- الطفولة وبدايات مقاومة الاحتلال
- التعرف على الاتحاد السوفيتي والماركسية
- الانخراط في العمل السري
- عبد الناصر وإرهاصات الثورة
- إلى الاتحاد السوفيتي مع عزيز المصري

أحمد منصور
مراد غالب
أحمد منصور
: ولد مراد غالب في محافظة الشرقية في مصر عام 1922، نشأ في حي مصر الجديدة في القاهرة وتخرج من كلية الطب وعمل أستاذا في طب الإسكندرية بعدما حصل على الدكتوراه في طب الأنف والأذن والحنجرة، كان على علاقة وثيقة بثلاثة من ضباط ثورة يوليو عام 1952 هم صلاح الدسوقي وكمال رفعت وحسن التهامي، وقد لعبت هذه العلاقة دورا في توطيد العلاقة بعد قيام الثورة بين مراد غالب وجمال عبد الناصر الذي طلب منه أن يترك الطب وأن يتفرغ للعمل السياسي. وفي العام 1953 عينه عبد الناصر سكرتيرا ثالثا في السفارة المصرية في موسكو مرافقا للسفير الفريق عزيز المصري الذي كان غالب مع رفاقه الثلاثة على علاقة وثيقة به. بقي غالب في موسكو حتى العام 1958 حيث أتقن اللغة الروسية ونجح في صناعة علاقات وثيقة مع السوفيات، بعد ذلك استدعاه عبد الناصر من موسكو إلى القاهرة وعينه مستشارا سياسيا له. ثم عين في العام 1959 وكيلا لوزارة الخارجية المصرية ثم عينه عبد الناصر سفيرا لمصر في الكونغو حيث كان شاهدا على كافة الأحداث التي وقعت هناك فيما عرف آنذاك بأزمة الكونغو. أعاده عبد الناصر مرة أخرى إلى موسكو عام 1961 ولكن سفيرا هذه المرة، وبقي هناك إلى العام 1972 وقد لعب غالب دورا كبيرا في توطيد العلاقات بين مصر والاتحاد السوفياتي من خلال علاقاته الوثيقة بكبار القادة السوفيات، حتى لقب بأنه مهندس العلاقات المصرية السوفياتية. أعاده السادات إلى مصر بعد طرد الخبراء السوفيات وعينه وزيرا للخارجية المصرية ثم وزيرا للإعلام لعدة أشهر، ثم عينه في العام 1973 وزيرا للوحدة بين مصر وليبيا، ثم سفيرا لمصر بعد ذلك في يوغسلافيا، حيث أعلن مراد غالب في نوفمبر عام 1977 مع كل من وزير الخارجية المصري آنذاك، إسماعيل فهمي وسفير مصر في لندن الفريق سعد الدين الشاذلي استقالتهم احتجاجا على إعلان السادات ذهابه إلى القدس وعقد صلح مع إسرائيل. انتخب مراد غالب في العام 1988 رئيسا لمنظمة الشعوب الأفروآسيوية وظل في منصبه إلى أن توفي صباح الثلاثاء 18 ديسمبر عام 2007. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر العلاقات المصرية السوفياتية.

الطفولة وبدايات مقاومة الاحتلال

أحمد منصور: دكتور مرحبا بك. ولدت في العام 1922 ونشأت في حي مصر الجديدة، كيف كانت طفولتك؟ وكيف كانت مصر الجديدة في تلك الأعوام؟

مراد غالب: زي ما سيادتك قلت فعلا أنا نشأت في مصر الجديدة ولا أتذكر أي شيء قبل مصر الجديدة. مصر الجديدة في ذلك الوقت كانت صغيرة جدا وكان العرب الذين يرعون الماعز وخلافه كان بينهم وبين آخر شارع في مصر الجديدة يعني حاجة بتاعة مائة متر حاجة زي كده، فكانت يعني في بداية البداية مصر الجديدة. طبعا كانت الشركة البلجيكية عملت المترو، عملت سباق خيل من أمتع ما يمكن، عملت مدينة ملاهي، عملت سينما وعملت المترو وبالتالي يعني عملت القاعدة الأساسية لمدينة جديدة طبعا.

أحمد منصور: في شيء من تلك المعالم لا زال باقيا إلى اليوم؟

مراد غالب: في شيء واحد بس اللي هو الوزارة المركزية أو رئاسة الدولة الآن. ده اللي كان موجود يعني، وبعض المباني كانت موجودة لكن غير كده انتهى، يعني لا يوجد، المترو موجود لكن اختلف تماما، المترو كان حاجة فاخرة، المترو اللي كان موجود..

أحمد منصور(مقاطعا): كل حاجة زمان كانت فاخرة في مصر..

مراد غالب: فعلا، لأنه كان عددنا بسيط، دي قامت الثورة وعددنا تعداد مصر كان حوالي 20 مليون، دلوقت 75.

أحمد منصور: يعني كل الدول تنمو وتنمو معها حضارتها وثقافتها وليس بالضرورة زيادة السكان أن يعيش الناس في ضنك. يعني سآتي إلى هذا تباعا، ولكن من أصدقاء طفولتك في تلك المرحلة، ثلاثة أشخاص لعبوا دورا أساسيا في تاريخ مصر بعد ذلك وهم صلاح الدسوقي وكمال رفعت وحسن التهامي، كنتم أنتم الأربعة يعني لكم علاقة صداقة وعلاقة نشأة وعلاقة سكن أيضا في نفس المنطقة. ما هي مؤثرات العلاقة مع الثلاثة على حياتك بعد ذلك؟

مراد غالب: الحقيقة يعني إحنا كنا مخلصين لبعض إخلاصا شديدا جدا، وكان صلاح الدسوقي وكمال رفعت وأنا كنا في سنة واحدة، حسن التهامي كان في السنة اللي بعدنا.

أحمد منصور: أصغر منكم.

مراد غالب: أصغر منا بسنة بالضبط يعني. لكن طبعا يعني أثرنا على بعضنا البعض..

أحمد منصور(مقاطعا):بإيه؟ إيه المؤثرات اللي أثرتم فيها على بعض؟

مراد غالب: المؤثرات الأساسية كانت الوطنية وحب مصر وإخراج الإنجليز، مع أننا كنا صغيرين في السن لكن كنا بنشوفهم، ليه بتشوفهم؟ لأنهم كانوا قريبين لمصر الجديدة، فكانوا بينزلوا مصر الجديدة ويعربدوا في مصر الجديدة وبالتالي إحنا كنا بنشوف هذه المناظر يعني.

أحمد منصور: يعني رؤيتكم إيه للإنجليز في ذلك الوقت في تلك السنوات، ما الذي شكلته بالنسبة لطفولتكم؟

مراد غالب: يعني بالنسبة لطفولتنا كان الإنجليز أعدى أعدائنا، نحن كنا يعني بنعمل المستحيل علشان نطلع الإنجليز من مصر.

أحمد منصور: زي إيه في الفترة دي؟

مراد غالب: لأن الحقيقة إحنا كنا بنهان منهم.

أحمد منصور: إيه أشكال الإهانات اللي كنتم بتتعرضوا لها؟

مراد غالب: يعني احتقار وضرب وإهانة ومثلا يعني يكون الكونستابل ماشي في الشارع بالموتوسيكل هو اللي كان بيحكم الشارع وبيحكم مصر، يعني مصر بالنسبة لهم كانت عزبة بيرتعوا فيها ويعملوا اللي هم عايزينه فيها.

أحمد منصور: ممكن باختصار تقول لي من هو صلاح الدسوقي بعد ذلك، من كمال رفعت، ومن حسن التهامي؟

مراد غالب: صلاح الدسوقي كان زميل في المدرسة الإبتدائية، كمال رفعت ما كانش لسه جاء مصر الجديدة إلا في وقت مش متأخر قوي يعني لما كنا في ثانوي وطبعا العيلة كلها جاءت يعني عز الدين أعرفه ومحمد رفعت أعرفه يعني أعرفهم، كانت المعرفة معرفة عائلية يعني كنا نروح نزور البيوت نعرف، كل واحد يعرف والد الثاني ووالدته ويخش البيت كأننا يعني أعضاء في هذا المنزل وبالتالي كانت العلاقة شديدة الالتصاق يعني.

أحمد منصور: أنت سعيت في هذه الفترة للبحث عن مخرج،كما تقول، كان الإنجليز يشكلون عندكم نوع من الكراهية، انضممت لمصر الفتاة في البداية، وبعد ذلك تركتها وكان لك ميول ماركسية أيضا في نفس الوقت، كيف تقلبت تقلبات سياسية في تلك المرحلة؟

مراد غالب: شوف الحقيقة كانت البلد تغلي في هذه المرحلة، يعني بعد موت سعد زغلول سنة 1928..

أحمد منصور(مقاطعا):ممكن نقول فترة منتصف الثلاثينيات؟

مراد غالب: منتصف الثلاثينيات ممكن نقول لأنه الحقيقة في منتصف الثلاثينيات تقريبا جاء نسيم باشا وألف الوزارة، ونسيم طبعا لما ألف الوزارة جاء وعمل انتخابات حرة، عمل انتخابات حرة معناها الوفد جاي، يعني الوفد كان لا بد وأن يأتي في أي انتخابات حرة، فطبعا كان الوفد جاي ولكنه لم يستمر مدة طويلة لأن الملك على طول أقاله وجاب محمد باشا محمود، إلى آخره. طبعا يعني هذه المرحلة كانت مرحلة غليان وطني يعني أنا أتذكر بدأت إضرابات الطلبة سنة 1935 وسنة 1936 لكن من 1935 بدأت إضرابات الطلبة وقتل عدد من الطلبة يعني ولا زلت أذكر عبد الحكم الجراحي وإحنا بنهتف بنقول "رفعت العلم يا عبد الحكم ومت من جديد يا عبد المجيد" يعني كنا، يعني كانوا أبطال بالنسبة لنا.

أحمد منصور: الطلبة هنا كانوا بيلعبوا دور كبير في الحياة السياسية.

مراد غالب: بدون شك أن طلبة الجامعة وأساتذة الجامعة لكن الطلبة طلبة الجامعة وطلبة المدارس الثانوية كانوا بيلعبوا دورا كبير جدا زائد نقابات العمال.

أحمد منصور: ودول الحاجتين الآن اللي الأنظمة جاءت بعد ذلك سعت لقمعهما لأنهما دائما يمثلان نبض الشعب.

مراد غالب: بالضبط كده. لأنه الحقيقة العمال هم كانوا مهمين جدا وطبعا يمكن سيادتك سمعت على لجنة العمال والطلبة اللي هي تألفت في عهد صدقي باشا ولما جاء ديفد وخلافه، فدي كانت لجنة العمال والطلبة.

التعرف على الاتحاد السوفياتي والماركسية

أحمد منصور: ماذا عن ميولك الماركسية في تلك الفترة؟

مراد غالب: شوف حأقول لك بمنتهى الأمانة، إحنا كنا بنبحث عن يعني دور أو مثل علشان خاطر مصر تبقى قوية ومصر تبقى حرة وبالتالي كنا بنشوف إيه؟ ألمانيا فوق الجميع. ونشوف إيطاليا مثلا فوق الجميع أيضا أيام موسوليني. هو الحقيقة التعليم كان له أثر كبير جدا، أنا كان الناظر بتاعنا ناظر مدرسة مصر الجديدة الابتدائية زرع فينا حب الألمان. إزاي زرعه فينا؟ كان رجل ممتاز جدا، مش علشان زرع فينا حب الألمان طبعا، لكن كان بيروح الفصول وكان بيسأل الطلبة وكان بيتصل بهم وكان حتى يبقى المدرس موجود لكن هو يجي ويسأل الطلبة وخلافه. كان يتكلم عن الألمان بيقول إن الغواصة الألمانية لما كانت تغرق كان كل الطاقم بتاعها يوقف فوق سطح الغواصة بالموسيقى بتاعتهم وتغوص الغواصة في المياه ولا يتحرك ألماني واحد من الطاقم ولا الموسيقا تبطل تضرب. طبعا الحاجات دي كانت بتجذب، إحنا كنا طلبة في ابتدائي..

أحمد منصور(مقاطعا):مخيلتكم في تلك المرحلة.

مراد غالب: طبعا بتجذب مخيلتنا. يعني إحنا قعدنا نحب الألمان وكنا ندافع عنهم دفاعا خطيرا جدا حتى في الحرب العالمية الثانية يعني.

أحمد منصور: نعم، لم تأت على الميول الماركسية.

مراد غالب: آه، دلوقت يعني ابتدينا بعد كده كمجموعة يعني، أن ندرس إيه الاتحاد السوفياتي ده؟

أحمد منصور(مقاطعا):أما تقول كمجموعة يعني أنتم الأربعة؟

مراد غالب: يعني إحنا الأربعة إلى حد ما، ما عدا حسن التهامي، إحنا الأربعة قعدنا، لكن كان بيشترك معنا في تحليل الوضع، كما نستطيع يعني، كنا بنقول الله إيه الاتحاد السوفياتي ده؟ يعني إزاي يتغلب على ألمانيا؟ كان الألمان حاطين ثلثين القوات المسلحة بتاعتهم قدام الجبهة الروسية..

أحمد منصور(مقاطعا):الكلام ده كان في 1944 يعني وصلتم لمرحلة 1944..

مراد غالب: كان 1944 نعم، ولكن كان ثلث القوات المسلحة الألمانية كانت قدام الحلفاء وبالتالي يعني كان خيالنا راح إلى المقاومة العجيبة والعنيدة، يعني مثلا بلد زي لينينغراد يجي ستالين يقول لن تسقط لينينغراد، تقعد ألف يوم محاصرة ويأكلوا لحم الأموات ويجي لهم كل كام خضار أخضر علشان خاطر الفيتامينات بتاعتهم. ستالينغراد تقف، يعني كل يوم بيت يسقط هنا بيت يسقط هناك وبيت يتاخذ مرة ثانية من السوفيات. يعني مقاومة عجيبة الشكل، وبعدين يجي بعد كده طبعا جوكوف المارشال جوكوف وهو أحد المارشالات، مش أحد المارشالات هو أحسن أقوى مارشال في الحرب العالمية الثانية، يعني من ناحية طبعا آيزنهاور وخلافه، طبعا من ناحية التكنولوجيا كانت يعني أساطيل جاية وبتنزل عساكر وبتنزل..

أحمد منصور(مقاطعا):لكن هنا أنت بتقول بمقياس المعارك على الأرض.

مراد غالب: المعارك على الأرض. يعني كان مثلا لما جاء في ستالينغراد أحاط بالألمان وطوقهم المارشال جوكوف وأخذ المارشال فون باولس أسير طبعا وعاش في ألمانيا بعد كده، وطبعا بدأ الزحف بقى يعني السوفياتي يستمر إلى أبواب برلين وبالتالي يعني الحقيقة..

أحمد منصور(مقاطعا):بهرت بالسوفيات.

مراد غالب: بهرنا كلنا، إيه المقاومة دي؟ إيه البني آدمين دول، يعني إزاي؟

أحمد منصور: اللي أسرك إلى الاتجاه الماركسي أو اليساري كان الانتصارات التي حققها السوفيات في الحرب العالمية الثانية؟

مراد غالب: ولماذا؟ ولماذا حدثت هذه الانتصارات؟ إيه اللي خلاهم ينتصروا؟ هل الأيديولوجيا؟ هل طبيعة الشعب؟ هل..

أحمد منصور(مقاطعا): وأين وجدت الإجابة؟ كانت الإجابة إيه؟

مراد غالب: لا، الإجابة كل هذا. يعني كانت..

أحمد منصور(مقاطعا): الأيديولوجيا لعبت دور؟

مراد غالب: الأيديولوجيا لعبت دور في إيه؟ لعبت دور في أنها خلت الشعب كله يبقى موجود في المعركة.

أحمد منصور: والإنسان؟

مراد غالب: الـ masses يعني القاعدة الشعبية كلها جاءت.

أحمد منصور: وستالين؟

مراد غالب: ستالين طبعا كان صارما ولكنه مش زي الناس ما هي متصورة، يعني مش كان عمال يقتل عمال على بطال يعني، لا كان بيعمل..

أحمد منصور(مقاطعا): سنأتي لهذا ربما بالتفصيل، ولكن في تلك المرحلة؟

مراد غالب: في تلك المرحلة أيضا حأقول لك على مثل خفيف وسريع جدا، لما كان الألمان على وشك أنهم يدخلوا موسكو عند خيمكي، خيمكي دي عند المطار بتاع موسكو دلوقت، عند خيمكي عمل مؤتمر وقال نعمل إيه؟ فطبعا كل مارشال قعد يتكلم، جاء المارشال جوكوف برضه وقدم تقريره وقدم رؤيته كيف يدحر الألمان، فطبعا قال له طيب، هنا بقى يأتي ستالين، بيقولوا رأيهم، جوكوف قال رأي، آه تعال أنت بقى أنت تنفذ الكلام ده. وإذا لم ينفذه؟ آه ده وضع ثاني بقى سيذهب إلى ما وراء العالم يعني وبالتالي كان جوكوف هو اللي أخذ العملية دي، جوكوف راح لستالين بعد كده وقال له أنا عندي ضباط إيه؟ دول ضباط مهلهلين ومهماش أكفاء وما ينفعوش، قام ستالين قال له أنت تروح تحارب بهؤلاء الضباط، أنا ما عنديش غيرهم، حاجيب لك منين أنا ضباط؟

أحمد منصور: المهم النتيجة.

مراد غالب: المهم طبعا النتيجة، فطبعا النتيجة أنهم دحروا الألمان يعني.

أحمد منصور: هل هذا أدى إلى أن اتجاهك الماركسي يكون اتجاه عقائدي وأن يؤثر على حياتك بعد كده ولا كانت فترة فقط؟

مراد غالب: لا، لا، أنا عمري ما كنت ماركسي بمعنى ماركسي.

أحمد منصور: أمال بمعنى إيه؟

مراد غالب: ليه؟ حأقول لك ليه بصراحة. الماركسية مبنية على المادية الجدلية والتاريخية، المادية لم تشبع فيي الرؤية السليمة، لما أقول لك إن العالم أصله مادي، يعني إيه أصله مادي؟ طيب مين اللي أوجد المادة دي يعني؟ إذاً الماركسية والمادية تفترض أولا وجود المادة وبعدين تطور هذه المادة.

أحمد منصور: إلى متى بقيت معجبا بالماركسية؟

مراد غالب: شوف أنا يعني كنت أعجب بالماركسية وقعدت مدة، مش مدة يعني بتاعة سنة، شهور، يعني.

أحمد منصور: كنت في الجامعة؟

مراد غالب: لا ده أنا كنت طبيب.

أحمد منصور: كنت طبيب، كنت أنهيت دراستك؟

مراد غالب: آه كنت في القصر العيني.

أحمد منصور: أنت طبعا تخرجت من كلية الطب في العام 1945

مراد غالب: تمام

أحمد منصور: أصبحت معيدا في الجامعة بسبب تفوقك، حصلت..

مراد غالب (مقاطعا): قعدت امتياز، أنا طالع التاسع بتاع الدفعة بتاعتي على فكرة، كنت امتياز ونائب في القصر العيني.

أحمد منصور: نعم، حصلت على الماجستير والدكتوراه..

مراد غالب (مقاطعا):بعد كده.

أحمد منصور(متابعا): في طب الأنف والأذن والحنجرة..

مراد غالب: والجراحة العامة

أحمد منصور: وأصبحت أستاذ في كلية الطب جامعة الإسكندرية.

مراد غالب: تمام.

أحمد منصور: نعم. حتى بس الآن ما نخلط ما بين الطب والدبلوماسية بعد ذلك.

مراد غالب: فأنا طبعا رجل أقدس العلم، بصراحة تامة يعني العلم عندي ده مقدس والعلم عندي ده هو قبل كل شيء، العلم، وهذا لا يتنافى مع الدين ولا يتنافى مع الإيمان بتاتا، لأنك ممكن تبقى عالم وممكن تبقى في نفس الوقت رجل متدين.

الانخراط في العمل السري

أحمد منصور: طبعا. انخرطت في العمل السري مع أصدقائك الثلاثة أيضا، تحت قيادة الفريق عزيز المصري. مين عزيز المصري؟

"
عزيز باشا المصري كان رجلا أسطوريا لأنه كان ضابطا بالجيش التركي أيام الإمبراطورية العثمانية وحارب في البلقان واشترك في جميع الانقلابات التي كانت ضد السلطان
"
مراد غالب: عزيز باشا المصري كان أسطورة، وأسطورة ليه؟ لأن هذا الرجل كان ضابطا في الجيش التركي أو الجيش العثماني مش التركي، أيام الامبراطورية العثمانية وقد حارب في البلقان واشترك في جميع الانقلابات التي كانت ضد السلطان، وهو ده طبعه يعني حتى هنا كان ضد الملك وضد.. ودي بقى لها قصة لطيفة جدا يعني مش حأحكيها طبعا دلوقت إلا إذا أنت حبيت يعني، وبعدين حارب في اليمن وأصيب بالكوليرا في اليمن وحارب تقريبا في كل مكان في الشرق الأوسط تبع الإمبراطورية العثمانية.

أحمد منصور: رجل محترف.

مراد غالب: رجل محترف..

أحمد منصور: مقاومة.

مراد غالب: عسكريا ومحترف حروب ومحترف مقاومة ويعني..

أحمد منصور(مقاطعا):وكان جواه تمرد دائم.

مراد غالب: بالضبط كده، هو تقدر توصفه تماما أنه a rebellious أنا آسف يعني..

أحمد منصور: متمرد

مراد غالب: متمرد، فهو متمرد بطبعه.

أحمد منصور: إيه اللي عرفك على عزيز المصري؟

مراد غالب: اللي عرفني الحقيقة على عزيز المصري هم أخواني وزملائي اللي هم كمال رفعت وصلاح الدسوقي وحسن التهامي.

أحمد منصور: هم عرفوه قبلك؟ هم كانوا عسكريين وأنت كنت مدني، إيه اللي ربطك بالعمل السري وأنت مدني؟ هم عسكريون بطبيعة العسكريين في تلك المرحلة.

مراد غالب: لا إحنا زي ما قلت إحنا كنا مرتبطين مع بعض ارتباطا كبيرا جدا، ارتباط روحي..

أحمد منصور(مقاطعا):كنت على دراية بأن في حركات سرية كثيرة موجودة في تلك المرحلة في مصر؟

مراد غالب: طبعا.

أحمد منصور: لم تنجذب إلى أي منها؟

مراد غالب: لا، الحركات السرية كانت هم اللي بيعملوا الحركات السرية يعني هم كانوا أحد أجنحة الحركات السرية في مصر وكانوا يعني مش عايز أقول إحنا كنا بنموّت يعني العساكر الإنجليز و..

أحمد منصور(مقاطعا):شاركت في عمليات ضد الإنجليز؟

مراد غالب: آه طبعا.

أحمد منصور: عملت إيه؟

مراد غالب: يعني رحت معهم وكنا بنمشي في الظلمة بقى في مصر الجديدة إذا لقينا عساكر إنجليز أو عساكر بيعملوا مع الإنجليز كنا بنموتهم يعني.

أحمد منصور: آه يعني موّت برضه؟

مراد غالب: لا أنا ما موّتش..

(ضحك)

مراد غالب: لا طبعا كان عندنا من يقوم بهذا العمل خير قيام، يعني كان أقوى واحد فينا بصراحة كمال رفعت.

أحمد منصور: كان بيعمل إيه كمال؟

مراد غالب: كان قوي جدا..

أحمد منصور(مقاطعا): قوي البنية تقصد؟

مراد غالب: وكان جريئا جدا. صلاح الدسوقي كان كمان مبني كويس قوي، حسن التهامي كان جريء ومندفع، يعني هو اللي اشترك مع..

أحمد منصور(مقاطعا):يعني هم دول اللي كانوا بيدبحوا، أنت كنت تقف بس تشوف لهم السكة؟

مراد غالب: أنا كنت أقف كده يعني برضه أشاركهم وأديلهم، أنولهم..

أحمد منصور(مقاطعا): السكينة مثلا وكده.

مراد غالب (متابعا): الآلات والبتاع والحاجات دي، ما فيش أكثر من كده يعني.

أحمد منصور: يعني ما تخافش ما فيش محاكمة ولا حاجة.

مراد غالب: لا ما أنا خلاص بقى.

أحمد منصور: ما حدش حا يحاكمك.

مراد غالب: ما فيش. لا يعني كان الأمر فعلا بهذا الشكل. ولكن لم يقتصر عملنا على هذا ولكن أي واحد كان بيوقف ضد مصالح مصر كنا بنؤذيه تماما.

أحمد منصور: عزيز المصري كان له معتقدات فكرية معينة؟

مراد غالب: عزيز المصري لم يكن له إلا أن يكون عسكريا وكان المثل بتاعه الأعلى البروسيين، يعني الفونات كلهم يعني، الفون باولس على فون مانشتاين على فون بوك..

أحمد منصور(مقاطعا):لأنه كان في تلك المرحلة يحتفظ بعلاقات مع معظم الحركات السرية والوطنية في نفس الوقت، مع الأخوان المسلمين، مع مصر الفتاة، مع الوفديين، مع الحركات السرية المختلفة.

مراد غالب: ده صحيح.

أحمد منصور: وحتى عملية تهريبه من مصر شارك فيها ضابط من الأخوان وشارك فيها ضباط وطنيين من جهات مختلفة.

مراد غالب: أنت عارف مين شارك فيها؟

أحمد منصور: عبد المنعم عبد الرؤوف..

مراد غالب: وحسن ذو الفقار صبري. وللأسف الشديد -مش للأسف الشديد- يعني حسين جاء وراح، فاتح الطرمبة بتاعة البنزين علشان لما يجوا الصبح يروحوا قايمين على طول، فجاء عبد المنعم عبد الرؤوف برضه جاءت له نفس الفكرة فراح علشان يفتح الطرمبة بتاعة الزيت فقفلها، لأنها كانت مفتوحة، فسقطت عند قليوب تقريبا..

أحمد منصور(مقاطعا): الطائرة سقطت وقتها. لكن أنت هنا لما انخرطت معهم تحت قيادة عزيز المصري كان هدفكم إيه؟

مراد غالب: شوف، كان هدفنا التخلص من نظام الحكم ورجال نظام الحكم الذي كان موجودا في هذا الوقت.

أحمد منصور: هل التخلص من نظام الحكم أم التخلص من الاحتلال البريطاني؟

مراد غالب: ما إحنا كنا بنعتقد أن الاستعمار البريطاني كان مرتبطا بهؤلاء الناس، يعني مين اللي كان بيثبت الاستعمار البريطاني؟ كان هو نظام الحكم يعني. فطبعا كنا يهمنا أن نضرب الناس دول، أو كان عزيز باشا المصري بيوجهنا لضرب هؤلاء الناس. فطبعا يعني يمكن سيادتك عارف حسن سري عامر والاعتداء عليه واللي على فكرة حاول يضربه كان التهامي.

أحمد منصور: حسن التهامي.

مراد غالب: نعم، ولكن فلت على كل حال.

أحمد منصور: أنت كنت على دراية بالعملية؟

مراد غالب: لا، بعدها على طول، عرفت طبعا. لكن كان الحقيقة جمال عبد الناصر بعدها تغير تماما وقال أن هذه ليست هي الوسيلة أن نحن..

أحمد منصور(مقاطعا): آجي هنا لجمال عبد الناصر، متى تعرفت على جمال عبد الناصر؟

[فاصل إعلاني]

عبد الناصر وإرهاصات الثورة

مراد غالب: أنا تعرفت على جمال عبد الناصر، شوف، أنا شفته في مصر الجديدة، في شارع إبراهيم تحت البواكي اللي هي موجودة لغاية دلوقت هي موجودة، أنا ما قالوليش أنا كنت مع كمال رفعت وحسن التهامي وصلاح دسوقي، قالوا لي اسمع خليك هنا في الكربة كنا في مصر الجديدة، إحنا حنروح مقابلة مهمة..

أحمد منصور(مقاطعا): كانت سنة كام تفتكر دي؟

مراد غالب: كانت قبل الثورة بحوالي سنتين..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني نقول 1950

مراد غالب: 1950، أنا في الصيف لاقيتهم يعني مجموعة من الضباط لكن..

أحمد منصور(مقاطعا): كانوا لابسين ضباط ميري؟

مراد غالب: لا كانوا لابسين بنطلونات وقمصان، ولفت نظري جمال عبد الناصر، يعني ماكنتش أعرف أنه جمال عبد الناصر يعني الضابط كان أطول واحد فيهم اللي هو جمال عبد الناصر لكن ماقالوليش بصراحة..

أحمد منصور(مقاطعا): وأنت ما سألتهمش؟

مراد غالب: لا، الحاجات دي..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت كنت تعرفت على أي مجموعة أخرى سرية غير المجموعة بتاعتك دي؟

مراد غالب: لا.

أحمد منصور: فقط كانوا دي حلقتك الوحيدة.

مراد غالب: فقط كانت دي حلقتي. وكان معانا الدكتور طلعت السيد كان مدرس في كلية الهندسة ورجل وطني تماما، وأحمد الرزنامجي كان في كلية الزراعة، يعني لكن دول ما استمروش..

أحمد منصور(مقاطعا): كان لكم لقاءات منتظمة؟

مراد غالب: طبعا.

أحمد منصور: يعني مثلا كل يوم سبت كل يوم أحد الساعة كذا؟

مراد غالب: آه كان لنا لقاءات منتظمة.

أحمد منصور(مقاطعا): كنتوا بتدردشوا في إيه في اللقاءات دي؟

مراد غالب: بندردش في إيه؟ إيه الخطوة اللي جاي. يعني أنا مش عايز أقول..

أحمد منصور: بس أنت عمال تطلع نفسك بريء ولا دبحت ولا قتلت ولا..

مراد غالب (مقاطعا): لا، لا أنا ما أعرفش أدبح. (ضحك) على كل حال أنا مش عايز أطلع نفسي بريء، لكن يعني البريء ما يقولش أبدا إنني كنت ياسلام مبسوط قوي من الدبح يعني مش معقول يعني. على أي الحالات أنا كنت عضو عامل يعني في..

أحمد منصور: متى اكتشفت أو تعرفت شخصيا على جمال عبد الناصر وجها لوجه؟

مراد غالب: كان هذا الكلام بعد الثورة..

أحمد منصور(مقاطعا):إنما دي المرة التي شفت فيها..

مراد غالب (مقاطعا): أول مرة لما قامت الثورة أنا كنت في كلية الطب جامعة الإسكندرية، وإحنا أول جامعة وأول برقية بتطلع لتأييد الثورة..

أحمد منصور(مقاطعا): كان يوم كام؟

مراد غالب: كان يوم 24 على طول.

أحمد منصور: أنت ليلة 23 كنت عارف أن في ثورة حتقوم؟

مراد غالب: لا.

أحمد منصور: حتى زملاءك وأصدقاءك وخليتك لم يخبروك بشيء؟

مراد غالب: لا، لا لم يخبروني. ليه بقى؟ لأنني كنت في الإسكندرية وهم كانوا في القاهرة.

أحمد منصور: قبلها كان في تحضيرات كان عندك علم بها؟

مراد غالب: آه كان عندي علم بأنه لا بد من خيار الثورة.

أحمد منصور: لكن دي ماكانتش ثورة دي كانت حركة إلى ذلك الوقت؟

مراد غالب: آه طبعا.

أحمد منصور: وكان الهدف من الحركة تصحيح الوضع وليس قلب النظام.

مراد غالب: شوف، نحن ما كانش في كلام عن قلب النظام ولكن كان في عدم رضا تام ضد الملك وضد الحاشية بتاعته وخلافه، يعني لكن ما كانش في التخطيط التخلص من الملك بالطريقة اللي حصلت بها يعني.

أحمد منصور: طبعا أنا لو رجعت للقائك في الكربة لما قابلت جمال عبد الناصر للمرة الأولى في سنة 1950، عرفت أن ده جمال عبد الناصر إمتى؟

مراد غالب: لا عرفت أن ده جمال عبد الناصر بعد الثورة.

أحمد منصور: طيب مين اللي قال لك إن ده الشخص اللي كان طويل يوم ما جينا؟

مراد غالب (مقاطعا): لا، أنا بقى طبعا يعني وأنا بعيد..

أحمد منصور(مقاطعا): لكن لم تلتق مرة أخرى مع أحد ثاني من المجموعة؟

مراد غالب: لا بصراحة لا كنت ألتقي معاهم وهم كانوا يلتقوا معاه، هم كانوا الخلية بتاعة جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: هنا بقى النقطة المهمة أن جمال عبد الناصر كان بينشط وسط كل الخلايا السرية من كل الاتجاهات؟ أخوان، ومصر الفتاة، والشيوعيين، وكل شيء وكان قريب من الكل ويحاول أن يبين للكل أنه معه حتى قامت الثورة فاكتشف الجميع أن عبد الناصر مش مع حد معين من كل المجموعات. صح؟

"
جمال عبد الناصر كان رجلا يحمل في ذهنه أفكارا محددة ومعينة لم يكن يفصح عنها، وصحيح أنه اتصل بكل الأحزاب والقوى الموجودة في الساحة المصرية مثل الوفد والإخوان ومصر الفتاة
"
مراد غالب: هذا صحيح. جمال عبد الناصر رجل كان يحمل في ذهنه أفكار محددة ومعينة ما كانش بيفصح عنها، لكن اللي حصل من جمال عبد الناصر ده حصل عندنا كلنا، يعني إحنا اتصلنا بكل الأحزاب، اتصلنا بالوفد والأخوان، طبعا الأخوان ما نتصلش بهم أوي، لكن كان مصر الفتاة وكان يعني مجموعات..

أحمد منصور(مقاطعا): كلكم تبحثون عن مخرج.

مراد غالب: ما في شك، يعني وكان في عزيز فهمي مثلا..

أحمد منصور(مقاطعا): البحث عن مخرج في تلك المرحلة برضه، حتى تكون الصورة واضحة، لم يكن يفكر أحد في أن المخرج هو إنهاء الملكية وقيام جمهورية مثلا؟

مراد غالب: بدون شك كان فيه، وإحنا نفسنا كنا عايزين.

أحمد منصور: الانقلابات كانت لسه يعني باستثناء انقلاب حسني الزعيم في سورية 1949، لم يكن مسلسل الانقلابات العسكرية التي كانت ثورة 1952 أو انقلاب 1952 كانت تقريبا ماكانتش ظاهرة في المنطقة. كنتوا بتفكروا بالتغيير في أي شكل من الأشكال؟

مراد غالب: لا، يعني التفكير في التغيير هو يعني تبلور في الآخر بعد تجربة جميع الأحزاب أن هذه الأحزاب لا تستطيع أن تغير شيئا ولا تستطيع أن تصلح إصلاحا حقيقيا، خصوصا أنه بصراحة الوفد تغير يعني تغير تماما، أصبح بعد ما كان حزب مناضل أصبح حزب يهادن السرايا ويهادن سير مايلز لامبسون نفسه اللي هو السفير البريطاني.

إلى الاتحاد السوفياتي مع عزيز المصري

أحمد منصور: نعم، عبد الناصر بعد قيام الحركة كان عزيز المصري رجل له مكانته عند كل المصريين وسعى عبد الناصر لأن يبعد عزيز المصري عن مصر لأن عزيز المصري رجل كما قلت أنت متمرد وكان يمكن أيضا أن يتمرد على عبد الناصر أو يقود تمرد ضده فعبد الناصر أرسله سفيرا لمصر في موسكو.

مراد غالب: الحقيقة كلهم تقريبا من مريدي عزيز المصري، ومن تلامذة عزيز المصري، كل الثورة يعني بما فيهم جمال عبد الناصر وبما فيهم حتى محمد نجيب، كانوا بتوع يعني كانوا متصلين بعزيز المصري، عزيز المصري زي ماسيادتك قلت هو راجل متمرد بطبعه.

أحمد منصور(مقاطعا): أنت اللي قلت مش أنا.

مراد غالب: زي بعضه أنا اللي قلت. أنا موافق على كده ومقتنع أنه كان فعلا متمرد، لكن كان لا يحمل أيديولوجيا خاصة غير الأيديولوجيا اللي أنا قلت لك عليها، العسكرية الصارمة يعني. فقال طيب نوديه فين؟ قال نوديه روسيا. فجاء قال لي نحن حنروح روسيا، قلت له ما فيش مانع نروح روسيا. لأنني برضه عايز أعرف إيه روسيا دي؟ وحتى لما جاء.. هنا بقى في حاجة مهمة ونحن رايحين روسيا، من الذي أعطانا التعليمات اللازمة؟ كان جمال عبد الناصر. الكلام ده 1953 يعني جمال عبد الناصر كان يحكم، في الواقع هو الذي كان مسيطرا على حركة الضباط الأحرار.

أحمد منصور: يعني الذي كلفكم أو الذي أعطاكم..

مراد غالب: التعليمات.

أحمد منصور: يعني إيه كانت التعليمات؟

مراد غالب: التعليمات هي الآتي، أولا..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت فقط وعزيز المصري اللي جلستم مع عبد الناصر؟

مراد غالب: وأظن كان حسن التهامي. أول حاجة كانت البترول، لأننا كنا خايفين الإنجليز يقطعوا عن الثورة البترول اللي جاي من السويس، فكنا عايزين بترول.

أحمد منصور: من روسيا.

مراد غالب: من روسيا. تاني حاجة القطن..

أحمد منصور: تصدير القطن المصري.

مراد غالب: أيوه تصدير القطن المصري لأن اللي حصل يعني أحيطت هذه التجارة بمنع القطن المصري..

أحمد منصور: ده الذهب الأبيض المصري، كان.

مراد غالب: أن يباع، وبالتالي نحن عايزين أسواق لتصريف القطن المصري، فكنا عايزين القطن المصري. ثالث حاجة السلاح لكن جمال عبد الناصر..

أحمد منصور(مقاطعا): قال لكم إيه في السلاح؟

مراد غالب: مين جمال عبد الناصر؟ أنا حأقول لك على حاجة عجيبة جدا، جمال عبد الناصر قال لي، قال لنا يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت وعزيز المصري.

مراد غالب: أنا وعزيز المصري. ولو إني أنا... لا ده قالها في المرة الثانية لأن عزيز باشا سافر قبلي لأنه كان في إجراءات لازم أخلصها. قال لي لكن أنا ما عنديش أمل في السلاح..

أحمد منصور: أنه ممكن السوفيات يدوا لكم سلاح؟

مراد غالب: وفعلا السوفيات قعدوا يمطوحوا فينا من 1953 إلى 1955.

أحمد منصور: أنت نقلتك من مدرس في كلية الطب إلى وزارة الخارجية بدرجة سكرتير ثاني قلت لي أن شغفك بالمعرفة لم يدفعك إلى أن تتردد في قبول هذا، قلت لي الآن أن أهداف عبد الناصر او أهداف ابتعاثك أنت وعزيز المصري إلى موسكو كانت واضحة بشكل كبير لدى عبد الناصر وتلخصت في ثلاثة أشياء في البداية. أنتم كيف كنتم تنظرون إلى الاتحاد السوفياتي آنذاك؟

مراد غالب: نحن ما كناش، هو الحقيقة كانت في مناقشة طبعا، لما قابلنا جمال عبد الناصر لما قابلته آخر مرة..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت أول مرة إمتى قابلت عبد الناصر؟

مراد غالب: يعني في أواخر 1952.

أحمد منصور: قابلته بأي صفة في الوقت ده؟

مراد غالب: مع أخواننا يعني.

أحمد منصور: بس كده قعدة تعارف يعني؟

مراد غالب: قعدة تعارف، عزمنا هو على الغداء ومش عارف إيه يعني. لكن إحنا بنقول 1953 مش كده؟ الحقيقة أنه كان سبق ده حديث، مناقشة حول إيه الاتحاد السوفياتي؟ فجمال عبد الناصر قال نحن ما عندناش فكرة عن الاتحاد السوفياتي، نحن نريد أن نستكشف الاتحاد السوفياتي، وعليكم أن تستكشفوا، عليك _بيكلمني أنا _ عليك أن تستكشف الاتحاد السوفياتي. يعني استكشاف الاتحاد السوفياتي وما الذي يستطيع أن يقدمه لنا الاتحاد السوفياتي؟ يعني دي كانت خلاصة الأحاديث اللي كانت موجودة، وإداني الثلاث مهام اللي قلت لسيادتك عليها. ورحنا للاتحاد السوفياتي..

أحمد منصور(مقاطعا): إزاي رحت؟

مراد غالب: آه دي بقى جميلة جدا، رحت ياسيدي.. تزوجت قبل ما أروح. أنا قلت يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني إلى أن كلفت لم تكن متزوجا؟

مراد غالب: لا لم أكن. تزوجت، وطبعا زوجتي كانت لسه فتاة صغيرة، فنحن ركبنا بقى الطيارات الأبهة الأميركاني، الكونستيوليشن، وبعدين الـ(دي.سي.فور) لها أربع محركات، فاخرة جدا من جوه، وحاجة يعني very impressive يعني حاجة لها تأثير قوي جدا على الواحد، أربع محركات وهي اللي ضربت ألمانيا وفشفشتها لأن دي كانت أصلا حاملة قنابل بتاعة أربعة محركات، وحولوها (دي.سي) حولوها إلى طائرة ركاب، وكانت أجمل بنات في العالم كانوا هم المضيفات فكانت يعني حاجة فاخرة لغاية رحنا على باريس ومن باريس ستوكهولم وبعدين إلى فنلندا..

أحمد منصور(مقاطعا): هيلسنكي.

مراد غالب (متابعا): كل ده بالطائرات الفاخرة دي..

أحمد منصور(مقاطعا): هو ده كان الطريق إلى موسكو من مصر في ذلك الوقت؟

مراد غالب: آه طبعا، وبعدين كانت زوجتي معايا، ويعدين نادوا على طائرة موسكو فزوجتي بصت كده لاقت طائرة تعبانة جدا بمحركين ويعني شكلها مبهدل وحاجة يعني، قالت لا أنا مارحش. قلت لها ماتروحيش إزاي؟ بقا نجي لفنلندا هنا ونرجع ثاني إزاي؟ أنت صرفت كل حاجة في السويد وجبت حاجات كثير قوي علشان ما عنديش حتى دلوقت فلوس أرجع فيها..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني فعلا رفضت أنها..

مراد غالب: وقالت لا أنا ما أركبش. ياستي أنا في عرضك، ما يصحش وبتاع وحاجة زي كده، والآخر بعد إلحاح مني ركبت الطائرة ودخلنا الطائرة وإذا بها من جوه حاجة بشعة. أول صدمة، دكة هنا ودكة هنا وبتقعد على الدكة دي وبعدين بدل الـ hostess الجميلة قوي دي hostess ثاني بقى عضلات بقى وبتاع ومش عارف إيه، مش hostess ، رجل، عضلات وبتاع ودخل علينا كده وراح رامي.. يعني بعد ما طرنا بشوية، راح رامي لكل واحد صينية كده عليها شوية سندويتشات. أنا فاكر أول سندويتش يعني كافيار مضغوط، وسجق بتاعهم ومش عارف إيه..

أحمد منصور(مقاطعا): إنطباعك كان إيه بقى؟ البلد اللي أنت رايح لها دي بانت من الطيارة.

مراد غالب: أنا بقى قلت زي بعضه لما نشوف، يعني خلينا بأعصاب باردة، الواحد يستقبل حاجة زي دي. طبعا زوجتي تقول شايف، شايف أنت جايبني فين؟ الكلام ده هو يعني. رحنا وصلنا أول حاجة لينينغراد، راحوا حابسينا في هول قد الحتاية دي كلها كده، وراحوا قافلين علينا بالمفتاح وسابونا.

أحمد منصور: في المطار؟

مراد غالب: آه في المطار، سابونا وبعدين بقى جاء واحد أخذنا علشان نكمل الرحلة إلى موسكو، ياسيدي وصلنا موسكو فكان عزيز باشا يظهر قال لهم ده من رجال الثورة وحاجة زي كده فكانوا حاجزين لي جناح في فندق بتاع متروبول، وده كان فندق تاريخي وكان فيه ذوات القيصر كانوا بينزلوا فيه وحاجة فاخرة، فاخرة بالنسبة للنظام القديم يعني، كلها حاجات مدهب، الكرسي يعني يده خمسة ستة علشان يزحزوه من المكان اللي هو فيه..

أحمد منصور(مقاطعا): بقايا الإمبراطورية.

مراد غالب: بقايا الإمبراطورية. قعدنا فيه وبعدين أنا نزلت علشان نروح السفارة مالاقيتش، حأقول لمين؟ ما أنا لازم أركب تكسي، فيادوبك قلت له بالعافية كذا..

أحمد منصور(مقاطعا): ماكنتش تعرف روسي وقتها؟

مراد غالب: لا أبدا. لاقيت واحد سكران نايم على الرصيف الساعة عشرة الصبح. إيه ده؟ وليه بيسكر ده؟ وبعد شوي لقيت جحافل ماشية في الشارع ساعة المغرب بعد ما خلصوا شغل ولابسين كلهم بلاطي قاتمة عبارة عن كحلي غامق وبني غامق وأسود، الله! والشارع كله بهذا الشكل..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت رحت طبعا في الشتاء.

مراد غالب: آه كان في سبتمبر وكان سبتمبر ساقع جدا مش زي دلوقت وبعدين الله إيه ده طيب وليه يعني ما فيش ألوان عندهم؟

أحمد منصور: أصبت بكآبة؟ خاصة مع وقت المغرب.

مراد غالب (متابعا): تضايقت جدا وقلت ياواد استمر في الموضوع. وبعدين بعد كم يوم جابوا لي تذاكر في بولشوي تياتر، في جيزيل، جيزيل دي قصة بديعة جميلة وموسيقا رائعة، فلاقيت إيه؟ إعجاز. إعجاز في الألوان في الملابس في الرقص في الموسقى في الإخراج حاجة من وراء العقل، إيه ده؟ قعدت أتساءل! بقى دول هم اللي ماشيين في الشارع؟

أحمد منصور: هم هم؟

مراد غالب: أيوه يا سيدي هم هم!

أحمد منصور: معقول هم هم؟ ليس طبقة راقية..

مراد غالب (مقاطعا): لا، لا، ولا حاجة، هم من الناس ومن الشعب يعني وبسطاء يعني.

أحمد منصور: دي أول صدمة مثلتها عندك؟

مراد غالب: دي الصدمة الحقيقة، يعني احترت بقى في تقييم..

أحمد منصور(مقاطعا): ودي كانت بداية محاولتك أن تفهم وأن تعرف السوفيات؟

مراد غالب: ولكن برضه أصريت أن أتعلم اللغة الروسية..

أحمد منصور(مقاطعا): مين أول مسؤول روسي قابلته؟

مراد غالب: أول مسؤول روسي، كان في قائم بأعمال سوري عمل حفلة عشاء فعزمني في حفل العشاء، اسمه عدنان الأزهري..

أحمد منصور(مقاطعا): بعد وصولك بقد إيه؟

مراد غالب: بعد وصولي بحاجة بسيطة الحقيقة، لأنني أنا كنت المتزوج الوحيد في السفارة فجاب لي أنا ومراتي، فرحنا..

أحمد منصور(مقاطعا): كان في أحد غيرك أنت وعزيز المصري في السفارة؟

مراد غالب: آه طبعا كان في اثنين ثانيين، وبعدين أنا لما تعينت سكرتير ثالث قلت لجمال عبد الناصر إيه سكرتير ثالث دي؟ أنا رجل أستاذ في الجامعة، أنا أستحق مرتبة أعلى من كده. قال لي بقول لك إيه؟ لو عينوك أوطى من كده روح، لو عينوك أمين محفوظات روح..

أحمد منصور(مقاطعا): عسكري بقى لازم تقبل..

مراد غالب: لا، روح مش علشان عسكري، هو عايز أحد يستكشف له الاتحاد السوفياتي بصرف النظر يعني هذا الأحد مرتبته إيه..

أحمد منصور(مقاطعا): فرصة خلص من عزيز المصري وبعثه هناك وأنت تقوم بالدور اللي هو يريد أن يفهمه.

مراد غالب: بالضبط. الحقيقة عزيز باشا المصري ما كانش موافق قوي. أقول لك على قصة جميلة جدا. المفروض بالسفير أنه عندما يذهب إلى البلد اللي هو عين فيها سفيرا أنه يروح يدي صورة من أوراق اعتماده إلى وزير الخارجية، وزير الخارجية يومها فيشنسكي، وفيشنسكي كان.. أوه حاجة خطيرة..

أحمد منصور: طبعا أنت في مارس 1953 كان مات ستالين، وأنت رحت في سبتمبر 1953 فكانت لسا الفترة الستالينية شغالة؟

مراد غالب: بالضبط كده هي بقى فترة كانت خطيرة فطبعا لما..

أحمد منصور(مقاطعا): عزيز المصري بيقدم أوراق اعتماده لوزير الخارجية.

مراد غالب: قدمها لغروميكو مش فيشنسكي في سبتمبر زي ما أنت عارف الجمعية العمومية منعقدة ومش عارف إيه فقدمها لأندريه غروميكو، فقعد أندريه غروميكو يتكلم معاه يعني، فالحديث جرى كالآتي: ما هو الكاتب الروسي الذي في نظرك أعظم كاتب؟ قال له ديستويفسكي. هو ده أنا عرفته بعد ما جيت من عند غروميكو طبعا، كان بيحلق بالموس الكبير دهوت ومشطب ذقنه والدم عمال ومتنرفز وبيقول أنا ماشي ورايح مصر. الله! طيب، قلت له: قلت له إيه؟ أنا بقول لعزيز المصري، قلت له ديستويفسكي؟ أنت ما تعرفش ديستويفكسي كتبه ممنوعة في الاتحاد السوفياتي؟ قال لي يبقوا أولاد كلب. مش عارف إيه. طيب أولاد كلب وبعدين؟ قال له أنت إيه اللي عجبك في ديستويفسكي؟ قال له عجبني أنه بيصور الجنون الروسي أحسن تصوير. وفعلا ديستويفكسي داخل في أعماق الشخصية الروسية في كتاباته وقصصه كلها، وأنا بعتبره أعظم قصصي الإنسانية جابته، ديستويفسكي. فطبعا أنا قلت له أنت إزاي تقول الجنون الروسي؟ هو بيصور contradiction المتناقضات في الشخصية الروسية التي نابعة من الطبيعة الروسية، البرد الشديد جدا اللي بيوصل أربعين وخمسين في سيبيريا إلى الحر الشديد في سيبيريا برضه اللي بيوصل 35 وأربعين ساعات وبتاع، فهو بيصور يعني المتناقضات في الشخصية لكن تقول له الجنون الروسي؟! أيوه أنا قلت له الجنون الروسي..

أحمد منصور(مقاطعا): لا زالت الشخصية العسكرية غالبة عليه.

مراد غالب: وبعدين الكارثة بقى جاي، لما سمع غروميكو هذا الكلام، جنون إيه وبتاع إيه ده واحد مش موجود خالص، فقال له على أية حال إذا عزتوا أي حاجة كلموا السفير بتاعنا في مصر..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني بيلغوا وجودكم خالص؟

مراد غالب: يعني يلغوا وجود عزيز المصري خالص. فجاء قال لي أعمل إيه أنا؟ إذا كان الواحد بيقول.. جايبين حتة عيل وعاملينه نائب وزير! ولكن شوف، عزيز باشا كان فيه متناقضات كثيرة لكن بدون شك أنه لماح وذكائه زي ما تقول..

أحمد منصور(مقاطعا): ولكن أيضا واحد في نهاية السبعينيات من العمر ويرسَل إلى مهمة مثل هذه وبهذه الشخصية، عبد الناصر كان يفكر في التخلص منه أكثر من تكليفه للقيام بهذه المهمة.

مراد غالب: هو كده، يعني كان العبء تقريبا كان علي يعني.

أحمد منصور: وبدأت تقوم بدورك، وفي الحلقة القادمة أبدأ معك من بداية دورك الأساسي في الفترة الأولى في الاتحاد السوفياتي. أشكرك شكرا جزيلا.

مراد غالب: يعني نحن خلصنا النهار ده؟

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامح وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.