- بدايات عهد الثورة ولجان تسريح الضباط
- أدوار الضباط في مجلس قيادة الثورة

- العلاقة بين عبد الناصر ومحمد نجيب

- أخطاء محمد نجيب وأسباب تصفيته

أحمد منصور
جمال حماد
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة اللواء أركان حرب جمال حماد أحد قيادات الضباط الأحرار في ثورة يوليو في عام 1952 في مصر وكاتب بيان الثورة الأول، سيادة اللواء مرحبا بك.

جمال حماد: مرحبا بك يا أفندم.

بدايات عهد الثورة ولجان تسريح الضباط

أحمد منصور: تغير كل شيء في مصر، سيق قادة الجيش والوجهاء والسياسيون إلى معتقلات الضباط الأحرار، تمت تصفية كافة قيادات الجيش ولم يعد هناك من يحمل رتبة أعلى من رتبة مقدم إلا قليلا من الضباط، محمد نجيب يقول إنه تم تسريح ثمانمائة ضابط خلال هذه الفترة بينما يقول أحمد حمروش في كتابه إن هناك خمسمائة ضابط تم تسريحهم خلال الشهور الثلاثة الأولى من الثورة. كنت أنت مديرا لمكتب محمد نجيب قائد الثورة من اليوم الأول، كيف بدأ الصراع بين الضباط؟

جمال حماد: لم يظهر هذا الصراع إلا بعد بضعة أيام وبعد خروج الملك لأنه قبل كده ما كانش في مجال للصراع..

أحمد منصور (مقاطعا): الملك خرج يوم 26 يوليو.

جمال حماد: 26 يوليو وعاد محمد نجيب يوم 27 يوليو..

أحمد منصور (مقاطعا): من الإسكندرية إلى القاهرة.

جمال حماد: من الإسكندرية إلى القاهرة وكل الضباط الذين اشتركوا في الثورة عادوا إلى القاهرة فلم يظهر الصراع مكشوفا في بادئ الأمر إنما كان شيئا أنا لاحظته بنفسي وكثيرون لم يلاحظوه ولكن أنا لاحظته باعتبار أن جميع الأوراق التي تصدر من القائد العام لا بد أن تمر علي وأنا أوقعها قبل أن أعرضها على اللواء محمد نجيب، فهنا ظهر أولا بعض التنافس بين أعضاء القيادة.

أحمد منصور (مقاطعا): ما هي أشكال هذا التنافس؟

جمال حماد: أن ده عاوز يجيب واحد يوديه في مكان معين وده عاوز يودي واحد في وظيفة كبيرة معينة، فكل منهم يحب أن يضع رجاله في أماكن مهمة..

أحمد منصور (مقاطعا): أضرب لنا أمثلة لو تذكر؟

جمال حماد: يعني مثلا عبد اللطيف بغدادي أصر على أن يضع وجيه أباظة الطيار والذي اشترك في الثورة أن يكون مدير الشؤون العامة للقوات المسلحة..

أحمد منصور: كلها.

جمال حماد: كلها، وخلافهم يعني مثلا جمال عبد الناصر جاب لي ورقة فيها بعض أسماء ضباط ما كانوش يعني مهمين ولا حاجة..

أحمد منصور (مقاطعا): زي مين؟

جمال حماد: واحد اسمه مش عارف، عبد العال السيد، ده ضابط عادي خالص يعني إنما أنا فهمت أن هذا الضابط من الصعيد وجايز يكون يمت إليه يا إما بصلة قرابة يا إما بمعرفة فهم يعني لقيت أنه بعد كل شوية الأوراق تجيني تحمل معنى أنه في نوع من التنافس بين..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني خلاص البلد وقعت في أيديهم وبقيت غنيمة كل واحد يريد أن يحظى منها بشيء.

جمال حماد: هو في الواقع أخي أحمد أنهم كانوا ضباطا عاديين، منذ أربعة أيام أو خمسة أيام كانوا ضباطا عاديين لا قيمة لهم من الناحية الاجتماعية أو العسكرية لأنهم ضباط عاديون خالص..

أحمد منصور (مقاطعا): وبعدين؟

جمال حماد: وجدوا أنفسهم هم مكان الملك وعندهم السيادة على مصر كلها وطبعا ده حصل لهم نوع من أنواع عدم الثبات والاتزان لأنه واحد ما كانش في يده حاجة أبدا بص لاقى أن الكلمة بتاعته أصبحت قانونا فطبعا حصل لهم نوع من أنواع حب بقى البقاء في هذا المكان بحيث أنهم من الصعب جدا أنك أنت تقول له بقى روح الثكنات ثاني.

أحمد منصور: وهنا بدأ الصراع راح حول العودة إلى الثكنات؟

جمال حماد: أيوه، ما حدش عاوز يقود الثكنات، أولا الناس قالوا إيه؟ الجيش ما عادش إلى ثكناته بعد الثورة، أنا أقول لك الجيش كله عاد إلى ثكناته..

أحمد منصور: فعلا؟

جمال حماد: أيوه، الضباط والجنود والوحدات كلها عادت إلى ثكناتها.

أحمد منصور: أمال مين اللي ما رجعش؟

جمال حماد: المجموعة التي قادت الثورة هي التي بقيت في مركز القيادة في كوبري القبة علشان تدير شؤون مصر كلها لكن الجيش كله كان في الثكنات.

أحمد منصور: مين اللي كان بيقود من بين هؤلاء الدعوة للعودة إلى الثكنات؟

جمال حماد: اللي كان رجلا بسيطا وليس عنده النزعة الفرعونية أو التسلطية، ناس يعني زي مثل المقدم يوسف صديق..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا الذي قام حقيقة في الثورة؟

جمال حماد: أيوه، اللي هو بطل الاستيلاء على رئاسة الجيش، ده بقى كان رجلا بسيطا رغم أنه هو أخذ منصب قائد اللواء السابع..

أحمد منصور: اللواء السابع ده اللي سيادتك حركته.

جمال حماد: السابع اللي أنا رحت له وضميته، فهو بقى قائد اللواء السابع، وعبد المنعم أمين برضه كان رجلا متواضعا وما عندهوش النزعة التسلطية اللي أنا لاحظتها عند غيره، فيعني..

أحمد منصور (مقاطعا): ومحمد نجيب؟

جمال حماد: ده التواضع بذاته، محمد نجيب يعني ما فيش مرة شفت محمد نجيب بيظن في نفسه أنه حاجة غير عادية، رجل بسيط جدا وبيتكلم ببساطة وعنده قلب حنون جدا على الناس ويعني ما كانش بيرحب أنه نعمل مثلا مجزرة ونطلع مثلا ألف ضابط ولا حاجة..

أحمد منصور (مقاطعا): أليس ما حدث من إقالة أكثر من ثمانمائة ضابط كما قال محمد نجيب إذا بقيت عند كلامه هو، أليس هذا جريمة في حق مصر وحق الجيش المصري وحق شعب مصر أن يتم تسريح كبار القيادات والخبرات الموجودة في الجيش لأنهم لا يتفقون معهم في الآراء؟

جمال حماد: أنا لا أتفق مع اللي قال ثمانمائة..

أحمد منصور (مقاطعا): محمد نجيب نفسه اللي قال ثمانمائة وأحمد حمروش قال خمسمائة في الأول.

جمال حماد: معلش لكن أقول لك القاعدة، القاعدة كانت إيه؟ أن جميع اللواءات كلهم أحيلوا إلى المعاش، جميع اللواءات بتاع الجيش، ما فيش ولا واحد..

أحمد منصور: بقي لواء غير محمد نجيب.

جمال حماد: محمد نجيب فقط لا غير، وبعدين الأميرالات يعني..

أحمد منصور: العمداء.

جمال حماد: العمداء بقي منهم عدد قليل جدا، بعدين العقداء حوالي نصفهم تم والباقي مشيوا..

أحمد منصور (مقاطعا): إيه قواعد التسريح اللي كانت بتتم، أن ده ولاءه لنا أو مالوش ولاء؟ أنه مزاجية طالما الآن كل ضابط معه ليستة بالضباط اللي عايز يرقيهم واللي عايز يحطهم واللي قرايبه ومعارفه؟

جمال حماد: هو في الواقع أنه كان في لجنة، لجان يعني وأنا كنت عضو أحد هذه اللجان.

أحمد منصور: قل لنا كيف كانت تدير الأمور؟

جمال حماد: أنا اللجنة اللي كنت فيها كانت عبارة عن بيبصوا على النواحي الخلقية مش النواحي السياسية.

أحمد منصور: طيب ما كثير من الضباط اعترضوا أن جمال عبد الناصر دخل القمرتية والحشاشين واللي كذا كذا من الضباط وإدى لهم مكانة ما رضيش يشيلهم بعد كده.

جمال حماد: دول، ده إذا كان حصل هذا أنا ما أعرفش طبعا أنه كان في حاجات زي دي لأنه أنا ما بأحضرش هذه المجالس..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن معروف، سير الضباط معروفة.

جمال حماد: هو طبعا اللي اشترك في الثورة لم يكن معقولا حتى إذا كان يعني في..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا أقول الذين بقوا في الجيش بعد ذلك، عملية التسريح والإبقاء.

جمال حماد: عملية التطهير..

أحمد منصور: التطهير.

جمال حماد: التطهير كان فيها بلا شك نوع من أنواع العواطف..

أحمد منصور (مقاطعا): والإجحاف..

جمال حماد: لا شك.

أحمد منصور (متابعا): إجحاف بحق ضباط وبحق البلد.

جمال حماد: فيعني بعض الناس كان مثلا بيكره بعض الضباط فطبعا خرجه، وصلاح سالم خرج ناس كثير قوي بهذه الطريقة، يعني كان بيقول لك إن كل أصدقائه اللي كان بيعرفهم لقيناه مشاهم.

أحمد منصور: طبعا ما هو حيحكم بقى مش عايز حد زيه، هو وحده اللي عمل كده أم أن كثيرا أيضا من قيادات الضباط عمل..

جمال حماد (مقاطعا):  يعني ده هو أبرز واحد كان هو يعني كنا مثلا بنطلع الناس اللي هم عندهم أخلاق غير حميدة أو نوع من الشذوذ أو غيره فهؤلاء استبعدناهم..

أحمد منصور (مقاطعا): دي اللجنة بتاعة سيادتك، دي لجنة الأخلاقيات، مين اللي كان فيها معك؟

جمال حماد: كان فيها معي معظم أعضاء مجلس الثورة.

أحمد منصور: مين اللي كان بيرأس اللجنة دي؟

جمال حماد: كان زكريا محي الدين كان بيرأس اللجنة.

أحمد منصور: هل دول وكانوا كلهم مقدمين وسيادتك زي ما قلت كانوا ضباطا عاديين قبل أربعة أيام كانوا مؤهلين أنهم يحكموا على كبار قيادات الجيش المصري اللي كثير منهم كانوا ناس وطنيين وناس يعني ليس كل من لم يشارك مع الضباط الأحرار لم يكن وطنيا؟

جمال حماد: صح طبيعي.

أحمد منصور: فبالتالي الآن هذا جيش بلد، التعامل معه بهذه الطريقة العسكرية هل كان صحيحا؟

جمال حماد: يعني أصله بقى الظرف اللي كنا فيه وقتها كان بيستلزم إبعاد كل الناس اللي كان لهم علاقات وثيقة مثلا برجال الملك..

أحمد منصور (مقاطعا): ماشي دول عددهم محدود ولكن سيادتك قلت الآن الجوانب الشخصية دخلت في الموضوع وربما لعبت الدور الأساسي فيه؟

جمال حماد: ما يمكنش أنه يحصل حاجة زي دي من غير نواحي شخصية تتدخل، مش عاوزة شك يعني في نواحي  شخصية تدخلت لكن يعني عاوز أقول لك إن معظم التطهير اللي كان في الجيش كان له ما يبرره يعني مش اعتباطا كده يعني كل واحد في حاجة.



أدوار الضباط في مجلس قيادة الثورة

أحمد منصور: هل كنت أنت أو غيرك في ذلك الوقت وأنت كنت مديرا لمكتب محمد نجيب تعرف ما يدور في ذهن جمال عبد الناصر أو مخططاته للسيطرة على مقاليد الحكم وإقامة نظام شمولي استبدادي في مصر لا زال قائما إلى اليوم؟

جمال حماد: شوف يعني أنا متأكد أن جمال عبد الناصر منذ أول الثورة وهو يرسم ويخطط ليكون هو الوحيد المنفرد الذي يحكم مصر بعد كده..

أحمد منصور (مقاطعا): إيه الدلائل التي أعطتك هذا الشعور والانطباع؟

جمال حماد: لأنه شفته كل تحركاته وأعماله تنبئ بأنه يريد السيطرة وأنه هو لازم يترأس أي حاجة لأنه لا يقبل بغير الرئاسة بديلا في أي حاجة.

أحمد منصور: إضرب لنا مثالا؟

جمال حماد: يعني أي حد، ناس تقعد في مكان أو بتاع علشان خاطر يبحثوا أي شيء تلاقيه هو قاعد على رأس الطربيزة، وبعدين..

أحمد منصور (مقاطعا): ويفرض ما يريد؟

جمال حماد: ويفعل ما يريد طبعا، وبعدين الباقي كلهم كان الواضح قوي أن الباقين أو الكثيرين كانوا يعني بينصاعوا له، ينصاعوا.

أحمد منصور: هل ضعف شخصيات أم يعني ليه، ليه الكل كان بينصاع له؟

جمال حماد: كلهم معتقدين أنه هو العامل الحقيقة في نجاح الثورة لأنه هو اللي فضل مستمر بلا انقطاع على موضوع الضباط الأحرار، كان باستمرار يعني ما بيسكتش أبدا ومن الغريب يعني أن جهات الرقابة أو البوليس السياسي أو المخابرات..

أحمد منصور (مقاطعا): والبوليس الحربي وكل حاجة.

جمال حماد: وكل حاجة إزاي لم يلتفتوا إليه وهو كان دائم العمل على، العمل يعني على التنظيم يستمر وعلى أنه يعمل الثورة.

أحمد منصور: هل كان الأصوب إلى مصر آنذاك أن يعود كل هؤلاء الضباط إلى الثكنات وأن تعود الحياة البرلمانية والديمقراطية إلى مصر رغم كل ما أشاع الثوار عنها من أنها كانت حياة فاسدة؟

جمال عبد الناصر في اجتماع في أوائل الثورة غضب من زملائه لأنه كان يتبنى مسألة الحرية والديمقراطية، ومعارضا للدكتاتورية
جمال حماد:
اللي عاوز أقوله لك يعني إن مثلا جمال عبد الناصر في اجتماع في أوائل الثورة خالص أنه هو غضب من زملائه لأنه هو كان متبني حكاية أنه لازم حرية وديمقراطية وما فيش دكتاتورية.

أحمد منصور: الكلام ده ذكره عبد اللطيف البغدادي في مذكراته وذكره خالد محي الدين في مذكراته وتكلم عنه كمال الدين حسين في شهادته أيضا لكن كلهم بيقولوا هل ده كان تمثيلا من عبد الناصر لتمرير ما يريده بعد ذلك أم كان ذلك حقيقة؟

جمال حماد: أنا تعرضت لهذا الموضوع في الكتاب بتاعي..

أحمد منصور (مقاطعا): "أسرار ثورة يوليو".

جمال حماد: أسرار ثورة يوليو"، تعرضت لهذا الموضوع قلت إن جمال عبد الناصر كان واقفا ضد بقية المجلس كله أنه هو عاوز ديمقراطية وعاوز حرية وهم عاوزين ديكتاتورية وبعدين أخذ بعضه وقام أنه هو مستقيل وأخذ بعضه وراح على بيته وثاني يوم الصبح راح له جمال سالم وعبد الحكيم عامر علشان يقولوا له أنت ليه بتعمل كده أنت لازم تخضع لحكم الأغلبية، فإيه السبب أنه هو كده؟ أنا ما بأقولش بقى إنه هو ساعتها كان يعني مش ضروري بقى.. إنه ساعتها كان بيناور والبغدادي بيقول إنه كان بيناور، أنا بأعتقد أنه مش بس بيناور جايز حاجة ثانية..

أحمد منصور: زي إيه؟

جمال حماد: (متابعا): جايز أنه هو في الأول لم يكن أحس بقى بمقدار السلطة والسلطان اللي هم فيه، يعني ما أتاح لهم الفرصة بنجاح الثورة إلى أنهم يصبحوا أسياد مصر بلا منازع واللي كلامهم عبارة عن قانون، طبعا بعد شوي جمال عبد الناصر تمتع بهذا السلطان وهذه السلطة وهذه القوة الجبارة لتجعل كلمته قانونا فخلاص بقى لما شاف السلطة دي وشاف حلاوة هذه السلطة بقى زي زملائه وعاوز يحكم وعاوز يتسلط.

أحمد منصور: كان محمد نجيب دوره إيه في هذه المرحلة؟

جمال حماد: محمد نجيب يعني للأسف الشديد أنه هو، هم قدروا حاجة سيكولوجية بدل هو، وأنا قلتها له بعدما خرج، قلت له هم نجحوا في إقناعك أنهم اللي جابوك وأنهم اللي عملوا الثورة وأنك أنت استفدت منهم وهم اللي خلوك كده بينما المفروض أنك أنت العكس كنت أنت تجيبهم وتقول لهم إنه لو ما كنتش أنا ما كنتم  أنتم بقيتم كده..

أحمد منصور (مقاطعا): وهذه هي الحقيقة؟

جمال حماد: هذه هي الحقيقة.

أحمد منصور: لو لم يكن محمد نجيب لم يكن هناك نجاح لهؤلاء في شيء؟

جمال حماد: لا يمكن تنجح الثورة، مين اللي حيمشي وراء مقدم ولا رواد ولا مقدمين مين؟!

أحمد منصور: ولم يكونوا معروفين.

جمال حماد: ولا أحد عارفنا، يعني الدليل على كده أن جمال عبد الناصر حتى بين الضباط الأحرار مش معروف والدليل على كده أنه قبض عليه في كوربا ليلة 23 يوليو فما بالك بالنسبة للشعب ما حدش يعرفه خالص وهو ضابط مشاة، ما حدش يعني بتوع لا المدفعية ولا المدرعات ولا البحرية والطيران ولا أحد من دول يعرفه خالص فهو كان شخصا مجهولا بالنسبة يعني لـ 90% من الضباط فكيف كان يمكن أنه هو أقول أنا من المقدم جمال عبد الناصر إلى الشعب المصري، كان أحد حيسمع الكلام ده وينضم إلينا ليه؟! طبعا كل واحد يقول لك إشمعنى ده، إيه ده المقدم ده؟! وأنا أروح معه وأعمل مغامرة زي دي ليه مثلا؟!

أحمد منصور: يعني أنت خرجت علشان محمد نجيب على رأس الضباط وليس جمال عبد الناصر؟

جمال حماد: طبعا لو ما كانش محمد نجيب على رأس الثورة أنا ما كنتش انضميت، أنا شخصيا ما كنتش انضميت، أنا انضميت لأنه في واحد زي محمد نجيب بيقودنا.

أحمد منصور: وكذلك باقي الضباط أو معظمهم.

جمال حماد: كل الضباط كده.

أحمد منصور: عين رشاد مهنا وصيا على العرش لأن الملكية لم تكن قد ألغيت في مصر ويقول محمد نجيب في صفحة 154 من مذكراته رفض أن يكون طرطورا ويقول بالنص كان رشاد مهنا ثائرا جدا يتحدث إلينا في عنف ويضرب المكتب بقبضة يده ونحن نسمع ولا نعلق، قال رشاد مهنا إنني أحب أن تعرف أن رشاد مهنا ليس بصمجيا، إنني لا أقبل أن أجلس هنا وأوقع المراسيم التي ترسلونها إلي فحسب، رشاد مهنا كان أعلى ضابط سمعة وطنية في الجيش المصري..

جمال حماد: أيوه.

أحمد منصور: حصل في انتخابات نادي الضباط على أعلى الأصوات حتى أعلى من محمد نجيب وأعلى من الجميع.

جمال حماد: 55 صوت، أعلى من محمد نجيب بـ 55 صوت.

أحمد منصور: هذا الضابط ماذا فعلتهم به؟

جمال حماد: أنا لم أفعل به شيئا إنما اللي حصل أنه هم كانوا يخشون من أي واحد عنده قوة، يعني أصل، يعني أنت أصلك ما جربتش أنت لو جربت أنك تلاقي أن كل الناس بتخاف منك دي بتلعب بأي واحد بيحصل له نوع من الهوس أنه يلاقي نفسه في العز ده كله، إيه ده! فهم طبعا بعد شوي خافوا على مراكزهم فكانوا بيقاتلوا علشان يستمروا فيها واللي ساعد على هذا اثنين مدنيين اللي هم السنهوري وسليمان حافظ يعني كانوا بيزينوا لهم أنهم يستمروا علشان..

أحمد منصور (مقاطعا): بالذات سليمان حافظ لعب دورا خطيرا في هذا.

جمال حماد: دورا خطيرا جدا.

أحمد منصور: كان يصنع لهم كل القوانين أو يعني زي الترزي.

جمال حماد: هو كان أول واحد في مصر عمل ترزية القوانين اللي بقيت دلوقت حاجة عادية في البلد، ترزية القوانين، فهو ده اللي كان بيقول لهم ويحضهم ويحرضهم على البقاء وعلى الدكتاتورية على الشمولية أنهم يطيحوا في أي واحد فيه قوة أو مصدر تهديد لأن ده لما اتمسك رشاد مهنا من بتوع المدفعية أنور السادات قال لك اليوم الوحيد اللي أنا نمت فيه قرير العين.

أحمد منصور: علشان رجل وطني زي رشاد مهنا يمكن أن يلعب دورا في أن يقول لهم عودوا إلى ثكناتكم فعلوا فيه ما فعلوا.

جمال حماد: بالضبط.

أحمد منصور: رشاد مهنا وصف هذه الفترة في صفحة 671 من كتابك أنت "أسرار ثورة يوليو" قائلا "إني أسمي هذه الفترة من حكم مصر بفترة حكم الجهلة والمراهقين فهم جميعا جاؤوا من فراغ ولذا لا بد أن تكون نهايتهم إلى فراغ وأكبر دليل على ذلك، على فساد كل ما حدث  هو هزيمة 1967".

جمال حماد: هذا الكلام فيه كثير من الحقيقة، وطبعا لو كان الناس دول بيعملوا على أساس أن المصالح الحقيقية لمصر وبدون النظر إلى مطامح الزعامة يعني لو كان كل كلامنا على مصر فقط أنه إحنا عاوزين ننهض بمصر وأنه إحنا ما فيش عندنا نزعات علشان نبقى زعماء العرب أو غيره زي ما حصل وأنه إحنا ننتفع بالناس الكويسين والناس يبقى الثقة حكاية الثقة والحاجة اللي كانت موجودة وقتها..

أحمد منصور (مقاطعا): تقديم أهل الثقة وليس.

جمال حماد: أهل الثقة وأهل الخبرة، فأهل الخبرة كانوا مستبعدين.

أحمد منصور: وكلهم هاجروا من مصر وراحوا أفادوا الدول الأخرى، أكثر من مليون عالم مصري بره البلد.

جمال حماد: لأنه كان كل الناس خايفة وأنا يعني أنا الشيء الوحيد اللي أنا أنتقد فيه عبد الناصر أنه كان عنده الفرصة أنه يخلي مصر دي ديمقراطية ومصر في أعلى المراكز وأعلى المستويات وكان يقدر يعمل هذا لمصر، إنما حكاية الدكتاتورية والشمولية اللي مشيت دي وما زالت لها شيء جاب مصر إلى الحضيض.

أحمد منصور: أقصي رشاد مهنا كوصي للعرش، حددت إقامته وبعد ذلك ضموه إلى قضية ضباط المدفعية وحوكم وأهين وضرب وعقدت له محكمة كان يرأسها أعضاء مجلس قيادة الثورة، حكموا عليه بالإعدام ثم خففوا الحكم بعد ذلك. تقييمك إيه لما حصل لهذا الرجل الوطني ومثله مئات الضباط؟

جمال حماد: هذا الرجل يعني لم يجن عليه إلا شعبيته لم يجن عليه إلا وطنيته فهذا الرجل كان المفروض الاستفادة منه، لما كان يعني هو لما جاء لهم قبل ما يمشي ويرجع لوحدته ففات عليهم فجمال عبد الناصر أول ما شافه قال له أنت جاي تنقض على الثورة، قال له أنا جاي أنقض على الثورة! الثورة مش غنيمة، إحنا كلنا لازم نعمل لصالح مصر. فكلهم يعني قابلوه بمقابلة يعني، وبعدين صلاح سالم أغمي عليه لما هو فضحه في حكاية أنه هو كان قال له وهو في رفح قال له أنت عليك العريش وأنا علي رفح وما قالش الكلام ده لعبد الناصر، فعبد الناصر افتكر أن رشاد مهنا ما عملش حاجة في الثورة، فلما جاء قدام عبد الناصر وقال له أنا كنت بقى أنه عملت بتوع العريش وصلاح سالم، فعبد الناصر راح بص لصلاح سالم قال له ليه ما قلتش لي؟ فأغمي عليه.

أحمد منصور: طبعا ألغوا دوره يعني.

جمال حماد: آه.

أحمد منصور: يعني صلاح سالم سرق دوره؟

جمال حماد: ما قالش عليه.

أحمد منصور: ما قال إنه هو قام بدوره.

جمال حماد: ما قال عليه بدوره، هذا الرجل أنا يعني أعرفه معرفة لصيقة وشفته..

أحمد منصور: رشاد مهنا.

جمال حماد: وحتى بعد ما خرج ولم أره أبدا يتخلى عن وطنيته ولا عن إيمانه فده رجل مؤمن ومتدين وكان المفروض أن هذا ينتفع به انتفاع كامل لأنه ضابط وطني محترم إنما بقى شعبيته في المدفعية، شعبيته في الجيش لكن في المدفعية كان حاجة ثانية غير عادية يعني بمجرد ما مسكوه في حوالي خمسمائة واحد في المدفعية تجمعوا في ميس المدفعية معتصمين..

أحمد منصور (مقاطعا): من الضباط؟

جمال حماد: من الضباط، لولا أنهم ضحكوا عليهم وقالوا لهم اطمئنوا وجاء لهم جمال عبد الناصر..

أحمد منصور: راح لهم عبد الناصر بنفسه.

جمال حماد (متابعا): وطمأنهم وقال لهم ما فيش حاجة وإحنا حنشوفه وإحنا حنعمل وبعدين ما حصلش الكلام ده خالص.



[فاصل إعلاني]

العلاقة بين عبد الناصر ومحمد نجيب

أحمد منصور: ألغي الدستور في العاشر من ديسمبر عام 1952، بدأت الدكتاتورية تأخذ أشكالا عديدة مختلفة، بدأ الضباط الذين ينادون بعودة زملائهم إلى الثكنات مثل ضباط المدفعية في يناير 1953، طبعا حوكم خميس والبقري في أكتوبر 1952 وهم من عمال كفر الدوار وأنا يؤسفني رغم الكلام الجيد اللي كاتبه عبد اللطيف البغدادي في مذكراته لكن تكلم عنهم كأنهم حشرات يعني وكانوا شيوعيين، أليست الثورة، ألم تقم الثورة من أجل الحفاظ على آدمية الناس، آدمية الشعب المصري، أن تبدأ الثورة بعملية إعدام اثنين من العمال!

جمال حماد: أنا انتقدت في كتابي، انتقدت محمد نجيب، لأن محمد نجيب قال إنه أنا جبت مصطفى خميس إلى مكتبي وأن هذا الرجل كنت عاوز بس أي حاجة يقولها لي علشان أخفف الحكم عليه بتاع الإعدام أقول له حد حرضك؟ حد كان معك؟ يقول أبدا أنا عملتش حاجة، أنا عملتش حاجة أبدا أنا آخذ إعدام ليه؟ وبعدين يقول إيه؟ جبت له شاي جبتها وأكرمته وبعدين يقول أنا يعني وقعت قرار الإعدام وقلبي يتمزق مش عارف إيه. أنا قلت إيه ده؟ أنت ده الضعف بتاعك ده هو اللي جلب المصائب على مصر كلها، أنت ضعفت باستمرار قدامهم، كل ما يقولوا لك حاجة تقول لهم حاضر ليه يا محمد نجيب، ليه كده؟ ما كنتش قائد ليه وتقول لهم لا؟ الرجل ده ما عملش حاجة وما فيش إعدام ولا حاجة، هم خلوك نفر في مجلس الثورة بدل ما أنت رئيس مجلس الثورة خلوك نفر فعلشان كده فضلوا يقتطعوا من قوتك لغاية ما خلوك صفر.

أحمد منصور: وعد محمد نجيب بأن يعود الضباط إلى الثكنات بعد انتخابات برلمانية في فبراير عام 1953 لكن ضباط المدفعية تمردوا في السادس عشر من يناير بعدما وجهوا انتقادات علنية لضباط القيادة واتهموهم باستغلال نفوذهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، تحرك عبد الناصر وأخمد موضوع ضباط المدفعية وسرح عشرات الضباط من المدفعية وكان هذا بداية صراع ما بين الضباط الوطنيين الذين ينادون بعودة الحياة الديمقراطية إلى مصر وبين الذين تشبثوا بالسلطة وسيطروا عليها، كيف رصدت هذا الأمر؟

ضباط المدفعية كانوا من أحسن الضباط الوطنيين في الجيش، وكان من الخطأ أن يتم التخلص منهم لمعارضتهم للدكتاتورية
جمال حماد:
طبعا هذا حصل أنه يعني ضباط المدفعية دول كانوا من أحسن الضباط الوطنيين في الجيش وكانوا يعني من الخطأ أن دول مثلا يتم التخلص منهم لأنهم كانوا بيعارضوا الدكتاتورية وبعد كده برضه ضباط الفرسان هم اللي رجعوا محمد نجيب ثاني بالإضافة إلى الشعب لأن محمد نجيب رجع في فبراير مش بس ضباط الفرسان كمان الشعب اللي رجعه، فطبعا كل دول بقى ما هو برضه الخطأ بتاع محمد نجيب يعني محمد نجيب ده قائد كويس جدا وشجاع جدا في  الحرب ولكن هو في إدارته للثورة عمل أخطاء جسيمة جنى على مصر في النهاية.

أحمد منصور: ما هي أهم هذه الأخطاء في تصورك التي ارتكبها محمد نجيب؟

جمال حماد: أقول لك أنا إيه الأخطاء، أول حاجة تشكيل مجلس الثورة، إزاي أنت تسمح أن جمال عبد الناصر يمثل مجلس الثورة كلهم من رجاله وأنت مالكش ولا واحد فيهم.

أحمد منصور: كيف شكل مجلس قيادة الثورة؟

جمال حماد: جمال عبد الناصر هو اللي شكل مجلس الثورة، أنه الناس اللي هم كانوا معه في جمعية القيادة اللي كان بيطلق عليها جمعية القيادة جابهم كلهم خلاهم بدل ما اسمهم مجلس القيادة أو لجنة القيادة خلاهم مجلس القيادة ثم مجلس قيادة الثورة.

أحمد منصور: اللي هي كانت لجنة القيادة في الضباط الأحرار؟

جمال حماد: أيوه، فدول جابهم جمال عبد الناصر، طيب أنت يا محمد نجيب ما جبتش ناس ثانيين ليه من بتوعك أنت علشان توازن بينك وبين عبد الناصر؟ وخصوصا أنك تقدر تجيب، أنت مش حتجيب ضباط من بره، ضباط ممن اشتركوا في الثورة يعني واحد زي أحمد شوقي ده عقيد ما جبتوش ليه معك في مجلس الثورة؟..

أحمد منصور (مقاطعا): أحمد شوقي أيضا الذي قلت إنه قال لكم إنه مستعد أن يقبض على خاله في سبيل مصر وفي سبيل الشعب المصري، كان أيضا من الضحايا في حادث المدفعية.

جمال حماد: في مارس، اتحط في السجن، طيب يعني ليه؟ ما هو أنت بتقول لي إيه الأخطاء؟ ده أول خطأ.

أحمد منصور: الخطأ الثاني؟

جمال حماد: الخطأ الثاني أنه هو أصبح يتنازل عن حقه باستمرار، يتنازل يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): لصالح من؟

جمال حماد: يعني أبسط حاجة حأقولها لك إنه كان بعد حطوا الأخوان المسلمين في السجن يناير 1954 حطوهم كلهم في السجن فجمال عبد الناصر أحب أنه هو يتحبب إلى الأخوان المسلمين..

أحمد منصور (مقاطعا): وهو حاططهم في السجن.

جمال حماد: وهو حاططهم في السجن، فبقى إيه فعاوز يروح ذكرى..

أحمد منصور: حسن البنا في 12 فبراير 1954.

جمال حماد: حسن البنا، ذكرى عاوز يروح جمال عبد الناصر، لمجرد ما عرف أن محمد نجيب رايح حصل له نوع من الجنون..

أحمد منصور: عبد الناصر؟

جمال حماد: أيوه، إزاي محمد نجيب حيروح ويشاركه في العملية دي بينما هو الرئيس، طيب إذا كنت أنت عاوز تجامل الأخوان المسلمين طيب ما أنت ما تأخذ معك الرئيس القائد للثورة ورئيس الوزراء وقتئذ فما ده يبقى زيادة في التكريم إنما عاوز تروح لوحدك، علشان ما يروح محمد نجيب كانت النتيجة أنه جاب كلم إسماعيل فريد اللي هو سكرتير محمد نجيب وقال له شتائم لا يمكنك تخيلها..

أحمد منصور: ضد محمد نجيب.

جمال حماد: ولا أستطيع أن أقولها، شتائم مريعة ضد محمد نجيب، وقال له إن ما كنتش حتبلغ الشتائم دي لمحمد نجيب أنا حأرفدك..

أحمد منصور: عبد الناصر؟

جمال حماد: أيوه، قال له لازم تقول الشتيمة اللي أنا أقولها له دي وقل له أوعى يروح للذكرى وإلا حأعمل فيه وحأعمل فيه والمجلس دلوقت حالا بيجتمع علشان يشوف مصير محمد نجيب إيه، شوف التهديد.

أحمد منصور: إلى هذا الحد؟

جمال حماد: إلى هذا الحد. وأنا قعدت أبحث لأنه ما حدش قال نتيجة الكلام إيه لكن أنا بحثت ووجدت أنه فعلا ما راحش محمد نجيب وقلت بقى في الكتاب بتاعي قلت هذا التنازل العجيب، أنه التنازل بهذا الشكل خلاص بقى.

أحمد منصور: هل كان محمد نجيب في هذه الفترة فبراير 1954 يستطيع أن يقبض على هؤلاء جمال عبد الناصر ومن معه ويستطيع أن يفرض نفسه كرئيس أو زعيم؟

جمال حماد: لو أي واحد كان عنده ذرة من المنطق والعقل كان قبض عليهم جميعا ونفاهم خارج البلاد بمنتهى السهولة لأنه أنا أعرف أنهم كانوا بيباتوا ليس في بيوتهم ولكن في بيوت بعض أصدقائهم وبيوتهم علشان خايفين لاحسن ضباط الفرسان المؤيدين لمحمد نجيب يمسكوهم أو أن محمد نجيب يبعث يمسكهم يقبض عليهم، كان بمنتهى السهولة كان يقبض عليهم لكن هو مسك أيديهم كده وأنا شفته في ميدان عابدين وماسك يد من هنا عبد الناصر ومن هنا عبد الحكيم عامر يروح عامل يديه كده إحنا كلنا يد واحدة، يد واحده إيه؟!

أحمد منصور: هذه المظاهرة الكبيرة التي خرج فيها الكثير من الشعب المصري لكي يؤيد محمد نجيب وكان في عبد القادر عودة الذي أشار إلى الناس أن ينصرفوا ودفع عبد القادر عودة ثمنا بعد كده، عبد القادر عودة كان وكيل الأخوان المسلمين وهو اللي صرف الناس.

جمال حماد: كان رجلا عظيما.

أحمد منصور: كان من أكبر فقهاء القانون في مصر.

جمال حماد: أيوه، مش رجل هفية يعني، ده رجل عظيم وكان له شعبية عظيمة بحيث أن محمد نجيب ما عرفش يصرف الناس فقال لعبد القادر عودة يصرفهم، فعمل لهم بس إشارة كده مشيوا على طول.

أحمد منصور: عبد الناصر كان واقفا والتقط هذا وأدرك شعبية الرجل فقرر..

جمال حماد: تصفيته. فأنا عاوز أقول لك يعني إن محمد نجيب أخطأ أخطاء فادحة في حق نفسه أولا ثم في حق بلده ثانيا، يعني علشان أنا بأقول إنه أنا بأحب محمد نجيب وإنه أنا مع محمد نجيب ولكن أقول لك إن الرجل ده كان رجلا ضعيفا وأخطأ كثيرا جدا في أنه هو يتنازل عن حقه وكلما جمال عبد الناصر عاوز يبهدله يبعث له اثنين شتامين هو صلاح سالم وجمال سالم، الأخوان سالم، يروحوا يبهدلوه ويشتموه ويقولوا له أنت إيه هو حد كان يعرفك؟! إحنا اللي جايبينك، هو لم يحاول إطلاقا الإساءة لهم أو يقبض عليهم أو يعمل أي حاجة أبدا.

أحمد منصور: ضعف شخصيته أمامهم.

جمال حماد: ضعف مشين رغم أنه في ميدان القتال من أشجع ما يمكن ورغم أنه في ليلة الثورة كان من أشجع ما يمكن أنه جاء وقعد على مكتب حسين فريد وتولى القيادة وبدون شك أنه كان أول واحد سيعدم في حالة فشل الثورة ولكن في حكاية أنه هو يمشي بقى في الإدارة وفي القيادة بتاعة البلد للأسف الشديد أن تنازلاته وضعفه أودوا بكثير من الأمور في البلد.



أخطاء محمد نجيب وأسباب تصفيته

أحمد منصور: هو نفسه محمد نجيب في صفحة 201 من مذكراته "كنت رئيسا لمصر" يقول "مما لا شك فيه كان أكبر مركز قوة داخل المجلس وعندما ساعده الآخرون في التخلص مني استدار إليهم وتخلص منهم واحدا بعد الآخر" حتى أن رشاد مهنا يقول بأسى أيضا "أخذت أفكر طويلا كيف وصل بنا الحال على أيدي زملائنا وأخواننا أعضاء مجلس قيادة الثورة بينما قامت الثورة من أجل إرساء قواعد الحرية والديمقراطية".

جمال حماد: تمام.

أحمد منصور: كيف استعان عبد الناصر بزملائه على تصفية محمد نجيب؟

جمال حماد: هو كان بيستعين أولا في بهدلته وقلة قيمته أنه يبعث له صلاح سالم وجمال سالم، الحاجة الثانية أن المجلس كله وفي البداية قلت لك إنه هو مالهوش حد في المجلس يعني هو في ساعة ما تشكل هذا المجلس في بداية الثورة لو هو وقف كقائد وقال له إيه انت بتشكل إيه؟ أنت بتشكل مجلس علشان يقود الثورة، أنا اللي أشكل هذا المجلس، يبقى على الأقل ده حاطط عدد من رجاله هو يحط عدد من رجاله معهم أو ناس حتى الأقل يكونوا محايدين لكن مش ناس كلهم بتوع جمال عبد الناصر، فهم استطاع بواسطة الأخوان سالم وبعد كده قذف بهم إلى الخارج يعني لما انتهى لما محمد نجيب بقى تم عزله وتنحيته خلاص بقى، بقى جمال سالم وصلاح سالم مالهمش لزمة فأطاح بهم.

أحمد منصور: هو في أزمة فبراير وبعدها أزمة مارس، أزمة فبراير كيف قادت إلى الأزمات التي عاشتها مصر بعد ذلك؟

جمال حماد: أزمة فبراير دي كانت اختبارا حقيقيا للشعب والجيش بإظهار حقيقة الموقف في مصر.

أحمد منصور: إزاي؟

جمال حماد: محمد نجيب قدم استقالته في 24 فبراير وهم قبلوها وكتبوا بيانا قالوا إنه هو ده ما كانش حاجة ولا كان معنا ولا بتاع وإحنا قلنا له بس على الحكاية دي قبلها بشهرين وكلام زي ده، ومحمد نجيب قاعد بالبيت بص لقى جاء له ناس من بره أخذوه..

أحمد منصور (مقاطعا): الشعب كله قام يؤيد محمد نجيب.

جمال حماد: ناس أخذوه الأول ودوه المدفعية، ضباط أخذوه المدفعية وبعدين لما الناس عرفت بقى فهو كان يوم خميس لما كتبوا في الجرائد، يوم الجمعة صغار الضباط يعني واحد اسمه أحمد المصري والثاني اسمه عبد اللطيف حجازي دول ملازمين وفاروق الأنصاري الثلاثة دول جمعوا الضباط وقعدوا يتكلموا في التليفونات، خالد محي الدين راح السينما وخرج بره طول اليوم وبعد تماما عن المسرح، دول بقى جمعوا ضباط الفرسان كلهم عندهم يعني رغم أنهم صغار من الرتب يعني وقعدوا بقى يتكلموا وبعدين جمال عبد الناصر شعر أنه في ناس مجتمعة في معسكر الفرسان اسمه الميس الأخضر وكان فيه ضباط الفرسان وضباط من الدفاع المضاد للطائرات موجودين هناك، يعني عدد كبير قوي حوالي خمسمائة فجمال عبد الناصر شوف بقى من كثر ما هو يعني عاوز يخلص الموقف أخذ بعضه وراح بنفسه علشان الناس دول، فأول ما دخل قعد وسمعهم بقى بيتكلموا عن الديمقراطية والحاجات دي، فبس علشان أوري لك المنظر، أنه هو أثناء ما هو قاعد ففي دبابات كانت راجعة من مناورة أو حاجة زي دي، أنت عارف الدبابات لها أصوات سرينة، السرينة بقى ضربت، فأحمد المصري اللي هو كان موجودا ده حكى لي قال لي إنه إحنا شفناه أنه هو كان بيشرب السيجارة يديه اترعشت وفنجان القهوة وقع من يده، اعتقد أنهم حيمسكوه، وهم لو كانوا في دماغهم زي ما في دماغه هو كانوا مسكوه ولكن هم كانوا بيتكلموا شبان صغيرين وقلبهم على مصر، فتكلموا بكل صراحة وانتقدوا أمامه مجلس قيادة الثورة والأعمال اللي بيعملوها.

أحمد منصور: إيه الانتقادات الأساسية هنا لأن الضباط كانوا يأخذون على هؤلاء الذين في مجلس قيادة الثورة أنهم بدؤوا ينهبون البلد؟

جمال حماد: بدؤوا يعني هم بدؤوا بقى يعملوا تصرفات غير شريفة ولم يكن الظن أنهم حيعملوا هذه الأشياء، فمثلا قالوا على أن صلاح سالم مثلا أنه العلاقة اللي بينه وبين فايزة..

أحمد منصور (مقاطعا): الأميرة فايزة.

جمال حماد: فايزة.

أحمد منصور: محمد نجيب تكلم عن ما أطلق عليه فضائح ضباط القيادة بدءا من السيطرة على القصور وأملاك العائلة الحاكمة وحتى الزواج من بناتهم.

جمال حماد: القوة، ده جمال سالم أحب واحدة وكان عاوز يأخذها بالعافية من زوجها.

أحمد منصور: من زوجها وهي متزوجة.

جمال حماد: أيوه.

أحمد منصور: محمد نجيب يقول إن مظاهرات الأخوان التي خرجت لتأييده في 5 فبراير 1954 والتي خطبها عبد القادر عودة جعلت عبد الناصر يحقد على عودة ويعدمه بعد ذلك بأشهر.

جمال حماد: طبيعي.

أحمد منصور: تخلص عبد الناصر من محمد نجيب، من الأخوان المسلمين، من كبار السياسيين، من يوسف صديق، من ضباط المدفعية من سلاح الفرسان من خالد محي الدين من باقي زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة واحدا تلو الآخر ولم يبق إلا عبد الحكيم عامر والسادات وحسين الشافعي، هذا أسرع ملخص لسيناريو الثورة كما رواه محمد نجيب.

جمال حماد: ما هو ده اللي حصل فعلا، ما هو زي ما قلت لك أنت كنت راصد جمال عبد الناصر وعارف أنه هو الوحيد بيخطط، يعني عارف هو اللي نجحه إيه؟ أنه ما فيش حد ثاني بيخطط قدامه، يعني عارف لو أنه كان في ناس ثانية بتخطط ما كانش هو مشي المشي ده كله لكن هم كلهم ناس ماشيين فاكرين أن الأمور عادية خالص.

أحمد منصور: زي ما قال عنهم رشاد مهنا ناس جايين من فراغ وشوية جهلاء، زي ما هو قال مش أنا.

جمال حماد: والدليل على كده أنهم مثلا يطاوعونه في كل حاجة يقول لهم إيه إحنا عاوزين نخلي محمد نجيب لا قيمة له، كانوا يجتمعون يوم الأحد في مجلس قيادة الثورة في المبنى بتاع قيادة الثورة فقال لهم إحنا نجتمع يوم الجمعة عندي في البيت ونتفق على كل حاجة وبعدين نروح يوم الأحد نقعد ما فيش حاجة كلامنا كله واحد ما فيهش حاجة، هو يعني عمل خطة للإطاحة بكل واحد في مجلس الثورة لازم نطيح به ويبقى هو اللي في الآخر خلص وده هو اللي قدر يعمله.

أحمد منصور: سنتأتي إلى ذلك بالتفصيل في 29 مارس 1954 تم الاعتداء على رئيس مجلس الدولة الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي أعد لهم كثيرا من القوانين، خرج الرعاع يهتفون في الشوارع وراديو القاهرة يبث هتافاتهم، يسقط الدستور، تسقط الحرية، تسقط الديمقراطية، يسقط المتعلمون، من يومها لم تقم قائمة لشيء من هذا.

جمال حماد: حكى لي الدكتور عبد المنعم الشرقاوي إزاي أنه هم الجامعات فصلوا الناس الوطنيين اللي كان حصل اجتماع مع عبد الناصر والناس تكلمت فكل اللي تكلموا دول أحيلوا..

أحمد منصور (مقاطعا): ده موقف مشرف لأساتذة الجامعة في مصر حصل في 5 أبريل 1954، طالبوا عبد الناصر بأن يعود هو وكل الضباط إلى الثكنات وأن تعود الحياة الديمقراطية والحرية إلى مصر.

جمال حماد: أي واحد كان بينادي بهذا لا بد من فصله.

أحمد منصور: واحد من أساتذة الجامعة وقف لعبد الناصر وقال له لقد تخلصنا من ملك واحد واستبدلناه باثني عشر ملكا، إشارة إلى أعضاء مجلس قيادة الثورة، كل القوى الحرة في مصر آنذاك كانت تصارع من أجل عودة الحياة الديمقراطية والحرية إلى مصر في سنة 1954، عبد الناصر قال جملة مهمة في المواجهة مع أساتذة الجامعة في 5 أبريل 1954 سيادتك نقلتها في كتابك "أسرار ثورة يوليو"، قال لهم "أنا لا يهمني الشعب أنا الذي يهمني الآن هو الجيش".

جمال حماد: طبعا هو علشان كده جاب عبد الحكيم عامر في أوائل سنة 1953 جاب عبد الحكيم عام يخليه قائدا عاما.

أحمد منصور: كيف فرض عبد الحكيم عامر قائدا عاما للقوات المسلحة ولم يكن مؤهلا ولم يكن لديه الخبرة كما قال عبد اللطيف البغدادي في كتابه ليقود القوات المسلحة؟

جمال حماد: من غير ما حد يقول، يعني دلوقت الجيش مليء بالكفاءات وكان في وقتها قادة مدة خدمتهم في الجيش أكثر من سنة عبد الحكيم عامر.

أحمد منصور: يا سلام!

جمال حماد: أيوه، يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): بعضهم استقال احتجاجا على هذا التعيين.

جمال حماد: هو بس واحد اللي استقال الحقيقة.

أحمد منصور: قائد القوات الجوية.

جمال حماد: قائد الطيران، هو ده اللي استقال.

أحمد منصور: قال هذا إهانة لرتبة اللواء لأنه كان صاغ، كان رائدا وأصدر، كان أول قرار أصدره محمد نجيب كرئيس للجمهورية هو تعيين عبد الحكيم عامر قائدا عاما للقوات المسلحة.

جمال حماد: أنا أوري لك ده يوري لك ضعف محمد نجيب، محمد نجيب كتب أنه أنا عارضت هذا وأنا قابلته بعد ما خرج وجاي البيت قلت له أنت عملت أخطاء قاتلة، قال لي زي إيه؟ قلت له زي أنك أنت تخليت عن قيادة الجيش، إزاي؟ ما أنت عارف أن القوة كلها في يد الجيش تتخلى عن قيادة الجيش إزاي؟ إنما عبد الناصر كان مصرا على أنه يجيب عبد الحكيم عامر علشان يضمن أن الجيش كله معه يبقى يقدر في هذه الحالة يطيح بأي واحد عضو في مجلس الثورة ويطلع بره وما حدش يقول له أنت بتعمل إيه؟

أحمد منصور: تم حل الأخوان المسلمين، حوكم 867 منهم كما يقول الرئيس نجيب في كتابه وحكم على سبعة بالإعدام في 4 ديسمبر 1954، محمد نجيب أعفي من رئاسة الجمهورية بطريقة مهينة واقتيد في 14 نوفمبر 1954 للإقامة الجبرية بطريقة غير آدمية، من نوفمبر 1954 استمرت إلى أكتوبر 1983.

جمال حماد: شيء مؤسف، يعني إهانة فعلا..

أحمد منصور (مقاطعا): هل كان نجيب يستحق ما حدث له؟

جمال حماد: إطلاقا إنما هو اللي عمل في نفسه كده، يعني لما أنا أعلق على هذا الموضوع أقول له أنت اللي عملت في نفسك كده، أنك أنت فضلت تتنازل عن حقوقك وتضعف قدامهم بشكل مثير يعني للدهشة، ليه؟ إزاي يعني واحد يشتمك وبتاع ويبعث لك الشتيمة ويقول لك ما تروحش للذكرى دي تقوم أنت ما تروحش، أنت لازم كنت تروح.

أحمد منصور: ما أتعجب له هو موقف السادات، بعد ما مات عبد الناصر سنة 1970 السادات برضه فضل فارض على محمد نجيب وزوروا التاريخ ولم يكونوا يخبرون الناس أن أول رئيس للجمهورية كان محمد نجيب؟

جمال حماد: للأسف الشديد أنه كان في تزوير في التاريخ..

أحمد منصور (مقاطعا): بس في التاريخ ولا تزوير في كل الحياة في مصر بعد ذلك؟

جمال حماد: لا اللي أنا أعرفه هو تزوير التاريخ.

أحمد منصور: عبد اللطيف البغدادي في صفحة 133 من الجزء الأول من مذكراته يقول إن محمد نجيب قد هدم نفسه بنفسه وإن التاريخ لن يعفينا أيضا.

جمال حماد: مش أنا بأقول لك، يعني أكثر واحد يحب محمد نجيب، لكن أنا قلت له ولا زلت أقول في كل حتة، أن التنازلات بتاعته والضعف المشين بتاعه أمام مجلس الثورة هو اللي أدى إلى هذه النهاية التعيسة، والنهاية التعيسة برضه لمصر اللي حصل في 5 يونيو، ما هو لو كان يعني رجلا محافظا على قوته كقائد لمجلس الثورة وقائد الثورة ما كانش يحدث ده كله.

أحمد منصور: لو عدت قليلا للوراء ودي النقطة اللي هي في 18 يونيو 1953 حينما عين محمد نجيب عبد الحكيم عامر قائدا عاما للقوات المسلحة مع منحه رتبة لواء، من رائد إلى لواء، قائد سلاح الطيران اللي استقال اسمه اللواء حسن محمود، استقال احتجاجا على هذا.

جمال حماد: هو الوحيد اللي استقال.

أحمد منصور: عبد الحكيم عامر كان زميلك ودفعتك وهو اللي ضمك للضباط الأحرار، صف شخصية عبد الحكيم عامر، هل كان مؤهلا أن يتولى هذه المسؤولية في هذا الوقت؟

جمال حماد: لا، أنا قلت هذا الكلام قبل كده، هو يعني سبب تعيينه الوحيد هو أن عبد الناصر يثق فيه أنه مش حيخونه لأنه هو عاوز واحد يمسك الجيش وما يخونه.

أحمد منصور: عبد اللطيف البغدادي وصف هذ التعيين فقال "نتج عن هذه السياسة فساد الجيش مما ترتب عليه نتائج عسكرية وسياسية وخيمة لمصر".

جمال حماد: طبعا، لأنه هل معقول أنك أنت تسلم زمام الجيش بتاع بلد لرائد؟ هل هذا معقول وعندنا ناس أساطيل في الجيش كان زي الفريق علي عامر وزي الفريق فريد سلامة وغيره وغيره كان عندنا ناس كويسين جدا يمسكوا الجيش وما كانوش يفكروا يعملوا انقلاب أو حاجة أبدا.

أحمد منصور: فرط الثوار في العمق الإستراتيجي لمصر وكلف صلاح سالم الذي لم يكن لديه أي خبرة بشؤون السودان بأن يحمل ملفها وتم فصل السودان عن مصر ثم التخلص من صلاح سالم بعد ذلك. في الحلقة القادمة أبدأ معك من السودان، شكرا جزيلا لك سيادة اللواء، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة اللواء أركان حرب جمال حماد أحد القيادات البارزة في الضباط الأحرار والكاتب لبيان ثورة يوليو عام 1952 الأول، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.