مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

صلاح عمر العلي: عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القُطرية الأسبق

تاريخ الحلقة:

22/06/2003

- مهمة صلاح عمر العلي للمجيء بميشيل عفلق من البرازيل إلى العراق
- استقبال ميشيل عفلق في العراق وموقف قيادات حزب البعث منه

- تقييم شخصية ميشيل عفلق ونقد أفكاره

- تعامل ميشيل عفلق مع مخالفيه في المؤتمرات القومية لحزب البعث

- أسباب ومبررات مدح ميشيل عفلق لصدام حسين

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ صلاح عمر العلي (عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القُطرية الأسبق في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق). أستاذ صلاح مرحباً بك.

بدأ صدام حسين بعد تعيينه نائباً لمجلس رئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأجهزة الأمنية في إحكام قبضته شيئاً فشيئاً على مقاليد الحكم في العراق، رغم أن الرئيس كان هو أحمد حسن البكر، في البداية تقاسم معه السلطة، ثم بدأ بعد ذلك يسيطر عليها شيئاً فشيئاً، ولكن قبل أن أدخل إلى هذا الموضوع هناك مهمة أساسية كلِّفت أنت بها بعد ثلاثة أشهر تقريبا من قيام الثورة، تقريباً في أكتوبر عام 1968، حيث كُلِّفت من مجلس قيادة الثورة بالذهاب إلى البرازيل، حيث كان يقيم مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق للمجيء به إلى العراق، لماذا اُخترت أنت لهذه المهمة؟

مهمة صلاح عمر العلي للمجيء بميشيل عفلق من البرازيل إلى العراق

صلاح عمر العلي: الحقيقة قبل أن أجيبك مباشرة عن هذا السؤال في يعني.. يعني الأفكار أو بعض المعلومات لابد من الإشارة إلها لكي تكون الصورة واضحة، تحدثنا عن ما حصل في سوريا على يد رفاقنا في 23 شباط عام 66، حيث قاموا بانقلاب عسكري ضد ما كنا نطلق عليه القيادة القومية الشرعية باعتبارها قيادة قومية منتخبة وفق الأصول، وفق اللوائح.. القوانين الحزبية.

أحمد منصور: الحزبية.

صلاح عمر العلي: داخل الحزب، بعد أن قاموا بالانقلاب طبعا أطاحوا بالقيادة القومية، وصدرت أحكام بحقهم تتراوح بأن السجن لعدة سنوات وبين الإعدام، فاختفى معظم أعضاء القيادة القومية، وهربوا إلى.. إلى لبنان متخفيين، والقيادة البديلة التي سيطرت على الأوضاع في سوريا طبعاً كانت تفتقر إلى مرجعية قومية، فسرعان ما عقدوا مؤتمر قومي، مؤتمر قطري وثم مؤتمر قومي، ثم انتخبوا قيادة قومية جديدة، وكوَّنوا لهم مرجعية قومية، نحن في العراق أصبحنا بدون مرجعية، بل يعني ربما أستطيع القول أنه مرجعيتنا كانت فعلا شبه مغيبة، أولاً: قسم من عندهم تركوا الحزب. ثانيا: مختفية كما ذكرت لك، ويعني لم يعد..

أحمد منصور: مين أبرز من تركوا الحزب كمرجعيات؟

صلاح عمر العلي: السيد عبد الكريم الحوراني، الأستاذ صلاح البيطار، وآخرين، فأصبحت القيادة القومية على هذا الأساس تتمثل بعبارة بعن.. عن شيء رمزي فقط، وفي الواقع انحسرت مرجعيتنا القومية بشخص الأستاذ ميشيل عفلق.

أحمد منصور: محور الخلاف بينكم وبين السوريين، هل كان فيه شيء من الأفكار أو المعتقدات، أم أنها كلها خلافات شخصية؟

صلاح عمر العلي: لأ، بالواقع يعني هناك مزيج من..من الخلافات مزيج من الأسباب، فيها أفكار، فيها أسباب فكرية وسياسية، وفيها في الواقع كما أرى يعني فيها أشياء ذات طبيعة شخصية.

أحمد منصور: ما هي الجوانب الفكرية ومؤسس الحزب.

صلاح عمر العلي: هو بالواقع..

أحمد منصور: الثلاثة المؤسسين، اثنين ابتعدوا والثالث هرب إلى البرازيل.

صلاح عمر العلي: كان في الواقع يعني انتقاد الإخوة في سوريا ينصب في الإطار العام حول التركيز على أن القيادة القومية لم تعد قادرة على تطوير أفكار الحزب بشكل عام، ولم تعد أفكار الحزب قادرة على أن تتماشى مع معطيات ومتطلبات المرحلة اللي يعيشها الحزب.

أحمد منصور: هو كان فيه أفكار أصلاً، دا أفكار مشوشة.

صلاح عمر العلي: في الواقع.. لو سمحت لي، هو الحقيقة يعني الحزب كان طارح منطلقات فكرية ونظرية وهذه المنطلقات طبعاً لم يمنح الحزب يعني فسحة من الوقت أو من التأمُّل بحيث يستطيع أن يطورها، لأنه بمجرد أُعلن عن تشكيل الحزب وجد نفسه بسرعة داخل في.. في صميم الصراعات السياسية سواء كان على الصعيد السوري أو على الصعيد العراقي، على عكس مثلاً على سبيل المثال ما حصل بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي خلينا نقول، الحزب الشيوعي حتى في سوريا مُنح فرصة طويلة من النشاط وتطوير أفكاره في داخل القطرين، بحيث استطاع أن يخلق يعني كوادر أولاً قيادية وثقافة حزبية، وتمكن هو من تطوير أفكاره بالتدريج، بحيث يعني أصبح عند رؤية أكثر وضوح من رؤية الحزب، حزب البعث ما وُفِّرت إله مثل هذه الفرصة.

أحمد منصور: وفِّر أفضل يا سيدي..

صلاح عمر العلي: لأ.

أحمد منصور: الأحزاب الأخرى لم تتح لها فرصة أن تقفز إلى السلطة بمجرد أن تطرح بعض الأفكار الضبابية كما حدث، في سنة 49 ميشيل عفلق أصبح وزيراً في الحكومة في سوريا، ووزيراً لأخطر وزارة وهي وزارة التربية، بعد ذلك الحزب قفز في 63 عندكم ثم قفز هنا أيضاً في 63 إلى السلطة، ثم حدث الصراع وانقسم سنة 66، في حين أن هناك أيضاً مشاركات سابقة لم تُتح لـ.. حتى أحزاب أقدم من أحزابكم وأفكار أوضح من أفكاركم.

صلاح عمر العلي: أنا بتقديري، وأعتقد بناء على التجربة هو بالعكس تماماً المشاركة في السلطة أو القفز على السلطة كانت إحدى الأسباب اللي حالت دون توفُّر الإمكانيات للحزب بأن يطوِّر أفكاره وأن يطوِّر مبادئه، وأن يطوِّر..

أحمد منصور: كنتم غير مؤهلين يعني للسلطة.

صلاح عمر العلي: بالراحة.. لأ، ليس هذا السبب، قصدي المشاركة في السلطة لا تمنح الكادر الحزبي أو القيادي الحزبي بأن يتأمل وأن يطوِّر أفكاره ويطوِّر أفكار حزبه.

أحمد منصور: لم تكونوا ناضجين لا سياسياً ولا فكرياً للمشاركة في السلطة.

صلاح عمر العلي: سيدي، حالنا إحنا حالنا حال كل الأحزاب الأخرى ليس في الوطن العربي، إنما في كل الأقطار الأخرى، في..

أحمد منصور: أنت قلت أن الآخرين مُنحوا فرصة أن يطوِّروا أفكارهم.

صلاح عمر العلي: نعم، أنا تتحدث أنت عن أنه إحنا غير مؤهلين، لأ، هذا الأمر حقيقة إذا كان ينسحب علينا فهو ينسحب على عدد كبير جداً من الحركات السياسية في العالم..

أحمد منصور: لكن لنبقَ في إطاركم أنتم.

صلاح عمر العلي: هناك.. تتوفر لدينا كوادر متقدمة وناضجة ومؤهلة، كما أنه عندنا بعض الكوادر اللي لم تكن مؤهلة لاستلام السلطة، لكن..

أحمد منصور: لكن ممارستكم للسلطة أثبتت أنكم كنتم مؤهلين؟

صلاح عمر العلي: كان هناك عدد كبير من أعضاء الحزب كانوا مؤهلين، نعم.

أحمد منصور: أنا أقصد الممارسة الآن والنتائج هل أثبتت أن هناك تأهيلاً؟

صلاح عمر العلي: على.. على أي حال الآن .. نحن الآن بصدد الحديث عن هذا الموضوع، أنا أعتقد أن الحزب لو لم يواجه تآمر داخلي، تآمر داخلي ربما كان قادر على أن ينهج نهج سليم وبنَّاء.

أحمد منصور: ما هي.. ما هي خلفيات هذا التآمر شخصية أم خارجية؟

صلاح عمر العلي: بالواقع على الصعيد العراقي أنا أعتبر أنه يعني أخطر ظاهرة شاهدها الحزب هو الظاهرة المتجسدة في شخص صدام حسين.

أحمد منصور: الآن أبقى معك في إطار ميشيل عفلق والمهمة التي كُلفِّت بها عام 68 بعد صراع بين القيادتين القطرية والقومية عام 66 في سوريا، هرب الكثيرون من قيادات القيادة القومية، وكان من بينهم ميشيل عفلق الذي حوكم بالإعدام وكعادته عند يعني الملمات يهرب أو يختفي، هرب إلى البرازيل واعتكف هناك، لماذا كُلِّفت أنت بمهمة الذهاب إليه.

صلاح عمر العلي: والله أنا لا أحمل أي سبب يعني لا.. لا أملك على كل حال..

أحمد منصور: كيف حدث التكليف؟

صلاح عمر العلي: هو الواقع لم أُكلَّف من قبل مجلس قيادة الثورة، كُلِّفنا من قِبل قيادة الحزب.

أحمد منصور: من كان قائد الحزب؟

صلاح عمر العلي: كان..

أحمد منصور: أحمد حسن البكر.

صلاح عمر العلي: أحمد حسن البكر وباقي أعضاء القيادة القطرية في يعني اجتماع كُلِّفت بأن أغادر إلى البرازيل بقصد يعني العودة بالأستاذ ميشيل عفلق.

أحمد منصور: هل هناك شخص معين في قيادة الحزب هو الذي اقترح عودة ميشيل عفلق بحيث يكون المرجعية لكم.

صلاح عمر العلي: لأ، هو بالحقيقة كان هذا أمر بديهي وطبيعي، ولابد من حدوثه، يعني لأنه إحنا كما ذكرت لك كنا نفتقر إلى مرجعية قومية، والمرجعية القومية آنذاك كانت تتجسد في شخص ميشيل عفلق.

أحمد منصور: لماذا اختار عفلق البرازيل ولم يختر مكاناً آخر؟

صلاح عمر العلي: كما أعتقد كان عنده خال طبيب مقيم في البرازيل، وبما أن ميشيل عفلق كان محكوم بالإعدام ومتخفي في لبنان، وربما كان يخشى من يعني إلقاء القبض عليه، فضَّل أن يلجأ إلى خارج المنطقة العربية، وبما أنه ليس لديه أي إمكانية اللجوء إلى الدول الأخرى، وليس له.. مصادر مالية حقيقية سوى يعني.. يعني اللجوء إلى خاله، أنا أعتقد هذا هو الأمر الوحيد اللي دعاه أن يغادر إلى البرازيل بقصد يعني أولاً ضمان أمنه وأمن عائلته، وثانيا: إنه ما عنده مصدر مالي نهائياً.

أحمد منصور: كيف كنتم تنظرون أنتم كبعثيين عراقيين إلى ميشيل عفلق؟

صلاح عمر العلي: أنا لا أخفيك بأنه كان النظرة السائدة بين أوساط الحزب ترقى إلى مستوى التقديس والاحترام الكبير جداً.

أحمد منصور: في تلك المرحلة، كيف وجدت عفلق حينما ذهبت إليه ولقيته في البرازيل؟

صلاح عمر العلي: أنا بعد أن كلِّفت من قبل قيادة الحزب بهذه المهمة غادرت إلى بيروت، وطبعاً اصطحبت أحد البعثيين اللبنانيين.

أحمد منصور: مَنْ تذكر؟

صلاح عمر العلي: لأنه كان الحقيقة يجيد لغات أجنبية كثيرة، بينما أنا حتى ذلك الوقت لا أجيد إلا الإنجليزية، وكانت إنجليزيتي بسيطة جداً، فاصطحبته لهذا الغرض، ومن الغريب بمكان إنه بمجرد وصولنا إلى مطار سان باولو العاصمة آنذاك، وجدنا نفسنا أنا وهذا الرفيق على نفس المستوى، يعني فوجئنا بأن اللغة المستعملة في البرازيل هي اللغة البرتغالية، وهو شخص لا يجيد البرتغالية، على العموم اتصلنا بالسفارة العراقية، وطبعاً عن طريق السفارة العراقية اتصلنا بالأستاذ ميشيل عفلق وأخذنا موعد، فزرته أنا في البيت..

أحمد منصور: كيف وجدته؟

صلاح عمر العلي: البيت كان طبعاً بيت خاله، وكان يسكن فيه، خاله هو رجل متقدِّم في السن، وكان بيت بسيط ومتواضع، والأستاذ ميشيل كان عنده أربعة أطفال بالإضافة إلى زوجته، ويعني واقعاً أنا وجدته يعيش في حالة مزرية جداً للغاية في هذا البيت بيت صغير، وكان يتكَّدس أطفاله وزوجته، وهو في غرفة واحدة مع استعمال صالون صغير جداً.

أحمد منصور: ماذا كان موقف عفلق من انقلابكم؟

صلاح عمر العلي: عندما طبعاً التقيت فيه وحدثته عن ما حصل في العراق وعن رغبتنا في عودته إلى العراق حقيقة فوجئت بموقف سلبي وشديد السلبية، وكان يعني يرفض العودة إلى العراق، وطبعاً..

أحمد منصور: أسباب.. ما هي أسباب الرفض؟

صلاح عمر العلي: الأسباب في الواقع كما ذكر لي إياها في حينها قال لي: أنا الآن بدأت أشعر في غربة حقيقية إزاء الحزب حزب البعث، وسبب هذا أنه يعني كلاً من علي صالح السعدي، ذكر بالأسماء علي صالح السعدي في العراق وحمود الشوفي في سوريا خرَّبوا هذا الحزب وحوَّلوه إلى حزب آخر أنا لم أعد أشعر بأي علاقة في هذا.. في هذا الحزب.

أحمد منصور: من أي ناحية قصد التخريب التنظيم أم الأفكار؟

صلاح عمر العلي: قصد تخريب الأفكار والسياسات ويعني الأشخاص، حكى كثير حقيقة عن هذا الموضوع، واعتذر بشدة، وقال لي: أنا في الحقيقة أشكرك جداً، وأشكر رفاقك في العراق على هذا الموقف، لكن تعذرني أنا لم أعد يعني أشعر بأي علاقة في هذا الحزب.

أحمد منصور: صورة التقديس التي كانت في نفسك ماذا حدث لها حينما سمعت هذا الحوار؟

صلاح عمر العلي: صُدمت صدمة كبيرة جداً، لكن أنا طبعاً مُكَلَّف بمهمة ومسألة عدم عودة ميشيل عفلق ستعد أول مهمة فاشلة وتحسب عليَّ، ولذلك أصريت على عودته ودخلت في مناقشات معمقة معه استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع حتى أقنعته بالعودة.

أحمد منصور: كيف أقنعته؟

صلاح عمر العلي: أقنعته بالعودة الحقيقة استعملت معه طبعا المنطق أنه أنت أولاً يعني أنت مؤسس حزب ولست عضواً منتمياً إلى حزب، فإذا كان جائز لي ولأي شخص منتمي إلى الحزب الاستقالة أو الانسحاب من الحزب تحت أي سبب من الأسباب إلا أنه أنت الوحيد الغير مسموح لك أن تنسحب من الحزب باعتبارك مؤسس وصاحب أفكار وعندك يعني موقف إزاء القضية القومية، فأنت الشخص الوحيد غير مسموح لك من.. من.. للانسحاب من هذا الحزب تحت أي ظرف، إذا كان الحزب كما ترى أنه شُوِّه ومُسخ وتحوَّل إلى شيء آخر، نحن الآن يعني عارضين عليك وراغبين في مجيئك إلى العراق وأنت بإمكانك أن تعيد الحزب إلى أصالته إذا كان هنالك شيء من الانحراف، علماً بأنه إحنا نعتقد أن التشويه في الحزب على الأقل ضمن التنظيم اللي كنا إحنا نقوده يعني إذا سلمنا بوجود تشويه فهو تشويه طفيف جداً ولا يعني يبرر هذا الموقف، فاستمريت على هذا المحور وتشعبت في العديد من الأفكار وكما ذكرت لك استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع ثم أقنعته بالعودة على أن يعود على مراحل، قال لي: أنا أتجه من البرازيل إلى باريس لأن كان هناك عدد من رفاق عرب غير عراقيين مقيمين في باريس بقصد أن يلتقيهم وأن يتحاور معهم حول الحدث اللي حصل في بغداد ويسمع من عندهم الرأي، ثم بعد ذلك يتجه إلى لبنان بنفس الهدف، وبعد ذلك يصل إلى بغداد وهذا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كانت له شروط في العودة؟

صلاح عمر العلي: الحقيقة ما كانت له شروط أبداً، يعني كانت فقط عنده هواجس، عنده مخاوف، عنده ريب من.. تجاه الحزب بس لا أكثر ولا أقل ما وضع أي شرط.

أحمد منصور: ربما كانت هذه هي المرة الأولى بالنسبة إليك التي تكون فيها قريباً بشكل أكبر من عفلق ومن أفكاره ومن شخصيته.

صلاح عمر العلي: صحيح أنا التقيت فيه بالسابق أكثر من مرة، لكن هذه المرة الأولى التي يعني التقي فيه كل يوم لمدة ثلاثة أسابيع، وتحاورنا مطولاً حول الحزب مستقبل الحزب، عمل الحزب، اتجاهاته، إلى آخره، يعني دخلنا بالعمق في كل القضايا اللي تتعلق بالحزب.

أحمد منصور: كيف تحوَّلت قناعاتك بشخصية الرجل الذي كنتم تقدسونه بعد هذا القرب الشديد في الحوار وفي اللقاءات؟

صلاح عمر العلي: أنا كما ذكرت لك حقيقة عندما يعني أعلن عدم استعداده للعودة إلى العراق صُدمت، لكن عندما بدأ يعني يشرح لي وجهة نظره في.. والأسباب الداعية لهذا الموقف السلبي طبعاً أنا قدَّرت هذا الموقف، لأنه أنا أيضاً يعني ما كنت مفاجأ بالصورة اللي طرحها عليَّ، بس طبيعة الحال هذه المبررات اللي طرحها في الواقع ما وصلت إلى حد أنه صورته اهتزت في.. في يعني ذاكرتي أو في عقلي، قدَّرت من عنده هذا الموقف أنا حقيقة، لأنه الواقع عمليا عندما تجد أنه مؤسس الحزب وباني هذا الحزب يعني يعيش في الغربة وفي أقصى المعمورة وفي هذا المنفى الضيق وفي هذه الحياة القاسية وفي وضع مزري للغاية جداً نتيجة لما حصل من تطورات داخل صفوف الحزب، بطبيعة الحال أنا قدرت فيه هذا الموضوع، لكن.. ولم تهتز قناعتي فيه إطلاقاً، لكن في الواقع كان لابد من أن أُصر على عودته وأواصل محاولتي لإقناعه، وبالتالي اقتنع الرجل.

استقبال ميشيل عفلق في العراق وموقف قيادات حزب البعث منه

أحمد منصور: كيف استُقبل في العراق؟

صلاح عمر العلي: استُقبل استقبال حافل كبير جداً.

أحمد منصور: كيف استقبل من قِبل البكر وصدام تحديداً؟

صلاح عمر العلي: الواقع كانوا في طليعة المستقبلين للأستاذ ميشيل عفلق.

أحمد منصور: ألم يكن كل منهما يشعر بأن وصول ميشيل عفلق يمكن أن يسحب من تحت أقدامهما بعضاً من الجماهيرية أو من التفاف الناس حولهم؟

صلاح عمر العلي: هذا الموضوع حقيقة أنا أوضح لك إياه، يعني قيادة الحزب عموماً رحبت ترحيب كبير جداً في الأستاذ ميشيل عفلق واستُقبل استقبال حافل من قِبل قيادات الحزب وكوادر الحزب وعدد كبير من المسؤولين في الدولة، وبعد أن وَصَل إلى العراق طبعاً يعني اتضح أنه تدريجيا أنه كان يعني فيه شيء من الحساسية أو سمها الموقف من تدخل.. من أي محاولة لتدخل القيادة القومية بالشؤون القُطرية العراقية، بشؤون العراق، كان هناك يعني أشبه ما يكون بالحاجز بين نشاطات القيادة القومية الحزبية وبين أنشطة العمل الحزبي والحكمي في داخل العراق، هذا في الواقع تجلى أول مرة على.. أو انعكس على سلوك أحمد حسن البكر ثم صدام حسين.

أحمد منصور: كيف؟

صلاح عمر العلي: يعني كانوا يمنعون أي محاولة لتدخل القيادة القومية في أي شأن يتعلق بشؤون القطر، و.. وخاصة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني كان عفلق معزولاً عن شؤون القُطر العراقي.

صلاح عمر العلي: نعم، كان مقتصر نشاطهم فقط على شؤون التنظيم القومي للحزب، فروع الحزب بالعراق وخارج العراق فقط.

أحمد منصور: إذن الرجل لم يكن له دور تقريباً.

صلاح عمر العلي: هذا في الواقع هذا اللي حصل أنا أكون أمين وصريح معك.

أحمد منصور: إذا لم يكن له وضع في سوريا ولم يكن له وضع في العراق فجئ به ليكون صورة.

صلاح عمر العلي: بالضبط، يعني فيما بعد اتضحت الصورة بأنه أُريد إلُه أن يكون في العراق مجرد ديكور أو مجرد صورة أو مجرد يعني تعبير عن يعني إيهام الناس بأنه هناك قيادة قومية تقود هذا الحزب.

أحمد منصور: كيف انعكس هذا عليه؟

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة -كما ذكرت لك أكثر من مرة- أنا لم أستمر في الحزب سوى عامين أو بالأحرى أقل من عامين.. عام ونصف من بعد استلام السلطة.

أحمد منصور: في قيادة الحزب، ولكنك بقيت في الحزب بعد ذلك والسلطة إلى عام 82.

صلاح عمر العلي: لا لم أبق.. لا أستاذ أحمد أنا بالحقيقة تركت الحزب والسلطة وكل شيء عام 1970، ولم..

أحمد منصور: رجعت بعد ذلك في العام 73 إلى 72 كسفير وممثل للسلطة للحزب الذي يدير الدولة.

صلاح عمر العلي: أيوه بس أنا كنت.. أنا كنت بعيد كل البُعد عن كان.. عن كل ما يجري داخل العراق نهائيا.

تقييم شخصية ميشيل عفلق ونقد أفكاره

أحمد منصور: طيب سأبقى معك في إطار هذا الموضوع، ألم.. يعني هل كان ميشيل عفلق يتمتع بمواصفات الزعيم أم المفكر؟

صلاح عمر العلي: والله يعني أنا بالواقع يعني انطباعي الشخصي أنه كان يحمل كثير من المؤهلات القيادية، كثير من المميزات القيادية.

أحمد منصور: هل يوجد قائد في مسار حياته لقيادة حزبه يهرب ويختفي يعني يتراجع عن أفكاره ومبادئه في كل لحظة يتعرض فيها الحزب أو يتعرض فيها هو شخصيا لمحنة؟!

صلاح عمر العلي: يعني أستاذ أحمد ماذا تريد لشخص يُحكم بالإعدام؟ تريد يعني.

أحمد منصور: أنا لا أقصد هنا الإعدام، بعد انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 49 اعتُقل ميشيل عفلق في 11 يونيو 1949 أرسل عفلق رسالة إلى حسني الزعيم وصفت بأنها رسالة خنوع وخيانة قال فيها: إننا على استعداد لاتباع خط غير منحاز ولكف لساننا إن كانت هذه رغبتكم -يخاطب الزعيم- أما بالنسبة لي فقد قررت اعتزال السياسة نهائياً، أعتقد أن مهمتي قد وصلت إلى نهايتها وأن طريقتي ليست ملائمة للعهد الجديد. ماذا تمثل هذه الرسالة في تلك المرحلة لزعيم حزبي كان ينظر له الناس بتقديس؟

صلاح عمر العلي: أنا.. أنا بالحقيقة.. أنا بالنسبة إلي حقيقة غير مؤهل لمناقشة هذه الرسالة أو هذه.. هذا الموقف، الموقف هذا ربما...

أحمد منصور: لا أنت الآن..

صلاح عمر العلي: لا لا بس خليني أوضح لك مسألة أنا شخصياً...

أحمد منصور: مش قضية مؤهل، أنت كنت أحد قيادات الحزب، أنت الذي ذهبت إلى الرجل وجئت به وتناقشت معه وكنت (...) معه..

صلاح عمر العلي: نعم أنا.. أنا ممكن أجاوبك.. ممكن أجاوبك عن الفترة اللي عشتها أنا، أما فيما سبق هناك ظروف.

أحمد منصور: مش زعيمك اللي كنت بتؤمن به!

صلاح عمر العلي: هناك ملابسات، هناك يعني دواعي معينة أنا لا أعرف في الحقيقة الأجواء التي أحيطت بميشيل عفلق لكتابة مثل هذه الرسالة، لكن إذا سألتني عما حصل من بعد 23 شباط اللي أنا كنت متابع ومشارك واللي كنت.. كنت أنا...

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا الآن لا أسألك في التاريخ، ولكن أسألك في الشخصية، في الزعيم الذي...

صلاح عمر العلي: أنا سألتني وجاوبتك.. أنا جاوبتك بأمانة.

أحمد منصور: في الزعيم الذي اتبعتموه والذي آمنتم بأفكاره، أناقشك في هذه الأفكار، هذه الأفكار أنتم حينما اقتنعتم بها روَّجتموها بين أجيال مختلفة ولازالت تروج إلى الآن، هذه الأفكار هي التي جعلت حزب البعث يحكم من 1968 في العراق إلى 9 أبريل 2003 بنفس أفكار هذا الرجل، هذا الرجل له مسار وطالما أنه زعيم لحزب حكم فمن حقنا أن نناقش هذه الأفكار والمبادئ والمواقف...

صلاح عمر العلي: الحق كل الحق.

أحمد منصور: بصفتك كنت أحد تلك القيادات فأنا أسألك: أنت قلت أنه كان يحمل مؤهلات الزعامة، هل هذا يتوافق مع مؤهلات الزعامة؟

صلاح عمر العلي: أنا بالنسبة إلي مثل ما ذكرت لك أنا غير مؤهل لمناقشة شيء أنا لم أكن أعيشه ولا أمارسه ولا كنت يعني بموقع يؤهلني لمناقشة هذه الفكرة، لكن.

أحمد منصور: يعني حنا بطاطو حينما تناول تعليق، على هذه الرسالة في الجزء الثالث من موسوعته عن العراق قال في صفحة 34: خلَّفت هذه انطباعاً لصورة إنسان ضعيف وجبان بالوراثة، وأصيب أتباع عفلق قبل غيرهم بصدمة آنذاك. دا تعليقه هو حنا بطاطو حول هذا الموضوع.

صلاح عمر العلي: تعليق بطاطو.

أحمد منصور: فيه موقف آخر: انقلب سامي الحناوي على حسني الزعيم، والرجل الذي طلب العفو وظهر بهذا الوضع عرض على ميشيل عفلق وزارة التربية والتعليم وكان يُنظر للانقلابيون آنذاك على أنهم ديكتاتوريون ومن المفترض أنهم لا يتوافقون مع مبادئ الحزب قبلها عفلق في 14 أغسطس 1949 وبقي إلى 19 نوفمبر، والحناوي يوصف بأنه الديكتاتور العسكري الثاني، أما تعتبر هذه أيضاً ذلة كبرى في تاريخ الحزب؟

صلاح عمر العلي: الواقع أنا لا أملك التعليق على كل هذه المواقف لأسباب ذكرت لك إياها.. أنا ممكن..

أحمد منصور: أما تشير إلى أن شخصية عفلق كانت شخصية انتهازية؟

صلاح عمر العلي: ممكن أعلق وممكن أجاوبك على الفترة التي كنت أنا أحد الشهود عليها ما حدا يعرف..

أحمد منصور: أنت آمنت بالأفكار.. آمنت بالأفكار التي كتبها عفلق.

صلاح عمر العلي: أنا لم أؤمن بميشيل عفلق كفرد أنا أؤمن بأفكاره.

أحمد منصور: أفكاره، وأفكاره هي أفكار الحزب، أفكار عفلق المتناثرة في كراسات وكتيبات وكتب الحزب هل تعتقد أنها أفكار مرتبة أم مشوشة؟

صلاح عمر العلي: تسمح لي أقول لك يا أستاذ أحمد.

أحمد منصور: اتفضل.

صلاح عمر العلي: منذ أن تأسس الحزب لغاية الآن لم تظهر أي حركة قومية في الوطن العربي تمكنت من تجاوز أفكار هذا الحزب مهما كانت، وهذا يكفي للتأكيد على أن.. على أصالة فكر الحزب بصراحة، إلى الآن لم تبرز حركة قومية قادرة على أن تتجاوز أفكار الحزب..

أحمد منصور: لكن هل كانت أفكار مشوشة..؟

صلاح عمر العلي: لو سمحت لي أستاذ أحمد، أرجوك أن.. أن تمنحني فرصة أن أعلق بالمزيد.

أحمد منصور: اتفضل.

صلاح عمر العلي: في الفترة التي ظهر فيها عبد الناصر وفي فترة تأجج النشاط القومي في المنطقة العربية واهتمام عبد الناصر بتعميق أو بطرح أفكار ومواقف قومية وبالرغم من امتلاك عبد الناصر تلك الزعامة الضخمة على صعيد الوطن العربي، وبالرغم من تعاطف عديد من الحركات القومية مع عبد الناصر، وامتلاكه لكوادر فكرية هائلة جداً في.. خاصة في القطر المصري، لم يتمكن عبد الناصر الذي كان يشعر بأن حزب البعث كان هو المنافس الأكبر له في الساحة العربية، لم يتمكن بالرغم من كل الجهود اللي بذلها من تجاوز أفكار الحزب، كل الأفكار اللي طرحها كانت تدور حول أفكار الحزب فقط، لم تكن هي أفكار الحزب كاملة، ولغاية الآن لم تكن كاملة، لكن رغم ذلك لم تبرز لغاية الآن أي حركة قومية استطاعت أن تتجاوز أفكار هاي الحزب، مما يؤكد على أن فكر الحزب كان أصيلاً ومازال أصيلاً، إلا أن ما حصل من تآمر على الحزب وخاصة أولئك الأشخاص الذين تآمروا من داخل الحزب هم الذي عطلوا مسيرة هذا الحزب.

أحمد منصور: إيه أهم أفكار الحزب؟

صلاح عمر العلي: تتجسد في الشعارات المطروحة الوحدة والحرية والاشتراكية.

أحمد منصور: هل تمكنتم من عمل الوحدة فيما بينكم؟ أول شيء فعلتموه انقسمتم على أنفسكم.

صلاح عمر العلي: هذا أمر آخر.. هذا أمر آخر.

أحمد منصور: إذا لم تتوافق الأفكار مع الواقع الذي يطرحه أصحاب هذه الأفكار، فإما الخلل في الأفكار وإما الخلل في الناس.

صلاح عمر العلي: تسمح لي أستاذ أحمد، أولاً: حزب البعث أول فرصة يستلم فيها الحكم في العراق وكان يعني في رأس الأهداف اللي طرحها هو المفاوضات مع القيادة المصرية لإعلان الوحدة، وسافر وفد كبير من العراق إلى مصر، ودخلوا في مفاوضات مع قيادة عبد الناصر، وأُعلنت الوحدة بين القطرين، ثم...

أحمد منصور [مقاطعاً]: لازلت على قناعة عفواً يا أستاذ صلاح بأنَّ مثل هذه الوحدات التي كانت تنقض قبل أن يجف مدادها، والتي كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى بث نوع من المشاعر لدى الجماهير دون وجود واقع ورغبة حقيقية، لازالت مقتنعاً بأن ما حدث هذا تاريخيا كان شيئاً يهدف إلى وحدة حقيقية أم شعارات فضفاضة ونتائج قادت الأمة إلى ما وصلت إليه الآن؟

صلاح عمر العلي: والله خلينا.. خليني أقول لك أستاذ أحمد، أنا أعيد من جديد إنه سافر وفد كبير ودخلوا في مفاوضات جادة مع عبد الناصر، رغم أن قيادة عبد الناصر كانت يعني تبدي شيء من السلبية إزاء هذا المشروع، ووُقِّع على هذا الميثاق، ولكن عملياً أنا لا أتهم ولا أبرئ ولا أدافع عن جهة، لكن هذا ما حصل، فوجئنا فيما بعد بأشهر بإعلان عبد الناصر ذاته التنصل من هذا الميثاق، هذا أولاً، اثنين قيادة الحزب في سوريا عملت نفس الشيء، ليس نفس الشيء فقط إنما عبد الناصر كان يملي شرط أنه لقبول الوحدة بين القطرين السوري والمصري يجب أن ينحل التنظيم في سوريا، ودخلت القيادة القومية في نقاشات معمَّقة، هل تقبل بمشروع الوحدة الذي يعتبر مشروع مصيري ومستقبلي ومهم جداً للغاية للأمة العربية؟ أم تتشبث في تنظيم الحزب في سوريا؟ وبالنتيجة وافقت القيادة القومية على حل الحزب رغم أن فروع الحزب الأخرى احتجت ورفضت هذا القرار، مقابل مشروع الوحدة، وأيضاً ما حصل مع العراق حصل مع سوريا نفس الشي، إذن أنا لا أستطيع أن أتهم وأشكك في هذا المشروع، المشروع طُرِح وبُذلت مجهودات حقيقية من أجل الوصول إلى اتفاق، لكن فشلت الوحدة لأنه أكو أسباب كثيرة جداً.

أحمد منصور: من أهم هذه الأسباب أن الأفكار التي كان يعتمد عليها الحزب وهي أفكار عفلق كانت كما يصف بعض المؤرخين ارتجالية ومتناقضة، وما تركه عفلق لو جُمِعَ إلى بعضه بعضاً فإنه لا يشكل وجه نظر متماسكة.

صلاح عمر العلي: يعني أنا ما ادعيت ولا مرة أن أفكار الحزب واضحة وكاملة..

أحمد منصور: يعني تتفق مع هذا؟

صلاح عمر العلي: نعم؟

أحمد منصور: تتفق أن أفكار عفلق كانت مليئة بالارتجالية ولو وضعت إلى جوار بعضها البعض.

صلاح عمر العلي: ما.. ماذا.. ما.. ما هو المقصود بكلمة ارتجالية؟

أحمد منصور: يعني هناك تناقض بين ما كان يطرحه في بعض الأفكار والكراسات التي كان يطرحها، كانت الفكرة تأتي إلى عفلق ممكن أن يكون نقيضها بعد قليل.

صلاح عمر العلي: يا أخي هو الأفكار كما ذكرت لك، كانت يعني الأسس النظرية للحزب هي تقوم على 3 مبادئ، وكل ما كُتب كان مبني على هذه الأسس، ربما تكون هناك عدم وضوح...

أحمد منصور: هل الشعارات بتبني دول؟

صلاح عمر العلي: لو سمحت يا أستاذي، لو يعني كل ما كتب.. لأ ما هي الشعارات يا أستاذ؟

أحمد منصور: ما هو الآن إحنا بندور في 3 حاجات، الشعارات، وأول شعار هو الوحدة، لم يفلح الحزب في طوال مسيرته.

صلاح عمر العلي: لا.. يا سيدي، هي ليست شعارات.. يا سيدي، ذكرت لك حزب البعث عمل على دفع الأمور باتجاه الوحدة، لكن الوحدة في بلد. في بلدان عربية يعني محاطة بأجواء عديدة جداً وريب كثيرة، وهناك أعداء في الداخل وفي الخارج، ليس من السهل أن تنجح مثل هذه المشاريع، هناك يعني عدة أسباب في.. في منطقتنا تحول دون وحدة بلدين.. هذا.. هذي.. هذا.. هذا مشروع يغير...

أحمد منصور [مقاطعاً]: ..... أعداء الخارج؟ أنا لا أتكلم عن الوحدة.. يا سيدي، لا أتكلم الآن عن الوحدة بين الدول العربية، أتكلم عن الوحدة داخل الحزب نفسه، أتكلم عن الوحدة داخل الحزب نفسه الذي انشق بعد ذلك إلى مائة شق، والذي تحولت كثير من قياداته ومؤتمراته القومية إلى محاولات لبتر كل من يمكن أن يعارض المؤسس وهو ميشيل عفلق كما حدث في مؤتمر القطري السادس.. القومي السادس وأنت حضرته.

صلاح عمر العلي: طيب لو تركنا حزب البعث، تركنا حزب البعث.

أحمد منصور: أنا مش عاوز أتركه لأنه هو قضيتي.

صلاح عمر العلي: لا.. لا.. لأ يعني خلينا -حتى تكون المسائل واضحة- خلينا نأخذ الأحزاب الشيوعية العربية أو غير العربية اللي تحمل نظرية متكاملة، ونظرة كاملة حول يعني مش فقط الأقطار اللي تحكمها إنما حول الكون بالكامل، ماذا حصل بالنسبة للأحزاب الشيوعية، أين...

أحمد منصور: لأنها فكرة لم تكن متكاملة، انهارت على رأسها ورأس من حملوها.

صلاح عمر العلي: تعرضت.. تعرضت لنفس ما تعرض له حزب البعث، بل أكثر مرارة وقسوة، إذن.. إذن..

أحمد منصور: الفرق بينكم وبينها في العالم العربي أنكم توليتم السلطة وبسهولة ودون تعب وأرق، وهم لم يتولوا السلطة ظلوا مطاردين منكم وأنتم قضيتم...

صلاح عمر العلي: نعم.. نعم.. مع ذلك هم لم يتولوا السلطة، وتعرضوا لانقسامات عديدة وتكتلات وتصفيات جسدية وحزبية، وياما قيادات أُخرِجَتْ وطُرِدَتْ وإلى.. إذن..

أحمد منصور: في إطار هذا أما تعتقد أنكم أنتم البعثييون والشيوعيون سبب في نكبة الأمة؟

صلاح عمر العلي: هذا بس خليني أعطيك وجهة نظري، يعني تبين لنا بالتجربة العملية أن.. أن العمل السري أولاً هو يحمل من الأمراض الخطيرة جداً للغاية داخل.. داخل الحزب نفسه وللمجتمع هذا أولاً، اثنين العمل الثوري الحقيقة.. العمل الثوري ثبت أنه كان ومازال عمل غير سليم ومن.. من الأمراض اللي يحملها هو ما جئنا على ذكره، هذا هو الصحيح، كان المفروض أن هذه الأحزاب تعمل تحت النور وتحت ضياء الشمس وفي العلن ولم تلجأ إلى العمل السِّري.

أحمد منصور: أنتم كنتم بتعملوا في علن أكثر من أنكم ماسكين سلطة، كنتم محتاجين علن أكثر من..

صلاح عمر العلي: لأ سيدي لأ.. لأ.. لأ.. هذا غير صحيح، بدأ الحزب في...

أحمد منصور: ما هي الفترة التي بقي فيها الحزب سرياً وعلنياً؟

صلاح عمر العلي: إحنا في العراق كل عملنا سِّري، كل فترة عملنا سِّري، حتى...

أحمد منصور: الحزب دخل إلى العراق في 1949، 1963 شارك في السلطة، 1968 تفرد بالسلطة إلى 2003، فترة العمل السري داخل الحزب أقل بكثير بكثير بكثير لا تتجاوز سنوات معدودة مقارنة بسنوات بقائه في الحكم.

صلاح عمر العلي: نعم.. لا.. هذا تقصد في سوريا.

أحمد منصور: في العراق وفي سوريا أيضاً.

صلاح عمر العلي: في العراق.. لا.. لا.. في العراق.. في العراق.

أحمد منصور: 68 من.. من الذي قام بالثورة في 68، البعث وحكم البعث إلى 9 أبريل 2003.

صلاح عمر العلي: خليني.. أستاذي خليني أقول لك، الحزب في العراق وهو يمارس السلطة عمله الحزبي سِّري، لم يمارس العمل العلني إطلاقاً، كل عمله سِّري، ولم تمر بالحزب سنة واحدة عمل علنياً.

أحمد منصور: طب خليني هذا ما يعني مسار التاريخ يختلف عن الذي تقوله، لأبقى في إطار عفلق كمؤسس للحزب، كيف كنتم تنظرون إليه؟

صلاح عمر العلي: أنا ذكرت لك.. ذكرت لك.

أحمد منصور: لكن في وقت مبكر من هذا وتحديداً في الستينيات كان كثير من أعضاء الحزب الذين بدءوا يفيقون على شخصية الرجل، بدءوا ينظرون إليه نظرة إلى حد ما فيها بعض السخرية، كتب عنها هاني الفكيكي في كتابه "أوكار الهزيمة".

صلاح عمر العلي: راح.. راح أذكر لك.. أستاذ حتى أعطيك يعني دليل آخر عملي يعني يسلط الضوء على ها الموضوع هذا، أنا في عام 64، في عام 69، في عام 69 كنت في الأردن بمهمة خاصة، وغادرت من الأردن إلى سوريا، وفي سوريا التقيت مع المرحوم حافظ الأسد عندما كان وزير للدفاع، زرته في مقر وزارة الدفاع، وكان طبعاً التنظيم في سوريا على خلاف شديد جداً مع التنظيم في العراق ومع القيادة القومية ومع يعني رموز القيادة القومية بما فيهم ميشيل عفلق، جلست أنا مع المرحوم الأسد، وأصر كنت يعني لديَّ مهمة حاولت ألتقيه من أجل أن يساعدني على حلها، ليس لها علاقة بقضية الحزب، فأصر في حينها على أن...

أحمد منصور [مقاطعاً]: فيه مجال أن تذكرها أم سرية إلى اليوم...

صلاح عمر العلي: لا ما في أي سرية نهائياً لكن قصدنا ما فيه يعني داعي لذكرها، فأصر على أن نتحدث عن مشكلة الحزب وانقسام الحزب قبل أن يبت في الموضوع اللي أنا جيت من أجله، ومع محاولتي الاعتذار من هذا الموضوع لأني أنا غير مكلف وغير مخوِّل بالحديث عن مسألة تتعلق بموضوع الحزب أصرّ على هذا، وأخيراً طلب من عندي مجرد الاستماع وأن يدلي بحديث عن هذا الموضوع، فحدثني عن ضرورة إعادة وحدة الحزب، وبدأ يتحدث عن التفاصيل، فقال لي إذا أنتم تعتقدوا أنه إحنا مشكلتنا مع الأستاذ ميشيل عفلق فهذا خطأ كبير جداً، الأستاذ ميشيل عفلق مؤسس حزبنا جميعاً ويحظى باحترام.. باحترامنا كما يحظى باحترامكم، ليس لدينا اعتراض على الأستاذ ميشيل عفلق، هناك آخرين عاطلين عن العمل، غير قادرين على أن يطوروا أنفسهم، غير قادرين على أن يعطوا شيء للحزب، تجاوزتهم الأحداث، اعتراضنا على هؤلاء، هذا تم سنة الـ69 من قِبل قائد حزبي كبير ومعروف وأصبح رئيس الدولة في سوريا فيما بعد، وحكم في سوريا قرابة 30 عام، أن يقول هاني الفكيكي هذا الأمر؟ قاله متى؟ قاله عندما يتحول أولاً انقطع عن العمل الحزبي، تحول في موقفه السياسي بحيث أصبح نائب لأحمد الجلبي اللي هو طبعا متبني المشروع الأميركي لعملية التغيير في العراق، وهذا موضوع طبعاً يمثل شهادة متلوة غير القائل لو كان أن.. في داخل هذا الأمر في فترة سابقة ممكن أن يحترم هذا الرأي.

أحمد منصور: هذا.. هذا يشكك في... أستاذي أنتَ شاركت في المؤتمرات القومية للحزب، انتميت إلى الحزب...

صلاح عمر العلي: لم أشارك في جميع المؤتمرات، شاركت في بعضها.

أحمد منصور: في بعضها كيف كان عفلق يتعامل مع مخالفيه في تلك المؤتمرات؟

تعامل ميشيل عفلق مع مخالفيه في المؤتمرات القومية لحزب البعث

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة في هذه المؤتمرات لم ألمس يعني سلوكيات واضحة جداً بحيث أستطيع أن أسلط الضوء عليها، لكن حدثتك في أحد المؤتمرات القومية اللي حصلت كان هناك انقسام، كان هناك تيارين في المؤتمر القومي، تيار أُطلق عليه التيار القومي، وتيار آخر أطلق عليه التيار القطري، كما أطلق على التيارين اليمين واليسار.

أحمد منصور [مقاطعاً]: على سبيل المثال أنا جمعت بعض الأشياء..

صلاح عمر العلي: لكن أنا لم ألحظ مثلاً.. نعم؟

أحمد منصور: جمعت أنا بعض الأشياء سأقولها لك، وإذا كان لك رأي مخالف قل لي، على سبيل المثال: في المؤتمر القومي الثالث فُصل الرِماوي وتياره في المؤتمر القومي الرابع تخلَّص ميشيل عفلق من فؤاد الركابي الذي كان ينظر إليه -كما ذكرت أنت وأكدَّت في حلقة سابقة- نظرة احترام وتقدير من كل البعثيين في العراق..

صلاح عمر العلي: كبير جداً..

أحمد منصور: في المؤتمر الخامس أطاح ميشيل عفلق بمنافسه اللدود أكرم الحوراني الذي كان له كاريزما وشعبية وزعامة تفوق عشرات المرات ما كان يتمتع به عفلق، كما أطاح بعد الرحمن منيف الروائي المعروف الذي يعرفه كل الناس، وأطاح بغسان شرارة وفيصل حبيب الخيرزان وعبد الوهاب الشمتلي، في المؤتمر السابع تخلَّص من علي صالح السعدي ومن حمود الشوفي الذي ذكرت أنه كان يعتبرهما غيرَّا في أفكار الحزب ومن ياسين الحافظ ومحسن الشيخ راضي وحمدي عبد المجيد وهاني الفكيكي وغيره ممن كان عفلق يتخلص منهم بشكل.. كل دول غلط؟ كل هذه الشخصيات التي كلها شخصيات معروفة في التاريخ الحزبي البعثي كانت كلها على خطأ وعفلق الذي كانت أفكاره متناثرة ومفككة وغير واضحة هو الذي كان على صواب؟

صلاح عمر العلي: أرجو ألا يُفهم من كلامي بأنه أنا يعني مهتم بالتأكيد على أن عفلق لم يقع في أخطاء أو أنه شخص مُنزَّه من الخطأ، لأ ليس هذا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن أنا أيضاً أنت قلت لي إن..

صلاح عمر العلي: وقع في أخطاء..

أحمد منصور: إن هؤلاء ذكروا في وقت متأخر، لكن أنا أذكر لك هؤلاء اختلفوا مع عفلق في وقت مبكر.

صلاح عمر العلي: طيب يا سيدي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ومع أفكاره وهو انتهز فرصة هالة التقديس التي كنتم تضفونها عليه لإقصاء هؤلاء الذين كانوا يشكلون ركائز أساسية في الحزب في تلك المرحلة في الستينيات.

صلاح عمر العلي: يا أستاذي، لو أخذنا كل واحد من هؤلاء الذين فصلوا على انفراد هناك أيضاً أسباب ومبررات لمثل هذا العمل، قد لا تتفق..

أحمد منصور [مقاطعاً]: من هذا الحزب الذي ينفض كل هذه الكفاءات من حوله؟

صلاح عمر العلي: أنا ذكرت لك حزب البعث حاله حال كل الأحزاب ذات الطبيعة السرية والثورية، كلها تعرضت لنفس المشاكل بل أكثر، لا يمكن أن تذكر لي حزب لا في المنطقة العربية ولا خارج المنطقة العربية ما مارسشي نفس الشيء انطلاقاً..

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى ينتهي الحزب على بعض الأشخاص المنتفعين في النهاية؟

صلاح عمر العلي: نعم هاي منتهي عندنا بالعراق، انتهى الحزب، لُخِّص في شخص صدام حسين، هذا صحيح أنا الآن بصدد الحديث عن حقائق ما جرى، ليس من باب الدفاع عن شخص إطلاقاً، ولا أحاول إطلاقاً...

أحمد منصور [مقاطعاً]: إحنا بنتكلم عن شخص..

صلاح عمر العلي: لا ميشيل عفلق ولا غيره.

أحمد منصور: أنزلتموه منزلة التقديس.

صلاح عمر العلي: نعم؟

أحمد منصور: وأنزلتم أفكاره التي إذا.. أنا إذا بأقرأ في أفكار عفلق إلى الآن ما بأقدرش أفهم منها، ربما العيب عندي في الفهم ربما..

صلاح عمر العلي: يا سيدي أنا.. لا أحب.. لا أحب، وأنا..

أحمد منصور: لكن وجدت الآخرين مثلي..

صلاح عمر العلي: لا أنا لا أحب أن أكذب عليك ولا على المشاهدين ولا على المستمعين، هذا شهادة على العصر أنا بودي أن أضع الحقائق كما أفهمها كما شاهدتها، كما مارستها، شاركت فيها.. لازم أعطيك هذا الحقائق، أنا لغاية الآن حدثتك عن هذا الشيء، لكن لو سألتني عما حصل فيما بعد راح أعطيك صورة أخرى عن ميشيل عفلق.

أحمد منصور: كيف آمنت بأفكار عفلق؟ أنت قرأت أفكار عفلق؟

صلاح عمر العلي: أنا ذكرت لك.. ذكرت لك فيما سبق من الحلقات إنه بداية انتمائي للحزب، حينما..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا أقصد من حيث إنها أفكار واضحة مرتبة، كنت تجد فيها هذا؟

صلاح عمر العلي: لم تكن واضحة بالوضوح المقصود يعني متكاملة وواضحة كاملاً، لكن حقيقة الأفكار اللي قرأتها أنا أقنعتني بأن هذا الحزب في المستقبل ربما يطور أفكاره ويصل إلى حالة من التكامل، لكن مجرد اطلاعي على هذه الأفكار أقنعتني بأنه هذا التوجه هو ما أسعى أو أفكر أو أرغب فيه، هذا هو الصحيح.

أسباب ومبررات مدح ميشيل عفلق لصدام حسين

أحمد منصور: الآن على سبيل الممارسة جاء عفلق إلى بغداد وأصبح هو المرجعية القومية بالنسبة للحزب وأصبح يكيل المديح إلى صدام حسين ويعتبر صدام حسين هو هبة السماء إلى البعث، في أي فكر في أفكار الحزب تدخل هذه الأشياء؟

صلاح عمر العلي: هذا الآن انتقلنا إلى مرحلة أخرى..

أحمد منصور: ما انتقلناش لمرحلة، هو دا المؤسس الذي ظلَّ يقدَّس إلى آخر يوم.

صلاح عمر العلي: خلينا.. أستاذ أحمد أرجوك.

أحمد منصور: اتفضل.

صلاح عمر العلي: أنا أؤكد إني عندما أتحدث.. أتحدث عن حقائق ما جرى وليس من باب الدفاع لا عن ميشيل عفلق ولا عن الآخرين، أنا إنسان لا أسمح لنفسي أن أُزوِّر هذه الحقائق، أعطيك ما أنا مقتنع فيه، وعلى المشاهدين أن يحكموا، ميشيل عفلق لغاية هذاك الوقت أنا قدمت لك صورته كما أفهمها، الآن راح ننتقل إلى مرحلة أخرى.

أحمد منصور: الآن عفواً يا سيدي الكريم، إحنا الآن مرحلة الستينات، أنت نقلت صورة، وكان واقع الحزب يشكل صورة أخرى بالنسبة لها عن إقصاء عفلق للآخرين وذكرنا المؤتمرات والشخصيات الأساسية، عفلق طُرد من سوريا وحكم عليه بالإعدام وهرب إلى البرازيل، وكان.. وكان سمته الدائم إما الهروب أو الاختفاء أو التراجع في الأفكار أو طلب التوبة والندم ممَّن كانوا يضغطون عليه هذا هو مواصفات الزعيم، علاوة على الأفكار التي ذكر جميع من تناولوها ومن يريد أن يقرأها الآن يرجع إليها، يجد إنها كلام من هنا ومن هناك رجع الرجل الآن إلى العراق، من المفترض أن هذا الرجل مؤسس وصاحب مبادئ وصاحب أفكار، يقول بشكل دائم، كان يكيل المديح إلى صدام حسين بعدما أدرك أن صدام حسين هو الرجل القوي الذي يحكم، وحتى يحافظ على امتيازاته وعلى مكتبه الكبير الذي وُصف بأنه مكتب كبير بصلاحيات صغيرة، حتى أنه قال هدية السماء إلى البعث وهدية البعث إلى الأمة العربية هو صدام حسين.

صلاح عمر العلي: متى قال هذا؟

أحمد منصور: أنا ماليش دعوة قاله إمتى لأنه ظل إلى آخر يوم هو مؤسس البعث.

صلاح عمر العلي: أنا راح.. أنا راح أذكر لك الأسباب، أنا راح أذكر لك، أنا استقلت عام 82 من وظيفتي في الأمم المتحدة، وطبعاً يعني قُطعت كل كافة علاقاتي بالسلطة في العراق الرسمية وغير الرسمية، مع أني طبعاً انقطعت علاقاتي الحزبية والمسؤوليات اللي كنت أحملها عام 70، بعد 82 طبعاً بدأ الأستاذ ميشيل عفلق يفصح أو يعلن باستمرار دعمه لصدام حسين، بخطب عديدة، أنا كُلِّفت من بعض رفاق سابقين في الحزب أن أغادر إلى فرنسا بقصد اللقاء مع الأستاذ ميشيل عفلق، والحديث عن.. معه حول هذه المسائل، والتقيت فيه بباريس وبحضور صديق لازال حي وموجود في لبنان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: فيه حرج أن تذكر من هو؟

صلاح عمر العلي: والله ممكن أذكر اسمه وهو طلال شرارة من عائلة عربية لبنانية معروفة، وأسرة أغلب أعضائها كانوا في حزب البعث، والآن كلهم بالكامل هم خارج الحزب..

أحمد منصور: كعادة الكثيرين يعني.

صلاح عمر العلي: نعم، التقيت مع الأستاذ ميشيل عفلق وحدثته بالعمق حول هذه المسائل، وحملته مسؤولية هذا النهج، حمَّلته مسؤولية، وذكَّرته بأنه بهذا النهج نهجك في إبداء الدعم المتواصل لميشيل عفلق.. لصدام حسين، يعني بأنك تدفع صدام حسين لارتكاب المزيد من الجرائم و.. و الارتكابات ضد الشعب العراقي وضد البعثيين بالذات، فأرجوك أنا مُكلَّف من قبل أشخاص، نطلب من عندك.. لا نطلب من عندك المستحيل فقط نطلب من عندك أن تستمر في بقائك في.. في فرنسا، لا تعد للعراق وأن تكف عن التصريحات فقط، هذا سيعني مع الزمن سيُفهم من قبل البعثيين عموماً بأنه عندك موقف سلبي أو عندك موقف تحفظ إزاء صدام حسين، وبعد الحديث المعمق حول هذا الموضوع وعدني وعد شرف بأنه سوف لن يعني يعود إلى بغداد وسوف لن.. الحقيقة بشكل أدق قال لي أنا ممكن أعود إلى بغداد فترة معينة وسأعود إلى فرنسا ولن أعود.

أحمد منصور: كانت مبرراته أيه في كيل المديح إلى صدام؟

صلاح عمر العلي: لو سمحت لي أنا بس راح أقول لك الآتي: فوعدني أنه سيعود إلى فرنسا ويمكث في فرنسا وسوف لن يعني يتحدث، بعدها بحوالي شهرين عاد إلى بغداد، فوجئت بهذا الخطاب، هذا الخطاب الذي ذكرت فقرة منه..

أحمد منصور: وكان قبله كان بيكيل مديح آخر؟

صلاح عمر العلي: نعم.. نعم، بس أنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هذا لم يكن النهاية، ولكن هذا نموذج.

صلاح عمر العلي: أنا.. أنا.. أنا شخصياً عندما أحدثك عن ميشيل عفلق، أحدثك عن مراحل مر فيها، ولابد أن أكون أمين في هذا الأمر، ولا أسمح لنفسي أن أكون مزور، ميشيل عفلق أنا شخصيًّا طلبت من عنده ووعدني، ولكن بعد شهرين ألقى هذا الخطاب الفاجعة الحقيقة التي.. الذي وقع على رؤوسنا كالصاعقة، هذا.. هذا ما حصل، طبعاً عندما حدثته برر لي الأمور بأنه يشعر بأنه أشبه ما يكون بالسجين أشبه ما يكون بالمعتقل، ثانياً: أنه أنا وصلت إلى مرحلة من العمر لست قادراً على مواجهة شخص بهذا الجبروت مثل صدام حسين، لكن أنا شخصياً لم أقتنع بهذا الأمر، ولذلك طلبت من عنده أنه إحنا لا نطلب من عندك تصدر بيان ضد صدام حسين ولا تهاجم صدام حسين، ولا تفصل صدام حسين من الحزب، إنما فقط تمكث في باريس، ومع ذلك ألقى هذا الخطاب.

أحمد منصور: تقييمكم أيه؟

صلاح عمر العلي: تقييمنا كارثة.. صدمة كبيرة جداً، وفاجعة الحقيقة.

أحمد منصور: أليس هذا الرجل الذي كان خائفاً في شبابه من حسني الزعيم هو نفسه الذي كان خائفاً في شيخوخته من صدام حسين؟

صلاح عمر العلي: والله أنا بالحقيقة أقول لك يعني شخصياً يعني هو ما كان حتى لو فرضنا أنه كان خائف، كان عنده خيار.. كان عنده خيار أن يبقى في فرنسا.

أحمد منصور: معنى ذلك.. معنى ذلك أنه اختار الامتيازات واختار الراحة وأن يمتدح صدام حسين وأن ينهي حياته وحياة الحزب بهذه الطريقة التي اختارها؟

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة وربما (...) أتطابق مع هذا الاستنتاج، لأنه في الحقيقة الامتيازات كانت شو الامتيازات؟ هو ميشيل عفلق شو كانت عنده امتيازات، حطه بمكتب؟

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما هو الثمن؟ أنا أسأل هنا عن الثمن، الثمن الذي كان يتقاضاه مقابل أن يقول هذا الكلام؟

صلاح عمر العلي: ما هو الثمن مثلاً شو الثمن؟

أحمد منصور: أنا أسألك أنا..

صلاح عمر العلي: ما كان عنده ثمن الحقيقة ما كان عنده ثمن، يعني لا.. يعني الرجل..

أحمد منصور: حينما يأتي الآن شاب صغير ينتمي إلى الحزب، ويجد هذه المعطيات أمامه، هل يمكن له أن يؤمن بأفكار الحزب أو أن..

صلاح عمر العلي: هذا ما حصل.. هذا ما.. النتيجة لهاي الأمور كما تراها نتيجة هذا السلوك المرتبك وغير واضح وغير مستقر.

أحمد منصور: بدأ صدام حسين يسيطر على مقاليد السلطة في البلاد ويذيق العراقيين صنوفاً من ممارسات شديدة باسم حزب البعث استمرت من العام 1968 إلى العام 2003 أبدأ معك من وسائل سيطرة صدام على السلطة في الحلقة القادمة.

أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ صلاح عمر العلي (عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية الأسبق في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.