أقر الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي في الحلقة التاسعة من شهادته لبرنامج "شاهد على العصر" بوجود حالات فساد داخل المنظمة الدولية، لكنه نفى تورطه في هذا الفساد. وأشار إلى معارضة أميركا وبريطانيا ترشحه لمنصب الأمانة العامة.  

وكشف أن جوانب الفساد في الأمم المتحدة تأتي خصوصا من عمليات حفظ السلام المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، حيث تكون الرقابة ضعيفة، ومقتضيات السرعة -في حال الأزمات العاجلة- تتطلب التغلب على بعض القيود المالية.

وكان تقرير لمدققي الحسابات في الأمم المتحدة صدر عام 1993 قد توصل إلى أن أكثر حالات الفساد داخل المنظمة الأممية كانت في قطاع اللاجئين.

من جهتها، أوردت صحيفة "صنداي تايمز" أن سوء الإدارة والفساد في الأمم المتحدة يتسببان في إهدار أربعمائة مليون دولار سنويا من أموال المنظمة، ناهيك عن وجود آلاف الموظفين والمستشارين الذين يتقاضون رواتب ضخمة وامتيازات لا حدود لها دون أن يقوموا بأي عمل يذكر.

وأكد ضيف "شاهد على العصر" أن ميزانية الأمم المتحدة لا تزيد على بليون دولار، يعني ألف مليون دولار في السنة، وهي أقل -بحسب غالي- من مصاريف المطافئ في مدينة نيويورك رغم أنها تتولى الإشراف على مختلف أنحاء العالم.

من جهة أخرى، قال غالي في شهادته إنه بعد توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة كانت أولويته أن يقوم بإصلاح الأمم المتحدة، وأن يعطيها دورا قياديا في ما يتعلق بتنظيم العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة. وكشف أنه قدم أجندة للسلام في يونيو/حزيران 1992 بتفويض من رؤساء دول العالم لتجديد المنظمة الدولية.

وأضاف غالي -الذي تولى منصب الأمانة العامة للأمم المتحدة بين عامي 1991 و1996- أنه حاول كذلك تجنيد مجموعة من الدول الكبرى لكي تلعب أدوار على مستوى المنظمة الدولية، منها: ألمانيا، وفرنسا، والصين، وروسيا، وبعض دول أميركا، واليابان، والبرازيل، والأرجنتين.

عوائق إصلاح
غير أن الأمين العام الأسبق للمنظمة الدولية يقول إنه أدرك لاحقا "بعدما طردوني من الأمم المتحدة" أن الأمين العام "لا يستطيع أن يلعب دورا قياديا، والدول الكبرى -في مقدمتها الولايات المتحدة- هي التي تسيطر على هذه المنظمة"، "ويجب على الأمين العام أن يكون بمثابة موظف داخل هذه المنظمة".

وعدد غالي العوائق التي حالت دون تنفيذ مشروع إصلاح الأمم المتحدة، وهي: عدم اهتمام الدول الكبرى بالأمم المتحدة واستعمالها كأداة لتحقيق السياسة، والسيطرة الأميركية على المنظمة الدولية والتي أرجعها لسببين: الأول هو القوة الأميركية التي لا مثيل لها في الوقت الحاضر، حيث إن ميزانية الدفاع الأميركي تساوي مجموعة ميزانيات الدفاع لكافة دول العالم، والسبب الثاني هو أن أغلبية الدول الأعضاء لا تريد أن تلعب دورا في الأمم المتحدة.

وبحسب غالي، لم تكن الولايات المتحدة وبريطانيا مرتاحتين لترشحه للمنصب الأممي، لأن واشنطن لم تكن ترغب في أن يتولى عربي هذا المنصب، في حين وافقت عليه روسيا والصين وكذلك فرنسا بحكم ارتباطه بالثقافة الفرنسية.

يذكر أن حلقة اليوم وما سيتبعها من حلقات "شاهد على العصر" مع بطرس غالي سجلت بين القاهرة وباريس عام 2004 وبثت عام 2005.

 

 -  تداعيات ترشيح غالي للأمم المتحدة

ـ تصورات عن طبيعة دور الأمين العام

-  نفقات وميزانية الأمم المتحدة

-  جوانب الفساد في المنظمة

-  معركة غالي مع الفساد داخل المنظمة

 أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور بطرس غالي نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق والأمين العام السابق للأمم المتحدة، معالي الأمين العام مرحبا بك.

 بطرس غالي: أهلا.

تداعيات ترشيح غالي للأمم المتحدة

 أحمد منصور: بدأ الحديث معك أو الاقتراح معك حول ترشيحك كأمين عام للأمم المتحدة وقلت للرؤساء الأفارقة أنك ستعود للرئيس مبارك في هذه النقطة، ماذا كان رد الرئيس مبارك؟

بطرس غالي: في بداية الأمر كان غير متحمس لهذا الترشيح.

 أحمد منصور: لماذا؟

 بطرس غالي: أولا لأن أعطاني منصب جديد وأنني بتهرب من هذا المنصب وثانيا وكان هذا منطق إن لو فشلت.. أو لم تنجح فهذه تبقى بمثابة هزيمة لمصر فكان ردي إن هذه انتخابات عامة.. كما أن هي الانتخابات الداخلية الإنسان قد ينجح وقد لا ينجح وعدم النجاح لا تعتبر بمثابة هزيمة دبلوماسية للدولة، بعد تردد ما وافق كما أنه وافق على أن يساعدني في هذه الحملة لأنها كانت انتخابات على مستوى المجتمع الدولي وهذا تطلب مني زيارات إلى الصين، إلى أميركا، إلى كندا، إلى أوروبا، إلى مختلف دول العالم وإقناع..

 أحمد منصور [مقاطعاً]: مَن الذي ساعدك في وضع خطة الانتخاب أو الترشيح؟

 بطرس غالي: أنا الذي وضعت هذه الخطة مع مجموعة من الزملاء في وزارة الخارجية.

 أحمد منصور: كلهم مصريين؟

 بطرس غالي: نعم كلهم مصريين.

 أحمد منصور: لا توجد أطراف خارجية دعمت ترشيحك؟

 بطرس غالي: لا، الذي دعم ترشيحي فيما بعد سنجد أن هناك تأييد من روسيا وهذا التأييد..

 أحمد منصور [مقاطعاً]: كيف أيد الروس ترشيحك وأنت كنت صديقا للأميركان؟

"روسيا أيدت ترشيحي كأمين عام للأمم المتحدة لوجود علاقات طيبة بين مصر وروسيا، والصين أيدت ذلك لانتمائي إلى العالم الثالث، وفرنسا لارتباطي بالثقافة الفرنسية "

بطرس غالي: الروس أيدوا ترشيحي لأن كانت هناك علاقات طيبة بين مصر وروسيا نمرة واحد أو الاتحاد السوفيتي حين إذ، الصين أيدت ترشيحي لأنني أنتمي إلى العالم الثالث، فرنسا أيدت ترشيحي لأني مرتبط بالثقافة الفرنسية وعندهم اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية هو السلاح..

 أحمد منصور: هذا كان سبب الدعم الرئيسي من الفرنسيين لك موضوع اللغة الفرنسية؟

 بطرس غالي: نعم السبب الرئيسي بلا شك ولكن أكثر من ذلك، إن أنا أصررت على أن مصر انضمت إلى منظمة الفرانكفونية، فطبعا هذا من ضمن العناصر التي ساعدتني.

 أحمد منصور: يعني هذا دور شخص أنت لعبته في هذه المسألة من أجل مساعدتك في دعم ترشيحك؟

 بطرس غالي: لا لأن وقتها لما طلبت..

 أحمد منصور: يعني كان سؤال مهم لماذا تدخل مصر فرانكفونية ومصر ليست فرانكفونية؟

 بطرس غالي: أنا أرد على ذلك، أنا أرى أن الانفتاح على العالم الخارجي مفتاح التقدم في مصر وبالتالي أنا كنت حاولت أن..

 أحمد منصور: لكن مفهوم الفرانكفونية هي التبعية.

 بطرس غالي: لا هذا كلامك أنت مش تبعية.

 أحمد منصور: كلام مَن؟

 بطرس غالي: معلش أنت بتقول الكلام هذا بس مش صحيح، فرنسا أصبحت دولة متوسطة وضعيفة، أنا كنت بأيد أن مصر تنضم للكومنولث أيضا، أنا كنت..

 أحمد منصور: مقبول الكومنولث لأن بريطانيا كانت تحتلنا يعني.

 بطرس غالي: لا، فرنسا كانت محتلانا، كان هناك وجود فرنسي وإنجليزي في مصر لغاية سنة 1905 مش كده، أنا اللي خليت مصر تنضم للاشتراكية الدولية، أنا أؤمن أن انفتاح مصر على العالم الخارجي هي وسيلة من وسائل التنمية والتقدم والتخلص من الانغلاق فهذا مهم، اللي كان بينافسني في هذه العملية شخصية قوية وهي شيزاروا اللي كان وزير اقتصاد ووزير مالية زيمبابوي، شيزاروا كانت شخصية ناجحة، لماذا؟ أولا كان ينتمي إلى الكومنولث والدول الناطقة بالإنجليزية في أفريقيا كانت تؤيده، ثانيا هو اللي ساعد على وضع حل الجاليات الإنجليزية في زيمبابوي التي احتفظت الأرض، ثالثا كان خبير اشتغل في منظمة الأمم المتحدة وكان اقتصادي من الدرجة الأولى، فكان المنافسة بيني إلى حد كبير، بين أفريقي حقيقي وفقا للمنطق الأفريقي بسبب اللون ونصف أفريقي لأنه عربي أفريقي من ناحية، نجد أن الدولة التي لعبت دور وساعدتني في المرحلة الأخيرة هي فرنسا لأن كان وقتها مؤتمر قمة منعقد في باريس.

 أحمد منصور: وأبلغك الفرنسيون أن أميركا تعارض ترشيحك.

 بطرس غالي: لا وأبلغني الفرنسيون أو الفرنسيين أن أتصل مع رئيس جمهورية رومانيا ورئيس جمهورية ساحل العاج.

 أحمد منصور: لماذا؟

 بطرس غالي: لأن رومانيا كان لها مقعد في مجلس الأمن وساحل العاج له مقعد في مجلس الأمن والسلطات الفرنسية اتصلت مع رئيس الجمهورية الروماني حتى يقابلني وقابلني الساعة 11 بالليل في باريس وطلبت منه التأييد في الترشيح، كما قابلت وفويد بونييه رئيس جمهورية ساحل العاج الذي كان متردد لأنه مش عايز يرضي الجانب زيمبابوي، عايز يرضي برضه الجانب المصري وكان بيعطي صوته مرة للجانب الزيمبابوي ومرة للجانب المصري.

 أحمد منصور: أميركا كان موقفها إيه من ترشيحك لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: لم تكن مرتاحة لهذا الترشيح كما أن إنجلترا لم تكن مرتاحة.

 أحمد منصور: لماذا؟

 بطرس غالي: هناك عدة تفسيرات، أبسط تفسير أن يستحسن أن لا يُعين أمين عام ينتمي إلى منطقة في مواجهة مع دولة أخرى، هناك مواجهة بين العالم العربي..

 أحمد منصور: أنت الذي قُدت وسعيت في عملية..

 بطرس غالي: طبعا ولكن هذا شيء..

 أحمد منصور: وكان هذا بمثابة يعتبر مكافأة لك على ما قمت به.

 بطرس غالي: هذا شيء ولكن من ناحية أخرى هذا لا يعني أن هذا الإنسان سيكون منحاز إلى العالم العربي ونحن عايزين أمين عام محايد بعيد عن هذه المنطقة.

 أحمد منصور: أنت قلت في مذكراتك أنك كنت حريص جدا على بيان.. يعني حتى في لقاءك مع جون بولتون مساعد وزير الخارجية الأميركي في عشرين نوفمبر 1991 قلت أنك أنت ستولي اعتبارا جادا للسياسة الأميركية.

 بطرس غالي: طبعا هذا في الحملة الانتخابية بتاعتي.

 أحمد منصور: هل هذا كان بمثابة تعهد منك إلى الأميركان أنك ستكون مواليا لهم؟

 بطرس غالي: لا مش تعهد، بدليل أني طردت من قبَّل الأميركان، لا أنت لما تعمل حملة انتخابية هتروح وتقعد تتقدم بعدة وعود، هتتقدم بوعد لجانب وتقدمت بوعد للجانب الإسرائيلي، اتصلت بهم قلت لهم شوفوا يا جماعة أنا ساهمت في معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، هناك أزمة بين إسرائيل والأمم المتحدة، أنا سأحاول أن أعمل صلح بين الأمم المتحدة وإسرائيل ورحت للجانب..

 أحمد منصور: وعملته فيما بعد كما سيأتي.

 بطرس غالي: ورحت للجانب الروسي قلت لهم أنا مستعد أساعدكم في كذا وكذا، رحت للجانب الصيني قلت لهم أنا مستعد أساعدكم في كذا، هذه الحملة الانتخابية، أمّال هينتخبوني ليه؟

 أحمد منصور: الحملة الانتخابية في النهاية هي تعهد ما بين المرشح وما بين الناخبين.

 بطرس غالي: مش تعهد لا.

 أحمد منصور: تعهدات يعني الوعود هذه سيحاسبوك عليها فيما بعد، أنت وعدتنا أن تفعل الوعود هذه عهود.

 بطرس غالي: نعم وعود، لكن برضه خليك عملي.

 أحمد منصور: الوعود عهود.

 بطرس غالي: لا الأمين العام سلطته بسيط قوي، يعني إيه اللي هيقدر يعمله..

 أحمد منصور: لا الأمين العام بيعمل حاجات كثير بيعرقل وبيعمل وبيسوي، مدى قناعتهم طيب.. هم انتخبوك أنت قلت ستجري مصالحة بين إسرائيل والأمم المتحدة ودعمك الإسرائيليون وأجريت هذه المصالحة كما سيأتي فيما بعد، قل لي بصراحة أنت قلت أنك أنت كونك قبطي كان هذا عائق بينك وبين أن تكون وزير خارجية لمصر، هل كونك قبطي متزوج من سيدة ذات أصول يهودية من العوامل أيضا التي أدت إلى قبولهم بك كأمين عام للأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: لا ما أظنش لأن..

 أحمد منصور [مقاطعاً]: لأن قيل إن من العوائق اللي وقفت أمام سالم أحمد سالم أن يرشَح عدة مرات من قبل كونه مسلم إفريقي؟

 بطرس غالي: لا، العوائق إن أحمد سالم قعد رقص في وسط الجلسة عندما اُنتخب الصين، إعادة الصين الشيوعية إلى مقر حلت محل الصين الوطنية واُعتبر أن هذا إهانة للجانب الأميركي، لا ما لوش أي علاقة، شوف نرجع.. أقول لك حاجة لما أنشأت المحكمة بتاعة مجرم الحرب في يوغسلافيا..

 أحمد منصور: هذه قصة طويلة ملف كبير.

 بطرس غالي: قالوا لي إزاي ما عينتش مسلم في هذه المحكمة، الرد على ذلك مش أنا اللي بعين الجمعية العامة اللي بتعين.

 أحمد منصور: وأنت بتلعب دور في توصياتك؟

 بطرس غالي: أبدا ما ليش أي علاقة، الدول هي اللي بترشح، ما رشحوش نائمين، ما حدش رشح.

 أحمد منصور: هانيجي الآن..

 بطرس غالي: بديك مثل..

 أحمد منصور: للأمم المتحدة الآن الحقيقة الملف ملف ضخم جدا..

 بطرس غالي: معلش.

 أحمد منصور: وأنت جئت في فترة حالكة.

 بطرس غالي: ما أنا معك بس أنا عايز أقول لك إن حكاية مسلم، مسيحي، يهودي، بالنسبة للأمم المتحدة ما لوش الاهتمام، هذه العقدة اللي موجودة عندنا.

 أحمد منصور: إزاي يا دكتور؟

 بطرس غالي: لا ما لوش.

 أحمد منصور: الآن في كل التعيينات البسيطة.. حتى المناصب البسيطة كما سيأتي في الأمم المتحدة، أميركا كانت تتدخل لتعيين موظف وكان يطلب منك عين لنا فلان في المكان الفلاني؟

 بطرس غالي: أبدا مَن قال كده؟

 أحمد منصور: في كتابك ومذكراتك وسآتي لك بالتفصيل.

 بطرس غالي: لا جيب لي التفاصيل وأنا أرد عليها.

 أحمد منصور: الآن كيف بلغك خبر فوزك بالأمانة العامة للأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: أنا سافرت لألمانيا عشان أقابل وزير خارجية ألمانيا وأطلب منه أن يتصل مع الجانب الإنجليزي لأن الجانب الإنجليزي كان يعارض انتخابي، فإذاً هذا مثل لدولة ساعدتني، كانت لي علاقات ممتازة مع هذه الدولة.

 أحمد منصور: هذه الدول.. قضية المساعدات كل دولة لها وجهة نظر في المسألة ولكن في النهاية إذا أميركا لم يكن لها قبول بالنسبة للأمين العام كانت القضية بالنسبة لك منهية.

 بطرس غالي: ما كانش لها قبول بدليل إن ما صوتتش لانتخابي.

 أحمد منصور: الامتناع عن التصويت هو نوع من الموافقة.

 بطرس غالي: لا ما كانوش.. فوجؤوا ما كانوش منتظرين إن في هذه الجلسة ستنقلب من تصويت صوري إلى تصويت حقيقي وفوجؤوا بهذا الانتخاب، كانت مفاجئة وهذا..

 أحمد منصور: في النهاية أنت لم تأتي رغما عنهم.

 بطرس غالي: وهذا قيل لي في إعادة الانتخابات، المرة هذه مش هنفاجئ كما تمت في المرة الأولى نحب نقول لك كده بالعكس، ما كانوش ولا إنجلترا ولا فرنسا كانوا مؤيدين، لسبب بسيط إنجلترا كانت..

 أحمد منصور: كان يمكن أن يستخدموا الفيتو وأنت لا تُرشح؟

 بطرس غالي: لا كان وقتها القاعدة العامة أن لا يستخدم حق الفيتو، أنا درستها.. مش أنا اللي درستها قعدنا عشرين واحد ندرسها بالتفاصيل، التفاصيل إن كانت مفاجئة.. إنجلترا بتأيد زيمبابوي، زيمبابوي هذه كانت مستعمرة إنجليزية ما زالت هناك نصف مليون إنجليزي موجودين في زيمبابوي، أميركا غير مرتاحة إلى مرشح ينتمي إلى العالم العربي فكانت مفاجأة بالنسبة لإنجلترا وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية بدليل إن انتخابي تم بأغلبية 11 صوت، كان عندك أربع أصوات امتنعت عن التصويت يعني كانت ضد تصويتي، ضد انتخابي.

 تصورات عن طبيعة دور الأمين العام

 أحمد منصور: هل كان لديك تصور واضح عن طبيعة الدور الذي ستقوم به كأمين عام الأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: طبعا.

 أحمد منصور: ما هي طبيعة هذا الدور؟

 بطرس غالي: كنت مقتنع أن الأمم المتحدة ستستطيع أن تلعب دور فيما يتعلق بإعادة العلاقات الدولية فيما بعد الحرب الباردة.

 أحمد منصور: يعني كان دور من المفترض أنه يخدم المصالح الأميركية أو الاستراتيجية الأميركية في تلك المرحلة..

 بطرس غالي: ما حدش قال كده.

 أحمد منصور: بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

 بطرس غالي: لا أبدا ما حدش قال كده، بالعكس كنا بنفكر في أن نعطي للأمم المتحدة دور قيادي فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الدولية، فيما يتعلق.. بعدين برضه لازم تفهم لم يدرك الرأي العام والخبراء ما أدركوش الجباروت الأميركاني ابتداء من انهيار الاتحاد السوفيتي.

 أحمد منصور: أنت متى أدركته؟

 بطرس غالي: أدركت هذه القوة الأميركية في نهاية.. حتى قول بعد ما طلعوني من الأمم المتحدة.

 أحمد منصور: بعد 1996؟

 بطرس غالي: بعد 1996.

 أحمد منصور: لم تكن تدركه في 1991؟

 بطرس غالي: لا لأن كان عملي..

 أحمد منصور: مع الممارسات التي كانوا بدؤوا فيها معك؟

 بطرس غالي: بالعكس كان عملي هو أن أتصل مع كثير من الدول، أطلب من هذه الدول أن تلعب دور، أقنع اليابان أن يبعث قوات عسكرية في موزنبيق ويبعث مستشفى في الجولان، أقنع ألمانيا أن تشترك في قوات الأمم المتحدة، أقنع البرازيل أن يلعب دور، أروح للأرجنتين أقول أعمل لك أنت هتبقى رئيس مجلس الأمن نعمل اجتماع على مستوى القمة في مجلس الأمن، حاولت أن أجند مجموعة من الدول الكبرى سواء ألمانيا، سواء فرنسا، سواء الصين، سواء روسيا، سواء بعض دول أميركا.. اليابان، سواء البرازيل، سواء الأرجنتين، دُوْل كلهم زرتهم واتصلت بهم عشان خاطر يلعبوا دور.

 أحمد منصور: دون تنسيق مع أميركا؟

 بطرس غالي: لا دون تنسيق مع أميركا أُمال زعلوا مني من قليل، بالعكس كنت مؤمن بالتعددية في إطار الأمم المتحدة وكنت مؤمن أن الأمم المتحدة وهذا غلط أنا بعترف دلوقتي إني أخطأت إني كنت مقتنع أن الأمم المتحدة سوف تستطيع أن تحل محل الصرع بين القطبين.

 أحمد منصور: كل تصرف من الذي قمت به كان يأتيك رد فعل غاضب من الأميركان ومع ذلك كنت تواصل، أنا حتى لا استبق الأحداث كنت في التاسعة والستين حينما أصبحت أمينا عاما للأمم المتحدة، مع الإرهاق والعمل الضخم ما كنتش تشعر إنك في مرحلة سن تحول بينك وبين القيام بواجبات هذه الوظيفة الكبيرة؟

 بطرس غالي: أبدا، أحب أقول لك اُنتخبت أمين عام للمنظمة الفرنكوفونية في هانوي وعمري خمسة وسبعين سنة، العبرة ليس بتعدد السنوات..

 أحمد منصور: كيف وجدت..

 بطرس غالي: العبرة بالإرادة على العمل والقدرة على العمل.

 أحمد منصور: كيف وجدت الأمم المتحدة من الداخل وتحديدا من الطابق الثامن والثلاثين حيث يقع مكتب الأمين العام؟

 بطرس غالي: يجب أن تُلم أن في 31 يناير 1992 انعقد لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة مجلس الأمن على مستوى رؤساء الدول ورؤساء الحكومات.

 أحمد منصور: صحيح.

 بطرس غالي: كان رئيس روسيا موجود.. الاتحاد السوفيتي موجود، بوش موجود، ملك المغرب موجود، رئيس وزراء الصين موجود، كان عندك لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة في 31 يناير 1992 رؤساء أكبر دول في العالم وقعدوا يقولوا لي يا أمين العام أنت جديد كُلفت بإعادة النظر في الأمم المتحدة بتجديد الأمم المتحدة حتى تتماشى مع الأوضاع الجديدة، فطبعا أخطأت وأخذت هذا الكلام كأنه كلام..

 أحمد منصور: تفويض.

 بطرس غالي: تفويض إني سوف أستطيع أن ألعب دور جديد، أجدد الأمم المتحدة، أجعل الأمم المتحدة هي التي تتولى الإشراف على العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة.

 أحمد منصور: أنا لاحظت حاجة وأنا أقرأ مذكراتك وأتابع كثير من الأشياء التي قمت بها وأنت أستاذ في السياسة الدولية وفي القانون الدولي، هل وجودك في المنصب الآن أو في أرفع منصب دولي جعلك لا تدرك الفوارق الأساسية بين متطلبات السياسة ومتطلبات طبيعة الوظيفة التي كنت فيها؟

 " قدمت أجندة للسلام في يونيو 1992 بتفويض من رؤساء دول العالم لتجديد الأمم المتحدة"

بطرس غالي: لا لأني كنت مدرك بدليل إني لما اتصلت مع الأميركان قلت لهم أنتم بتمثلوا القوة ويجب أن أتعاون معكم وإنني مدرك أنه دون التعاون مع أميركا سيصعب للأمم المتحدة أن تحقق أو أن تعمل، كنت مدرك ذلك ولكن كان هناك بمثابة تفويض من رؤساء دول العالم أن الأمين العام مُكلف بتجديد الأمم المتحدة وقدمت ورقة عمل أسمها أجندة للسلام في يونيو 1992..

أحمد منصور: مضبوط.

 بطرس غالي: هذه الورقة تُرجمت إلى خمسين لغة، كانت لها صدى في مختلف المعاهد المتخصصة، نوقشت على مدى سنتين في مجلس الأمن، أصدر عدة توصيات متعلقة بهذه الورقة، نوقشت في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتالي اقتنعت أن فعلا الأمين العام الجديد سيلعب دور قيادي في هذه المنظمة، هذا كان غلط.

 أحمد منصور: إيه كان الصح؟

 بطرس غالي: الصح أن لا يستطيع الأمين العام أن يلعب دور قيادي والدولة.. الدول الكبرى في مقدمتها الولايات المتحدة هي التي تسيطر على هذه المنظمة ويجب للأمين العام أن يكون بمثابة موظف داخل هذه المنظمة.

 أحمد منصور: طبعا هذا الدرس الكبير جدا لم تتعلمه إلا بعد لم يجدد لك، لكن طوال الخمس سنوات كنت تقوم بدور أخر.

 بطرس غالي: فعلا وأنا أعترف بهذا لم أتعلم هذا الدرس إلا بعد ما طردوني من الأمم المتحدة.

أحمد منصور: في صفحة أربعة وعشرين من كتابك خمس سنوات في بيت من زجاج قلت أن أول بند كان على جدول أعمالك كان الإصلاح، هل معنى ذلك أن الأمم المتحدة كانت تنخر بالفساد؟

 بطرس غالي: لا، مادام بنتكلم عن تجديد الأمم المتحدة، مادام بنتكلم عن الأمم المتحدة سيكون لها دور جديد فيما بعد الحرب الباردة فلابد من إصلاح.

 أحمد منصور: إيه أهم المشكلات التي كانت أمامك التي اقتضت التي تعلن أن الإصلاح هو الجدول.. البند الأساسي؟

 بطرس غالي: طلَّعت أربعة عشر منصب من أمناء مساعدين.

 أحمد منصور: أنت قلت أنك طلَّعت أربعة عشر منصب لكن صنداي تايمز البريطانية كانت نشرت تقرير عن الفساد في الأمم المتحدة وقالت أنك أعدت تعيينهم مرة أخرى كمستشارين لك.

 بطرس غالي: لا مش صحيح لا هذا كلام فاضي لا، الموضوع مش كده، بعديها بسنة بدأ الهجوم على الأمين العام في الجرائد الأميركية وطلَّعوا مشاكل فساد كانت موجود ولكن تمت هذه المشاكل في عهد الأمين العام السابق.

 أحمد منصور: فيه بعضها تم في عهدك؟

 بطرس غالي: استنى بس، لا كلها، بالنسبة لهذا الحادث.. فالرد بتاعي كان الله طيب أنا مش مسؤول، فالرد بتاعهم كان إيه، طيب بقالك سنة عملت إيه في هذه المخالفات اللي تمت، ففي جميع الحالات الهجوم كان موجه إلى الأمم المتحدة.

نفقات وميزانية الأمم المتحدة

أحمد منصور: لا أنا هأجل الآن ملف فساد الأمم المتحدة، كان ملف ضخم جدا في مرحلتك كُشف بشكل كبير جدا، حينما توليت منصب الأمين العام للأمم المتحدة كان هناك اثنين وخمسين ألف موظف موجودين في هذه المنظمة، في فبراير 1992 كما قلت أنت ألغيت ثمانية عشر وظيفة فقط من بين اثنين وخمسين ألف وظيفة موجودة في الأمم المتحدة، كانت وظائف قيادية قلت أنك وفرت أربعة مليون دولار على الأمم المتحدة كل سنة لكن فيه ملايين أو عشرات الملايين من الدولارات من الهدر، من الفساد، من الاختلاسات كانت موجودة في المنظمة.

 "الأمم المتحدة تتولى الإشراف على عشرات من المنازعات الدولية والإشراف على التعاون الدولي والإشراف على مائة دولة أو مائتين"

بطرس غالي: لا أبدا، مصاريف الأمم المتحدة وهي تتولى الإشراف على عشرات من المنازعات الدولية وتتولى الإشراف على التعاون الدولي وتتولى الإشراف على مائة دولة أو مائتين دولة أقل من مصاريف المطافئ في مدينة نيويورك، يعني إيه مصاريف الأمم المتحدة؟ يعني إيه اثنين وخمسين ألف موظف؟ ما عندك في أي وزارة..

 أحمد منصور: لا أنا جاي لك للمصاريف بالأرقام، أنا مش هسألك عن أي شيء قبل يناير 1993 صنداي تايمز نشرت في تقرير في منتصف أغسطس 1993 قالت..

 بطرس غالي: 1993؟

 أحمد منصور: أه 1993 تكاليف سفر موظفي السكرتارية العامة فقط للعام 1992- 1993 بلغ أكثر من خمسين مليون دولار، السكرتارية العامة فقط موظفيك أنت.

 بطرس غالي: لا بس هنا فيه لعب، مش سفر، اللي موجودين في الخارج، المفروض أن عندي موظفين عندي جيش، كان عندي قوات موجودة في الصومال، كان عندي قوات موجودة في أنغولا.

 أحمد منصور: ما لهاش علاقة بالقوات هذه تتعلق بالموظفين الكبار اللي بيتحركوا.

 بطرس غالي: لا الموظفين موجودين عشان يخدموا هذه القوات، عندك قوات في أنجولا، عندك قوات في موزمبيق، عندك قوات في كمبوديا، عندك قوات في الصومال.

 أحمد منصور: هيجي دور الموظفين دوّل وعلامات الاستفهام الكثيرة المثارة حولها.

 بطرس غالي: أسمح لي بس خليني أكمل، كان عندك قوات في السلفادور، أنت محتاج عشان هذه القوات إلى مجموعة من المدنيين هيتولى الجانب الدبلوماسي، هيتولى الجانب المتعلق باللاجئين، هيتعاون بالجانب الإصلاح الحكومي، هيتولى بتمويل هذه القوات، اللي هيمسك حسابات كلهم دوّل موظفين، فأنت محتاج، اثنين وخمسين ألف موظف دي لا شيء على مستوى المعمورة.

 أحمد منصور: سوء الإدارة والفساد في الأمم المتحدة يتسبب في إهدار أربعمائة مليون دولار سنويا من أموال المنظمة، ناهيك عن وجود آلاف الموظفين والمستشارين الذين يتقاضون رواتب ضخمة وامتيازات لا حدود لها دون أن يقوموا بأي عمل يُذكر، هذا ما قالته صنداي تايمز.

 بطرس غالي: هذا ولا مؤاخذه صنداي تايمز، هذا كلام صحافة ولا مؤاخذه.

 أحمد منصور: لا مش كلام صحافة أنتم حققتم فيه كأمم المتحدة، أعلنتم أنكم ستحققوا في الموضوع.

 بطرس غالي: كل هذا مُبَالغ، أرجع أقول لك ميزانية الأمم المتحدة لا تزداد عن بليون يعني ألف مليون دولار في السنة أقل من مطافئ نيويورك وتتولى الإشراف على مختلف أنحاء العالم.

 أحمد منصور: بغض النظر عن المبلغ حجم الفساد الكبير اللي موجود في هذا.

 بطرس غالي: لا ما كانش.

 أحمد منصور: كان لك كأمين عام تسعة آلاف وستمائة مستشار ومبعوث خاص؟

 بطرس غالي: كم؟

 أحمد منصور: تسعة آلاف وستمائة، تسعة آلاف وستمائة مستشار ومبعوث خاص تابعين فقط للأمين العام يتقاضوا رواتب خيالية.

 بطرس غالي: مَن قال كده؟

 أحمد منصور: 70% من ميزانية المنظمة كانت تُنفق على الرواتب، 2.4 مليار دولار للعام المالي 1992-1993 دُفعت كرواتب ونفاق للموظفين.

 بطرس غالي: إزاي 2.4 إذا كان بقول لك أن ميزانية..

 أحمد منصور: صنداي تايمز اللي قالت وأنتم وقتها حققتوا في الموضوع بشكل كبير.

 بطرس غالي: يا سيدي ما حققناش ولا حاجة كما سمعت كلام جرائد، الميزانية.

 أحمد منصور: الجرائد هذه لها مصداقية عالية جدا ومصدر رئيسي في المعلومات.

 بطرس غالي: ميزانية الأمم المتحدة لا تزداد عن مليار ومائتين مليون دولار، آدي الرقم الموجود وتقدر تطلبهم دلوقتي هنا في مكتب الأمم المتحدة يديلك هذا الرقم.

أحمد منصور: هل الأمم المتحدة بتجمع تبرعات بتعمل مشاريع خاصة وصناديق خاصة والدول بتتبرع لها؟

 بطرس غالي: لا الصناديق الخاصة ما تزيدش عن ثلاثين أو أربعين مليون دولار.

 أحمد منصور: كثير من الأشياء.. حضرتك حتى في كتابك ذكرت أن الميزانيات كانت تنتهي وما بتلاقيش مصادر فبتضطروا تطلبوا من الدول، كان هناك دول مدينة زي الولايات المتحدة بخمسمائة وسبعة عشر مليون دولار.

 بطرس غالي: لا و لامؤاخذة لو تسمح لي، عندك ميزانية الأمم المتحدة وعندك ميزانية أخرى وهي قوة الطوارئ الدولية، قوة الطوارئ الدولية.. أنا بعثت مثلا خمس.. فرنسا بعثت خمس آلاف جندي أو أي دولة بعثت خمسة آلاف جندي في موزمبيق أو في أنغولا أو في السلفادور أو في كمبوديا، المفروض إنك تدفع لهذه الدولة فلوس هؤلاء الجنود.. ما تدفعلهاش هتتدفع لها بعد سنتين، أنت مديون لهذه الدولة بمائة مليون دولار بسبب القوات الموجودة، مائة مليون دولار.. كأنك أستلفت من هذه الدولة مائة مليون دولار دون فائدة على مدى سنتين، لما وجدنا أن الولايات المتحدة امتنعت عن تسديد نصيبها في الميزانية وبعض الدول قلدت الولايات المتحدة ترتب على ذلك..

أحمد منصور: وهي أكثر الدول استفادة من الأمم المتحدة.

 بطرس غالي: أنا معك أيوه، ترتب على ذلك أن لجأنا إلى هذا الأسلوب أن بنتأخر في تسديد ديون الأمم المتحدة للدول التي أوفدت جنود أو قوات تابعة للأمم المتحدة في مختلف أنحاء العالم، فكأننا استلفنا من هذه الدول فلوس على مدى سنتين ثلاثة، بندفع لها بعد سنتين وبعد ثلاث سنوات.

 أحمد منصور: أنا قبل أن أسرد لك حوادث محددة فيما بتعلق بالفساد الذي كان موجودا داخل الولايات الأمم المتحدة والذي نُقل على مستوى كبير جدا في هذه المرحلة، هل يمكن أن تعدد لي أنت مظاهر الفساد التي كانت موجودة في المنظمة؟ وأسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة على العصر فابقوا معنا.

 [فاصل إعلاني]

 

جوانب الفساد في المنظمة

 أحمد منصور: أهلا بكم من جديد لمتابعة شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة على العصر، ما هي جوانب الفساد التي رصدتها أنت في خلال فترتك الأولى في الأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: جوانب الفساد تأتي من عمليات حفظ السلام في مختلف أنحاء العالم.

 أحمد منصور: كيف؟

بطرس غالي: على سبيل المثال هناك أزمة وقعت في رواندا أو أزمة وقعت في سيراليون.. أي دولة وهناك مائة ألف لاجئ خرجوا من الحدود محتاجين إلى خِيَام، لو عملت مقايسة وفقا للأنظمة التابعة للأمم المتحدة ستأخذ شهرين ثلاثة، أنت محتاج لهذه الخِيَام في الحال.. بعدها بيوم فستجد تاجر مستعد يبيع لك هذه الخيمة أو هذه المجموعة من الخِيَام في أربعة وعشرين ساعة، هنا يبدأ الفساد، إن سيبقى فيها سمسرة وسيبقى فيها..

 أحمد منصور: ولذلك هنا نجد أن تقرير مدققي الحسابات للأمم المتحدة لعام 1993، قالوا أن أكثر حالات الفساد كانت في قطاع اللاجئين.

 بطرس غالي: مضبوط أهوه قلت لك مثلا، لكن في قطاع اللاجئين..

 أحمد منصور: وعندي هنا شخص بأسم شنقا لوكيكا ممثل المفوضية لشؤون اللاجئين في أوغندا وجيبوتي أُضطر لتقديم استقالته في منتصف عام 1993 بعد سلسلة من الفضائح المالية اتهمته باختلاسات تزيد عن ثلاثة مليون باوند.. جنيه إسترليني.

 "الفساد يأتي بسبب الأزمات العاجلة ولاحتواء الأزمة سواء بتوفير مواد غذائية أو أسلحة، يجب اللجوء إلى وسائل سريعة وتبقى الرقابة الدقيقة أقل وهنا يقع الفساد"

بطرس غالي: الفساد سيأتي بسبب إنك عندك أزمة عاجلة ويجب أن تتصرف لكي تحتوي هذه الأزمة سواء عايز مواد غذائية للاجئين، سواء محتاج إلى أسلحة، سواء محتاج إنك تبني كوبري أو محتاج إنك تصلح مطار عشان خاطر الطائرات تقدر تنزل وتجيب لك التموين اللازم للاجئين أو لنفس السكان اللي جائعين، فحينئذ مُضطر أن تلجأ إلى وسائل سريعة وتبقى الرقابة الدقيقة أقل وهنا يقع الفساد.

 أحمد منصور: الشركاء في هذا الفساد وفي هذا السلب والنهب مَن هم؟

 بطرس غالي: في رأيي إن نجد كان بعض الموظفين وقد تجد إن بعض التجار الموجودين في هذه البلاد الموجودة اللي بيلعبوا في هذا البلد.

 أحمد منصور: أيضا هناك تقارير أشارت إلى أن البرامج المؤقتة أيضا كانت مصدر رئيسي للسلب والنهب والفساد ومنها البرنامج الذي أُطلق عليه قبلك في عام 1988 عقد الأمم المتحدة لمساعدة المعوقين، عُيَّن فيها النرويجي هانز هيوب ممثل للأمين العام، أنفق على مكتبه خلال عامين اثنين ونصف مليون جنية إسترليني لم يتمكن من جمعها.

 بطرس غالي: شوف أنا مش عايز أقلل من عيوب الأمم المتحدة والفساد الموجود في الأمم المتحدة، لكن كما ذكرت هذا الفساد تم قبل وصولي إلى الحكم وهذا لا يعني أن لم يقع..

 أحمد منصور: هل معنى ذلك أن بعد وصولك الفساد توقف؟

 بطرس غالي: لا أنا قلت لك.. كنت هقول لك هذا لا يعني أن أثناء وجودي ما كانش فيه فساد وحاولت كذا مرة في طرد بعض الموظفين، في التغلب على بعض، حاولنا الإصلاح.

 أحمد منصور: صنداي تايمز قالت إن كان..

 بطرس غالي: بس اللي أنا عايز أقول لك.

 أحمد منصور: قول لي.

 بطرس غالي: إن لو حبيت برضه أرجع لدراسات المقارنة تبحث عن الفساد في دولة كبرى زي الولايات المتحدة أو في أغلبية دول العالم تجد أن الفساد في الأمم المتحدة يكاد يكون أقل بكثير من الفساد في كثير من الدول.

 أحمد منصور: بسبب الرقابة وفضائح الصحف.

 بطرس غالي: أولا بسبب الرقابة.

 أحمد منصور: عوامل كثيرة ربما تؤدي إلى ذلك.

 بطرس غالي: أيوه بسبب الرقابة وبسبب تعدد الجنسيات فدُوْل بيراقبوا على بعض.

 أحمد منصور: فيه نقطة مهمة أيضا تتعلق بقضية الفساد في الأمم المتحدة، قضية المعاشات التقاعدية الكبيرة وتقديم بعض الشخصيات لاستقالتهم والاتهام موجه لك أنت أنك أعدت تعيين بعض من قدموا استقالتهم بعد حصولهم على مكافآت نهاية الخدمة ومكافآت كبيرة كمستشارين لك.

 بطرس غالي: ما حصلش.

 أحمد منصور: نفسك أنت حينما ذهبت إلى مكتب الأمم المتحدة في جنيف بعد ما يقرب من عام من توليك المسؤولية قلت إن مكتب جنيف به آلاف من الموظفين لا يقوم نصفهم بأي شيء على الإطلاق، ماذا فعلت مع هؤلاء؟

 بطرس غالي: أولا من الصعب لأن لهم عقود ما أقدرش أطلعهم ولو طلعتهم هتطلب تعويض وقد يكون التعويض أكثر بكثير من المهية اللي بيأخذها، لأنه طلعته دون.. هيرفع عليك قضية، عنده محكمة خاصة إدارية بتسانده فالعملية مش سهلة.

 أحمد منصور: شبكة (C.B.S) الأميركية في برنامجها الشهير، ستون دقيقة، عملت حلقة عن الأمم المتحدة والفساد في داخلها في 19 سبتمبر 1993 كان خلاصته أن الأمم المتحدة عبارة عن مجموعة من المنتفعين.

 بطرس غالي: هذا مُبالغ فيه.

 أحمد منصور: جاء هذا في نص البرنامج.

 بطرس غالي: أنا معك.. أنا أقول لك شوف إزاي، عندك فريقين مجموعة من الأفراد، مجموعة من الخبراء، مجموعة من الصحفيين يؤيدوا الأمم المتحدة، مجموعة أخرى ضد الأمم المتحدة وبالتالي اللي ضد الأمم المتحدة هيطلعوا الجوانب السلبية الموجودة في الأمم المتحدة.

 أحمد منصور: لكن رائحة الفساد كانت مرتفعة، كانت كبيرة.

 بطرس غالي: يا سيدي الفساد موجود، أنا مش عايز أقلل من خطورة الفساد لكن أنا عايز أقول لك..

 أحمد منصور: أنت نفسك شعرت أنك داخل في معركة مع الفساد كبيرة.

 بطرس غالي: طبعا دخلت معركة مع الفساد.

أحمد منصور: واضطررت تتعايش معها في النهاية لأنك وجدتها ربما أكبر منك.

 بطرس غالي: لا، بالعكس طلَّعت موظفين كثيرين وعملت إصلاحات وطلَّعنا ناس وعملنا.. لا بالعكس.

 أحمد منصور: أنت اخترت الرئيس بوش طلبت منه أنه يعطيك حد يساعدك واخترت..

 بطرس غالي: جاب لي حاكم أميركي..

 أحمد منصور: ريتشارد ثيرينبرغ كان حاكم بنسلفانيا ومدعي عام أميركي سابق.

 بطرس غالي: قعد تسعة أشهر ومشي.

 أحمد منصور: هو بنفسه قال إيه؟ أنا حصلت على تصريحات له غير اللي حضرتك ذكرت أنك اخترتها..

 بطرس غالي: تعرف التصريحات دي طلعها امتى؟ تسمح لي.

 أحمد منصور: في برنامج ستين دقيقة لما هو طلع وتكلم.

 بطرس غالي: تعرف التصريحات طلعها امتى؟ لما طلعناه.

 أحمد منصور: قال إن إصلاح الجهاز البيروقراطي أشبه بعملية تتقدم خطوة إلى الأمام وتتقهقر خطوتين إلى الخلف، هناك عدد كبير من كبار الموظفين في الأمم المتحدة يحتلون وظائف عُليا ولا يقومون بأي عمل ومع ذلك فليس هناك قدرة لتقليص الطبيعة الثقيلة لهذا الجهاز الإداري أو إنهاء خدمة هؤلاء الناس، نفس كلامك.

 بطرس غالي: مضبوط بس تسمح لي..

 أحمد منصور: هو وجد نفسه إن الفساد أكبر منه استقال ومشي.

بطرس غالي: لا ما استقلش طلعناه.

 أحمد منصور: ليه؟

 بطرس غالي: طلعناه لأن أصله جمهوري ولما جاء النظام الديمقراطي وانتُخب كلينتون فقال شيلوه أنا هعين واحد من عندي، النظام عندهم أن بيعينوا اللي بيشتركوا معهم في الحملة الانتخابية فالرجل هذا مُعيَّن من بوش الأب وجمهوري فقالوا لي يتشال ويتحط بداله.. هنجيب لكم واحد ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، فلما طلعناه بُناء على طلب الأميركان ومن حق الأميركي أن يطلب خروج أي موظف ينتمي بالجنسية الأميركية، حينئذ راح مطلع الكلام هذا.

 أحمد منصور: الكلام هذا لا يختلف عما قلته أنت.

بطرس غالي: ما عنديش مانع، كان قعد سنة ما عِرفش يصلح ليه؟

 أحمد منصور: حاول يصلح.

 بطرس غالي: ما أعرفش إذا كان حاول.

 أحمد منصور: شارليز لينشتين سفير أميركا الأسبق لدى الأمم المتحدة في نفس البرنامج قال إن الأمم المتحدة قطار يجري خارج نطاق السيطرة..

 بطرس غالي: طيب ما هو.. عايز تستخلص من كلامك، أنت عايز تقول إيه؟

 أحمد منصور: ماريو نيلي رئيس إدارة البرامج الإعلامية في الأمم المتحدة..

 بطرس غالي: أنت عايز تقول إيه؟

 

أحمد منصور: قال أن لديه ألف موظف ثلثيهم لا يقوم بعمل.

 بطرس غالي: أنا معك.

 أحمد منصور: حجم الفساد، المنظمة الدولية عايزين نعرفها من الداخل من أمينها العام السابق شكلها إيه؟ نريد من الناس أن يفهموا أن هذا الصرح الضخم الكبير عبارة عن.. يعني مكان مليء بالبيروقراطية، ملئ بالفساد..

 بطرس غالي: لا.

 أحمد منصور: ملئ بالمنتفعين كما قيل.

 بطرس غالي: لا.

 أحمد منصور: في البرامج الأميركية والصحف الأميركية الغربية مش كلامي أنا.

بطرس غالي: الأميركان ما بيحبووش الأمم المتحدة معلش، الأول..

 أحمد منصور: البريطانيين، صنداي تايمز بريطانية.

 بطرس غالي: برضه مع الأميركان.

 أحمد منصور: بريطانيا يا دكتور.

 بطرس غالي: هم معا متحالفين مع بعض مش دخلوا في العراق مع بعض.

 أحمد منصور: أنت مش مختلف معهم في هذا؟

 بطرس غالي: لا أنا مش مختلف بس..

 أحمد منصور: فيه كلام عن فساد وبيروقراطية بأسماء وأرقام.

 بطرس غالي: أنا معك بس اللي عايز أقوله لك أن الفساد جانب، ما جابوش النواحي الإيجابية للأمم المتحدة ليه الله؟ الأمم المتحدة لها كأي إنسان..

 أحمد منصور: هذا ليس بمعزل عن هذا، لا نريد الآن الهروب من الحديث عن الفساد نقول إن إحنا لنا جوانب ثانية.

 بطرس غالي: لا ما بتهربش من الفساد أنا أول واحد كنت بحاول أقاوم الفساد، الحاجة الوحيدة اللي عايز أقولها لك إن لما..

 أحمد منصور: كيف واجهت نفسك في المعركة مع الفساد؟

 بطرس غالي: أيوه أنا طبعا بس اللي أنا عايز أقوله لك..

 أحمد منصور: قولي.

 بطرس غالي: أنه لما تيجي تبدأ تتكلم عن الأمم متحدة وبقى لنا ربع ساعة الحديث فقط متعلق بالفساد ظلمت..

 

أحمد منصور: إذا ثلثي الموظفين لا فائدة من وراءهم، إذا 70% من الميزانية تصرف كرواتب ومكافآت.

 بطرس غالي: لا مش 70% لا، ظلمت الأمم المتحدة وما جبتش النواحي الإيجابية اللي عملتها الأمم المتحدة سواء فيما يتعلق بأفكار جديدة، سواء فيما يتعلق بتسوية منازعات، سواء ما يتعلق..

 أحمد منصور: الأشياء الإيجابية إلى جوار السلبيات وتسخير الأمم المتحدة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة ضئيلة جدا وصغيرة جدا.

 بطرس غالي: يعني كأنك بتنضم إلى المعسكر الأميركي الذي يريد أن..

 أحمد منصور: أنا أمبارح كنت مع معسكر الرفض بتاع محمود رياض وإسماعيل فهمي والنهارده أنا معسكر الأميركان.

 بطرس غالي: آه.

 أحمد منصور: أنا أمثل الرأي الآخر بالنسبة لك، أنا أمثل الرأي الآخر.. وأجيب لك معلومات، هذه المعلومات كلها أميركية وبريطانية والصحافة الغربية ووسائل الإعلام الغربية.

 بطرس غالي: شوف أزاي أنا لا أعارض، أنا موافق معك أن هناك..

 أحمد منصور: حتى موظفين كبار في الأمم المتحدة قالوا هذا الكلام.

 بطرس غالي: أنا معك إن كان هناك فساد في الأمم المتحدة ولكن كونك أنك تتحدث فقط عن بس..

أحمد منصور: الآن في المرحلة دي لسه الملف كبير، أنا في المرحلة دي بكلمك عن الفساد.

 بطرس غالي: استنى بس، ابتدي بالنواحي الإيجابية عشان نرتاح.

 أحمد منصور: لا.

 بطرس غالي: بعد كده انتقل إلى..

 أحمد منصور: لا، الإيجابيات، أنا عامل زي ملك السيئات ما ليش دعوة بالحسنات، أن بتاع السيئات، أنا بتاع السلبيات.

 بطرس غالي: بس والإيجابيات.

 أحمد منصور: هنمر عليها مرور سريع الإيجابيات لكن أنا في السيئات.

 بطرس غالي: طيب استبينا.

معركة غالي مع الفساد داخل المنظمة

أحمد منصور: معركتك مع الفساد إلى أين وصلت في الأمم المتحدة؟

 بطرس غالي: دخلت في معركة مع الفساد ولكن برضه أحب أقولك حاجة ثانية، إن انشغالك بالمشاكل الخطيرة الأخرى خلت إنك كلفت المساعدين أن يتولوا مشكلة الفساد، فإذا كان عندك محاسب هيعمل مراقبة على المبالغ اللي أتصرفت، لجنة من اللجان خاصة بتقصي الحقائق.

 أحمد منصور: وإذا الفساد معشش في المؤسسة؟

 بطرس غالي: مش إلى الدرجة اللي بتتصورها، أنا في رأيي أن هناك مبالغة في وجود هذا الفساد، هناك فساد..

 أحمد منصور: هل هناك مسؤول واحد.. بس عشان برضه نكون دقيقين، هل هناك مسؤول واحد أدنتوه وحاكمتوه؟

 بطرس غالي: لا طبعا.

 أحمد منصور: كل واحد كان بيتهم بالفساد والاختلاس كنتم تعطوا له مكافأة نهاية الخدمة واستقالة ومكافأة وممكن يتعين بعد كده ويمشي.

 بطرس غالي: لا فيه ناس اطردوا كثير.

 أحمد منصور: طُرد فقط، أقصى حاجة تعملوها تفصلوه من شغله ونهب أد كده وأخذ أد كده من اللاجئين، من صناديق الرعاية، من كذا..

بطرس غالي: لا، وبعدين فُرض تعويضات، لا فيه.

 أحمد منصور: نادرة يا دكتور، الأصل أنكم لم تحاكموا موظفين كل واحد يخرج باللي نهبه، أقصى حاجة بتدي له نوع من الاستقالة وخلاص صح؟

 بطرس غالي: مش صحيح لا.

 أحمد منصور: وزملاءه كانوا يحموه وأحيانا يعيدوه مستشار براتب آخر.

 بطرس غالي: ما حصلش.

 أحمد منصور: أصل الآن التقارير هذه تتحدث عن أن كيف أن الفساد معشش وأصبح مُؤَسَسِي داخل المنظمة وأنه أقصى ضرر يمكن أن يقع على إنسان مُفسد بعد فضائح كبيرة جدا أن يحال للتقاعد، قل لنا يا دكتور قل لنا.

 "هناك فساد في الأمم المتحدة خصوصا في عمليات حفظ السلام، حيث أن الرقابة تبقى ضعيفة، ومقتضيات السرعة تتطلب التغلب على بعض القيود المالية"

بطرس غالي: أنا رأيي.. أنا موافق أن هناك فساد في الأمم المتحدة خصوصا في عمليات حفظ السلام اللي موجودة ومنتشرة في مختلف أنحاء العالم، حيث أن الرقابة تبقى ضعيفة، حيث أن مقتضيات السرعة تتطلب التغلب على بعض القيود المالية، كل هذا موافق، لكن أنا بقولك هذا الفساد أقل بكثير من الفساد الموجود في أغلبية دول العالم، هذه ملاحظة واحد، نمرة اثنين هذه الناحية..

 أحمد منصور: طبعا حجم الفساد المُعْلن الآن حسب البنك الدولي تريليون دولار، هذا المعلن المرصود اللي معروف.

 بطرس غالي: في الأمم المتحدة؟

 أحمد منصور: لا في العالم كله.

 بطرس غالي: طيب.

 أحمد منصور: لأن الآن كل مكان فيه فساد يبرر القائمين عليه أو اللي بيشتغلوا فيه أو اللي مسؤولين عنه إن الفساد في كل مكان مش عندنا بس، كأن هذا مبرر للمفسدين أن يستمروا في الفساد.

 بطرس غالي: ما حدش قال أن هذا مبرر بالعكس ما حدش قال هذا مبرر، برضه أرد عليك أنا موافق معك على وجود هذا الفساد، هذه أول مرة بنتفق مع بعض، نمرة اثنين بقولك إلى جانب هذا الفساد هناك نواحي إيجابية مش عايز تذكرها.

 أحمد منصور: لا هنذكر، هنتناول بعض الحاجات لأن إحنا الملف كبير ولكن.. لأنك أنت أول شيء أعلنته في الأمم المتحدة هو الإصلاح، لا يتم إصلاح في ظل فساد في أي مكان في العالم، الفساد كان العائق الأساسي أمام مشروعك الأول والبند الأول على جدول أعمالك وهو الإصلاح صح؟

 بطرس غالي: لا، العائق الأول هو عدم اهتمام الدول الكبرى بالأمم المتحدة واستعمال الأمم المتحدة كأداة لتحقيق السياسة لفض المنازعات ولاستتباب السلام في العالم وبالتالي هناك فراغ، الفراغ أدى إلى أن الولايات المتحدة ملأت هذا الفراغ، بمعنى آخر السيطرة الأميركية على الأمم المتحدة ترجع إلى سببين، السبب الأول هي القوة الأميركية التي لا مثيل لها في الوقت الحاضر، ميزانية الدفاع الأميركي تساوي مجموعة ميزانيات الدفاع لكافة دول العالم، السبب الثاني أن أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة غير مهتمة بالأمم المتحدة، لا تريد أن تلعب دور في الأمم المتحدة.

 أحمد منصور: ولا بإصلاحها؟

بطرس غالي: ولا بإصلاحها.

 أحمد منصور: ولا بمحاربة الفساد فيها؟

 بطرس غالي: أنا معك.

 أحمد منصور: برنامج ستون دقيقة خلص إلى ذلك، إلى أن دول الأعضاء تدير وجهها عند الحديث عن الإصلاح المالي في الأمم المتحدة، معنى ذلك أنها شريكة في عملية الفساد؟

 بطرس غالي: إلى حد ما أه، ليه؟ لأن مش مهتمة بالأمم المتحدة.

 أحمد منصور: هل أيضا كنت تشعر أن هذه الدول بتنظر إلى الأمم المتحدة على أنها مكان يمكن أن تُكَرِم فيه كبار موظفيها عن طريق الوظائف والمِنَح.

 بطرس غالي: يعني بيني وبينك دولة هتكرم موظف واحد يبقى مش..

 أحمد منصور: مش موظف واحد أنت عندك اثنين وخمسين ألف موظف.

 بطرس غالي: لا اللي عايز تكرمه يبقى لازم وزير سابق، زعيم بينافس رئيس الدولة.

أحمد منصور: كان رؤساء الدول يطلبون منك ذلك؟

 بطرس غالي: لا طلبات رؤساء الدول كانت مرتبطة.. طبعا لازم الوظيفة تفضا، ما فيش رئيس دولة يجي يقول لك عيِّن لي واحد إذا كان ما عنديش وظيفة، عندما توفي ألف والوظيفة باء فاضية وقتها يكون عندك ضغوط، الأميركي بيقول لك أنا عايز يبقى أميركاني، الإنجليز يقول لك أنا عندي واحد إنجليزي.

 أحمد منصور: كيف كنت توازن بين هذه الضغوط؟

 بطرس غالي: وقتها أكوِّن لجنة، أطلب من هذه اللجنة أن تدرس الموضوع وتختار الدولة الموجودة، نلجأ إلى موازنات، عندنا الدولة الفلانية ما عندهاش شخصية كبيرة، فبالتالي هي لها الأولوية، أجيء في وقت من الأوقات حاولت أني أُزود عدد السيدات في المناصب، أقول لهم أنا عايز أعيِّن سيدة في هذا المنصب فيجيبوا لي من تحت الأرض اللي عايز يعين سيدة أميركية يجيبوا لي سيدة أميركية.

 أحمد منصور: كانت عينك على مَن وأنت تدير المجريات اليومية في المنظمة، عايز ترضي مين؟

 بطرس غالي: لا كان عندي مدير المكتب وينتمي إلى جزيرة صغيرة وهي هاييتي هو اللي كان بيساعدني، كان عندي ممثل هندي كان بيشترك في اجتماعات مجلس الأمن.

 أحمد منصور: لا أنا بقصد عايز ترضي مين في القرارات والحاجات اللي بتُتَخذ؟ عندك أميركا الدولة الكبيرة العظمى المسيطرة، أنت مصري وأيضا قبطي يعني عينك على مَن؟

 بطرس غالي: لا، أرد عليك، الإرضاء قائم على توازنات فهمت إزاي، لما أجيء أرد، افرض أميركا عايزه تعيِّن حد.

 أحمد منصور: كانوا مائة خمسة وخمسين دولة أيامك في البداية، الآن بقوا أكثر من مائة وخمسة وثمانين.

 بطرس غالي: وصلوا إلى مائة وثمانين في النهاية، المهم..

 أحمد منصور: في النهاية لكن أنت هترضي مين في دوّل؟

 بطرس غالي: لا.

 أحمد منصور: أكيد طبعا فيه دول ما بتحطلهاش أي اعتبار وهي الأغلبية.

 بطرس غالي: لا، افرض دلوقتي أن جاءت فيه منصب فاضي تلاقي إنجلترا بترشح حد، فرنسا بترشح حد، كولومبيا بترشح حد، على أي أساس سيتم هذا الاختيار؟ أولا نبحث كيف موضوع الكفاءة، ثانيا نبحث موضوع ثاني.. هل الكوتة لأن كل دولة لها عدد من الموظفين..

 أحمد منصور: نعم.

 بطرس غالي: هل الكوتة الفرنسي امتلأ؟ أقول له لا والله أنا آسف ما أقدرش أعينك لأن (Already) الكوتة بتاعكم خلاص قفل، أجيء للإنجليزي أنا آسف ما أقدرش الكوتة قفل بينما آدي ثلاث دول ما عندهاش أي موظف ورشحت وإذاً الاختيار قد يكون طبعا توازن الكفاءة كعنصر وكان التوازن السياسي، إن آدي دولة ما لهاش أي موظف في الأمم المتحدة ومن حقها أن يكون لها موظف.

 أحمد منصور: إصرار الدول إن يكون لها موظفين في وظائف عليا من جنسياتها دليل على إن هؤلاء الموظفين يخدموا مصالح هذه الدول.

 بطرس غالي: طبعا هذا من ضمن..

 أحمد منصور: رغم إن المنصب دولي وأن من المفترض أنه خدمة لكل الشعوب.

 بطرس غالي: المفروض أه طبعا.. عندك بعض الموظفين فعلا يؤمنوا بحياد تام تجاه الدول التابعة لهم وفي موظفين تانين تم تعليمهم.

 أحمد منصور: هذه منطلقات شخصية من الموظف؟

 بطرس غالي: أه.

أحمد منصور: كيف والدولة دولته هي التي رشحته ولابد أن يكون اهتمامه الأول لها؟

 بطرس غالي: طبعا ويكون انتماءه للدولة وكان عندك شخصيات كانت قوية ما لهاش علاقة بانتمائها بالدولة.

 أحمد منصور: أنت على سبيل المثال كنت تشعر إنك موظف عند مَن؟

 بطرس غالي: بالعكس أنا لو كنت أشعر إني موظف في مصر أو موظف في فرنسا وموظف في إنجلترا كان الوضع تصلح، كنت بدافع عن استقلالية الأمم المتحدة وكنت بدافع عن استقلالية الأمين العام.

 أحمد منصور: كانت مصر فين عندك في هذا الوقت؟

 بطرس غالي: مصر ما كانتش لها مشاكل الحمد لله.

 أحمد منصور: إزاي؟

 بطرس غالي: لا المشاكل الأساسية كانت ليبيا، المشاكل الأساسية كانت العراق، المشاكل الأساسية كانت فلسطين، المشاكل الأساسية الحرب الأهلية في اليمن، المشاكل الأساسية الصراع في الصحراء الغربية، آدي المشاكل اللي كانت موجودة..

 أحمد منصور: طيب أنت قلت حتى الموظفين الذي.. الذين كانوا صغارا في وظائف أساسية كانوا بيراعوا بلادهم، أنت كان موقع المشاكل هذه وأنت عربي إيه؟

 بطرس غالي: اتهمت إني براعي مصالح العالم العربي على حساب المصالح الأخرى.

 أحمد منصور: بالعكس أنت اتهمت إنك بتراعي مصالح الدول الكبرى على مصالح العالم العربي.

 بطرس غالي: أنت بتقول كده، الجانب الأميركي كان بيقول عكس كده ومن ضمن التهم الموجهة إلي..

 أحمد منصور: هذا في الأخير لما حبوا يشيلوك.

 بطرس غالي: لا.

 أحمد منصور: لأن هما ما رضيوش، لم يكن يرضوا إلا أن تتبنى سياساتهم بالكامل.

 بطرس غالي: لا، الكلام هذا طلع من موضوع من بداية موضوع ليبيا.

 أحمد منصور: الأمين العام بشكل عام ألم يكن يحقق مصالح الدول التي أسست الأمم المتحدة وهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية؟

 بطرس غالي: الأمين العام مفروض أن يراعي الدول الكبرى التي لها فيتو في حق الأمن لأن هو بمثابة موظف لدى هذه الدول الكبرى، لدى هذه المجموعة هو يدافع عن مصالح مجموعة من الدول.

 أحمد منصور: بالضبط هذا سؤالي لك، أنت كنت بتدافع في النهاية عن مصالح هذه المجموعة من الدول؟

 بطرس غالي: وهي الدول الكبرى وهي التي تمثل المجتمع الدولي وهي الدول التي انتُخبت في مجلس الأمن، أنا بدافع عن مصالح.. أنفذ توجيهات وتعليمات وقرارات مجلس الأمن.

 أحمد منصور: إذاً الأمين العام في النهاية موظف لدى الدول الكبرى؟

 بطرس غالي: في بعض الحالات موظف، مش لدى الدول الكبرى لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

 أحمد منصور: التي هي الدول الكبرى اللي لها حق الفيتو.

 بطرس غالي: مش شرط أحيانا تستطيع أن تجد دولة صغيرة تلعب دور أقوى بكثير من الدولة الكبرى في مجلس الأمن.

 أحمد منصور: دخلت في دوامة أزمات كثيرة للغاية لكن كان هناك أزمات كبيرة من بين هذه الأزمات الكثيرة وكانت أزمة البلقان إحدى أكبر هذه الأزمات التي بقيت فيها ربما من بدايتها إلى توقيع اتفاق دايتون سنة 1996.. في الحلقة القادمة أبدأ معك من أزمة البلقان ودور الأمم المتحدة ودورك فيها، أشكرك شكرا جزيلا كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة ونائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.