؟

حامد الجبوري:  في سجن بعقوبة في كان أبرز الناس اللي شفتهم حقيقة هو المقدم صالحون، اسماعيل صالحون. مقدم في الموساد، مثلما عرفنا من..

أحمد منصور: كان إسرائيليا؟

الموساد الإسرائيلي شكل مجموعة إرهابية كانت تقوم بتفجير المقاهي ودور السينما التي يتواجد فيها اليهود لتخويفهم وحثهم على الهجرة إلى إسرائيل
حامد الجبوري: إسرائيلي نعم، هو اسماعيل صالحون اسمه المستعار، هو إسرائيلي من أصل إيراني. اليهود شكلوا، يعني الموساد الإسرائيلي شكلت مجموعة إرهابية كانت تعمل على تخويف اليهود في العراق من أجل الذهاب إلى إسرائيل.

أحمد منصور: زي فضيحة نافون في مصر.

حامد الجبوري: بالضبط. فرودني كان هو إنجليزي كان هو رئيس المجموعة اللي أعدم بعدين..

أحمد منصور: يعني يعملوا تفجيرات يرعبوا اليهود بحيث اليهود يخافوا ويروحوا لإسرائيل.

حامد الجبوري: في المقاهي، المحلات..

أحمد منصور: زي ما عملوا بأوروبا وزي ما عملوا..

حامد الجبوري: بالضبط، فاعتقلوا وأعدم رودني رئيس المجموعة ومجموعة اثنين أو ثلاثة معاه، بس اسماعيل صالحون حكم مؤبد.

أحمد منصور: ليه ما أعدموه؟

حامد الجبوري: والله ما أعرف.

أحمد منصور: كان بيتكلم عربي؟

حامد الجبوري: كان بيتكلم عربي.

أحمد منصور: شفته وقابلته؟

حامد الجبوري: طبعا نحن كنا مقاطعين بس والغريب أنه منذ ذلك الوقت اسماعيل صالحون يجوه أعداد كبيرة من الناس العراقيين يزوروه في السجن بشكل منتظم، يعني عراقيون..

أحمد منصور: يهود كانوا؟

حامد الجبوري: لا، لا، من مختلف الناس. وأخرجه عبد الكريم قاسم بعدين استدعاه إلى وزارة الدفاع وأخرجه، طبعا منح رتبة عقيد وهو في السجن، وجاؤوا البعثيون بعدين اللي متهمين في اغتيال عبد الكريم قاسم، منهم الدكتور تحسين معلا وغانم عبد الجليل وآخرون.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة معك من هنا، محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في العام 1959 وما فعله الشيوعيون بالعراقيين من عمليات سحل وقتل وتعليق على أعمدة الكهرباء وكان يعني وضعا دمويا.

حامد الجبوري: بالضبط.

أحمد منصور: كما قلت أنت العراق سيغرق في الدماء وبدأ يغرق في الدماء من بعد العام 1958. أكمل معك في الحلقة القادمة، أشكرك شكرا جزيلا كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد حامد الجبوري وزير شؤون رئاسة الجمهورية والشؤون الخارجية والإعلام والثقافة في عهد الرئيسين أحمد حسن البكر وصدام حسين، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.