- حالة الأحزاب القومية قبل انقلاب 8 شباط
- انقلاب 8 شباط ورئاسة عبد السلام عارف

- الصراع بين البعثيين وعلاقة القوميين بعبد الناصر

- العلاقة بين الناصريين والبعثيين والأميركيين

- مقتل عبد السلام عارف واستلام أخيه السلطة

- عودة الجبوري لحزب البعث

أحمد منصور
 حامد الجبوري

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد حامد الجبوري وزير الإعلام والثقافة وشؤون رئاسة الجمهورية والخارجية في عهد الرئيسين أحمد حسن البكر وصدام حسين. أستاذ حامد مرحبا بك.

حامد الجبوري: أهلا وسهلا.



حالة الأحزاب القومية قبل انقلاب 8 شباط

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند فترة العام 1961 سيطرة الشيوعيين على السلطة، محاولة البعثيين في 1959 اغتيال أحمد حسن البكر وفشل هذه المحاولة، نجاح البعثيين داخل السجن في إقناع أحمد حسن البكر بأن يصبح واحدا منهم، أنت كنت في هذه المرحلة في السجن، أيضا المذابح الدموية التي قام بها الشيوعيون في العراق والتي قدر حنا بطاطو عدد الذين قتلوا على أيديهم خلال فترة عبد الكريم قاسم إلى أكثر من خمسة آلاف شخص. أنت خرجت من السجن في أغسطس 1961، ماذا فعلت بعدما خرجت؟

حامد الجبوري: والله لأنه بقيت حقيقة أشهر قليلة واعتقلت مرة أخرى.

أحمد منصور: بتهمة إيه؟

حامد الجبوري: بتهمة العمل ضد النظام.

أحمد منصور: أنا لقيت محمد قاسم علي في كتابه "العراق في عهد عبد الكريم قاسم" في صفحة 190 نقلا عن محاضر الشرطة، يعني هو رجع ووثق محاضر الشرطة في مديرية بغداد يقول، "قامت حكومة عبد الكريم قاسم بمقاومة حركة القوميين العرب ففي 23 سبتمبر 1960 تم إلقاء القبض في مدينة السلام على كل من صلاح عبد الهادي ونعمان ثابت وبحيازتهم منشور صادر من حركة القوميين العرب، بتاريخ 18 سبتمبر 1960 تم العثور في الكاظمية على رونيو وقطع سلاح ومسودات ومناشير حزبية تعود للحركة" عندك معلومات عن ده؟

حامد الجبوري: والله هذه الفترة كنت في السجن أنا.

أحمد منصور: أنت كنت في السجن. بعد البعث ما فشل في اغتيال عبد الكريم قاسم سنة 1959 صدام حسين فر وهرب إلى مصر..

حامد الجبوري: إلى سوريا ثم مصر.

أحمد منصور: زعيم الحزب فؤاد الركابي توارى في ذلك الحين، وأصبح رفيقك في السجن علي صالح السعدي في أوائل العام 1961 أصبح هو الأمين العام لحزب البعث. هل كان لك علاقة بالسعد داخل السجن وثيقة لدرجة أن هذا الأمر أشعرك بنوع من الراحة؟

حامد الجبوري:  شوف هم بالأداء اللي أدوه الشباب البعثيين حقيقة بعد ما اعتقلوا، بعد فشل محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد يعني كان أداء حقيقة رائعا جدا ونقل في على شاشات التلفزيون في ذلك الوقت، في محكمة المهداوي. فكان أداؤهم..

أحمد منصور: المهداوي ده كان هو الذي عينه قاسم ليصدر أحكام الإعدام والأحكام بحق الناس.

حامد الجبوري: نعم، مهزلة يعني، بس ليس كالمهازل اللي رأيناها بعدئذ. فأداؤهم كان أداء حقيقة شجاعا وبطوليا وأدى هذا الشيء إلى اكتساح الشارع القومي تقريبا أو الشارع عموما، يعني أصبح حزب البعث قوة يحسب لها ألف حساب في..

أحمد منصور: يعني الأداء الشجاع لهم في المحكمة؟

حامد الجبوري: نعم طبيعي، أداء كان رائعا حقيقة يعني فوجئ الشعب العراقي بهذه المواقف البطولية وكان الإعدام يعني متوقعا في أية لحظة.

أحمد منصور: هل هذا ما جعلهم بعد ذلك بعد ملاحقة قاسم لهم يسعون للقيام بانقلاب 3 شباط 1963؟

حامد الجبوري: هو بالتأكيد يعني لأن المنتسبين لهم مدنيين وعسكريين ازدادوا بأضعاف مضاعفة.

أحمد منصور: وأيضا اعتقل كثير من البعثيين ودخلوا السجون مرة أخرى.

حامد الجبوري: واعتقل كثير من البعثيين طبعا.

أحمد منصور: هل ده كان إيذانا بالمواجهة الأخيرة بين عبد الكريم قاسم والبعثيين؟

حامد الجبوري: نعم اللي هو تتوجت في 8 شباط 1963.

أحمد منصور: أنت إلى هذا الوقت لم يكن لديك رغبة في أن تعود للبعث مرة أخرى؟

حامد الجبوري: والله شوف أستاذ أحمد، نحن عندما كنت معتقلا في سجن الموقف وكانوا موجودين قبلي ثلاثة من قيادة الحزب، الأمين العام واثنين أعضاء قيادة اللي هم ذكرت أسماءهم، صارت عندنا..

أحمد منصور: علي صالح السعدي ومهدي عماش..

الحركات والتنظيمات القومية التي غذتها المخابرات المصرية أيام جمال عبد الناصر لعبت دورا سلبيا في بعثرة الصف القومي، وكانت هناك نقاشات مستفيضة لتوحيد الصف القومي خاصة وأن المد الشيوعي كان رهيبا وكانت الحركة القومية مبعثرة
حامد الجبوري: وفيصل حبيب الخيزران. كانت عندنا يعني حوارات ونقاشات مستفيضة حول موضوع توحيد الصف القومي لأنه في ذلك الوقت التيار الشيوعي كان المد الشيوعي رهيبا وكانت الحركة القومية مبعثرة، يعني صحيح حزب البعث صار قوة وإلى حد ما حركة القوميين العرب لكن مجموعة من التيارات، الحركات والتنظيمات القومية اللي غذتها المخابرات المصرية في حينها في أيام جمال عبد الناصر، للأسف الشديد أنه لعبت دورا سلبيا جدا في بعثرة الصف القومي في ذلك الوقت.

أحمد منصور: أنت قلت كلمة مهمة هنا معلش اسمح لي أقف عندها، بتقول التيارات القومية، يعني كانت كل مجموعة من تيار قومي؟

حامد الجبوري: هو التيار القومي حزب البعث وحركة القوميين العرب..

أحمد منصور: لا، أنا أقصد القوميين العرب هنا تحديدا، بتقول المخابرات المصرية وعبد الناصر، يعني كانت كل مجموعة عبد الناصر بيتعامل مع مجموعات وشللية؟

حامد الجبوري: يعني صارت مثل الفطر تطلع تنظيمات قومية بضعة أفراد وتروح للقاهرة أو لمحمد كبّول الله يرحمه ما أدري مات أو لا، اللي هو مسؤول المخابرات المصرية..

أحمد منصور: في السفارة المصرية في بغداد..

حامد الجبوري: اللي هو مقدم أعتقد في ذلك الوقت، يعطوهم كل الدعم المادي والمعنوي ويرتبون الشخص المسؤول عن هذه الحركة، زيارة إلى القاهرة ومقابلة مع عبد الناصر والتصاوير والكذا إلى آخره فيجي للعراق منفوش شعره، ويعتقد أنه هو الموجود في الساحة وهو موضع ثقة الرئيس عبد الناصر وهذه المسألة أدت إلى تشرذم في التيار القومي حقيقة، فإحنا كنا هذه المسألة شغلنا الشاغل في السجن يعني أنا والمجموعة البعثية من قيادة حزب البعث الموجودة، طبعا هذه فيها مقدمة أيضا فيها مقدمات يعني منذ..

أحمد منصور: إيه أهم المقدمات اللي ظهرت لها؟

حامد الجبوري: يعني كنا دائما نجتمع مثلا بالعام 1954 و1955 و1956..

أحمد منصور: الدنيا تغيرت بعد 1958، أنا بعد 1958 الآن.

حامد الجبوري: بعد 1958.

انقلاب 8 شباط ورئاسة عبد السلام عارف

أحمد منصور: إيه الأشياء اللي أدت إلى انقلاب 8 شباط؟

حامد الجبوري: هو الصراع كان مفتوحا بين عبد الكريم قاسم والتيار الشيوعي والمد الشيوعي والمد القاسمي ما سمي بعدئذ وما بين التيار القومي اللي يقوده أو هو قيادته البارزة هو حزب البعث كان في ذلك الوقت.

أحمد منصور: لكن أنتم كتيار قومي لم يكن لديكم أي علم بحركة 8 شباط؟

حامد الجبوري: حركة 8 شباط؟ لا، طبعا عندنا، شلون ما عندنا؟

أحمد منصور: كان في ترتيب معكم؟

حامد الجبوري: نعم بس ما في تفاصيل، متى وكذا لكن موجود.

أحمد منصور: صالح حسين الجبوري في كتابه "ثورة 8 شباط 1963" -كل ثورة عندكم لها كتب!- تحدث عن التفاصيل الدقيقة لهذا الانقلاب اللي قاده أحمد حسن البكر طبعا، البكر الآن هو الذي قاد الانقلاب بعدما خرج من السجن.

حامد الجبوري: هو لأنه بعد خروجه صار أمينا عاما للحزب.

أحمد منصور: كان هو أيضا المسؤول العسكري للحزب.. لا ما كانش أمين عام في ذلك الوقت.

حامد الجبوري: لا، هو بعد خروجه من السجن دخل حزب البعث، طبعا أنا موجود في السجن ما أعرف، تركته وهو في سجن الموقف وحكم علي مثلما رويت لك، بعدين عرفت أنه دخل في حزب البعث وانتخب أو عين كأمين عام للحزب بدلا من علي صالح السعدي.

أحمد منصور: المهم أن الانقلاب عمله بشوية، بسبع دبابة لوزارة الدفاع، ثلاث دبابات للإذاعة والتلفزيون، سبع دبابات لمعسكر الرشيد وأبو غريب والمرسلات، يعني بعشرة، خمسة عشرة دبابة عمل انقلابا على عبد الكريم قاسم.

حامد الجبوري: يعني هذا مو بطولة؟! بعدين القوة الجوية تدخلت لصالح البعثيين وضربت..

أحمد منصور: منذر الونداوي.

حامد الجبوري: منذر الونداوي، وبعدين في قطاعات تحركت إلى وزارة الدفاع. لا، مو بهالصورة البسيطة.

أحمد منصور: طبعا يعني في النهاية تم الانقلاب على عبد الكريم قاسم بهذه الطريقة وأعلن عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية..

حامد الجبوري: وأحمد حسن البكر رئيسا للوزراء.

أحمد منصور: عبد الكريم قاسم كان أفرج عن عبد السلام عارف رغم أنه كان محكوما عليه بالإعدام في 25 نوفمبر 1961 وكان قاعدا في بيته تحت الإقامة الجبرية، راحوا جابوه وحطوه. ليه جابوه؟ هل هم كانوا على قناعة ولا جايبينه واجهة زي محمد نجيب؟

حامد الجبوري: لا، شوف هذه مسألة مراعاة، مثلما حصل فعلا بالنسبة للواء محمد نجيب، يعني لأن عبد السلام عارف كان في حينها مشير، أعلى رتبة في الجيش العراقي فالقوات المسلحة لا يمكن تتبع عقيد بالجيش..

أحمد منصور: وما حدش كان يعرف البكر آنذاك المعرفة التي..

حامد الجبوري: لا، مو ذيك المعرفة الكبيرة، بعدين هو مو ركن أيضا وهذه الحساسيات موجودة لدى العسكريين، لذلك جيء بعبد السلام عارف لهالاعتبارات.

أحمد منصور: كيف تقبل الناس كل يوم والثاني انقلاب؟

حامد الجبوري: والله الناس مغلوب على أمرها، أحمد، مغلوب على أمرها.

أحمد منصور: عبد الكريم قاسم احتمى في وزارة الدفاع وظل يقاتل ورفض الاستسلام.

حامد الجبوري: لا، هو ما..

أحمد منصور: لمدة يومين يعني هم عملوها ثمانية فضل ليوم تسعة مساء فضل يقاتل.

حامد الجبوري: في قاعة الشعب اللي موجودة قريبة على وزارة الدفاع، هو انسحب من وزارة الدفاع إلى قاعة الشعب يعني ألقي القبض عليه في قاعة الشعب.

أحمد منصور: نقل لمقر الإذاعة مساء يوم تسعة وحوكم في بضع دقائق وأعدم في الغرفة المجاورة لأستديو الإذاعة.

حامد الجبوري: بالضبط.

أحمد منصور: تقييمك إيه لشخصية عبد الكريم قاسم وعهده؟

حامد الجبوري: والله أنا ما لي معرفة مباشرة بعبد الكريم قاسم، يعني تقييمي مثلما قيمه صديق شنشل، يعني.

أحمد منصور: هاني الفكيكي كان شارك في المحاكمة وحضر الإعدام..

حامد الجبوري: أعتقد.

أحمد منصور: وقال "كان هذا المشهد المشحون بالتشنج والثأر والخوف كافيا في اعتقادنا آنذاك لاستكمال شروط المحاكمة وإصدار الحكم، وبغض النظر عن تفاصيل المشهد وأشخاصه وإخراجه الفني فإنه جاء إتماما لمشاهد أخرى سبقته وتكرارا لعنف متصل مطابق طبع الفعل السياسي في العراق منذ القدم" واحد عراقي اللي بيقول مش أنا، العنف الذي طبع العقل السياسي في العراق منذ القدم.

حامد الجبوري: طيب.

أحمد منصور: عبد الكريم قاسم قال لهم قبل ما يعدم "إن التاريخ سيخلد اسمي أنني قاومت الاستعمار وأنني بنيت للفقراء 35 ألف دار خلال عمر الثورة" مدينة الثورة اللي هي أصبحت مدينة الصدر اللي بناها بعد الكريم قاسم..

حامد الجبوري: صحيح.

أحمد منصور: "وإنني ذاهب ولكنني لا أدري ماذا سيحصل من بعدي".

حامد الجبوري: وأصدر قانون رقم ثمانين، قانون النفط رقم ثمانين.

أحمد منصور: ماذا حصل للعراق بعد رحيل عبد الكريم قاسم؟

حامد الجبوري: فوضى. هو الفوضى ابتدت من 14 تموز بدون شك..

أحمد منصور: 1958

عام 1958 شهد العراق فوضى عارمة أمتدت في  عهد عبد الكريم قاسم كاملا، فبالإضافة إلى المد الشيوعي والتيارات القومية العاملة ضد عبد الكريم قاسم كانت هناك صراعات حزبية ومجازر في الموصل وكركوك
حامد الجبوري: 1958. فوضى عارمة في العراق صارت، يعني حقيقة استمرت هذه الفوضى باستثناء، يعني عهد عبد الكريم قاسم كاملا كانت في فوضى، يعني التيار الشيوعي والمد الشيوعي والمد الشعوبي وإلى آخره وبالمقابل التيارات القومية العاملة ضد عبد الكريم قاسم والصراعات الحزبية والمناطقية الجهوية ومجازر الموصل وكركوك وإلى آخره، ففوضى عارمة مستمرة كانت موجودة.

أحمد منصور: حنا بطاطو يقول في صفحة 296، "وهكذا انتهت سيرة عدو الشعب، حسب تعبير إذاعة بغداد التي أذاعت النبأ بعد دقائق من اغتياله، أما اليوم.." -وقت ما كتب كتابه في بداية السبعينيات- "فيعترف عدد غير قليل من أولئك الذين وقفوا ضده في تلك الساعة بأن عامة الشعب العراقي كانت تكن له حبا مخلصا يفوق حبها لأي حاكم آخر في تاريخ العراق الحديث".

حامد الجبوري: ربما، هو نزيه يعني من صفاته البارزة نزاهته حقيقة، ووطني بدون شك ولكن عبد الكريم قاسم أيضا ارتكب الكثير من الأخطاء.

أحمد منصور: أصبح عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية، أحمد حسن البكر قائد الانقلاب رئيسا للوزراء وشكلت وزارة من البعثيين ومن غيرهم. هل كان لكم أنتم القوميين حضور في تلك الوزارة؟

حامد الجبوري: والله أنا أتكلم عن نفسي، أنا عملت في الحقل الصحفي بناء على طلبي..

أحمد منصور: أنت طلبت وأصدرت صحيفة اسمها الشعب.

حامد الجبوري: جريدة الشعب، نعم.

أحمد منصور: موافقة البعثيين لك على إصدار هذه الصحيفة كان بناء على علاقات أم صفقة أم أي شيء؟

حامد الجبوري: لا، أبدا لا صفقة ولا أي شي ولكن علاقاتي ودية مع الجميع يعني مع كل الأطراف القومية في ذلك الوقت وحتى الآن.

الصراع بين البعثيين وعلاقة القوميين بعبد الناصر

أحمد منصور: الصراع بين البعثيين بدأ في تلك المرحلة؟

حامد الجبوري: بالتأكيد.

أحمد منصور: في 8 فبراير 1963 سيطر البعث على السلطة في سوريا..

أحمد منصور: إيه بعد شهر.

أحمد منصور: سيطر على السلطة في العراق في 8 آذار/ مارس 1963 وجاء.. سيطروا على السلطة في سوريا بعد شهر، وجاء عفلق إلى بغداد، ودون أي دراسة تم إعلان الوحدة في ذلك الوقت!

حامد الجبوري: يعني تصرفات كانت صبيانية حقيقة.

أحمد منصور: إيه رأيك أنت بقى في اللي كان؟

حامد الجبوري: والله رأيي هذا هو الحقيقة نعيش الآن مأساة نتيجة سلسلة الأخطاء اللي ارتكبت من قبل المسؤولين العرب وليس العراقيين فقط. يعني بالنسبة للعراق لولا الكم الهائل من الأخطاء والقرارات العشوائية ما حدث اللي حدث في العراق وفي غير العراق يعني هذا..

أحمد منصور: طبعا الوحدة بين مصر وسوريا والعراق أعلنت في 17 نيسان/ أبريل 1963 وماتت في مهدها.

حامد الجبوري: صحيح.

أحمد منصور: البعثيون بدؤوا في الانتقام من الشيوعيين.

حامد الجبوري: أعوذ بالله.

أحمد منصور: الأيام دول.

حامد الجبوري: إيه الأيام دول.

أحمد منصور: كيف كانت هذه الانتقامات؟

حامد الجبوري: والله لعب دورا المرحوم علي صالح السعدي، دور فظيع يعني.

أحمد منصور: كيف؟ قل لنا، أنت كنت تصدر صحيفة اسمها "الشعب" والشعب كان بيأكل في بعضه آنذاك، يعني كان بيدبح في بعضه، فقل لنا كيف رصدت هذه المرحلة؟

حامد الجبوري: والله، العدل، رصدتها بألم والله، بألم شديد حقيقة، يعني كانوا يروحوا على الشيوعيين وحتى قسم منهم ناس أبرياء، كثيرين، ربما أنا ما أعرف حقيقة أنا مو بالتحقيق ولا أعرف المسألة لكن يروحوا عالبيوت بالليل وإعدامات فورية وإلى آخره. هذا عمر فاروق محمد جلال اعتقل ووضع على سطح النادي الأولمبي في بغداد وتركوه يمكن ليلتين أو ثلاثة إلى أن مات.

أحمد منصور: معلقينه؟

حامد الجبوري: لا.

أحمد منصور: ربطوه وسابوه.

حامد الجبوري: ربطوه وسابوه، يعني وحشية ولو هو حقيقة قام بأعمال يندى لها الجبين، يعني هو مو بس الاعتقالات وهذه القصص اللي حكيت لك إياها يعني رمى مرقد الإمام أبو حنيفة النعمان.

أحمد منصور: في الأعظمية.

حامد الجبوري: في الأعظمية.

أحمد منصور: ضربه، ضرب عليه؟

حامد الجبوري: ضربوه، ضربه هو، هو اللي أعطى الأوامر لمفرزة الجيش اللي قامت بهذا العمل الدنيء.

أحمد منصور: كان شيعيا؟

حامد الجبوري: لا، لا..

أحمد منصور: اسمه عمر فاروق، المفروض أنه سني.

حامد الجبوري: الأعظمية لأنها تمثل التيار القومي والمد القومي وإلى آخره.

أحمد منصور: أنت كانت علاقتك إيه بعبد الناصر في المرحلة دي وأنت تصدر صحيفة الآن وكذا؟

حامد الجبوري: والله ما عندي علاقة.

أحمد منصور: ما كانش بيمولك يعني؟

حامد الجبوري: أبدا، أبدا.

أحمد منصور: يعني كان يمول الثانيين وأنت لا؟

حامد الجبوري: يمولني؟

أحمد منصور: نعم.

حامد الجبوري: أعوذ بالله.

أحمد منصور: أنت مش قومي؟ والقوميون كلهم كانوا بيتمولوا؟

حامد الجبوري: والله ما أعرف، بالنسبة لي لا، بس بالنسبة للآخرين أنا لا أنفي ولا أصدق.

أحمد منصور: فترة الوئام بين عبد السلام عارف والبعثيين قعدت تسعة أشهر فقط، هل كان كل منهما يتربص بالآخر؟

حامد الجبوري: بالتأكيد، بالتأكيد.

أحمد منصور: كيف كانت علاقتك بالبعثيين في المرحلة دي؟

حامد الجبوري: في هذه التسعة أشهر؟

أحمد منصور: آه التسعة أشهر دي.

حامد الجبوري: على أحسن ما يرام، وخاصة مع البكر يعني حقيقة كانت. البكر عرض علي وكذا يعني عضوية مجلس الوطني، نتيجة العلاقة الشخصية حقيقة أيضا.

أحمد منصور: نعم. الناصريون تحالفوا مع البعثيين في سوريا.

حامد الجبوري: إيه.

أحمد منصور: أنتم ما تحالفتوش مع البعثيين في العراق؟

حامد الجبوري: هو هذه المشكلة، يعني أنا أحد الأسباب حقيقة أنه صارت علاقتي شوية فترت مع رفاقي وأخواني في حركة القوميين العرب أنه كان نوع من التمترس في.. أنا عقيدتي وحتى الآن أقولها، الأحزاب والتنظيمات السياسية ليست هي الهدف النهائي، الهدف هو خدمة الوطن.

أحمد منصور: يعني هي وسائل.

حامد الجبوري: هي وسائل للوصول إلى هذا الهدف، أما إذا أنا يعني أترك مصلحة الوطن في سبيل الحزب هذا شيء حقيقة غير معقول وغير مقبول. وبعدين الحقيقة أنا أشوف التيار القومي، هو أنت في خيمة واحدة لكن هذا الركن يسمونه بعثيين هذا الركن يسمونه حركة القوميين العرب وهذا الركن يسمونه الرابطة القومية وإلى آخره. فلماذا لا نجتمع؟ لماذا لا نوحد جهودنا؟ ولا سيما العدو أقوى منا بكثير؟ يعني حتى إذا متوحدين هو يبقى أقوى، أرجح لأن السلطة معه فكيف إذا إحنا مشتتين؟

[فاصل إعلاني]

العلاقة بين الناصريين والبعثيين والأميركيين

أحمد منصور: هل توجه كثير من قيادات حركة القوميين العرب مثل جورج حبش ووديع حداد وغيرهم إلى الفكر الماركسي كان له دور في أنك تركت حركة القوميين العرب في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: بدون أدنى شك، يعني أنا منذ خرجت من السجن أو قبل حتى قبل السجن كانت تجيني معلومات أنه في توجهات يعني ماركسية من بعض القيادات الموجودة وبعدين حقيقة تبنت الحركة..

أحمد منصور: يعني هم بيحاولوا في كتاباتهم وفي أدبياتهم يقللوا من دورك، وأنت في نفس الوقت يعني بترى أنهم خرجوا عن الفكر القومي في تلك المرحلة.

حامد الجبوري: والله خرجوا لا، لا أقول خرجوا لكنهم بعدئذ صارت تعرف تبنوا الماركسية وهذا مو سر، وأيضا أصبحت حركة القوميين العرب، الجبهة الشعبية..

أحمد منصور: يعني أنا فاهم منك الآن أن حركة القوميين العرب دي شلل، يعني ليست حزبا إنما مجموعات من الناس كل واحد بيفكر بطريقته وكل واحد ينظر للقومية بطريقته وعبد الناصر بيمول كل مجموعة بشكل مختلف..

حامد الجبوري: لا، لا، مو بهالبساطة..

أحمد منصور: ما أنت قلت هذا الكلام قبل شوية، أن كل واحد يروح يتصل مع عبد الناصر، عبد الناصر يعمل منه زعيم ويموله.

حامد الجبوري: لا، تمويل، أنا أقول موله؟ لا، أنا ما قلت موله، أبدا، يعني مسألة التمويل قصة ثانية.

أحمد منصور: طيب بتتمولوا منين؟

حامد الجبوري: كيف أعلم أن هذه الجهة مولت من قبل عبد الناصر؟

أحمد منصور: أنت مش كنت مسؤولا في القوميين العرب المفروض في العراق؟

حامد الجبوري: يا أخي أنا مخابرات عبد الناصر حتى أعرف إذا جمال عبد الناصر أعطى لأي جهة أو لا؟ لا، هذا غير معقول. لكن الدعم المعنوي على الأقل والسياسي، عندما يذهب إلى القاهرة ويحتفى به ويلتقي مع عبد الناصر أما قضية تمويل، والله أنا لا أنفيها ولا أؤيدها، لا.

أحمد منصور: في الجزء الرابع من مذكراته أكرم الحوراني تحدث عن مستوى الإسفاف، حسب وصفه، الذي وصل في العلاقة بين الناصريين والبعثيين بعد الخلافات التي وقعت بينهم بعد 1963، في سوريا طبعا، أنتم في العراق كان وضعكم إيه؟

حامد الجبوري: اللي بين إيش؟ آسف أنا ما كنت..

أحمد منصور: الناصريين والبعثيين.

حامد الجبوري: إيه..

أحمد منصور: كانت كيف علاقتكم مع بعض؟ هم وصلوا لمرحلة من الإسفاف كان طبعا..

حامد الجبوري: يعني بعد 1963؟

أحمد منصور: طبعا، بعد 1963.

حامد الجبوري: السلطة محرقة أستاذ أحمد، وعندما الإنسان يجي للسلطة إذا ما كان محصنا أخلاقيا ضد مغريات السلطة يعني حقيقة يتنصل من كثير من، حتى مبادئه قسم منها وعلاقاته السابقة وإلى آخره لذلك البعثيون شعروا أنهم يعني تخلصوا من عبد الكريم قاسم اللي كان مخيفا في ذلك الوقت يعني عسكريا وشعبيا وإلى آخره والاتحاد السوفياتي إلى جانبه والكتلة الاشتراكية لذلك صار عندهم غرور السلطة، غرور غير معقول يعني.

أحمد منصور: البعثيون؟

حامد الجبوري: البعثيون طبعا.

أحمد منصور: هناك مصادر كثيرة تتحدث عن علاقة للبعثيين في ذلك الوقت بالأميركان والـ (سي. آي. إيه).

حامد الجبوري: والله أنا سمعت مثلما سمعت أنت، بس ما أعرف.

أحمد منصور: محمد حسنين هيكل في عدد الأهرام اللي صدر في 27 أيلول/ سبتمبر 1963 نشر جزءا من حوار تم بينه وبين الملك حسين ملك الأردن، تم هذا الحوار في فندق ريون في باريس، وقال له الملك حسين، "اسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط 1963 قد حظي بدعم المخابرات الأميركية وأن عدة اجتماعات عقدت بين حزب البعث والاستخبارات الأميركية". هاني الفكيكي وهو بعثي وكتب كتابه عن البعث قال، إن هادي هاشم الأعظمي عضو مكتب سكرتارية الحزب.. إن هناك.. قال إن البعثيون أعطوا الأميركان بعض الأسلحة السوفياتية أثناء وجودهم في السلطة وإن علي صالح السعدي طلب ذلك وهم رفضوا لكن يقول إن هذا تم بشكل سري. وعلي صالح السعدي قال، البعث جاء إلى السلطة بقطار أميركي.

حامد الجبوري: والله طبعا هاني الفكيكي الله يرحمه هو عضو قيادة حزب البعث في ذلك الوقت فهو أكثر مني علما بهذه المواضيع، أنا الحقيقة ما، أنا قرأت أو سمعت مثلما الآن تفضلت فيه.

أحمد منصور: سعيد أبو الريش في كتابه "صدام وسياسات الانتقام" يقول إن علاقة صدام حسين بالـ (سي. آي. إيه) بدأت بعلم المخابرات المصرية أثناء وجوده في القاهرة بعد هروبه من العراق في 1959.

حامد الجبوري: أنا لا أستطيع أؤكد أو أنفي لكن يعني أنا أميل إلى نفي هذا الموضوع لمعرفتي بشخصية صدام حسين، صدام حسين لا يمكن أن يكون عميلا لمخابرات أجنبية إطلاقا، يعني حتى أنا ما.. اختلفت معه واختلفت فعلا، من جانبي على الأقل يعني، لكن لا يمكن أن أتهم صدام حسين بالعمل لأية مخابرات لا سوفياتية ولا أميركية هو صدام فقط، هو صدام.

أحمد منصور: ما هو من هذا الباب أيضا هو يتعامل معهم أنه يستخدمهم هم.

حامد الجبوري: يستخدمهم لكن ليس بالطريقة التقليدية..

أحمد منصور: وهم يستخدمونه، ما هو كل واحد من دول بيعتقد..

حامد الجبوري: ما يخالف هي أخذ وعطاء.

أحمد منصور: بالضبط.

حامد الجبوري: طبعا بالتأكيد وهذا صار في حرب إيران ويمكن نيجي عليها، وقوف أميركا ومساعدتها للعراق..

أحمد منصور: هو كان في ذلك الوقت يتحالف معهم من أجل أن يساعدوه في الإطاحة بعبد الكريم قاسم..

حامد الجبوري: شوف، أستاذ أحمد أنا أريد أبين شيئا واحدا، أن هذه النظرة العامة أن صدام مثلا عميل في الـ(سي. آي. إيه) في القاهرة وكذا وإلى آخره، هالقصة اللي..

أحمد منصور: أنا في عدة علاقات..

حامد الجبوري: ما يخالف، ما يخالف..

أحمد منصور: خليني أقول لك حاجة، العلاقات مع أجهزة الاستخبارات ليست كلها عمالة، العميل ده اللي بيقبض وهو بيشتغل وبينفذ..

حامد الجبوري: هو هذه..

أحمد منصور: لكن هناك ما هو أسوأ من العمالة والقبض.

حامد الجبوري: النتائج هي التي تحكم بعدئذ..

أحمد منصور: لأن كثيرا من هؤلاء يقولون نحن نستخدم أجهزة الاستخبارات ونتعامل معها حتى نستفيد..

حامد الجبوري: بهذا المعنى قد يكون صحيحا..

أحمد منصور: هناك جملة شهيرة جدا لرئيس الوزراء نوري السعيد، وإن كنتم الكل يكره نوري السعيد، لكن يقول "العربي لا يكون عميلا وإنما يُستأجر". هناك، من هذا المفهوم إحنا نتكلم، في عمالة، في عملاء بيقبضوا وبيشتغلوا وفي ناس ثانيين بيقيموا علاقات مع هذه الأجهزة حتى تساعدهم على تحقيق أهدافهم وهم بنفس الوقت الأجهزة بتستخدمهم تحقق بهم أهدافها.

حامد الجبوري: يعني بتكون المصلحة متبادلة.

أحمد منصور: في يعني عودة إلى وثيقة في ملف المخابرات المصرية رقمها 16829/د بتاريخ 29 يونيو 1961 تثبت علاقة صدام حسين بمديرية الـ(سي. آي. إيه) في القاهرة آنذاك بمدير الـ(سي. آي. إيه) في القاهرة آلان ديوليس، دي منشورة في كتاب "الأيام الطوال" لحسن علي سعيد وناقلها عنه سعيد أبو الريش في كتابه "صدام وسياسات الانتقام".

حامد الجبوري: أستاذ أحمد، أنا بينت لك يمكن في إحدى لقاءاتنا الخاصة أن هذه الشهادة البسيطة اللي أقدمها الآن قلت لك بكامل الوضوح أنه أنا أحاول بقدر المستطاع أقول الأشياء اللي أنا عايشتها بشكل أساسي أو اللي سمعتها من مصادر ثقة أما الكتب والاتهامات والشائعات، هذه الكثير منها موجود، أنفيها، لا أستطيع أن أنفيها..

أحمد منصور: أنا أسألك ليه هنا؟ أنت كنت وزير دولة لشؤون الخارجية بعد ذلك لمدة ست سنوات، في هذه الفترة كانت علاقتك وثيقة مع صدام حسين..

حامد الجبوري: صح.

أحمد منصور: والأشياء التي حدثت في تاريخ العراق بعد ذلك انبنى عليها أشياء في المرحلة هذه مرحلة الستينات اللي أسألك عنها. يعني لما يجي هاني الفكيكي وهو واحد عضو قيادة وكان في الحكم آنذاك ويقول إن السفارة الأميركية، ويليام ليكلاند مساعد الملحق العسكري في السفارة الأميركية في بغداد وعميل الـ(سي. آي. إيه) طلب طائرة ميغ روسية 21 ودبابات تي54 وصواريخ سام وفي المقابل أرسل الأميركيون أسلحة أميركية من تركيا وإيران إلى كركوك لمحاربة الأكراد في الحرب اللي وقعت في يونيو 1963، ده جاء في صفحة 298 من هاني الفكيكي وهاني الفكيكي واحد مسؤول بعثي وقال إن صالح مهدي عماش هو الذي قدم هذا العرض سرا، ربما يكون تعامل معه سرا بعدما رفضنا في مجلس القيادة. وعلي صالح السعدي نفسه له جملة شهيرة جدا يقول "وصلنا إلى السلطة بقطار الـ(سي. آي. إيه)".

حامد الجبوري: هسه وصلوا بالدبابة. على كل حال أستاذ أحمد..

أحمد منصور: أنا أسألك عن الحاجات دي لأن لها تبعاتها بعد ذلك.

حامد الجبوري: ما يخالف، طيب، بس هاني الفكيكي يتحمل مسؤولية الكلام اللي هو يقوله.

أحمد منصور: أنت لم تر أي شواهد لمثل هذه الأشياء بعد ذلك؟

حامد الجبوري: لا، إطلاقا.

أحمد منصور: عبد السلام عارف تعايش مع البعثيين من 8 فبراير/شباط حتى المؤتمر القومي السادس للبعث اللي عقد في دمشق وشهد خلافات، 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 انتهت العلاقة بين البعثيين وبين عبد السلام عارف. أمين هويدي كان سفيرا لمصر في بغداد ويشير في مذكراته إلى أنه كان هناك تنسيق كبير بين عبد الناصر وعبد السلام عارف في خطوات التخلص من البعثيين. أنت قابلت أمين هويدي لما كان سفيرا لعبد الناصر في بغداد؟

حامد الجبوري: لا.

أحمد منصور: معنى ذلك أن علاقتك بعبد الناصر والقوميين العرب كانت شبه لا يوجد لها، غير موجودة في تلك المرحلة.

حامد الجبوري: أي سنة من فضلك؟

أحمد منصور: أنا أقول لك 1963.

حامد الجبوري: 1963، لا، لا ما قابلت أحد.

مقتل عبد السلام عارف واستلام أخيه السلطة

أحمد منصور: أسست حكومة جديدة برئاسة طاهر يحيى وكان حظ القوميين والناصريين فيها كبيرا، أين كنت أنت؟

حامد الجبوري: ولا شيء.

أحمد منصور: أنا هنا لاحظت شيئا معينا، طاهر يحيى، رشيد مصلح، أحمد حسن البكر، حمدان التكريتي كان يجمعهم جميعا أنهم كانوا أعضاء في المكتب العسكري لحزب البعث وكلهم كانوا من تكريت.

حامد الجبوري: كلهم كانوا من تكريت صحيح.

أحمد منصور: معنى كده أن العشائرية كان لها دور في هذه الفترة المبكرة..

حامد الجبوري: هي ما تقول العشائرية وإنما الجهوية..

أحمد منصور: ما هي هي، إيه الجهوية يعني؟

حامد الجبوري: العشائرية يعني العشائر معروف في العرف العشائري.

أحمد منصور: هل نستطيع أن نقول إن عبد السلام عارف اللي حصل لنفسه على صلاحيات مطلقة أسوأ من اللي كانت لعبد الكريم قاسم..

حامد الجبوري: صحيح.

أحمد منصور: كان يحكم بتحالف بعثي ناصري؟

حامد الجبوري: عبد السلام؟

أحمد منصور: نعم.

حامد الجبوري: لا، ناصري فقط.

أحمد منصور: ناصري فقط؟

حامد الجبوري: طبعا، لا، ناصري، لا، هو أساسا 18 تشرين الأول 1963 ضرب البعث ضربة قاصمة، ردة تشرين ما تسمى في تاريخ حزب البعث.

أحمد منصور: في 26 مايو 1964 إرهاصات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق رجعت مرة ثانية، وشكل مجلس رئاسي مشترك ثم وقع اتفاق الوحدة في 16 تشرين/ أكتوبر 1964 لكنه مثل سابقه كان يحمل بذور الفشل قبل أن ينبت. إيه رأيك في الوحدات دي؟

حامد الجبوري: صحيح. وصف دقيق.

أحمد منصور: رئيس الوزراء القومي الناصري عارف عبد الرزاق قام بمحاولة انقلاب فاشلة في 16 أيلول/ سبتمبر 1965 على عبد السلام عارف وفشلت المحاولة، وأنا سجلت معه شهادته على العصر وتحدث عنها. هل كان لك أي دور أو علم بالمحاولة دي؟

حامد الجبوري: لا، علم.

أحمد منصور: علمت قبلها؟

حامد الجبوري: لا، بعدها.

أحمد منصور: عبد السلام عارف العلاقة بينه وبين عبد الناصر بدأت تسوء بعد المحاولة دي تحديدا لا سيما وأن عارف عبد الرزاق هرب إلى القاهرة.

حامد الجبوري: يعني الله يرحمه عبد السلام عارف أنا نقلا عن ضباط من قبيلتي يعني الجبور في الحرس الجمهوري في ذلك الوقت أيام عبد السلام عارف، كان يدعوهم على الفطور في رمضان، الضباط، فنقلوا لي بالنص أنه كان يحرضهم على عبد الناصر، عبد السلام نفسه يحرضهم، أن المصريين جايين يأخذوا البلح والنفط من عندكم وكلوا قبل ما يجوا الأخوان المصريين وما تحصلون على لقمة العيش. يعني كان هذا المستوى، وأنا سمعتها والله هذه مباشرة من ضباط في الحرس الجمهوري ومن لسان عبد السلام عارف نفسه، أنا ما أريد الرجل أسيء إلى ذكراه بس هذا اللي سمعته.

أحمد منصور: محمود شاكر بيقول، هو مؤرخ سوري عمل 24 مجلدا عن التاريخ الحديث، في مجلد خاص عن العراق بيقول إن العلاقة بين عبد السلام عارف وعبد الناصر بدأت تسوء تحديدا حينما ذهب عبد السلام عارف إلى مصر سنة 1965 يتوسط لدى عبد الناصر في عدم إعدام سيد قطب.

حامد الجبوري: ما سامع والله ما سامع بهذا.

أحمد منصور: بعدها لقي مصرعه في حادث طائرة غامض عبد السلام عارف في 13 نيسان/ أبريل 1966.

حامد الجبوري: صحيح.

أحمد منصور: لا زال هناك علامات استفهام كثيرة حول مقتله.

حامد الجبوري: بالتأكيد.

أحمد منصور: من تحوم حوله الشكوك؟

حامد الجبوري: والله إلى الآن ما معروف حقيقة الجهة اللي خلف، بس هي عملية تفجير للطائرة بالتأكيد يعني هذا ثبت.

أحمد منصور: ليست عاصفة أو شيء من هذا القبيل.

حامد الجبوري: ليست عاصفة ولا أي شيء، أبدا.

أحمد منصور: عبد الرحمن عارف أخوه تولى الرئاسة خلفا لأخيه من 17 نيسان/ أبريل 1966 حتى قيام انقلاب 17 تموز 1968.

حامد الجبوري: نعم.

أحمد منصور: جمال باروت في كتابه "حركة القوميين العرب"، أمين هويدي في مذكراته "خمسون عاما من العواصف" يقول إن عبد الناصر لعب دورا كبيرا جدا عن طريق إرسال عبد الحكيم عامر لحضور الجنازة وترتيب أن يتولى عارف الأكبر السلطة بدلا من أخيه.

حامد الجبوري:عارف الأكبر؟

أحمد منصور: آه يعني عبد الرحمن عارف مسميه لأنه كان أكبر من عبد السلام.

حامد الجبوري: لا، عبد السلام أكبر. لا، لا، عبد السلام أكبر من عبد الرحمن وأعلى رتبة من عنده.

أحمد منصور: أنا محور سؤالي هنا، ما طبيعة الدور الذي لعبه جمال عبد الناصر في نقل السلطة إلى عبد الرحمن عارف؟

حامد الجبوري: لا أعلم، بس أنا اللي فهمته أن رئيس الوزراء آنذاك في أيام اغتيال أو حادث احتراق طائرة عبد السلام عارف كان عبد الرحمن البزاز، الدكتور عبد الرحمن البزاز، فعبد الرحمن البزاز رجل ارتأى يعني هو شخص مثقف ثقافة عالية، أستاذ جامعي، بروفسور فارتأى نقل السلطة بشكل سلس يعني، وحتى لا يصير صراعات فيقطع الطريق عن الصراعات أنه يجيب عبد الرحمن عارف اللي هو كان رئيس أركان الجيش والجيش تقريبا تحت إمرته، فهذا هو اللي سمعته.

أحمد منصور: إيه تقييمك لفترة عبد السلام عارف؟

حامد الجبوري: والله عبد السلام يعني أنا تقييمي سلبي لها حقيقة، من كل النواحي.

أحمد منصور: إيه سلبياتها؟

حامد الجبوري: من كل النواحي.

أحمد منصور: يعني قل لي إيه سلبياتها؟ أنت رجل الآن يعني عفوا، لازم تقول لي واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة. يعني ما ينفعش أن تطلق على التاريخ والأشخاص أحكام مطلقة.

حامد الجبوري: أنا قناعتي هذه والانطباع اللي عندي، بس تحضرني..

أحمد منصور: لما نيجي دائما ننظر إلى التاريخ أو نقيم الناس، نقيم أفعالهم..

حامد الجبوري: عبد السلام عارف لا يصلح أن يكون رئيس دولة.

أحمد منصور: الحكم بيقيم بمعطيات وإيجابيات وسلبيات، إيه سلبيات حكم عبد السلام عارف؟

حامد الجبوري: ما قلت لك أنا يا أستاذ أحمد، رجل غير صالح، لا يصلح أن يدير دولة مثل دولة العراق.

أحمد منصور: مين اللي كان عندكم في ذلك الوقت يصلح ليدير العراق؟

حامد الجبوري: والله ما أقدر أرشح الآن في الوقت الحاضر أقول الشخص الفلاني، هو لو موجود مثلا شيء من الديمقراطية في ذلك الوقت..

أحمد منصور: ما كان عندكم ديمقراطية أيام الملك.

حامد الجبوري: لا، هذه ديمقراطية؟ لا، ديمقراطية مو صحيحة، يعني هو أولا وأخيرا القوات المسلحة هي المسيطرة على الوضع في العراق.

أحمد منصور: يعني أنت عايز تقول إن العسكر هم اللي خربوا الدنيا؟

حامد الجبوري: طبعا هم العسكر، بالتأكيد وبدون أدنى شك وبدون أدنى تردد، لعبوا دورا كبيرا في تخريب البلد، يعني صحيح أقاموا النظام الجمهوري لكن إلى جانب هذا أيضا الصراعات والوسائل الدموية والكذا وجروا البلد إلى يعني نكبات كبيرة الآن نعاني من عندها. يعني اليوم هو صنيعة الأمس وقبل الأمس وقبل الأمس، ماكو شيء يجيء من فراغ. فهذا هو.

أحمد منصور: فترة حكم عبد الرحمن عارف الذي كان يوصف بأنه الضعيف المستضعف.

حامد الجبوري: والله أنا حقيقة أعرفه معرفة شخصية عبد الرحمن عارف، لكن اتسم عهده بالهدوء والاستقرار للعراق، هو إنسان حقيقة يختلف عن عبد السلام اختلافا كليا..

أحمد منصور: في إيه؟

حامد الجبوري: يعني إنسان..

أحمد منصور: يعني ده يصلح رئيس دولة؟

حامد الجبوري: لا، ما أقول لك يصلح رئيس دولة لكنه يعني ما مؤذي، على الأقل غير مؤذ.

أحمد منصور: ما ينفعكوش ده.

حامد الجبوري: لا والله ليش ما ينفع؟ لا، ينفع.

أحمد منصور: ما أنت لسه قايل لي مَثل من شوية.

عودة الجبوري لحزب البعث

أحمد منصور: أنت في هذه الفترة عدت لتؤمن بالبعث مرة أخرى بعدما كفرت به سبعة عشرة عاما.

حامد الجبوري: لا، لا، أحمد، هذه.. أنا لم أكفر بالبعث ولم أكفر بحركة القوميين العرب ولم أكفر بأي.. لأنني أنا قومي وأؤمن بالقومية العربية سواء على الطريقة البعثية أو على طريقة حركة القوميين العرب لكن هذه مسائل حقيقة العودة إلى الحزب صارت ظروف..

أحمد منصور: كيف عدت إلى البعث مرة أخرى في سنة 1966؟

حامد الجبوري: والله عدت إلى البعث بعدما سقط في 18 تشرين، أقسم بالله أنني عدت إلى البعث العودة الواقعية والحقيقية وليست الرسمية الشكلية بعد ما سقط من السلطة في 18 تشرين.

أحمد منصور: لكن في هذه الفترة يعني حتى البعثيين الذين كانوا موجودين داخل الحزب زي هاني الفكيكي اللي أرّخوا للمرحلة، قالوا إن الحزب بدأ يتفكك ويضعف والصراعات بدأت تطغى على العلاقات بين القائمين عليه بالذات بعد المؤتمر السادس، معنى ذلك أن الحزب تحول إلى حزب شخصيات وليس حزب فكر.

حامد الجبوري: يعني ما هو البديل؟ تؤسس حزبا جديدا؟ ما هو البديل أستاذ أحمد؟ هذا موجود، هذه الساحة العراقية وهذا الموجود فيها.

أحمد منصور: ما هو أنا أسالك الآن، ما الذي أعجبك في البعث مرة أخرى، الرجال أم الفكر أم المبادئ؟ إيه اللي أعجبك في أنك ترجع للبعث مرة أخرى؟

حامد الجبوري: كل هذه العوامل اللي قلتها.

أحمد منصور: ما أنت قبل كده، الرجال اللي هو قائد الحزب خلاك تترك الحزب لأنه انهار وانهزم وألقى خطاب انهزام.

حامد الجبوري: لا حبيبي، فترة ميشيل عفلق انتهت وخلصت.

أحمد منصور: كان هو لا زال القائد، المؤسس.

حامد الجبوري: لا، اسمح لي، قائد مؤسس شيء لكن أكو قيادات جديدة شابة ومناضلة..

أحمد منصور: إيه الفوارق اللي لقيتها؟ مين القيادات الشابة المناضلة؟

حامد الجبوري: فؤاد الركابي..

أحمد منصور: إذا كل الأسماء، فؤاد الركابي ترك الحزب وانزوى من 1961.

حامد الجبوري: يا حبيبي هذه فترات، فترات في تاريخ أي حزب، يصير.

أحمد منصور: لثلاثة وستين كل القيادات التاريخية العراقية لحزب البعث كلها كانت تركت ومشيت.

حامد الجبوري: أحمد حسن البكر.

أحمد منصور: أحمد حسن البكر أصلا هم أخذوه علشان يبقى، ما أنت قلت بنفسك، ضحكوا عليه وصلوا وراه علشان يحطوه زعيم، علشان هو كان في وضع معين.

حامد الجبوري: اسمح لي أرجوك، يعني أنت لا تحمل كلامي أكثر مما يجب، أحمد حسن البكر صحيح اتبعوا معه هالوسيلة لكن أحمد حسن البكر لا يزال هو عسكري برتبة معينة وطني رجل عنده مؤهلات عنده سمعة طيبة، نزيه، رئيس وزراء سابق، عنده خبرة صارت ولو لمدة تسعة أشهر لكن عنده خبرة في إدارة الدولة.

أحمد منصور: لكن هل البعث، أحمد حسن البكر ده كان مفكرا؟

حامد الجبوري: يا أخي أنت مشتغل بأحزاب؟

أحمد منصور: أنا أسألك يعني كان مفكرا ولا مجرد أنه قائد عسكري؟

حامد الجبوري: أستاذ أحمد يعني أنت لا تتوقع من شخص واحد، إلا ما ندر، أن يكون هو مفكرا وهو قائدا ميدانيا وهو كذا وكذا، لا، بس التقاء هالكفاءات، هذا مجاله الفكر، هذا مجاله العمل الميداني، هذا مجاله العسكري، هذا مجاله المدني تصب كلها في قيادة واحدة أو في حزب واحد.

أحمد منصور: يعني أنت في الفترة دي اللي خلاك ترجع للبعث هو شعورك أن الفكر القومي دوره انتهى وأن دول اللي جايين للسلطة في الفترة القادمة فلا بد أن تكون معهم؟

حامد الجبوري: أنت شو تقول لي كنت معهم؟ يعني حركة القوميين العرب قصدك؟

أحمد منصور: أيوه.

حامد الجبوري: مو الدور القومي انتهى، الدور القومي موجود، حركة القوميين العرب أيضا ما انتهت، لكن أنا صارت هذه الفكرة عندي أن حزب البعث أثبت وجودا في الساحة العراقية، بعدين قام بأعمال حقيقة هذه المسألة محاولة الاغتيال لعبد الكريم قاسم، الأداء العظيم اللي كان، تعرف إحنا في ذلك الوقت، ما تحكم علينا الآن في هذه السن وفي هذه التجربة والنضج يعني الإنساني خلي نقول أكثر من السياسي أو أي شيء آخر، فتعرف هذه المسائل تؤثر بالنفس وتجذب الناس إلى جهة معينة أو قائد معين أو شخص معين.

أحمد منصور: مين قادة البعث اللي كانوا موجودين في الفترة هذه 1966، 1967؟

حامد الجبوري: والله أحمد حسن البكر، صدام حسين..

أحمد منصور: إمتى شفت صدام حسين لأول مرة؟

حامد الجبوري: في شتاء 1967.

أحمد منصور: إيه المناسبة اللي شفته فيها؟

حامد الجبوري: المناسبة يا سيدي كان عندنا مؤتمر لقيادات المكتب المهني المركزي في حزب البعث العربي الاشتراكي، وهذا المكتب المهني يضم يعني نخبة العقول النيرة في حزب البعث من أساتذة جامعات، من مختلف الاختصاصات المهنية يعني مهندسين أطباء سياسة إلى آخره اقتصاد. فهذه النخبة.. وكان في ذلك الوقت حتى حزب البعث مو بالسلطة لكن كانوا يتولون مناصبا كبيرة..

أحمد منصور: كانوا البكر وصدام هربانين في ذلك الوقت؟

حامد الجبوري: لا، مختفين. يعني مختفين إلى حد ما بس يعني حركاتهم محدودة العلنية لأنهم مطلوبين كانوا من الأمن في الحقيقة بس مو بتلك الشدة حقيقة أنا قلت لك عبد الرحمن عارف الرجل ما كان قاسيا بس أجهزة عبد الرحمن عارف اللي كانت تحكم كانت تلاحق وتتابع البعثيين. فكانت ثورة في أوساط حزب البعث عموما بعد نكبة 1967 فكان الحزب يحمّل القيادة عدم التحرك لتغيير الحكم في العراق وفتح صفحة جديدة للصراع العربي الإسرائيلي وجد الجيش العراقي وإمكانيات العراق في المعركة ضد إسرائيل فهذا كان هو خلاصة يعني الثورة اللي كانت تحتدم في صلب حزب البعث، الكوادر والقيادات وإلى آخره. فإزاء هذا الوضع جاء أحمد حسن البكر وصدام حسين في سيارة صغيرة إلى الاجتماع وأحمد حسن البكر قدم تقدمة بسيطة ما طولت دقائق معدودة وبعدين تولى صدام، هذه أول مرة أنا ألتقيه بشكل مباشر، فكان تأثيره حقيقة وشخصيته وفكره، الجوال ويعني غير الأجواء من التمرد والثورة والغضب العارم ضد الحزب وضد قيادة الحزب إلى العكس تماما، فحقيقة أعجبت بشخصية صدام في ذلك الاجتماع.

أحمد منصور: بدأت أو بدأ حزب البعث يعد للانقلاب على نظام عبد الرحمن عارف ووقع فعلا ثورة 17 تموز 1968. في الحلقة القادمة أبدأ معك من ثورة تموز أو انقلاب تموز 1968.

حامد الجبوري: إن شاء الله.

أحمد منصور: أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد حامد الجبوري وزير شؤون رئاسة الجمهورية والإعلام والثقافة والشؤون الخارجية في عهد الرئيسين أحمد حسن البكر وصدام حسين. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.