مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

د. يعقوب زيادين : الأمين العام للحزب الشيوعي الاردني

تاريخ الحلقة:

25/12/1999

- نشأة الدكتور يعقوب زيادين وكيف أثرت عليه؟
- بداية تعرفه على الشيوعية والحزب الشيوعي السوري اللبناني

- أهم أفكار ومبادئ الحزب الشيوعي السوري اللبناني، وطبيعة نشاطه

- موقف الشيوعية من القضية الفلسطينية

- الدور اليهودي في إدخال الفكر الشيوعي ونشره

- تعارض الشيوعية مع الدين

يعقوب زيادين
أحمد منصور
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة، مع ضيف جديد في برنامج (شاهد على العصر)، شاهدنا على العصر هو الدكتور يعقوب زيادين (الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الأردني) .

وُلد الدكتور يعقوب زيادين في إحدى قرى الكرك عام 1922م، انتسب للحزب الشيوعي السوري اللبناني أثناء دراسته للطب في سوريا عام 1943م، وأصبح عضواً مؤسساً في الحزب الشيوعي الأردني، الذي أسس عام 1951م، اختير عضواً في اللجنة المركزية للحزب أواخر العام 1956م، انتُخب في نفس العام عضواً في البرلمان الأردني عن دائرة القدس، أعتقل بعد ذلك وقضى بضع سنوات في السجن.

وفي العام 1970م اختير عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني، وفي عام 1987م انتخب الدكتور زيادين ليصبح الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني وحتى العام 1997م، أعتقل الدكتور زيادين أحد عشر مرة، وقضى أثنى عشر عاماً في السجون بتهمة الانتماء للحركة الشيوعية تفاصيل وأحداث كثيرة يرويها لنا الدكتور زيادين في هذه الحلقة والحلقات القادمة في شهادته على العصر، مرحباً يا دكتور.

د. يعقوب زيادين: أهلاً بيك.

نشأة الدكتور يعقوب زيادين وكيف أثرت عليه؟

أحمد منصور: دكتور، نبدأ بك من هناك من الكرك، من البادية التي وُلدت ونشأت وترعرت فيها، وتركت آثارها الواضحة في حياتك على مدى عمرك كله، وعلى مدى السنوات الماضية، كيف كانت هذه البيئة التي وعيت عليها في البداية؟

د. يعقوب زيادين: شيء جميل أن يتذكر الإنسان ويعود عشرات السنين إلى الوراء، وُلدت في خيمة في بيوت الشعر، كان أهلي في تلك الفترة، وقريتي بشكل عام لم يسكنوا المدن أو القرى أو البيوت الحجرية حتى ذلك الوقت كانت الخيام في معظم فصول السنة.. في كل فصول السنة، هناك عشت في الخيام السنوات الأولى من عمري.

أستغرب الآن كيف مازالت منطبعة في ذهني من تلك الأيام السحيقة، حياة متواضعة بسيطة، عملت كثيراً مساعدة لأهلي في تلك الفترة، رعيت بالغنم لفترة قصيرة من الزمن، ساعدتهم بأمور الفلاحة والصغار.

دخلت مدرسة القرية مبكراً – كما أعتقد – وكانت الحياة صعبة في المدرسة، نحن حفاة شبه عراة نجلس على الأرض الباردة في الشتاء، ونتلقى بعض الضربات إذا ما غبنا أو تكاسلنا في الدراسة أو.. ولكنها أنظر إليها الآن أنها حلوة أيضاً، ليست سيئة يعني، وهناك تنقلت من مدرسة القرية بين أحضان الراهبات والرهبان، كنت متديناً جداً في تلك الفترة.

قريتي فقيرة جداً، كان معظم الطلاب أبناء صفي الصغار، جوعى في معظم الأحيان، يأكلون خبز القمح وخبز الشعير، أو خبز الذرة، وأعتقد أني كنت الطالب الوحيد الذي يملك رغيفاً من خبز القمح..

أحمد منصور [مقاطعاً]: عفواً، قبل أن ندخل إلى هذه المرحلة، فترة رعي الغنم والمشاركة في فلاحة الأرض وغيرها هل تركت انطباعات أو.. أو أشياء ساهمت في بناء نفسيتك بعد ذلك؟

د. يعقوب زيادين: هاك صحيح، أعتقد أنني مبكراً فكرت كيف يمكن القضاء على هذا الفقر، كيف يمكن التغلب عليه، وأول ما خطر في بالي أن الصلاة والتضرع لله ليحل المشاكل كانت هي اللي دخلت في ذهني.

أحمد منصور: أنا أود هنا أن أشير إلى أن حضرتك مسيحي من مسيحي الأردن.

د. يعقوب زيادين [مقاطعاً]: من الكاثوليك.

أحمد منصور: نعم، من الكاثوليك، والنشأة المسيحية أيضاً..

د. يعقوب زيادين: بالضبط.

أحمد منصور: هل كان لها تأثير في حياتك؟

د. يعقوب زيادين: لاشك كان لها تأثير عليَّ كبير من قبل الراهبات والرهبان اللي درسونا في تلك الفترة، وكنا نستمع إلى نصائحهم، وإلى مواعظهم هذه كانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل كانوا عرب هؤلاء الرهبان؟

د. يعقوب زيادين: كلهم عرب.

أحمد منصور: كلهم عرب.

د. يعقوب زيادين: كلهم، واحد من الناصرة كاهن، وأخر راهبات أردنيات يعني، ومن ناس بسطاء وجيدين في تلك الفترة، وكان تأثيرهم كبير علينا نحنا الصغار.

أحمد منصور: ما هي القيم التي تذكرها من تربية الرهبان لك؟

د. يعقوب زيادين: ماذا؟

أحمد منصور: القيم التي تذكرها من تربية الرهبان لك في تلك الفترة؟

د. يعقوب زيادين: هي حب الخير، والاستقامة، والشرف، والابتعاد عن ارتكاب الخطايا، هاي.. هذه هي يعني..

أحمد منصور: هل كنت تشعر أن مجتمع الرهبان هذا مجتمع مثالي ومجتمع نظيف، وكنت تتأثر به؟

د. يعقوب زيادين: لا.. لا أعتقد، لأن الفقر له أيضاً سلبيات كبيرة موجودة كان هناك حوادث سرقة وحوادث اعتداء، وأيضاً ظلم، وكان.. كان موجود هذا، وهذا كان يدفعني للتفكير في كيف ممكن الخلاص من مجتمع من هذا القبيل في قرية، هل يجوز أن تبقى فقيرة بهذا الشكل، طول فترة الشتاء تنعدم الخضار، تنعدم الفاكهة، تنعدم اللحوم، الخبز يعز على الأطفال، حتى الأغلبية الساحقة من السكان، هذا وضع كان أشعر الآن.. وكان يؤلمني كطفل يعني، وكنت أعتقد أن الحل لهذه المشكلة يمكن هي بالصلاة وبالصوم وبالعبادة لعل وعسى أن تتغير الأمور لكن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل كان هناك تأثير لوالدك في بناء نفسيتك وشخصيتك؟

د. يعقوب زيادين: والدي أيضاً من الناس اللي الذي كان نادر وجوده في تلك البلد لأنه كان درس، هو كان يحسن القراءة والكتابة، وكان هو مركز لقراءة.. لمنطقة واسعة حولنا يأتوا إله لقراءة كتاب، رسالة أو كتابة رسالة، وهو أيضاً

-في اعتقادي– أنه كان يعني هو فلاح قريب للبداوة كثيراً، عمل قليلاً بالتجارة، هو ابن لرجل بسيط خالص وأمي، والدتي أمية أيضاً معظم الأهل حولي كانوا أميين، هو يمكن كان في المنطقة واحد بارز بهذه الصفة، وسيم، شجاع، كريم النفس كنت أحبه كثيراً، وكنت أحترمه كثيراً.

أحمد منصور: حياة القبيلة لها إيقاع خاص في الحياة، هل أيضاً حياة القبيلة تركت عندك انطباعات معينة؟

د. يعقوب زيادين: هي الظلم في القرية كانوا أيضاً بلا أراضي للزراعة، وكانوا يضطروا إنه ياخدوهم من الجوار من بعض القبائل التي كانت لها سلطة وسطوة في تلك البلاد، وكنت أشعر بالمظالم، يؤجروا قطعة الأرض الواحدة ثلاث مرات، المرة الأولى بأجر محدد، بعد الحراثة يزيد الأجر، عند الحصاد إذا غَلَّت أيضاً يزيد الأجر، وأيضاً يكثروا من الضغوط ومن يعني أجور الأرض أكثر فأكثر على الناس.

وهذه كانت تترك أثر عند والدي وعندي وعند (...) إنه لماذا هذا الظلم قائم، وهو لم تكن هناك دولة في تلك الأيام، في بداية الثلاثين، والعشرين، كان هم يتحكموا في مسائل الناس وفي الأجور وفي العطاء، والأخذ والعطاء، كمان هذه تركت أثر سيئ في تلك الفترة على نفسي.

أحمد منصور: دكتور، يعني والدتك أيضاً تركت أثر معين في نفسك؟ كان لها دور في حياتك بشكل أساسي.. والدتك؟

د. يعقوب زيادين: والدتي إنسانة طيبة أيضاً فلاحة لطيفة وجميلة وعاملة بإخلاص وأمانة، وأعتقد إنها يعني أثرت عليَّ كثيراً.

أحمد منصور: ما هي أهم الجوانب التي أثرت فيك؟

د. يعقوب زيادين: أنا عندما أنهيت الدراسة الثانوية كان أخي الكبير يريد أن يزوجني ويبقيني في القرية، وفي قريتي صبايا حلوات، يظهر أني في تلك الفترة استجبت لهذا المطلب، والدتي مرة مسكتني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني حدد لك عروسة أعجبته؟

د. يعقوب زيادين: أيوه، فوالدتي الفلاحة الأمية الجميلة غضبت غضب شديد عليَّ، وقالت لي يجب أن تستحي على حالك، اذهب للدراسة في الخارج للجامعة، إذا أخوك الكبير لا يعطيك فلوس أنا عندي فلوس أقدر أعطيك إياها، قلت لها.. وانتهى الحديث يعني، عندما جاء والدي.. رآني نايم، وسأل عني: إذا أكلت؟ قالت له: يعقوب لم يأكل اليوم، مُضرب عن الطعام، لأنك ما طمنته على مسألة ذهابك للجامعة.. ذهابه للجامعة للدراسة، أبويا غضب وقال: لا أبداً سأبعتك قوم.. كل واضطريت إني أنهض من نومي مع إني أكلت قبل دقائق، أنا آكل وأتظاهر إنه أنا رضيت وقبلت.. وتمت المسألة تحت ضغط الوالدة بشكل خاص، وذهبت لدمشق في السنة الأولى، درست..

أحمد منصور [مقاطعاً]: قبل أن تذهب إلى دمشق، الآن أنت تشير دائماً إلى الفقر، إلى العوز، إلى ضيق العيش، إلى الضنك الذي عشته، من أين المال الآن لكي تذهب وتدرس في دمشق؟

د. يعقوب زيادين: وضعنا العائلي كشخص ليس سيئاً يعني، نحنا يمكن والدي كان أصلح الموجود في القرية، كان عندنا قطيع من الماشية، رباه فيما بعد وكان أخي الكبير تاجر وحصل نتيجة جهد خاص على بعض الأراضي، على دكان تجارة بسيطة متواضعة كان يذهب لدمشق للتجارة، وأيضاً قطيع من الماشية، ومصاريف.. القرية في تلك الفترة بسيطة.

أنا أذكر أول.. أول مصاريف في دمشق السنة الأولى لم يتجاوز سبعين جنيه فلسطيني بتلك الفترة، كانت أيامها ليست دينار، وكان فيه إمكانيات يعني عند والدي بالذات في القرية كلها كان يعني هو أصلح الموجود، يعني في هذه القرية.

أحمد منصور: دكتور، أنت في العام 1943م ذهبت لدراسة الطب في جامعة دمشق، هذه النقلة من حياة البداوة من بيوت الشعر إلى مدينة دمشق العريقة المعروفة بتاريخها وبحضارتها وبأنها مجتمع آخر.. مجتمع جديد، كيف شكلت هذه النقلة صورة حياتك في تلك المرحلة؟

د. يعقوب زيادين: أول حادث وقع لي في دمشق، خرجت يمكن من اليوم الأول أو الثاني من الوصول لدمشق، وطبعاً كان شيء مذهل إني أشوف مدينة ضخمة في دمشق.. من قريتي التي لا يجاوز عدد سكانها 200 أو 300 شخص إلى الكرك إلى الصلت، كلها بلدان متواضعة أشوف عاصمة، مدينة بشوارعها الضخمة، بمتاجرها الواسعة المليانة بالبضائع والخضار والفاكهة.

الحادث الذي هز كياني كله وتفكيري هو عند خروجي أحد الأيام من مطعم اليوم الثاني أو الثالث بدمشق أصادف مظاهرة في ساحة من ساحات دمشق تطالب بالخبز، عشرات من النساء مع أطفالهن، وهجموا على بلدية دمشق، وكانت في ساحة (المرج) يطالبن بالخبز، ويشتمن رئيس الوزراء السوري اللي كان في تلك الأيام.

أحمد منصور: من كان تفتكر؟

د. يعقوب زيادين: (..) أنا فوجئت أنا، معقول هناك فقر أيضاً في قريتي وفي مدينة ضخمة كبيرة مثل الشام وهذه القصور وهذه البنايات وهذه الشوارع، هنا دخل عامل جديد في مخي، القضية ليست قضية قرية فقيرة، هناك مشكلة واسعة تضم ملايين البشر وبلدان عديدة وهذا، وبدأت أفكر من جديد كيف ممكن حل هذه القضية وكيف ممكن القضاء على الفقر والتعاسة و.. وسر هذا!!

أثر عليَّ منظر النساء السوريات المحجبات مع أطفالهن يصرخن ويطالبن بالخبز في أحد صباحات دمشق الباردة يعني، هذا كلام.. هذا كمان ترك أثر، بالإضافة لوجودي سنة الثلاثة 41-42 دمشق مليانة بالجنود السنغاليين وبالجنود الأستراليين أثناء الحرب العالمية.. بداية الحرب العالمية الثانية أيضاً لماذا كل هذه الجيوش؟ نحن في تلك الفترة لم يكن عندنا أي وعي سياسي، لا أحزاب ولا نوادي وبالتالي نحن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وعيك السياسي في هذه المرحلة، هل كان لديك وعي سياسي تستطيع أن تميز به الأحداث، تستطيع أن تميز به الواقع الموجود؟

د. يعقوب زيادين: ما فيه.. ما فيه شئ، حادث بسيط أثر عليَّ في آخر أيام المدرسة الثانوية بالصلت وأستاذ التاريخ كان يحدثنا وهو خريج الجامعة الأميركية وهو من الأوائل الذين تخرجوا من الجامعة الأميركية ودرسونا، تحدث عن أيام الحرب العالمية الأولى، وفي نهايتها.. ثورة أكتوبر الاشتراكية، ولا نستطيع أن نتحدث عنها كثيراً، أيضاً هذه الكلمة رسخت في دماغي.

إذن فيه شيء بدنا.. آخر، ثورة واشتراكية وأستاذنا هذا لا يستطيع أن يتكلم عنها، وكان بنظري في تلك الفترة أنه هو معارض للحكومة في الوقت الحاضر، وأنه إنسان يعني مع الشعب، وتقدمي إلى آخره، أيضاً تركت آثار عندي يعني في هذه الفترة، بعد ذلك كنا متحمسين أنا وزملائي...

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن هل كنت تعرف شيئاً عن الشيوعية؟

د. يعقوب زيادين: ولا كلمة ولا شيء ولا سمعت بها..

أحمد منصور: عن الماركسية؟

د. يعقوب زيادين: ولا عن الماركسية، وبالعكس كنا أنا وجموع الطلاب متحمسين لهتلر، كيف إن هو ضرب الإنجليز وضرب الاستعماريين في بلادنا، الانتداب..

أحمد منصور: هذا بدافع أنكم محتلون من البريطانيين؟

د. يعقوب زيادين: آه بالضبط يعني، إن هم، نحن الآن تحت الانتداب البريطاني، وهذا بيضرب الإنجليز وبيضرب اليهود كمان، وبالتالي هاي المعلومات البسيطة اللي كانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ماذا كانت معلوماتك عن قضية فلسطين في تلك المرحلة؟

د. يعقوب زيادين: حتى هذه الفترة لم يكن شئ كثير، كل اللي بأعرفه إنه عدد أفراد من قريتي من الفقراء كانوا يذهبوا إلى فلسطين للعمل هناك، ويرجعوا بعد سنة وسنتين بأوضاع جيدة يعني منعشين.

أحمد منصور: هل كانت قريتك كلها من المسيحيين أم كان فيها مسيحيين ومسلمين؟

د. يعقوب زيادين: كلها مسيحيين.. كلها.

أحمد منصور: كلها من المسيحيين.

د. يعقوب زيادين: كلها من المسيحيين.

بداية تعرفه على الشيوعية والحزب الشيوعي السوري اللبناني

أحمد منصور: كيف تعرفت وأنت في دمشق على الحزب الشيوعي السوري اللبناني؟

[فاصل إعلاني]

د. يعقوب زيادين: هاي جرت وأنا بدأت السنة الأولى بدمشق درست الحقوق، وأيضاً لاحظت أني لا أصلح لهذه المهنة، ورغبتي بالقديم إن أنا أدرس طب، تغيرت للطب، وظليت أفكر كيف يمكن.. هذه القضية أشغلت بالي.. قضية الفقر والتعليم كانت تشغل بالي يعني..

في أحد الأيام في أواخر أيار عام 43 كنا نستعد للفحوص آخر السنة، وسمعت أحد الزملاء من الأطباء يتحدث عن الاستغلال وكيف ينمو رأس المال، وكيف يُستغل العمال وكيف..، لأول مرة أسمع مثل هذا الكلام، فرأساً تقدمت وقلت له وين لك هذا الحديث، كيف عرفت.. هذا شيء يعني عجبنا الكلام وعجبنا التفسير لهذه القضية، ليش عم يصير فقر..، فأشار إليّ هذا ما موجود بالحزب الشيوعي السوري، وينه هذا الحزب الشيوعي السوري؟ أشار للمكان فذهبت إلى هناك..

أحمد منصور: كان الحزب معلن، وله رابطة في هذا الوقت.

د. يعقوب زيادين: كان معلن وله رابطة وفيه.. دخلت رحت رأساً عليه، كان على بعد أمتار، مش بعيد يعني، غرفتين فقيرات وتنزل تحت الأرض بدرج مهشم رأساً دخلت لهناك لقيت صور لأول مرة باسمع، صور (لينين) وصور (ستالين)، وشفت عشرات الكراريس والكتب مطروحة هناك على الطاولة، استأذنت بأخذ عدد منها وذهبت إلى غرفتي أمضيت الليل بكامله أقرأ هذه النشرات، طبعاً عجبتني كثير يعني في هذا..

أحمد منصور: ما هي الأشياء الأساسية التي جذبتك إلى الفكر الشيوعي في هذه المرحلة؟ هل تذكر أهم الأفكار؟

د. يعقوب زيادين: في تلك الفترة كان بيسيطر عليَّ قضية الفقر، كيف ممكن أتغلب على الفقر، على تعاسة الناس هذه هي القضية، بداية بقريتي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل كانت هناك حلول لهذه المشكلة في الفكر الشيوعي في ذلك الوقت؟ أم أنه كان تفسير؟

د. يعقوب زيادين: .. يعني هو كان تفسير، يعني هم كانوا بيفسروا ليش..؟ ليش.. ليش الفقر؟ هو سيطرة الإقطاعي على الفلاح هو سيطرة الرأسمالي على العامل هو.. هذه الأفكار جديدة عليّ بالنسبة.. كيف ينمو الفقر؟ وكيف ينمو الغنى؟ كيف تتكدس الأموال في يد البعض، وكيف تفتقر الجماهير وتغوص في بحر من الآلام ومن الجوع ومن التعاسة يعني، هذه الفكرة هي اللي جذبت انتباهي إن هناك فيه تفسير، فيه سبب..

أحمد منصور: يعني إحنا هنا لو عدنا إلى الوراء، إلى الكرك، إلى الحياة الأولى التي عشتها، إلى شظف العيش، إلى القسوة التي واجهتها، إلى الفقر والظلم الذي عشت فيه هل، نستطيع أن نقول أن هذه كانت مقدمات أساسية راسخة في نفسك مهدت إلى أنك تتلقى الفكر الشيوعي لأنه المخرج لهذا؟

د. يعقوب زيادين: هذا.. هذا.. أنا قلت لك يعني إنه.. إنه يظهر إنني خلقت اشتراكياً –إذا تقول- لأنني من اليوم الأول في قريتي، وفي المحيط اللي أعيش فيه وقد عانيت كثير من الجوع يعني والتعاسة إن كانت هي السبب اللي دفعني في هذا الطريق.

أحمد منصور: دكتور، لو عشت حياة رغدة ومريحة، هل كنت أيضاً ستتوجه إلى الشيوعية؟

د. يعقوب زيادين: بالنسبة إلى الآن بأفكر آه، يعني ما أتغير، لأنني أقدر أن..

أحمد منصور: ليس.. ليس بتفكيرك الآن، ولكن بتفكيرك في هذا الوقت.

د. يعقوب زيادين: لأن.. لأ كما إلها أربطها في بعض، لأ.. رغم إنه أنا ميسور الحال..

أحمد منصور: أنت جاءك اليسر بعد الشظف يعني أنت الآن ميسور الحال.. كطبيب مشهور ومعروف.

د. يعقوب زيادين: لأ.. ما زلت.. رغم كل.. رغم كل السنين الطويلة، ورغم.. ورغم كل شيء، مازلت أعتقد أن الشيوعية أو الاشتراكية هي الحل للبشرية كلها يعني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: رغم فشلها وسقوطها الذريع.

د. يعقوب زيادين: رغم كل شيء.

أحمد منصور: هي فشلت ولم تنجح، لأنها مضادة لسنة البشر.

د. يعقوب زيادين: أنا.. أنا لا أوافقك لا.. لا أقول أنني فشلت، هذه عملية نضالية بتاخد سنين من الوقت.

أحمد منصور: أخذت 75 عام وانهارت الشيوعية.

د. يعقوب زيادين: أنت تقول انهارت أنا أقول تراجعت، ولكنها لم تنهار، وستبنى من جديد على أسس جديدة، وتستفيد من تجربة السنين الماضية، لاشك 70 سنة في عمر الاشتراكية أعطت.. أعطت مؤشرات جيدة جداً تخدم المستقبل وتخدم الشعوب المناضلة..

أحمد منصور: دكتور، ما هي هذه المؤشرات؟! إذا كانت الاشتراكية حمتها دولة عظمى، وانتشرت في ما يقرب من ثلث العالم أو ما يزيد عن ذلك، ومع ذلك أثبتت أنها مضادة للفطرة البشرية ولحاجات الناس، وحتى روسيا التي.. أو الاتحاد السوفيتي الذي كان أساس الحركة الشيوعية، الآن بدأ يتجه إلى الرأسمالية بشكل كبير؟

د. يعقوب زيادين: هذا جيد السؤال، لي جواب عليه، وأرجو أن يتسع الوقت للحديث.

أحمد منصور: اتفضل.

د. يعقوب زيادين: أنا برأيي 70سنة من ما يُسمى الاشتراكية أو اللي جرى بالاتحاد السوفيتي سابقاً قدم خدمات كبيرة للإنسانية وقدم تجربة، لنعلم..

أحمد منصور [مقاطعاً]: قدم الجوع والفقر والعوز والناس التي لا تجد الآن ما تأكله؟!

د. يعقوب زيادين [مستأنفاً]: الآن بدنا نيجي إنه ملايين من الشعوب في روسيا.. الاتحاد السوفيتي سابقاً، إن هي .. هي تنظر لتلك الأيام –رغم السلبيات المتعددة الموجودة- تنظر لها بعطف وبشغف، الآن الشيء الأساسي.. هذه التجربة في.. العشر سنين اللي مضت، أثبتت أن الرأسمالية لن تستطيع أن تقدم شيئاً لشعبها وبلادها، الرأسمالية فشلت فشل ذريع في إنقاذ شعوبها بالدرجة الأولى البلدان المتطورة، فكيف تنقذ الشعوب الأخرى؟!

أحمد منصور: لأنها أيضاً الرأسمالية نظام مضاد لفطرة الإنسان.

د. يعقوب زيادين: لأن النظام.. أيضاً الرأسمالية نشأت واحتاجت إلى 500 سنة تنتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية ومرت بصعوبات متناهية في أزمة الـ 29 لـ 34 والأزمات المتكررة، أيضاً ولن تكون حلاً في الماضي ولم تكن حلاً، صحيح أنجزت أشياء كثيرة وتقدم في العلوم والأبحاث والدراسات والتطوير.. هذا صحيح، لكن كمان جابت بلاوي وجابت مصائب على الشعوب.

أحمد منصور [مقاطعاً]: ألم تأتي الشيوعية بالمصائب والبلاوي أيضاً؟

د. يعقوب زيادين: لا دا الشيوعية بالعكس يعني بيجوز أي مصائب يعني يجوز في المسائل الداخلية أيام ستالين جرى الحديث –وأظنه مبالغ فيه- عن عذابات داخلية، لكن الشعوب.. الاتحاد السوفيتي أنا عشت وزرته عدة مرات في الفترة كانت جامعاته ومدارسه ممتلئة بمئات بل ألوف طلاب من كل القارة.. من كل العالم، من أميركا اللاتينية وأفريقيا درسوا بالمجان وتعلموا أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين، أيضاً كنت أرى المستشفيات ملئانة بالمرضى من كل العالم، له فنادق.. فندق الحزب أيضاً جامعة أمم من كل الشعوب.

أحمد منصور: ربما سنأتي على هذا، ولكن لنعود إلى الفترة التي درست فيها من عام 43 إلى عام 50، درست في جامعة دمشق ثم انتقلت إلى بيروت وأكملت دراسة الطب، وكان انتسابك للحزب الشيوعي السوري اللبناني في ذلك الوقت كعضو في هذا الحزب، في الفترة من عام 43 إلى عام 50 ما هي الأفكار الأساسية والتحولات الرئيسية التي رأيت أن الشيوعية أدخلتها إلى حياتك؟

د. يعقوب زيادين: أدخلت عليّ كشخص أصبحت إنسان يعني كنت خجول ومنطوي على نفسي، مجرد ما تعرفت على هذه الأفكار شعرت بشجاعة أكتر، وبانطلاق، وبشعور بالثقة، وشعوري بأني إنسان فاعل في هذه الدنيا.. في هذه الحياة، هذه طورتني أكتر فأكتر، وجعلتني أشعر أنني قد أصبح إنسان له أثر وله فاعلية في مجتمعه وفي بلاده، وكل ما وقع إنه يعني قريتي فرحت بي أكتر من مرة، وساعدتها أكتر من مرة دفاعاً عن مصالحها ودفاعاً عن شؤونها وعن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل بدأ يعرف أهل قريتك المسيحيين الطيبين البسطاء أنك أصبحت شيوعياً ماركسياً؟

د. يعقوب زيادين: كلهم.. كلهم شعروا، أنا لم أستطع أن أخفي نفسي إطلاقاً يعني يذهب من اليوم الأول وقبل ما أعرف ما هي الشيوعية، أن أعرف إن أنا عندي هذه الأفكار.

أحمد منصور: هل كانت الشيوعية مذمومة في هذا الوقت لما كان يُنظر إلى إنسان شيوعي؟

د. يعقوب زيادين: رغم كل المسبات والشتائم التي كانت تطلق على الشيوعية من دوائر أجنبية واستعمارية ورجعية أيضاً، لكن ظليت أشعر باحترام الناس لحمل مثل هذه الأفكار، إن كان في قريتي أو في المحيط أو في الخارج في الدراسة، ما شعرت أبداً بإذلال وبإهانة، بالعكس يعني مركز احترام للناس بسبب أفكاري هذه يعني.

أهم أفكار ومبادئ الحزب الشيوعي السوري اللبناني، وطبيعة نشاطه

أحمد منصور: ما هي أهم المبادئ والأفكار التي حملها الحزب الشيوعي السوري اللبناني في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين: لا أستطيع أن أحددك كنت وقتها مشغول بدراستي، وكنت عبارة عن عضو منظمة طلابية متواضعة في داخل البلد، كنا نسمع محاضرات كثيرة، يهتموا بتثقيفنا ثقافة.. هذا كان مفيد إلي، وأيضاً رغم شعوري الديني كنت حاضر مرة في محاضرة لأحد الأساتذة اللبنانيين الجيدين حول الماركسية، وتعرض قليلاً للدين انفجرت في وجهه، صرخت إن الدين مقدس، لا تتحدث.. نحن نتحدث الاقتصاد والسياسة! هو يعني احترم مشاعري البريئة هذه وتوقف عن هذا البحث.

يعني أنا أشعر بتلك الفترة إنه يعني أصبحت بشخصية جديدة خالص يعني، وأصبحت أعي أمور الدنيا أكثر من السابق يعني، لا.. لا أعرف.. يعني أعرف إن الشيوعي اللبناني كان ضد الإمبريالية وضد الفرنسيين، وكانوا يعلمونا كيف يجب أن نقوم ونصارع الاستعمار الفرنسي والاستعمار.. النفوذ الأميركي الذي بدأ في لبنان وسوريا وشاركت في مظاهر متعددة ضد الانتداب، هذه هي.. هذا الدوافع اللي كانت تدفعنا في..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن نستطيع أن نقول بأن يعني بناءك الفكر الشيوعي في هذا الوقت كان بناء بسيط، وكنت تكتفي بجانب الممارسة والإعجاب والإبهار بالأشياء الأساسية التي طبعها الفقر في نفسك ووجدت المخرج..

د. يعقوب زيادين: طبعاً.. الفقر كان أساس، ثم أيضاً انتصارات الجيش الأحمر في تلك الفترة على هذا ومقاومتهم الصلبة والمعارضة اللي كانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: انتصارات الجيش الأحمر على السوفييت.. على الألمان؟

د. يعقوب زيادين: على النازية.

أحمد منصور: ألم تكن تشجع النازية من قبل؟

د. يعقوب زيادين: إيه.. تغيرت الأفكار، بالثلاثينات لحتى.. لبعد.. لقبل الـ 43 كنا متحمسين للنازية، لأنها ضد اليهود وضد البريطانيين، لكن بعد الوعي اللي حدث معي صرت أشعر بأهمية وجرأة وشجاعة وصدق المقاومين السوفييت ضد الغازي على بلادهم اللي هو النازية في ذلك الوقت.

أحمد منصور: ما هي وسائل التعبير عن الانتماء الشيوعي في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين: في تلك الوقت كنا نوزع الجريدة، نعمل ندوات للطلاب، نجمع تبرعات للحزب، نشارك في تنظيم الاجتماعات الشعبية الواسعة الجماهيرية اللي هي كانت ضد النازية بشكل خاص وشرح شو النضال، الحزم قدره الشعب السوفيتي ضد المعتدين والشعوب الأخرى، الشعوب الفرنسية وشعوب أوروبا الشرقية، كانت هي هذه القضية بالأساس.

أحمد منصور: هل كنتم تتبرعون؟

د. يعقوب زيادين: كنا ندفع.

أحمد منصور: إلى الحزب؟

د. يعقوب زيادين: للحزب، كان علينا إنه ندفع ثمن الجريدة، وندفع أيضاً كتبرعات، وكنت أحياناً آجي من سوريا ومن لبنان إلى الأردن، وأجمع تبرعات من الأصدقاء للحزب وأعطيهم الفلوس يعني.

أحمد منصور: كيف كانت وسائل تثقيف الحزب لكم؟ هل كان هناك خلايا سرية يتم التخطيط فيها في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين: يعني.. هذا سؤال جيد، كنت أنا عضو لجنة ثقافية، نأخذ الدروس من الرفاق المستنيرين والرفاق الواعيين، وأذهب إلى القرى هذا في لبنان مارسته إلى القرى اللبنانية أعيد الدرس على الرفاق البسطاء، العمال والفلاحين في القرى حول مدينة طرابلس اللبنانية وحول القرى، هذا أيضاً، وإشي كان لي اهتمام...

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل كان فيه خلايا سرية؟

د. يعقوب زيادين: آه كان فيه.

أحمد منصور: ماذا كان طبيعة عمل الخلية السرية؟

د. يعقوب زيادين: لا أعلم أنا طبيعة.. أنا مهمتي أنني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لم تكن منتمياً إلى خلية سرية؟

د. يعقوب زيادين: لا.. أنا.. أنا مهمتي، أنا طبيب تحت التدريب مثلاً، أنا مهمتي ألقي هذا الدرس على هاي المنظمة في تلك القرية المجاورة لمدينة طرابلس اللبنانية.

أحمد منصور: بشكل سري؟

د. يعقوب زيادين: بشكل سري، وكان موقف الحزب الشيوعي يعني وضعه أيضاً سري اللبناني والسوري..

أحمد منصور: حظر.

د. يعقوب زيادين: آه كان السوري حظر..

أحمد منصور: في أي سنة حظر.. تم الحظر على الحزب الشيوعي السوري اللبناني؟

د. يعقوب زيادين: أظن مباشرة بعد 47.. 48..

أحمد منصور: أصبح حزباً سرياً؟

د. يعقوب زيادين: أصبح سرياً يعني.

موقف الشيوعية من القضية الفلسطينية

أحمد منصور: دكتور، فيه قضية مهمة هنا وهي قضية فلسطين، في عام 1947م صدر قرار الجمعية العامة بتقسيم فلسطين، وللأسف أن الحزب الشيوعي السوري اللبناني في ذلك الوقت والأحزاب الشيوعية ربما في العالم العربي أيدت قرار التقسيم، كيف تؤيدون قرار تقسيم دولة عربية إسلامية، وتوافقون على منح اليهود نصف فلسطين؟

د. يعقوب زيادين: هذا أعتقد أنه من إيجابيات الشيوعيين هو.. أفقهم الواسع للقضايا، هم لم يقبلوا كأحسن الحلول.. الشيوعيين في تلك الفترة، قبلوه باعتبار أقل الحلول سوءاً في تلك الفترة.. أقل الحلول سوءاً في تلك الفترة، لم يكن هناك إمكانيات أكتر أمام فشل الجيوش العربية كلها، والمقاومة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لم يكن هناك فشل، ولم تكن بدأت الحرب وكان النضال قائماً في فلسطين.

د. يعقوب زيادين: غير قائم بشكل.. المهم قام الفلسطينيين.. لأن أنا أقدر وأحترم نضال الشعب الفلسطيني، عمل كل ما يستطيع عمله، إضرابات ومظاهرات وقيام وإلى آخره، لكن في تلك الفترة، عندما فشلت كل الجيوش العربية في مواجهة عصابات صهيونية لم تكن جيشاً في تلك الفترة، لم تكن جيش.. مجرد عصابات مدربة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وكانت هناك.. وكانت هناك حركات جهادية فدائية أيضاً تقاوم هذه العصابات.

د. يعقوب زيادين: أيضاً تقاوم، لكن كمان ليس بشكل ناجح ولا بشكل يقضي على هذه..

أحمد منصور: لماذا لم تشاركوا أيضاً في عمليات القتال؟

د. يعقوب زيادين: شاركوا، أنا أعرف إن مؤسس الحزب الشيوعي اللبناني.. الأردني الأستاذ فؤاد نصار، كان أحد قادة العمل السياسي.. العمل العسكري سنة 39 في القدس والخليل وتلك المنطقة 3 سنوات حمل السلاح في وجه البريطانيين وفي وجه الصهاينة.

أحمد منصور: هذه فترة النضال الأولى قبل أن يُشكل الحزب بالشكل الذي حدث بعد عام 1951م.

الدور اليهودي في إدخال الفكر الشيوعي ونشره

د. يعقوب زيادين: لأ.. كان في تلك الفترة الحزب الشيوعي الفلسطيني وفيه قرأت الآن بين يدي برنامج الحزب الشيوعي الفلسطيني، طبعاً في تلك الفترة كان في يد اليهود، وكان ضد الصهيونية، وأيضاً ضد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كان قادة الحزب الشيوعي الفلسطيني يهود؟

د. يعقوب زيادين: بالبداية.. بالبداية بالعشرينات كان..

أحمد منصور: يعني اليهود هم الذين أنزلوا الشيوعية إلى المنطقة؟

د. يعقوب زيادين: اليهود وعرب.. اليهود..، لا تلتقط الكلمة، الشيوعية يعني...

أحمد منصور: أنا أسأل وأستفسر.

د. يعقوب زيادين: أسأل أقول لك، كان كما قلت سلفاً إنه كانت القيادة يهودية وليست صهيونية..

أحمد منصور: لأن أيضاً الحزب الشيوعي المصري..

د. يعقوب زيادين: وكان به عرب..

أحمد منصور: اليهود هم الذين أدخلوه إلى مصر.

د. يعقوب زيادين: وهذا.. وهذا اللي أدى إلى انقسام الحزب وتشكيل حزب التحرر الوطني الماركسي من أساس عربي كلياً، المهم القضية كانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لأ أنا عايز قبل أن ندخل إلى..، الآن دور اليهود في إدخال الشيوعية إلى العالم العربي.

د. يعقوب زيادين: لا أعتقد إن هذا.. كان فيه أيضاً عرب بدايات بدؤوا وكانوا في موسكو ودرسوا و(علقوا)، في مصر عندك عدد كبير..

أحمد منصور: هذا في فترة متأخرة.

د. يعقوب زيادين: بدك تحكي على العرب بشكل عام.

أحمد منصور: يعني أحكي عن البدايات، البدايات مهمة يا دكتور، الآن أنا أسأل عن الدور اليهودي في إدخال الفكر الشيوعي إلى المنطقة.

د. يعقوب زيادين: ليس.. لا أعتقد هذا الحكي إن هو دور يهودي..

أحمد منصور: لكن كان هناك أيضاً الحزب الشيوعي الفلسطيني يهود..

د. يعقوب زيادين: كان فيه بعض.. كان فيه بعض اليهود.

أحمد منصور: والحزب الشيوعي المصري أيضاً هناك كان يهودي.

د. يعقوب زيادين: ... عزيزي، يذكر فؤاد نصار في مذكراته إنه عندهم كان بالسجن في فترة من الفترات، شاف إن فيه هناك يهود ضد.. ضد الانتداب وضد الصهيونية، وهم يهود لكنهم شيوعيين، بدأ يدرك ما هي القضية في تلك الفترة يعني.

لا شك في تلك الفترة كان يجي يهود شيوعيين يعني وجيدين في تلك الفترة، لكن أيضاً كان الرأي العام العربي كان ضد هذه الفكرة وضد هذا الوجود، وهذا أدى إلى انقسام في الحزب الشيوعي الفلسطيني القديم، وتشكلت عصبة التحرر الوطني من مثقفين عرب وعمال عرب معادين للصهيونية ومعادين للانتداب، السياسة اللي فرضوها الشيوعيين الفلسطينيين والأردنيين هي استقلال كامل.. دولة مستقلة في فلسطين تضم كل القوميات الموجودة وإعطائها حقوقها الكاملة، هذا الخط الأساسي.. ضد الانتداب، ضد الاستعمار البريطاني، ودولة تضم كل الفئات وتعطي..

أحمد منصور: يعني موقف الشيوعيين من البداية من القضية الفلسطينية موقف يسمح لليهود بالسيطرة على فلسطين؟

د. يعقوب زيادين: لأ، ليس بالسيطرة، بل بالوجود كأقلية قومية موجودة في..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ليسوا أقلية الآن إذا هم لهم الحق في عملية التقسيم.

د. يعقوب زيادين [مستأنفاً]: في تلك الفترة.. في تلك الفترة كانوا.. في تلك الفترة في الأربعينات في الثلاثينات كانوا قلة يعني كانوا قلة واضحة، وحكم وطني ديمقراطي في فلسطين ضد الانتداب ويعطي الحقوق لكل المواطنين للأقليات القومية الموجودة في الداخل، كان هذا الأساس المطلوب.

أحمد منصور: ألم تعتبر هذه سقطة في فكر الشيوعية والشيوعيين العرب.

د. يعقوب زيادين [مقاطعاً]: لا، أنا أعتبر...

أحمد منصور: أنهم ضحوا.. أول من ضحى بفلسطين؟

د. يعقوب زيادين: لم يضحوا بفلسطين إطلاقاً، لو قبل التقسيم، حتى في تلك الفترة، كان تجنب الشعب الفلسطيني هذا التشرد في كل مناطق العالم، تشرد الشعب الفلسطيني هو اللي قاده الطموحات العربية الغير مشروعة، المشروعة هاي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني كأن هناك في الفكر الشيوعي أيضاً مهادنة، وليس هناك مغالبة للحصول على الحق؟

د. يعقوب زيادين: ليس مهادنة، واقعية.. هذا هو الواقع، هذا هو اللي قائم الجيوش العربية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى.. حتى كل عمليات الاستسلام تقول نحن نتعامل مع الواقع، معاهدات السلام التي وقعت تقول نحن نتعامل مع الواقع..

د. يعقوب زيادين: أنا واثق إن بعد كل هذا الوقت وبعد مرور هذه الفترة 50 سنة على هذا، لسه هناك من يعتقد إنه كان لازم إنه ما نقبل التقسيم واللي رفعوا شعارات برمي اليهود في البحر، ماذا جاءت في هذه السياسة غير تشريد المزيد.. مزيد من التشريد، مزيد من القتل مزيد من الاضطهاد، مزيد.. مزيد من كل هذا.

أنا أقول لماذا لا تشكل دولة.. فيه ظلم، غير صحيح، حلاً غير سليم لكن أقل سوءاً مما هو موجود الآن، أنا في رأيي إنه كان الشيوعيين على حق، وكانوا أيضاً عقلانيين في تلك الفترة، لأنه هاي.. هذا اللي فرضته الظروف، وليس هم اللي فرضوه الشيوعيين.

أحمد منصور: ألم يكن هناك تأثير يهودي للتوجيه الشيوعي في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين: أنا لست.. لم أكن على إطلاع في.. لكن تقديري مما قرأته فيما بعد ومن علاقتي مع عدد كبير من الشيوعيين في تلك الفترة، لم يكن هناك أي تأثير، بالعكس يعني كمان كانوا تحت تأثير الرأي العام، اليهودي وصهيوني كانت في هذا يعني.

تعارض الشيوعية مع الدين

أحمد منصور: دكتور، يعني أنت نشأت نشأة دينية، كنت تذهب إلى الكنيسة بشكل منتظم..

د. يعقوب زيادين: أذهب إلى؟

أحمد منصور: الكنيسة، بشكل منتظم وتربيت على أيدي الرهبان والراهبات، وترك هذا أثر ديني في نفسك، كيف يكون هناك توافق مع شخص مسيحي متدين ومع الشيوعية؟ كفكر يدعي.. قائم على أن الدين هو أفيون الشعوب؟

د. يعقوب زيادين: ليس صحيحاً هذا، أنا أعتقد بعد 55 سنة من الشيوعية، ومن ممارستها العملية والفكرية أن جوهر الدين وجوهر الشيوعية واحد.

أحمد منصور: كيف؟

د. يعقوب زيادين: ضد الفقر.. ضد الفقر، ضد الظلم، ضد العدوان، ضد الاستغلال، ضد الإساءة كتب (..) أنا في تقديري في الدين الإسلامي جاء قبل الماركسية بـ 1400 سنة 1500 سنة، وجاء بأفكار نيرة خالص.

أحمد منصور: لكن هذه أفكار تتعلق بدين تشريعي رباني وليس تشريع بشري بالنسبة للناس، لنترك موضوع الدين الإسلامي ولا ندخل حتى لا ندخل في متاهة، أنا أقصد الآن أنت بنشأتك المسيحية..

د. يعقوب زيادين: لا أعتقد أن هناك صراع بين أسس الدين السليمة والإنسانية وبين الشيوعية الأصولية التي قائمة على الاستقلال.

أحمد منصور: لكن الشيوعية أيضاً فيها مغالبة لفطرة الإنسان فيها ليس فيها.. توافق كبير مع الفطرة يعني.

د. يعقوب زيادين: لم.. تعارض مع الدين لماذا؟ من.. من قال هذا أن هي تعارض الدين؟ صحيح يعني في.. هي بدأت بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية، معروفة كانت هناك أسباب اقتصادية واللي أدت لهذا الموضوع هي سيطرة الكنيسة على أراضي واسعة وكانت إقطاعية في الحقيقة، فجاء ستالين و(جالنيل) وضرب مشاريع الكنيسة و.. وأراضيها وسيطرتها وإقطاعيتها في تلك الفترة وأغلق بعض الكنائس، وهذا خطأ، الآن نراهم الشيوعيين في روسيا يستعيدون..

أحمد منصور: يعني أنت الآن.. أنت الآن تعتبر أن الشيوعية ارتكبت أخطاء أيضاً في حق الأديان؟

د. يعقوب زيادين: أخطاء قد تكون مبررة في تلك الفترة، لأنه كان سيطرة الكنيسة..

أحمد منصور: يعني حتى هذه يا دكتور تبررها؟

د. يعقوب زيادين: أنا لا أغير رأيي بهذه القضايا يعني ولا أجاملك ولا أجامل أحداً.

أحمد منصور: ليست مجاملة، أنت تشهد على عصر، تبين إلى أي مدى.. يعني نحن الآن نتحدث عن.. عن دور الشيوعية حتى على الدين المسيحي في قلب الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

د. يعقوب زيادين: كل هذه دعايات من القوة الرجعية ومن القوة الإمبريالية اللي شوهت سمعة...

أحمد منصور: الإمبريالية لسه عايشة؟!

د. يعقوب زيادين: شوهت سمعة الشيوعية والاشتراكية، أنا بأقول طب قد تكون هناك أخطاء ارتكبوا ضد الكنيسة في روسيا والاتحاد السوفيتي أيام زمان، بسبب اقتصادي، سيطرة الكنيسة على أقسام واسعة من الناس وعلى أراضي وعلى ممتلكات، وعلى دور، وإلى آخره.. وإلى آخره.

وبرضو قد يكون في هذا مبالغة، وشيء سيئ يعني، الآن بنشوف نحنا الشيوعيين جددوا أفكارهم، وبنشوف إنه (زاجانو) زعيم الحزب الشيوعي الآن في روسيا يقول أن المسيح هو أول شيوعي في الدنيا، وفيه أيضاً أنا عدت أقرأ بالتوراة وبالإنجيل، ليست التوراة.. لها احترام كبير، في الإنجيل إنه يعني أصلاً فيه أقوال للمسيح تدعو إلى التأميم في..، ليست هناك عداء حسب ما قرأت حتى الآن إنه عداء ضد الدين يعني، الدين ليس..

أحمد منصور: يعني إذا كان ماركس قال: "إن الدين هو أفيون الشعوب،" معني ذلك أن هذه المقولة أقامت حاجزاً وانقساماً واضحاً ما بين الفكر الشيوعي وما بين الأديان، يعني قضى على الأديان وطالب بعدم وجود الدين أصلاً في حياة الناس، يعني الآن عملية عفواً الترقيع ما بين إن إحنا نأتي بالفكر الشيوعي ونبحث عن نصوص في التوراة، ونصوص في الإنجيل، وحتى بعض الناس يسعون للبحث عن نصوص قرآنية أو كذا.

لنقول أنه شيء واحد ولا يوجد تعارض، أليس هذا خليطاً، لماذا لا نأخذ الشيوعية على حالها أنها نتاج فكر بشري، ثبت أنه له أخطاؤه أيضاً في هذا الأمر، ونبعدها عن الدين.

د. يعقوب زيادين: ما هو أيضاً إن الأفكار الدينية لها أخطاء، ماذا حدث في أسبانيا وأيام سيطرة الكنيسة كمان ارتكبت جرائم، والباباوات ارتكبوا جرائم ضد...

أحمد منصور [مقاطعاً]: لابد أن نفرق –عفواً- ما بين.. عفواً دكتور.

د. يعقوب زيادين: ما فيه.. حدا ما فيه.. حدا خلو من الـ..

أحمد منصور: لابد أن نفرق.. لابد أن نفرق ما بين الممارسة التي يقوم بها بعض الناس، وما بين النص الديني نفسه أو التعاليم الدينية.

د. يعقوب زيادين: أنا بالنصوص.. بالنصوص الماركسية ليس هناك أي تركيز على قضية معاداة الدين وضرب الدين..

أحمد منصور: أليست أقوال ماركس ولينين تعتبر نصوص؟

د. يعقوب زيادين: ما فيه.. ما فيه شيء من هذا القبيل إطلاقاً.

أحمد منصور: يعني أنت تنفى مقولة أن الدين أفيون الشعوب؟

د. يعقوب زيادين: مش صحيح، أن الدين هو يقدر.. فيه ناس استخدموا الدين لتخدير الناس يعني، صحيح فيه بعض أقوال الرهبان ورهبان الكنائس والأديرة في هذا هي تطمين للناس وقبولهم بالواقع، واحترام.. واحترام الحاكم ومسايرة الحاكم، هذه شغلات يعني.

أحمد منصور: هل كنت تؤدي عبادتك المسيحية في نفس الوقت الذي كنت منتسباً فيه إلى الشيوعية..

د. يعقوب زيادين: أبداً ما شعرت إنه أنا هناك فيه تناقض بمسلكي إطلاقاً يعني، ومازالت يعني.. بدليل إنه أثناء ترشيحي في القدس سنة 56 كنت أحضر، وكنت معروف إن أنا شيوعي، وكنت يعني دخلت السجن مرتين أو تلاتة وأنا في القدس.

وكانت علاقتي مع الرهبان والراهبات والأديرة جيدة وصوتوا لي بحرارة، وكنت ألقى دعمهم وتأييدهم واحترامهم أيضاً، وأيضاً احترامهم.. أنا أحترمهم أيضاً، لأنهم أيضاً في الجوهر ما فيه مشكل.. مسلكات شخصية لهذا الراهب أو لهذا (الخوري) أو لهذا الشيوعي أيضاً.. سلوكات شخصية.

أحمد منصور: دكتور، يعني هأسألك سؤال حساس شوية، من الملاحظ إن كثير من زعامات وقيادات الحزب الشيوعي.. الأحزاب الشيوعية في منطقة سوريا ولبنان والعراق والأردن على وجه الخصوص هم من المسيحيين أو المسيحيين حملوا هذا الفكر وهذه الأفكار بشكل أساسي، ما هي أسباب ذلك؟

د. يعقوب زيادين: هذا صحيح، يعني ملاحظة موجودة، وأعترف لك بإشي إن أيضاً مجال بحث بين القيادات الشيوعية في المنطقة هذه، مثلاً في العراق سرياني، يوسف سلمان فهد، في لبنان جورج حاوي فترة طويلة من الزمن وقبلها فرج الله الحلو، في سوريا لا.. ماكانش.

في الأردن أيضاً كان عندنا هذا، وهاي موضوع بحث وموضوع دراسة، أنا أقول يظهر إلها أسباب يعني الشيوعية تضم في صفوفها القوميات الأقلية.. في الحركة الشيوعية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بس نفس الملاحظة موجودة مثلاً في الفكر البعثي موجودة في الفكر القومي.

د. يعقوب زيادين: وفيه محاولة..

أحمد منصور: يعني كل الأفكار التي دخلت خلال هذه الفترة وجد أن المسيحيين وراءها.

د. يعقوب زيادين: مش مسيحيين لأنه كمان يعني.. بيجوز قيادات..