- الإمام يحيى وأسباب انغلاقه
- أيام الطفولة والسفر للدراسة بلبنان ومصر

- التأثر بالتيارات السياسية المصرية وثورة يوليو

- أسباب فشل انقلاب الثلايا ودور العيني

- السفر والدراسة بفرنسا والتأثر بها

- الانتماء لحزب البعث وأسبابه

أحمد منصور: ولد محسن العيني بداية الثلاثينات من القرن الماضي في قرية الحمامي القريبة من العاصمة اليمنية صنعاء، اختير عام 1947 ليكون أحد الطلبة اليمنيين الموفدين للدراسة في بيروت ثم أنتقل لإتمام تعليمه في القاهرة مما أتاح له فرصة التعرف على أثنين من كبار دعاة الإصلاح في اليمن خلال القرن الماضي وهما قادة اليمنيين الأحرار أحمد النعمان ومحمد محمود الزبيري حيث انخرط بعدها في صفوف الأحرار، ألتحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1952 ثم ابتعثه الإمام للدراسة في فرنسا حيث قضى بها عامي 1955 و1956 ثم قُطعت عنه المنحة الدراسية فعاد إلى القاهرة وفي العام 1957 أصدر كتابه معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن الذي كان آنذاك بمثابة منشور تحريضي ضد نظام حكم الإمامة وفي بداية العام 1958 إنضم لحزب البعث العربي الاشتراكي وشارك في ترتيبات المعارضة اليمنية للانقلاب على حكم الإمامة وعُين وزير للخارجية بعد إعلان الثورة وإقامة النظام الجمهوري في اليمن في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1962، ثم عين بعد ذلك مندوبا دائما لليمن لدى الأمم المتحدة وألقى أول خطاب باسم الجمهورية اليمنية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر عام 1962 وفي إبريل عام 1963 قدم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جون كيندي كأول سفير لليمن لدى الولايات المتحدة، عاد بعد ذلك إلى اليمن في إبريل عام 1965 وعُين وزير للخارجية في حكومة النُعمان حيث كانت حرب اليمن على أشدها لكن حكومة النُعمان استقالت في يوليو عام 1965 وعاد العيني سفيرا لليمن في واشنطن لكنه استقال احتجاجا على الأوضاع في بداية أكتوبر عام 1966 وفي نوفمبر عام 1967 عُين رئيسا للوزراء للمرة الأولى بعدما نجح ضباط الصاعقة والمظلات في تنفيذ انقلابا ضد المشير السلال، لكن الصراع اندلع بين العسكريين وترك العيني الوزارة وعاد سفيرا لليمن لدى الأمم المتحدة ثم الاتحاد السوفيتي، طَلب منه القاضي الإيرياني تشكيل الحكومة في يوليو عام 1969 لكنه أعتذر بعد شهر قضاه في اليمن ثم عاد الإيرياني وكلفه بتشكيل حكومته الثانية التي شكلها العيني في فبراير عام 1970 وفي عهد حكومته الثانية أُعلن في الثالث والعشرين من مايو أيار عام 1970 عن انتهاء الحرب والمصالحة الوطنية بين اليمنيين وبعد صراع مع العسكر ومؤسسة القبيلة قدم العيني استقالة حكومته الثانية في الثالث والعشرين من فبراير عام 1971 إلا أنه كُلف بعد ستة أشهر فقط وفي منتصف سبتمبر عام 1971 بتشكيل حكومته الثالثة بعدما تفاقمت المشكلات وأفلست خزينة الدولة، وقع في السابع والعشرين من أكتوبر عام 1971 اتفاقية الوحدة مع اليمن الجنوبي بعد حرب استمرت عدة أشهر بين البلدين، إلا أن الضغوط تصاعدت ضد العيني بعد هذه الاتفاقية فقدم استقالة حكومته الثالثة في الثلاثين من ديسمبر عام 1972، أنتقل بعد ذلك سفيرا لليمن في لندن وبعد سيطرة إبراهيم الحمدي على السلطة كُلف العيني بتشكيل حكومته الرابعة والأخيرة في التاسع عشر من يونيو حزيران عام 1974 وكان من الطبيعي أن يدخل في صراع مع العسكر الذين أقالوه في السادس عشر من يناير عام 1975 وفي نوفمبر عام 1979 عُين العيني مرة أخرى في وظيفته الأولى مندوبا لليمن لدى الأمم المتحدة ثم سفيرا في عدة دول كان أخرها الولايات المتحدة الأميركية التي بقي بها سفيرا لليمن طيلة ثلاثة عشر عاما بين كانت بين عامي 1984 و1997، نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر الثورة اليمنية، أستاذ محسن مرحبا بك.

محسن العيني: مرحبا.

أحمد منصور: ولِدتَ في بداية الثلاثينيات في قرية الحمامي التي تبعد حوالي خمسة عشر كيلومترا عن العاصمة اليمنية صنعاء، ما الذي تذكره من مراتع الصبية وأيام الطفولة.

محسن العيني: أولا أنا يسعدني أن أكون شاهدا على العصر.

أحمد منصور: ونحن كذلك يسعدنا.

محسن العيني: وأعترف أن كثيرين غيري من اليمنيين هم أكفأ وأقدر وأهم أدوارا وقدموا تضحيات أكثر مني، أنا في الحقيقة مجرد مواطن عادي وضعته الظروف وضعته الظروف في مواقع فكان لابد أن يقدم خير ما في نفسه، اليمن بلد فريد موقعا سموه اليمن الخضراء العربية السعيدة هذا حين كان نقطة الوصل بين الشرق والغرب، قبل اكتشاف الطريق البحري وحين ازدهرت فيه حضارات سبأ ومَعين وحِميَر وقبل انفجار سد مأرب العظيم وتفرق اليمنيين وهجراتهم إلى الأنهار سواء في سوريا ولا..

أحمد منصور: ربما أنتم من أكثر الشعوب هجرة يعني.

محسن العيني: بحكم الجفاف اليمن.. الجبال هكذا سكان كثيرين..

أحمد منصور: حتى الآن يعني ربما عدد اليمنيين المنتشرين في أنحاء العالم ربما يزيد عن عدد اليمنيين الذين يعيشون داخلها.



الإمام يحيى وأسباب انغلاقه

محسن العيني: نعم السبب كما ذكرت إنه ليس لدينا أنهار فعندما يحدث جفاف لسنوات يضطر اليمنيون إلى الهجرة وهاجروا إلى ضفاف الأنهار إلى هنا حتى إلى الأندلس، في بداية القرن العشرين خَلفَ الإمام يحيى أباه وفي قيادة اليمنيين ضد الحكم العثماني، الحكم العثماني انسحب نهائيا عام 1918 بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية.

أحمد منصور [مقاطعاً]: في الحرب العالمية الأولى نعم.

محسن العيني [متابعاً]: نعم واجه الإمام مشاكل بناء الدولة الحديثة في اليمن؛ قبائل مشتتة، عسير بيد الأدارسة، بريطانيا التي احتلت عدن عام 1938 توسعت في المناطق المجاورة وفرضت حمايتها، احتلت الحُديدَة، ضربت قعضضة وعدد من مدن اليمن بالطيران، المملكة السعودية وهي في دور الإنشاء تعقدت مشاكل اليمن معها في الحدود وحدثت حروب مؤسفة، أخيرا استقرت الأمور في اليمن.

أحمد منصور: لصالح حكم الأئمة.

محسن العيني: لحكم يعني للدولة.

أحمد منصور: للإمام يحيى.

محسن العيني: للإمام يحيى وعقد معاهدات مع بريطانيا مع السعودية.

أحمد منصور: 1936 على ما أعتقد 1936.

محسن العيني: في 1934.

أحمد منصور: في 1934.

محسن العيني: مع الاتحاد السوفيتي مع فرنسا مع إيطاليا إلى أخره، الحقيقة لابد أن أشيد بدور الإمام يحيى وابنه أحمد وآل الوزير وشخصيات وأسر كثيرة يمنية في بناء الدولة الحديثة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن آل الوزير ربما لعبوا دور رئيسي في هذا الأمر.

محسن العيني [متابعاً]: كانوا نعم مع الإمام من قادة الجيوش فيما يتعلق بتثبيت الدولة، كان المُنتظر وهذه أول دولة عربية مستقلة يعني في المنطقة كان المنتظر أن اليمنيين سيبدؤوا ينعمون بثمار الاستقلال اهتمام بالتعليم بالصحة بالزراعة يعني بنهضة البلاد بعلاقات مع الدول العربية مع دول العالم لكن الذي حدث أن الإمام انغلق على نفسه.

أحمد منصور: ما هي أسباب انغلاقه؟

محسن العيني: يعني هذا الإمام اللي كان عالم وأديب والمفروض أن تتوفر فيه كل الشروط الإمامة وهي العلم والورع والشجاعة والكرم إلى أخره كان من المنتظر أن يقود للبلاد قيادة صحيحة لكنه اكتفى بجباية الزكاة بأخذ الرهائن أبناء المشايخ وأبناء الأسر الكبيرة.

أحمد منصور: حتى يضمن ولاءهم.

محسن العيني: حتى يضمن ولاءهم وفرض على البلاد وضع خطير جدا وحدثت جاء الجفاف لعدة سنوات.

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني دائما حينما يقوم حاكم مُعين بشيء مُعين بتكون هناك دوافع، بيكون هناك قراءة لشخصيته، بيكون هناك مجموعة حوله تدفعه إلى هذه الأشياء، ما الذي حوّل الإمام كما تقول أنت من فقيه وعالم وأديب وشخص تتوفر فيه شروط الإمامة إلى أن يتعامل مع شعبه بهذه الطريقة اللي الحقيقة يعني الإنسان حينما يقرأها في الكتب يجد شيء لا يتصور من نظام الحكم؟

محسن العيني: عدد من رؤساء الدول يقال إن الحاشية هي التي غيرته، أما بالنسبة للإمام فيبدو أنه هو الذي فرض هذا الوضع على نفسه وعلى بلاده ويبدو أن الرجل كان متخلفا فيما يتعلق بالنظرة الدولية للعالم، جاء من الأهنوم من مناطق جبلية دخل إلى صنعاء أُنهك بالنضال في.. أمام العثمانيين وغيرهم واستقر في دار السعادة ودار الشكر التي بناها العثمانيون واكتفى بهذا ويبدو أنه كان بخيلا وكان ضيق الأفق ولم يكن له معرفة بالعالم الخارجي، هو لم يخرج لم يعرف البحر مثلا لم يذهب إلى الحُديدَة يعني.

أحمد منصور [مقاطعاً]: بقي طوال الفترة في..

محسن العيني [متابعاً]: في صنعاء.

أحمد منصور: في صنعاء.

محسن العيني: قام برحلة فريدة إلى ضاحية من ضواحي صنعاء وهي منطقة دمت.

أحمد منصور: إلى هذا الحد.

محسن العيني: إلى هذا الحد فلهذا السبب ظل في هذا الجو المنغلق.

أحمد منصور: لكن في العام 1947 يعني قبل أن يُقتل بعام تقريبا، تم اختيار أربعين طالبا من طلاب المدارس وكنت أنت وأخيك من بينهم للخروج للدراسة في الخارج، ألم يعني هذا وجود سعة من الأفق وأن الرجل يريد أن ينهض ببلده وأن ينهض بمجال التعليم؟

محسن العيني: الذي حدث أن طبعا قامت انتهت الحرب العالمية الثانية، تشكلت الأمم المتحدة، الجامعة العربية، فخرج بدأت اليمن تحتك بالعالم الخارجي، سيف الإسلام عبد الله حضر تأسيس الجامعة وبدأ رجالات العرب يضغطون.

أحمد منصور: هذا ابن الإمام يحيى.

محسن العيني: الإمام يحيى.

أحمد منصور: وطبعا الإمام يحيى مسمي أولاده كلهم سيف الإسلام في الأول؟

محسن العيني: اللقب لأبنائهم سيف الإسلام.

أحمد منصور: وبعدين اسم الشخص الحقيقي.

محسن العيني: هذا هو اللقب لكن بعدين عبد الله، أحمد، محمد إلى أخره، فسيف الإسلام عبد الله أبنه احتك برجالات العرب هنا ولاموه إنه أنتم بلد مستقل لماذا هذه العزلة لماذا هذا التخلف لماذا هذا التأخر؟ فلعلهم اضطروا أن يستقدموا بعض المدرسين من مصر ومن لبنان وأن يبعثوا هذه البعثة للدراسة في الخارج.



أيام الطفولة والسفر للدراسة بلبنان ومصر

أحمد منصور: يعني أنا أريد بشكل دقيق وهذا كان يعني جزء من سؤالي الأول بالنسبة إليك أن تذكر لي طبيعة الحياة نفسها يعني الآن النظام السياسي ربما يقرأه الناس ويتعرفوا عليه ولكن كيف أنتم كأطفال كيف كانت مدارسكم كيف كانت حركتكم؟ وبعد ذلك خرجتم من هذا الضيق وهذه الظلمة التي يعني يمكن أن توصف إلى سعة بيروت والقاهرة مثلا.

محسن العيني: تعرفون أنا التحقت بالمدرسة بسبب اليُتم؛ ماتت أمي ومات أبي فلم يكن هناك من مكانا نلجأ إليه وكان الإمام قد أنشأ مكتب الأيتام في صنعاء، هذا كان يضم فيه الأيتام وكان يُعِد فيه موظفي الدولة كتبه وإداريين وكذا وربما كانت المدرسة الوحيدة أو الثانية في صنعاء، بطبيعة الحال لما بدأ الاحتكاك شوية بالخارج وجاء المدرسين المصريين واللبنانيين، فتحت المدرسة المتوسطة في صنعاء.

أحمد منصور: يعني لم يكن هناك متوسطة؟

محسن العيني: لم يكن هناك.

أحمد منصور: أقصى مرحلة للتعليم كانت كام؟

محسن العيني: الابتدائية.

أحمد منصور: فقط؟

محسن العيني: ففُتحت المدرسة المتوسطة ثم المدرسة الثانوية وفي أثناء هذا اختاروا الطلاب الأوائل من هذه المدارس للذهاب إلى الخارج.

أحمد منصور: أنت قلت لي كلمة مهمة عايز أرجع لها، تقولي لو لم تكن يتيما يُتمك هو الذي أدى إلى تعليمك، لو لم تكن يتيما ما كان لك أن تتعلم؟

محسن العيني: ربما ما كنت تعلمت.

أحمد منصور: ما أنت كنت ستتعلم.

محسن العيني: لأن لم يكن التعليم إلزامي، لم يكن هناك مدارس في البلاد، هي فقط كانت هذه المدرسة يدخل فيها الأيتام ويُعدوا للكتبة.

أحمد منصور: لكن شاء الله لك أن يكون يُتمك سببا فيما..

محسن العيني: أظن أن هذا هو نعمة.

أحمد منصور: يعني تم في حياتك بعد ذلك.

محسن العيني: أه ده صحيح.

أحمد منصور: يعني حينما يأخذ الله شيء من الناس ربما يبدلهم بشيء ربما يكون خيرا منه يعني..

محسن العيني: هذا صحيح.

أحمد منصور: طيب يعني بالنسبة لميلادك أنا لم أجد تحديد لتاريخ ميلادك بدقة، يبدو أيضا إن لم يكن يدون ميلاد الناس؟

محسن العيني: لم يكن هناك شهادة ميلاد في البلاد وأتذكر عندما كنا على وشك الخروج للدارسة في الخارج ويعدون الجوازات، أنه كان لابد أن يكتبوا تاريخ الميلاد فحضر خالي وسألوه متى؟ فبين التقريب بين الميلادي والهجري وصلوا إلى 1932 وكان هذا هو التاريخ.

أحمد منصور: لكن لم تتحقق من ميلادك؟

محسن العيني: وهو تقريبي لم أتأكد إذا كان اثنين وثلاثين.

أحمد منصور: بالنسبة لليوم والشهر؟

محسن العيني: اليوم والشهر هذه عندما ذهبت للدراسة في باريس وأنا في السربون فقالوا لي في أي يوم في أي شهر؟ قلت لهم لا أعرف فقالوا لابد أن يكون هناك يوما وشهر فاخترت.

أحمد منصور [مقاطعاً]: أسألوا الإمام.

محسن العيني [متابعاً]: اخترت 20/10 حتى يسهُل عليّ ما أنساهاش، اخترت 20/10/1932 ولهذا السبب عندما يأتي أولادي يريدوا يحتفلوا بعيد ميلادي أو أصدقائي لا أهتم لأني أعرف إنه هذا.

أحمد منصور: لا تعرف موعد ميلادك الحقيقي، خرجت من صنعاء في طريقك إلى بيروت من أجل هذه المنحة الدراسية التي كنتم أول مجموعة أنتم من اليمنيين تخرجوا للدراسة في الخارج، حينما وصلتم إلى لبنان يعني حينما خرجتم من ظلمة الإمامة أو ظلمة الإمام إلى بيروت مرة واحدة وإلى لبنان مرة واحدة مررتم بالقاهرة طبعا، كان عالم جديد بالنسبة إليكم هل ترك هذا أيضا شيء في بنائكم النفسي في التحول الهائل ما بين بلد منغلقة لم يغادر إمامها صنعاء حتى إلى خارجها إلا مرة واحدة؟

محسن العيني: طبعا وصلنا لبنان في الإجازة الصيفية فأتيحت لنا فرصة إنه نطلع الجبل جبل لبنان ومررنا في القرى في كل مكان ولاحظنا الازدهار وحدثت ثورة الثمانية والأربعين.

أحمد منصور: عندكم في اليمن؟

محسن العيني: في اليمن ونحن بدأنا نتأثر حتى من صنعاء بالزبيري والنعمان وصوت اليمن وكذا فتجاوبنا مع الثورة ونشطنا وقتها وكتبنا رسائل لبعض المسؤولين هنا وهناك ثم حث كارثة فلسطين ونحن كنا في صيدا ومدرستنا المقاصد الإسلامية على البحر وكان مشرف المدرسة الداخلية هو الأستاذ معروف سعد الشخصية الوطنية المعروفة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: طبعا معروف.

محسن العيني [متابعاً]: وبدأنا نشهد قوافل اللاجئين يصلون بالقوارب إلى صيدا ونتابع الإذاعات العربية وهي تذيع وعادت طائراتنا إلى قواعدها سالمة وأتذكر أن زملائنا من الطلاب الفلسطينيين كانوا غير مهتمين بدخول الامتحانات معنا كانوا ينتظرون العودة بعد أيام كانوا متصورين أن هذه الحرب.

أحمد منصور [مقاطعاً]: لا زالت المفاتيح معهم إلى الآن مفاتيح بيوتهم؟

محسن العيني [متابعاً]: نعم فما فيه شك إنه أحداث اليمن وصولنا إلى لبنان، أحداث فلسطين كل هذه أثرت فينا تأثير كبير.

أحمد منصور: طبعا في فبراير شباط 1948 وقع انقلاب أو أول ثورة في اليمن اغتيل الإمام يحيى واثنين من أبنائه إلا أن الأمير أحمد استطاع أن يحشد القبائل وأن يسترد الحكم بعد ذلك وأصبح هو الإمام أحمد بعد ذلك وهرب الفضيل الورتلاني إلى لبنان وهذا أدى إلى إن الإمام أحمد يقول بسحب..

محسن العيني: البعثة.

أحمد منصور: البعثة التعليمية التي هي أنتم وجئتم هنا إلى مصر؟

محسن العيني: هو الإمام أبعدنا من أجل الفضيل الورتلاني وحتى يعني ينفينا من المدن اشترط أن نذهب إلى بني سويف فانتقلت البعثة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني خايف على أخلاقكم مثلا ولا إيه؟

محسن العيني: كأنه كان عنده معلومات إن إحنا تعاطفنا مع الثورة شُفنا الزبيري وكذا فلم يرغب حتى إن إحنا نأتي لمصر أرسلنا إلى بني سويف.

أحمد منصور: بعد ذلك جئتم إلى حلوان؟

محسن العيني: إلى حلوان.

أحمد منصور: وكنتم قريبين من القاهرة؟

محسن العيني: نعم.



التأثر بالتيارات السياسية المصرية وثورة يوليو

أحمد منصور: كان هناك تيارات سياسية كانت تموج في مصر في ذلك الوقت تحدثت أنت في مذكراتك عن سيد قطب وعلاقتك به في تلك المرحلة، كيف كانت علاقتكم بالتيارات السياسية الموجودة وأثارها عليكم؟

محسن العيني: إحنا في حلوان يعني كان في الخمسينات واحد وخمسين واثنين وخمسين، في تلك المرحلة شاركنا في المظاهرات اللي كانت تنزل للسفارة الفرنسية في الجيزة وبدأنا نشهد التحركات في مصر منشورات الضباط الأحرار، كتابات إحسان عبد القدوس بدأنا نأخذ الرسالة والثقافة، سيد قطب كان يسكن قريبا منا في حلوان وكان يوم الجمعة يفتح حديقته للزوار فكنا نذهب وأنا أتذكر إنه في الأيام الأولى لم نكن نشعر إنه من الإخوان المسلمين.

أحمد منصور: هذه فترة الأربعينات كان مجرد أديب معروف.

محسن العيني: كان أديب معروف وأتذكر إنه كان معنا من زملائنا فهمي هويدي وإخوانه كنا نخرج في بعض الرحلات الكشفية مع شبان الإخوان المسلمين لكن كنا متحفظين على الانضمام إلى الحركة.

أحمد منصور: أنت بشكل شخصي ولا المجموعة اليمنية كلهم؟

محسن العيني: أنا شخصيا وكثيرين حتى أتذكر إن إحنا في نقاش مع الأستاذ سيد قطب يقول لنا لماذا تترددوا طالما أنكم متحمسين ونشيطين وكذا فقلنا له إنه في اليمن إحنا نُكبنا بأمير المؤمنين المتوكل على الله رب العالمين المنصور بالله.

أحمد منصور [مقاطعاً]: هذه صفة الإمام يعني.

محسن العيني [متابعاً]: نعم وأنه كان الأحرار عندما يعترضوا يُقال هؤلاء خرجوا على أمير المؤمنين فكأنهم كفار حتى الإمام كان يتهم الآخرين بأنهم اختصروا القرآن أو كذا لهذا السبب لا نميل إلى أي حزب أو نظاما أو رئيسا يعطي لنفسه القداسة، نريد في القضايا العامة أن تكون بعيدة من هذا، نحن جميعا مؤمنين بالله لكن لا نريد أن نعطي قوة لجهة معينة تستخدم هذا ضد الآخرين.

أحمد منصور: التحقت أنت بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1952 وهو العام الذي اندلعت فيه الثورة المصرية كانت ثورتكم في اليمن فشلت في العام 1948 وكنتم متعاطفين معها، ما أثر قيام ثورة يوليو 1952 عليكم أنتم كطلاب يمنيين هنا في مصر؟

محسن العيني: إحنا أولا يعني ارتحنا جدا لقيام الثورة وتجاوبنا معها وخاصة وصل الأستاذ الزبيري من باكستان.

أحمد منصور: كان منفيا هناك؟

محسن العيني: الزبيري كان منفيا في باكستان.

أحمد منصور: والزبيري كان قاضيا وشاعرا وكان يُلهب الحماس.

محسن العيني: وكان أبو الأحرار.

أحمد منصور: وكان أبو الأحرار.

"
الزبيري كان قاضيا وشاعرا وكان يُلهب الحماس جاء من باكستان إلى القاهرة والتف حوله الطلاب اليمنيون وبدأ الاتحاد اليمني ينشط
"
محسن العيني: فجاء من باكستان إلى القاهرة والتفينا حوله الطلاب اليمنيين وبدأ الاتحاد اليمني ينشط وبدأ صوت العرب حتى في الأيام الأولى أتذكر أني كنت أذهب أعمل مع الأستاذ أحمد سعيد لأنه النصف الساعة دي بدأت كان الجزء الأخضر من هذا اليمن موجه حتى بدأ اليمنيين يشتروا الراديو.

أحمد منصور [مقاطعاً]: الترانزستور.

محسن العيني [متابعاً]: الترانزستور ويشترطوا على البائع أن يكون فيه أحمد سعيد.

أحمد منصور: صوت العرب.

محسن العيني: صوت العرب فحقيقة الثورة المصرية أثرت تأثير كبير في المنطقة كلها.

أحمد منصور: ألم يكن الإمام يدرك أن هذه البعثة التي أرسلها إلى مصر ربما تعود نكبة عليه وأن هؤلاء في ظل النظام المغلق الذي يقيمه لليمنيين هناك مجموعة الآن ترى العالم، ترى ثورات ترى فكر، ثقافة، تيارات سياسية غيرها ألم يفكر في أن يسحبكم أو يعيدكم مرة أخرى؟

محسن العيني: فكّر، بس كان الوقت متأخر يعني ولم يكن من الممكن أن يستمر الانغلاق إلى ما لا نهاية، الإمام كان يشعر بنوع من العتاب والضغط من كل الجهات يعني الثعالبي عبد العزيز الثعالبي زار اليمن من.. في ستة وثلاثين وسبعة وثلاثين، شكيب أرسلان، أمين الحسيني، إحسان الجابري شخصيات كثيرة كانت تذهب وتتصل وتحاول أن تقنعه، أحمد فخري العالم الكبير فأتصور إنه كان من الصعب أن يتراجع، حاول أن يضغط بقدر ما يستطيع.

أحمد منصور: لكن كان يصل إلى مسامعه ما تقومون هنا به في مصر؟

محسن العيني: نعم خاصة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: وكان يدرك وصول الزبيري والتفافكم حوله؟

محسن العيني: بطبيعة الحال الإمام أحمد انزعج.

أحمد منصور: ألم يفكر.. ألم أنتم أيضا ألم تخشوا من أن يصل هذا إلى مسامع الإمام والنظام منغلق ويمكن أن يؤذيكم هذا الأمر؟

محسن العيني: لم يعد يهمنا هذا، كنا نشعر بأنه لا يمكن أن يتحكم فينا إلى هذا المدى.

أحمد منصور: في عام 1954 وبعد سبعة سنوات من خروجك من اليمن عُدت مرة أخرى، ما هي النظرة التي عدت بها بعد سبعة سنوات من الغياب في بيروت والقاهرة؟

محسن العيني: إحنا عُدنا هاديك المرة كنا ثلاثة عشر طالب وعُدنا مكلفين من اليمنيين الأحرار لنبدأ اتصالات بعدد من الشخصيات في الداخل ولعل الإمام شعر بهذا ولهذا فبعد ثلاثة أو أربعة أيام دعاني وطلب أن أرافق أبنه البدر في زيارته للقاهرة وحضور أعياد الثورة ولعله وجد أن هذا نشاط شباب صغار لا يستحقوا الحبس مثلا.

أحمد منصور: كان في سنك يعني البدر كان سنه قريبا منك؟

محسن العيني: لا أبدا بدر كان أميرا كبيرا ونحن شباب صغار يعني في هاديك الفترة فخرجنا معه إلى القاهرة إلى هنا وهذه كانت أول زيارة وطبعا عندما وصلنا إلى هنا ذهلنا للفارق والهول يعني لم يكن هناك مطعم ما فيش.

أحمد منصور: في كل صنعاء؟

محسن العيني: في كل صنعاء فيه مطاعم بلدية بسيطة.

أحمد منصور: طبعا هنا أنتم بتأكلوا فول بالزيت الحار وحاجات كثيرة.

محسن العيني: بالزيت الحار وشاندوتشات وكده تعودنا على القاهرة.

أحمد منصور: بين أضواء القاهرة وظلام الدنيا هناك.

محسن العيني: فشعرنا فعلا بالفارق الكبير وين باليمن وكيف تعيش وإلى أي مدى.

أحمد منصور: في أبريل 1955 وقع انقلاب المُقدم أو العقيد أحمد الثلايا وأنت كتبت عنه في كتابك مؤامرات ضد اليمن فصل كبير وهذا الكتاب الذي طبع في العام 1957 كان ربما بمثابة منشور قوي ضد نظام الحكم آنذاك ربما آتي له في وقته، حاصر قصر الإمام وطلبه بالتنازل لصالح أخيه سيف الإسلام عبد الله لكن دهاء الإمام الذي عُرف بأنه كان داهية تسبب في فشل محاولة انقلاب الثلايا وأُعدم الثلايا مع أكثر من 17 شخص بعد ذلك، أنت كنت متعاطف مع الثلايا، حتى إنك أوفدت من قبل الزبيري برسالة إليه حتى تدعمه في هذا الأمر، أسمح لي بعد فاصل قصير نعرف لماذا فشل هذا الانقلاب والدور الذي قمت به بالنسبة لترتيب العلاقة بين الزبيري والثلايا، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذه الشهادة فأبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أسباب فشل انقلاب الثلايا ودور العيني

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد لمتابعة شهادة الأستاذ محسن العيني رئيس الوزراء اليمني الأسبق على العصر، انقلاب الثلايا كيف فشل وطبيعة المهمة التي كلفت بها من الزبيري للذهاب إليه بعد بدأ محاولته الانقلابية؟

"
اليمنيون الأحرار تبنوا فكرة ولاية العهد ليحولوا بين إخوان الإمام وبين الاستيلاء على الحكم
"
محسن العيني: هو الواقع اليمنيين الأحرار كانوا قد بدؤوا يتبنوا فكرة ولاية العهد بمعنى أن البدر يخلف أباه الإمام أحمد وكانوا فعلوا هذا حتى يحولوا بين إخوان الإمام وبين الاستيلاء على الحكم، ففوجئنا في القاهرة بأن الثلايا يقوم بهذا الانقلاب وأن يتم التنازل لسيف الإسلام عبد الله أخو الإمام.

أحمد منصور: ده طبعا الإمام وقع على هذا كأنه استجاب؟

محسن العيني: مكرها، مكرها.

أحمد منصور: حيلة ربما منه كما ثبت بعد ذلك.

محسن العيني: طبعا طُلب منه هذا وهو محاصر إنه يتنازل لسيف الإسلام عبد الله فتنازل لعبد الله وقال من اليد اليمنى إلى اليد اليسرى يقوم السن عبد الله بالأمور، اليمنيين الأحرار في القاهرة ومصر وقتها شعروا بأنه يعني هناك خطر في هذه الحركة أولا الإمام تنازل وبقى وهم يعرفون دهائه ثم سُلم الأمر لسيف الإسلام عبد الله بدلا من البدر فكُلفت بالسفر وحملت رسالة إلى الثلايا.

أحمد منصور: كلفك الزبيري؟

محسن العيني: كلفني الزبيري إنه كيف يجوز أن يبقى الإمام حيا؟ هذا سيفتك بكم كيف تسلموها لسيف الإسلام عبد الله؟

أحمد منصور: الرسالة كانت مكتوبة؟

محسن العيني: مكتوبة نعم.

أحمد منصور: لم تكن خائفا وأنت تحملها؟

محسن العيني: تعرف كنا شباب وقتها فحملت الرسالة وتوجهت.

أحمد منصور: ذهبت في الباخرة؟

محسن العيني: لا أخذت طائرة إلى عدن.

أحمد منصور: كمان بالطائرة معك؟

محسن العيني: بالطائرة إلى عدن، في عدن على أساس إنه ندخل بسيارة لم يكن هناك طيران إلى اليمن إلى صنعاء أو تعز، في عدن عندما وصلنا كان الإمام قد خرج من السجن.

أحمد منصور [مقاطعاً]: قد أخذ وقتل سيف الإسلام عبد الله.

محسن العيني: سيف الإسلام عبد الله والثلايا.

أحمد منصور: وأعدم سبعة عشر شخصا.

محسن العيني: وأرسل برقية يطلب وصولنا إلى تعز.

أحمد منصور: علم أنك جئت؟

محسن العيني: علم أني جئت أنا وأحد زملائي فأرسل برقية عن طريق مندوبه في عدن.

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن لا يعرف بأي رسالة جئت؟

محسن العيني: لا يعرف، أنا كنت الصورة العامة اللي غادرت بها اليمن في 1954 أنني مرافق لسيف الإسلام البدر فلعله تصور..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كان البدر قد بقي في القاهرة إلى ذلك الوقت؟

محسن العيني: لا كان فيه موجود في اليمن، فتصور الإمام ربما أن هؤلاء هذا كان مرافق للبدر طيب وصلنا عدن لماذا؟ فأرسل ليكون وصولكم إلى تعز فورا، فأنا تخوفت فيه إعدامات وكنا قد حملنا الرسائل إلى الداخل للثلايا ولغيره في رحلتنا الأولى 1954، لكن تصورت إني لو أرفض الدخول سيكتشف الإمام إن تظاهر الأحرار بالتعاون مع البدر ما هو إلا خدعة وإن إحنا متآمرين مع الثلايا فحتى..

أحمد منصور: لكن هو كان مطمئن لتعاون الأحرار مع البدر؟

محسن العيني: كان غير مطمئن لكنه يفضل هذا.

أحمد منصور: على أساس إنه ابنه.

محسن العيني: ابنه فإضطريت أدخل إلى تعز.

أحمد منصور: وكان يعلم أنكم من الأحرار ولم يكن يمانع في هذا؟

محسن العيني: طبعا وصلت إلى اليمن إلى تعز واجتمعت بالأستاذ نعمان والإيرياني والإخوان وذهبت مع البدر لمقابلة الإمام والبدر يقوله هذا هو مرافقي الذي كلفته معي المرة الماضية فطلب مني أن أترجم بينه وبين القنصل الفرنسي.

أحمد منصور: كان يزوره؟

محسن العيني: كان يزوره يقدم له التهنئة على انتصاره على.. فأنا قلت له لا أعرف فرنسي، قال إذاً يجب أن تسافر إلى باريس للدراسة، هو كان يشك إن إحنا ننشط نشاط معادي ولكن ليس نشاط خطير يستدعي الحبس أو السجن أو كذا يقولك أبعدهم من القاهرة.

أحمد منصور: يعني كأنها منحة ونفي في آن واحد.

محسن العيني: ونفيا واتخذ قرار في نفس الوقت في توزع الطلاب كلهم في مصر.

أحمد منصور: لكن كنت لا زالت أنت طالبا في السنة الثانية في كلية الحقوق؟

محسن العيني: كنت في كلية الحقوق جامعة القاهرة فرحلنا وانتقل عدد كبير من الطلاب إلى روما إلى أميركا إلى ألمانيا.

أحمد منصور: المهم يبعدكم عن أن تكونوا تجمع في القاهرة يؤذيه.

محسن العيني: عن تجمع نؤذيه وفي نفس الوقت.

أحمد منصور [مقاطعاً]: حول الزبيري.

محسن العيني [متابعاً]: الاتحاد اليمني والزبيري وكذا.

أحمد منصور: ذهبت إلى باريس؟

محسن العيني: فذهبت إلى باريس نعم.

أحمد منصور: يعني أنت كنت محظوظ جدا، اليمنيين لم يخرجوا من صنعاء وأنت إلى بيروت والقاهرة ثم باريس.

محسن العيني: ثم باريس أه.

أحمد منصور: يعني العواصم المضيئة كلها.

محسن العيني: لا الطلاب زادوا فيما بعد، أصبح عندنا أكثر من مائتين طالب في القاهرة.

أحمد منصور: يعني إذا مائتين يمني هم اللي خرجوا وشافوا الدنيا والباقيين كلهم قاعدين جوه ده أكيد محظوظين جميعا.

محسن العيني: يعني العادات.

أحمد منصور [مقاطعاً]: ومش الكل راح باريس يعني.

محسن العيني [متابعاً]: الأعداد تزايدت ذهبوا إلى الولايات المتحدة إلى بريطانيا إلى روما إلى مناطق كثيرة وكان يحرص على إبعادنا من القاهرة.

أحمد منصور: يعني كانت القضية بالنسبة إليه أيضا بالنسبة لإبتعاث الطلبة هو التخلص من النشطين أو الذين ممكن أن يفكروا أو يطالبوا بالإصلاح ولا كان فيه رغبة في أن يرسل طلبه يتعلموا حتى يعودوا إلى البلد فينهضوا بها؟

محسن العيني: يعني هو التطور فرض نفسه.



السفر والدراسة بفرنسا والتأثر بها

أحمد منصور: أنت قعدت سنتين في باريس كنت ذاهب فقط من أجل تعلم اللغة الفرنسية ولا أيضا لإكمال دراستك؟

محسن العيني: لا أنا التحقت بالسربون وعلى أساس أنني أخذ في أول سنة لغة فرنسية ثم أواصل دراستي في..

أحمد منصور: دراسة الحقوق يعني.

محسن العيني: دراسة الحقوق وبدأت فعلا فيها كنا ثلاثة من الطلاب وفيه واحد قبلنا كنا أربعة.

أحمد منصور: يمنيين؟

محسن العيني: يمنيين ففي أثنائها نشط الإمام في محاربة الاتحاد اليمني في القاهرة، فشعرنا بأنه يمكن أن نُلام في أوساط الطلاب في القاهرة إنه هؤلاء ذهبوا لفرنسا ونسيوا الحركة الوطنية وكذا فظلينا نبعث في رسائل ونتصل وننشط مع الطلاب في القاهرة، فأوقفت منحتنا الدراسية في باريس.

أحمد منصور: وصل إلى الإمام ما تقومون به؟

محسن العيني: وصله ما نقول به فأوقف المنحة، فحاولنا أن نواصل حتى لا ننهزم أمامه وحتى تظل معنوية الطلاب مرتفعة، لكن بعد سنتين جاء تأميم قناة السويس.

أحمد منصور: 1956.

محسن العيني: وبدأ في فرنسا نوع من التضييق على بعض الطلاب العرب ونشاطاتهم، لأن فرنسا انضمت في العدوان الثلاثي وكان هناك نشاط كبير للطلاب العرب كان فيه أديب نحوي من سوريا كان عاطف دانيال كان مجموعات كبيرة، منصور الكيخيا يعني فنحن.

أحمد منصور [مقاطعاً]: هذا الذي بقي معك إلى أن ودعك في المطار.

محسن العيني: إلى أن ودعني في المطار فاضطررنا إن إحنا نعود إلى القاهرة وعدنا على بداية العدوان الثلاثي.

أحمد منصور: أنت تأثرت بالحي اللاتيني تأثر كبير لست وحدك وإنما ربما كل من يذهب من الطلبة ليدرس هناك وحتى الزائرين إلى فرنسا حتى إنك قولت في كتابك خمسون عام في الرمال المتحركة أنك تمنيت لو أن جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي أمضوا وقتا في الحي اللاتيني فلربما تغير الوضع في العالم العربي؟

محسن العيني: نعم أنا أتذكر يعني الحي اللاتيني عبارة عن جامعة مفتوحة، القهاوي، البنسيون، المسارح، لوموند، الصحافة، النقاش، السربون في الوسط وبعدين تشعر تماما يعني هؤلاء القادة اللي اشتغلوا فيما بعد في أفريقيا وفي غيرها.. هوش منه يعني وين تأثر؟ تأثروا في هذه الأجواء، أنا أعتقد أن هذا حي ليس له نظير في بلدان أخرى وأشعر إنه فعلا لو هؤلاء قادتنا.. يعني مشكلتنا هي العزلة أن هؤلاء من الكتيبة إلى القصر الجمهوري فلم يألفوا الجدل، النقاش، الحديث..

أحمد منصور: هم أدركوا الطريق القصير إلى الحكم.

محسن العيني: إلى الحكم حتى..

أحمد منصور: ليس الطريق عبر باريس والسربون والحي اللاتيني وإنما كما قلت أنت من الكتيبة إلى قصر الحكم.

محسن العيني: إلى قصر الحكم.

أحمد منصور: كثيرين ممن درسوا في السربون أو في روما أو في بريطانيا أو في أميركا رجعوا إلى الدول العربية ولكن للأسف طغت عليهم عقلية العسكر الذين يحكمون ولم يأتوا هم بتلك الثقافات ليغيروا بها دولهم؟

محسن العيني: للأسف وأنا أحيانا أتساءل لماذا مؤسساتنا مستشفياتنا كلها وفيها خيرة أبنائنا الذين درسوا في الجامعات الأجنبية وعاشوا فيها ومع ذلك لا يقومون بالعمل كما يجب.

أحمد منصور: ذهبوا إلى الطريق الخطأ، لم يدركوا أن الطريق يأتي من الكتيبة القصر الجمهوري.

محسن العيني: أيوه صحيح.

أحمد منصور: أنت عدت بعد سنتين إلى القاهرة في العام 1957 وأصدرت ذهبت إلى دمشق وأصدرت كتابك معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن وهو بمثابة منشور ضد نظام الحكم، ألم تكن تدرك أن هذا يمكن أن يقلّب الإمام عليك؟

محسن العيني: يعني طبعا أدرك هذا ولكن أنا أولا مشرد، أنا مرتبي يعني أوقف من وجودي في باريس ولم نكن نفكر هذا التفكير أبدا، كنا نفكر في ما الذي نستطيع أن نفعله لفضح هذا الوضع، نحن كنا نعيش مأساة اليمنية.

أحمد منصور: ما هي؟

محسن العيني: كنا نشعر كأننا كالأيتام في مأدبة اللئام.

أحمد منصور [مقاطعاً]: أي لئام؟

محسن العيني [متابعاً]: نأتي في العواصم العربي، تجتمع الأحزاب العربية النقابات المناضلين الكذا، الخطاب كله كان حول الاستعمار والصهيونية لم يكن أحد يتحدث عن الأوضاع الداخلية، إذا أردنا أن نشرح قضية اليمن يقولوا لنا اسكتوا أحمدوا الله أنتم في عهد دولة مستقلة وكذا، يعني الأستاذ الزبيري والنعمان في اتحاد مؤتمر الأدباء العرب عندما أردوا أن يتحدثوا يوسف السباعي الله يرحمه أوقفهم قال هذا قصيدة معادية للإمام يجب أن لا تذاع، فالأستاذ نعمان أخرج قصيدة أخرى مدحا للإمام من بعض الشعراء اللي..

أحمد منصور: نعم.

محسن العيني: وبدأ يقرأها قالوا له لا إحنا في اليمن الأدب هو فيه مدح الإمام..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أو في ذمه.

محسن العيني [متابعاً]: أو في ذمه، كنا نشعر ولهذا السبب أنا مثلا في دمشق كنت أتحدث في.. أتحدث في جامعة دمشق عن اليمن وإذا بعدد من الطلاب يقولوا لي الأوضاع كلها فاسدة في العالم العربي خلينا الآن نركز على الاستعمار والصهيونية، فقلت له أعطيني حاكم مثل شكري القوتلي في اليمن وأنا ساعتها ممكن أمضي معك، لهذا السبب وضعت هذا الكتاب واخترت أن أطبعه في دمشق وليس في القاهرة لأني خشيت لو أنشط هذا النشاط كله في مصر قد لا أستطيع أكمل دراستي في كلية الحقوق.

أحمد منصور: يعني ألا تعتقد الآن بعد مرور أكثر من أربعين سنة أو ربما سبعة وأربعين سنة على طباعة هذا الكتاب أن ما فيه ينطبق على أنظمة عربية الآن قائمة تُذيق شعوبها من الهوان أكثر مما كان الإمام يُذيق اليمنيين؟

محسن العيني: ربما لكن يظل الفارق إنه يمكن تعاني هذه الشعوب من الضغط السياسي أو من انعدام الحريات أو.. لكن سُبل الحياة التعليم الحياة الاقتصادية أفضل مما كانت في اليمن، اليمن كانت عبارة عن تبت، أفغانستان وهي أشبه ما تكون بهما بحكم أنها عزلة وجبال وقبائل يعني التخلف فيها كان تخلفا مهولا.

أحمد منصور: أنا لا أريد أن أغادر نقطة مهمة وهي انقلاب الثلايا وأسباب فشله؟

محسن العيني: الثلايا.. الإمام كان في نهاية حياته كان حصل اعتداء عليه كان محاولة اغتياله سنة 1959 فكان كسيحا لكن البلاد في وضع سيئ الجنود قاموا ببعض عمليات في بعض القرى الأهالي سيشتكون للإمام ما حصل فتحمس هؤلاء الجنود وجاؤوا للثلايا وقالوا له يجب أن نقوم بالحركة، نتصور إنه كانت نوع من الإجهاض للعمل الوطني الذي كان يُعِد للثورة الكاملة.

أحمد منصور: هل كان الثلايا مشارك فيها أيضا؟

محسن العيني: طبعا الثلايا من الشخصيات الوطنية اللي شارك حتى في ثورة الثمانية وأربعين لأنه من نفس البعثة العسكرية التي تعلمت في العراق هو والسلال والجيفي والعمري يعني فيه مجموعة كبيرة.

أحمد منصور: هل تعتقد أن يعني عدم التخطيط وردت الفعل كانت سبب رئيسي في فشل المحاولة؟

محسن العيني: نعم.

أحمد منصور: وهل تعتقد أيضا أن دهاء الإمام لعب دورا أساسيا في يعني؟

محسن العيني: دهاء الإمام وطيبة الشعب طيبة الناس، يعني عندما أُخذ الثلايا إلى الميدان وأراد أن يعدمه الجنود الذين كانوا موجودين في الميدان هم جنود الثلايا هو قائدهم وهم الذين حرضوه على الحركة وأي واحد منهم ببندقيته كان يستطيع أن يطلق النار على الإمام ومع ذلك الإمام يحاكم الثلايا أمامهم ويقول ما جزاؤه؟ فيقول البعض الإعدام.

أحمد منصور: هذا يحدث في كل الشعوب؟

محسن العيني: الجماهير الآن نعم الجماهير يعني جاهلة لا تعرف كيف تواجه مصائرها، تلتف أحيانا حول جلاديها.

أحمد منصور: ما الذي جعل الجلادين يفعلون هذا بالشعوب إلا أن هذه الشعوب هي التي تشجعهم على ذلك.

محسن العيني: نعم.



الانتماء لحزب البعث وأسبابه

أحمد منصور: أنت حدث تحول كبير في حياتك السياسية في نهاية العام سبعة وخمسين وبداية العام ثمانية وخمسين حينما انتميت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، ما الذي دفعك للانتماء للبعث؟

محسن العيني: مثل ما ذكرت لكم إنه حتى من أيام الأستاذ سيد قطب ولقاءاتنا في حلوان كنا نحرص على أن لا ننضم إلى أي حركة من ها الحركات سواء الحركة الشيوعية أو الإخوان المسلمين أو القوميين العرب أو البعث حتى نتفرغ لقضية اليمن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: نعم.

محسن العيني: لكن انعقد مؤتمر للأحزاب العربية في القاهرة وذهب الزبيري والنعمان وكنت معهما لشرح قضية اليمن، فعندما اجتماعنا بصلاح البيطار وأكرم الحوراني وميشيل عفلق وعاتبنهم على أنهم لا يهتمون بما يجري في الجزيرة العربية وما يجري في المغرب العربي وأنهم مركزين على سوريا ولبنان وإسرائيل وكذا فقالوا إن هذا حزبنا قومي لكن ليس معنا أحد في الحزب ممكن أن يطرحوا هذه الموضوعات، بناء عليه انضمت أنا إلى حزب البعث.

أحمد منصور: ليس قناعة بالفكرة.

محسن العيني: لا الفكرة أنا مقتنع بها لكن الحزب النظام أما مسألة الوحدة العربية، مسألة العدالة، مسألة الديمقراطية يعني.

أحمد منصور: لكن لم يكن البعث وحده هو الذي نادى بها، هل كنت عضوا ملتزما في البعث وقت ذلك ؟

محسن العيني: لم أكن أنا بطبعي سواء في البعث أو في الاتحاد اليمني أو في غيرهم أنا اعتبر نفسي نوع من اللامنتمي، لا أستطيع الانضباط وبالتالي حتى عندما انضميت إلى البعث قلت لهم لن أنفذ لكم أي توجيهات قد تتنافى مع ما أريد أن أفعله.

أحمد منصور: هل ألتزمت ونفذت كثير من الأفكار من المبادئ مما يلزمك به الانتماء الحزبي؟

محسن العيني: هذا السؤال سألني الرئيس جمال عبد الناصر فيما بعد، قال لي يعني متى انضميت إلى البعث؟ قلت له عندما كنتم سمن على عسل مع البعث والحقيقة في المراحل الأولى في تلك السنوات لم يكن هناك نشاطا بعثيا نشاز، كانت الجو العربي كله عبارة عن خطاب عام للوحدة العربية، للديمقراطية، للثورة لكذا فلم أشعر بهذا التناقض.

أحمد منصور: هل.. إلى متى بقيت منتمي إلى البعث؟

محسن العيني: ظليت إلى اثنين وستين.

أحمد منصور: انتماء تنظيمي؟

محسن العيني: يعني أشعر بأنني عضو في حزب البعث.

أحمد منصور: لازلت تشعر؟

محسن العيني: في اثنين وستين عندما قامت الثورة في اليمن وعندما بدأ البعثيين ينشقون إلى قُطريين وقوميين، ثم استولى العسكريين على الحزب، أنا تخليت نهائيا من يومها، لأنني أعتبر إنه الفكرة كانت فكرة العروبة فكرة الديمقراطية فكرة.. فعندما حتى أتذكر أني في إحدى زياراتي لدمشق تغديت مع بعض أعضاء القيادة القومية وبيسألوني عن موقفي، قلت لهم يعني أنتم لعلكم خدعتونا، تحدثتم عن الوحدة والحرية والاشتراكية وعندما وصلتم إلى الحكم في سوريا وإلى الحكم في بغداد نسيتم كل هذا وبدأتم تتصارعون فيما بينكم البين واليوم نحن ضحاياكم في العالم العربي بشبهة انتماءنا إلى هذا الحزب.

أحمد منصور: يعني هذا تقييمك النهائي للبعث؟

محسن العيني: تقييمي النهائي إنه طبعا أنا الفكرة أنا أعتقد إنه مشروع حضاري عربي ممتاز وهم شبيه بالأحزاب الاشتراكية في أوروبا يعني الحزب الاشتراكي الفرنسي أو الحزب الاشتراكي الإيطالي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن النتيجة؟

محسن العيني: لكن النتيجة أنه مش انحرف، أن القيادة الحزب سُرق من قادته، الذين نضجوا خرجوا، يعني أنت تجد في الأخير إنه صلاح البيطار وميشيل عفلق.

أحمد منصور [مقاطعاً]: دون تعرض لأشخاص.

محسن العيني [متابعاً] : مُبعدين أنا.

أحمد منصور [مقاطعاً]: ألا تعتقد أن جزء رئيسي من نكبة الأمة يتحمله البعثيون وحزب البعث؟

محسن العيني: القيادات كلها التي تحملت هذه المسؤولية لم تؤد واجبها يعني أنا لما أشوف حركة القوميين العرب جورج حبش ونايف حواتمة وأنا أحبهم كثيرا وتعرفت عليهم وعلى وديع حداد وعلى كذا، أنا أشعر بأن إحنا دخلنا في متاهة كبيرة وأنا يبدو لي بهذه المناسبة أن الموضوع ليس موضوع البعث أو القوميين العرب أو الإخوان المسلمين أو الشيوعيين، المشكلة هي مشكلة تخلف الوعي العربي تخلف المواطن العربي، يأخذ الشعار قشرة خارجية لكن البداوة الفردية التخلف عميق مازال فينا ولهذا تابع أنت مثلا أوضاع العراق؛ ما فعله الشيوعيون في بغداد، ما فعله البعثيون في بغداد، ما يفعله اليوم بعض الأدعياء الإسلام أو غيره ستجد أن الصورة هي هي، تعالى في السودان تعالى في لبنان في فلسطين في كل مكان، كل منظماتنا السياسية أيا كانت يافطاتها وأيا كانت شعاراتها وأيا كانت تجد ممارستها لا تكاد تختلف.

أحمد منصور: أخيرا وبعد نضال طويل حصلت في يوليو عام 1959 على إجازة الليسانس في الحقوق من جامعة القاهرة التي التحقت بها في العام 1952، ذهبت إلى عدن وكان الوضع في عدن والمعارضة اليمنية في ذلك الوقت تشتعل كذلك كانت تشتعل في القاهرة وبدأت عملية الإعداد للثورة ضد الإمام، أبدأ بها معك الحلقة القادمة، أشكرك شكرا جزيلا كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ محسن العيني رئيس الوزراء اليمني الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.