مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيوف الحلقة:

صلاح عمر العلي: عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية الأسبق

تاريخ الحلقة:

18/05/2003

- نشأة صلاح عمر العلي في تكريت
- أسباب انتماء صلاح عمر العلي لحزب البعث عام 1957

- تدرج صلاح عمر العلي في المراتب المختلفة لحزب البعث

- رؤية صلاح عمر العلي لانقلاب 14 تموز 58

- معاناة حزب البعث بعد القبض على عبد السلام عارف في ديسمبر 1958

- أثر محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم على وضع حزب البعث في العرق

- أهداف حزب البعث من وراء انقلاب فبراير63

أحمد منصور: وُلد صلاح عمر العلي في مدينة تكريت عام 1937.

انتمى لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق عام 57، انتقل للإقامة في بغداد عام 58، وتدرَّج في مراتب الحزب التنظيمية المختلفة، حتى أصبح عام 63 أحد أبرز المسؤولين عن التنظيم السري للحزب في بغداد.

وبعد إطاحة عبد السلام عارف بالبعث من السلطة نهاية العام 1963، وانقسام الحزب بعد مؤتمره القومي السادس عُيِّن صلاح عمر العلي عضواً بالقيادة القطرية لحزب البعث في العراق، حيث شارك في التخطيط والتنفيذ للانقلاب الذي قام به البعث على حكم عبد الرحمن عارف في السابع عشر من يوليو عام 1968. وكُلِّف باصطحاب عارف من القصر الجمهوري إلى المطار، حيث ذهب عارف إلى المنفى الاختياري في تركيا. وفي الثلاثين من يوليو قام صلاح عمر العلي مع صدام حسين باعتقال رئيس الوزراء عبد الرحمن النايف أثناء تواجده في مكتب الرئيس أحمد حسن البكر بترتيب مسبق مع البكر، حيث أصبح الحكم خالصاً للبعث بعد ذلك.

عُيِّن عضواً بمجلس قيادة الثورة، وعضواً بالقيادة القطرية لحزب البعث في العراق، وتولى وزارات عديدة، منها وزارة الإعلام، حتى وقع الخلاف بينه وبين قيادة البعث قدَّم على إثره استقالته في يوليو عام 1970.

إثر ذلك ذهب إلى المنفى الاختياري في مصر وبيروت حتى العام 73، حيث عاد للمشاركة في السلطة، وعُيِّن سفيراً للعراق لدى الدول الاسكندنافية، ثم إسبانيا، ثم مندوباً دائماً للعراق لدى الأمم المتحدة، حتى قدَّم استقالته في مايو عام 1982 احتجاجاً على الحرب العراقية الإيرانية، غير أن صلة صدام حسين بصلاح عمر العلي لم تنقطع، حيث كان آخر اتصال بينهما في شهر يناير الماضي عام 2003.

نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر حزب البعث في العراق.

نشأة صلاح عمر العلي في تكريت

أستاذ صلاح، مرحبا بك. أريد أن أبدأ معك من تكريت حيث وُلدت ونشأت وترعرعت هناك، كيف كانت نشأتك الأولى؟

صلاح عمر العلي: أنا نشأت في أسرة عربية في مدينة تكريت، هذه الأسرة كان لها مكانة اجتماعية في المدينة متميزة ومعروفة بين أوساط أبناء هذه المدينة، والدي عمر العلي له خمسة إخوة، اثنين منهم درسوا في بغداد، وكان لهم دور مهم، أحدهم كان يعني في.. اشتغل في المحاكم، وتبوَّأ مناصب كبيرة في وزارة العدل، وأما الثاني فهو (شاكر) العلي كان صحفياً، وأديباً، وكاتباً، ومذيعا إذاعياً معروفاً في كافة أوساط أهالي بغداد، وتوفي قبل سنوات قليلة، أما الباقي من أعمامي فهم إبراهيم العلي اللي هو كان العم الأكبر، ووالدي وهو الشخص الثاني كانوا بالحقيقة منصرفين إلى أعمال الزراعة، لأن كان جدي لأبي يملك يعني مساحات.. مساحات من.. مساحات من الأرض في المنطقة، وكان مطلوب أن يعني يهتموا في هذه الأراضي، وفيها يعني تُزرع مختلف أنواع الزراعة، وعندنا بساتين، وفي ذاك الزمان كان عندنا أيضاً أغنام وبعض الأشياء الأخرى.

أحمد منصور: أنت من تكريت نفسها، من المدينة.

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة من مدينة تكريت نعم..

أحمد منصور: نعم، هل..

صلاح عمر العلي: لي خمس إخوة أشقاء، وثلاث شقيقات.

أحمد منصور: متى ذهبت إلى بغداد لإكمال دراستك؟

صلاح عمر العلي: ذهبت إلى بغداد يعني في عام 1958.

أحمد منصور: هذه المرة الأولى التي تذهب، أو للإقامة في بغداد؟

صلاح عمر العلي: لأ، أنا سافرت طبعا سافرت عام .. زرت بغداد..

أحمد منصور: للإقامة أقصد يعني.

صلاح عمر العلي: لكن هذه السفرة كانت بقصد الإقامة في بغداد.

أحمد منصور: كانت بقصد إتمام الدراسة أم..؟

صلاح عمر العلي: إكمال الدراسة والإقامة في بغداد.

أحمد منصور: كيف وجدت بغداد، وكان عمرك تقريبا عشرين سنة في ذلك الوقت؟

صلاح عمر العلي: طبعاً وجدت بغداد كما يجدها أي قادم من مدن صغيرة، هي العاصمة، وكانت ذات، ومازالت ذات مساحة واسعة جداً، وفيها طبعاً كثير من الأمور اللي بتفتقر إلها المدن الصغيرة، فيها السينما، وفيها المسارح، وفيها الثقافة، وفيها المكتبات، وفيها الشوارع الفارهة، فطبعاً يعني لا شك أنه تأثرت كثيرا فيها..

أحمد منصور: هل وجدت تيارات سياسية معينة في ذلك الوقت تجاذبتك يميناً ويساراً..

صلاح عمر العلي: في مدينة تكريت أو في بغداد؟

أحمد منصور: في بغداد الآن نحن.

صلاح عمر العلي: بالحقيقة أنا قبل أن أقدم إلى بغداد انتميت إلى حزب البعث.

أحمد منصور: قبل أن تذهب إلى بغداد.

أسباب انتماء صلاح عمر العلي لحزب البعث عام 1957

صلاح عمر العلي: نعم، أنا انتميت إلى حزب البعث في عام 1957، وأنا في تكريت، وطبيعة الحال عندما سافرت إلى بغداد سرعان ما طبعاً نُقلت حزبياً إلى منطقة اسمها الفرات الشرقية، وتم الاتصال بي هناك، وبدأت العمل الحزبي في بغداد.

أحمد منصور: على يد من دخلت حزب البعث؟

صلاح عمر العلي: دخلت على يد شاب اسمه حسين السامرائي، كان موظف في شركة ألمانية كانت آنذاك مكلَّفة بتعبيد الطريق بين مدينتي سامراء وتكريت، وحقيقة بالصدف كنا نلتقي في المقاهي، وكانت المدينة صغيرة وعدد المقاهي محدودة، وحتى الشخص اللي مو قادر، يعني مش من المدينة، معروف يعني عدد الناس محدودين اللي يجون إلى المدينة، فكان حسين السامرائي شخص جذاب، وغاية في الأدب، ومثقف، وكنا نحتك فيه، ونلتقي فيه، وبالتدريج بدأ يعني يعرض عليَّ فكرة.. أفكار الحزب، ويشرح لي أفكار الحزب، وزوَّدَني بعدد من الكراسات..

أحمد منصور: لم يكن عُرض عليك أفكار أخرى لأي حزب سياسي آخر؟

صلاح عمر العلي: نعم، حاول الحقيقة الشيوعيين العراقيين يعني الشيوعية في المدينة، حاولوا كثيراً، وكان.. كنت محاط بعدد كبير من الأصدقاء ينتمون للحزب الشيوعي العراقي، وحقيقة جربوا كثيراً، وحاولوا كثيراً، ولكن لم أشعر بأي لحظة بالرغبة في الانتماء لهذا الحزب.

أحمد منصور: أيه الحواجز اللي منعتك من الانتماء للحزب الشيوعي؟

صلاح عمر العلي: في الواقع شيئين، الشيء الأول: يعني وعيي على نكبة فلسطين، نكبة فلسطين كانت عامل مهم جداً من العوامل اللي حالت دون رغبتي في الانتماء لهذا الحزب.

أحمد منصور: أيه علاقة الحزب الشيوعي بالنكبة؟

صلاح عمر العلي: لأنه في ذاك الوقت أُشيع أمامنا، وإحنا صبية شبان صغار، أُشيع أن الحزب الشيوعي العراقي كان مُصدر بيان يؤيد فكرة التقسيم، وفكرة إقامة دولة يهودية، هذا أحد الأسباب وأنا..

أحمد منصور: الأحزاب الشيوعية كلها أيدت ذلك في ذلك الوقت.

صلاح عمر العلي: نعم؟

أحمد منصور: كان توجُّه الأحزاب الشيوعية كلها في ذلك الوقت تأييد فكرة التقسيم.

صلاح عمر العلي: هذا ما اتضح فيما بعد، لكن أنا أتحدث يعني عن التجربة اللي عشتها أنا، الحقيقة هذا هو الذي رد فعل عنيف جداً بالنسبة إلي، رغم أني كنت كما ذكرت لك كثير من الأصدقاء كانوا منتمين للحزب الشيوعي، وكان الحزب الشيوعي في العراق.. في تكريت حزب قديم وعريق ومهم، وكان يعني قسم من قادة الحزب الشيوعي، يعني منتمين إلى الحزب الشيوعي من أوائل.. من الثلاثينات، لكن الحقيقة لم أشعر ولا لحظة برغبتي أو بميلي..

أحمد منصور: هل كانت هناك أحزاب أخرى، أو حركات سياسية أخرى؟

صلاح عمر العلي: نعم، كانت هناك حركة الإخوان المسلمين.

أحمد منصور: نعم، دي دخلت على يد الشيخ محمود الصَّواف أعتقد إلى العراق في منتصف الأربعينات..

صلاح عمر العلي: نعم، وكانت قوية، وحقيقة أيضا يعني كسبت عدد كبير من.. من شباب المدينة، كنا نتعاطف لا شك مع.. مع هذه الحركة باعتبارها حركة دينية، وتحمل شعار إسلامي، وكنا نتعاطف حقيقة مع هذه الحركة، لكن في واقع الحال الحركة لم.. يعني طبعاً هناك موقف من النظام، نظام العراق السائد آنذاك.

أحمد منصور: اللي هو كان النظام الملكي.

صلاح عمر العلي: النظام الملكي، فالحركة.. حركة الإخوان المسلمين كان.. كانت تفتقر إلى شعارات ترفعها بوجه النظام، فلم تكن آنذاك ترفع مثل هذا الشعار، ولذلك كنا نتعاطف بكونها حركة إسلامية، إلا أن الوجه السياسي لهذه الحركة ما كنا يعني نريد إنه ما كانت ترفع هذا الشعار اللي كنا جميعاً سواء منتمين إلى حركة سياسة، أو غير منتمين فيه إجماع أن هذا النظام فاسد، ويجب أن يتغير.

أحمد منصور: هل حاول الإخوان أن يجذبوك إليهم، ويضموك إليهم؟

صلاح عمر العلي: نعم، جرت محاولات مثل هذا، لكن كانت محاولات خفيفة.

أحمد منصور: ما الذي جذبك إلى حزب البعث، وحزب البعث أُسس في سوريا على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وعقد مؤتمره الأول في دمشق في 4 إبريل 1947، دخل الحزب إلى العراق على يد ثلاثة من الطلبة السوريين يجمع بينهم على أنهم كانوا علويين، وكانوا ينتمون جميعاً إلى لواء الإسكندرون هم فايز إسماعيل ووصفي الغانم، وسليمان العيسى، والذي أصبح شاعر البعث بعد ذلك، كانوا يدرسون في جامعة بغداد، ودخل الحزب.. أو دخل حزب البعث إلى.. إلى العراق في سنة 1949. صحيح.

صلاح عمر العلي: نعم، صحيح.. قبل الإجابة على السؤال مباشرة ربما يكون من المفيد أن أسلط الضوء -ولو بشكل موجز- على يعني منشأ أو نشأة حزب البعث، لأن حقيقة هناك -كما أشعر- التباس كبير جداً يسود أوساط كثيرة من الأجيال العربية حول منشأ هذا الحزب.

أحمد منصور: تقصد الحزب بشكل عام، أم في العراق؟

صلاح عمر العلي: بشكل عام.. بشكل عام، في الواقع قبل أن يتأسس الحزب بشكل رسمي، قبل أن يُعلن عن تشكيل حزب بشكل رسمي كانت هناك مرحلة إرهاص لولادة هذه الحزب، هذه المرحلة الواقع يعني سبقتها كتابات وأفكار مهَّدت لولادة الحزب، وكان أبرز هذه الأفكار اللي طُرحت على يد الأستاذ زكي الأرثوذي وهو أيضاً عربي من الأسكندرون.

أحمد منصور: صحيح.

صلاح عمر العلي: هذه المرحلة - في الواقع - هيَّأت لولادة الحزب، الحزب تأسس إذن بناءً على هذه الأفكار اللي طرحت على يد الأستاذ زكي الأرثوذي، الحزب تأسس في البدء على يد ثلاثة أشخاص، هم السيد جلال السيد، والسيد صلاح البيطار، ثم السيد ميشل عفلق، تأسس في سوريا كحزب برلماني، ديمقراطي، غير ثوري، ولم يحمل في البدء شعار الاشتراكية أيضاً، إنما كان يركز على الوحدة العربية وعلى الحرية.

أحمد منصور: الاشتراكية جاءت بعد ذلك، حينما اندمج الحزبان في نوفمبر 52.

صلاح عمر العلي: بعد ذلك بعد أن اندمج الحزب مع حزب الأستاذ أكرم الحوراني.

أحمد منصور: في نوفمبر عام 1952.

صلاح عمر العلي: فهو.. نعم، فهذا الحزب عندما تشكل في البدء كان حزب برلماني ديمقراطي، ودخل.. سرعان ما دخل في الانتخابات البرلمانية، وفي أول انتخابات شارك فيها هذا الحزب فاز على حوالي 18 عضو برلماني، وكانت كافة الندوات اللي تُعقد في سوريا كانت تُعقد في المقاهي، في المنتديات العامة المكشوفة، بعد أن انتقل الحزب إلى العراق عن طريق..

أحمد منصور[مقاطعاً]: خلينا في.. في المرحلة دي طالما أنت فتحتها. زكي الأرثوذي كان هو قومي علوي ينتوي إلى.. ينتمي إلى لواء الأسكندرون، يقول أو يدعي دائماً بأن ميشيل عفلق هو الذي سرق منه الحزب، وأنه هو صاحب فكرة واسم الحزب الأساسية، وأنت الآن قلت إن كتابات زكي.. زكي الأرثوذي ساعدت أو ساهمت بشكل أساسي في قيام الحزب.

صلاح عمر العلي: في الحقيقة إحنا لازلنا يعني أجيال الحزب لازلنا نعتبر الأب الروحي لهذا الحزب هو الأستاذ زكي الأرثوذي..

أحمد منصور: بعد عودة فايز إسماعيل لسوريا في العام 1950 انتقلت قيادة حزب البعث في العراق إلى عبد الرحمن الضامن وهو سني من الأعظمية، بقي في قيادة الحزب لمدة عام واحد، جاء بعدها فؤاد الركابي زعيما للحزب إلى محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في العام 59، يعني بقى ثماني سنوات والركابي شيعي من الناصرية، هنا الحزب دخل على يد ثلاثة من العلويين إلى العراق، تولى المسؤولية لمدة عام أحد.. واحد سني وبعدين واحد شيعي بعد ذلك، هل كانت الطبقية والانتماءات المذهبية والعقائدية تلعب دوراً في قضية الانتماء للحزب؟

صلاح عمر العلي: والله دعني أكون معك صادق، يعني.. يعني آخر ما كان يدور في أذهاننا أو نفكر فيه هو مسألة الانتماءات الطائفية أو يعني الأشياء هذه، كان الاعتبار العام اللي يشدنا إلى العمل في هذا الحزب هو أفكار الحزب، مبادئ الحزب، شعارات الحزب، من يكون مسؤول الحزب عبد الرحمن الضامن، اللي كما وصفت من عائلة سنية أو فؤاد الركابي من عائلة شيعية، لم يخطر ببال أحد مننا هذه.. هذه المسائل، على العكس تماماً، فؤاد الركابي عندما يعني أصبح هو القائد الرئيسي للحزب، كان يحظى بحب واحترام يصل إلى درجة التقديس بين كل أعضاء الحزب، نظراً لتواضعه ولبساطته، ولذكائه، وحقيقة لما كان يحمله من مزايا كاريزمية، هذا الشخص كان يعني مسيطر على مشاعرنا جميعاً، أما كونه من عائلة شيعية، فهذا الحقيقة لا يمكن يعني أن يخطر ببال أحد، هو بالتأكيد ينتمي إلى.. إلى عائلة عربية معروفة واسعة الانتشار في جنوب العراق، الأسرة الركابية أسرة معروفة وواسعة وكبيرة جداً .

تدرج صلاح عمر العلي في المراتب المختلفة لحزب البعث

أحمد منصور: ما هي البنية التنظيمية للحزب؟ كيف انتميت وكيف تدرجت في المراتب المختلفة، حتى وصلت إلى أنك أصبحت أحد المسؤولين العسكريين الثلاثة عن بغداد، ثم بعد ذلك المسؤول عن كل المحافظات العراقية عدا بغداد؟

صلاح عمر العلي: لا أنا لم أكن عسكرياً إطلاقاً ولم أشغل منصب عسكري..

أحمد منصور[مقاطعاً]: البنية التنظيمية عفواً.

صلاح عمر العلي: نعم، أنا ذكرت لك كيفية نشوء الحزب في سوريا، بمعنى أنه كان حزب علني، وكان حزب دستوري وديمقراطي وانتخابي، وحتى الأفكار الثورية بمعناها الشائع لم يكن يتبناها الحزب في سوريا، عندما انتقل التنظيم إلى العراق ونشأ في العراق، واجه حقيقة، حقيقة أنه هناك أولاً نظام استبدادي بالمفاهيم اللي كانت سائدة آنذاك أولاً، ثانياً: كان هناك حزب شيوعي عريق وممتد عبر كافة المدن العراقية، وهذا الحزب طبعاً يعني.. تتوفر لديه خبرة دولية كبيرة جداً، وكان تنظيمه حديدي ومتين جداً ، فإذن سرعان ما وجد الحزب.. حزب البعث في العراق أمام حقيقة، إنه إذا أُريد له أن ينمو ويتطور، لابد له من أن ينهج نهج يكفل له يعني أولاً: عدم الاختراق من النظام.

ثانيا: قدرته على أن يتماشى مع الإمكانيات والتجارب اللي يملكها الحزب الشيوعي، فأصبح تنظيم الحزب بناء على هذا تنظيم سري يعتمد على نظام الخلايا السرية المتدرجة من.. من القاعدة إلى القمة.

أحمد منصور: ما هي هذه المراتب والدرجات؟

صلاح عمر العلي: المراتب.. أولى الحلقات الحزبية تسمى الحلقة الحزبية اللي تضم بين يعني من خمسة أشخاص إلى سبعة، سبعة أشخاص يقودهم مسؤول حزبي ثم هذا.. كل خمس إلى سبع حلقات حزبية يشكلوا ما يسمى بالفرقة.. الفرقة الحزبية، كذلك كل مجموعة من هذه الفرق تقود.. قادة الفرق يشكلوا ما يسمى بالشعبة، ثم نرتقي إلى الفرع.. فرع، ثم إلى القيادة القطرية، هذه هو التنظيم الهرمي للحزب.

أحمد منصور: كيف كان يتم اختيار المجموعة ووضعها في الحلقة؟

صلاح عمر العلي: نعم، طبعاً بدء الاتصال بالحزب، يعني أول مرحلة من مراحل الانتماء للحزب يسمى الصديق، الصديق يطلَّع على نشاط، يشارك في المظاهراتبعض الأحيان، ببعض الفعاليات البسيطة وهذا الصديق طبعاً يخضع لاختبارات يخضع لاختبارات..

أحمد منصور[مقاطعاً]: هو الصديق نفسه المؤيد أو المؤيد..

صلاح عمر العلي: لأ بعدين يدخل إلى مرحلة المؤيد، والصديق نعم أشبه ما يكون بالمؤيد، بس أكثر تقدم، هذا يخضع لاختبارات كثيرة من أجل معرفة النوايا.

أحمد منصور: ما هي طبيعة هذه الاختبارات التي تعرضت لها أنت؟

صلاح عمر العلي: بالضبط، يعني نشارك بفعاليات، بندوات مثلاً أحياناً مظاهرة أحياناً توزيع نشرات أو بيانات حزبية ريثما يتم التأكد من أنه نواياه صحيحة وسليمة، ثم ينتقل إلى ما يسمى بالنَصِير درجة أولى، هذا يعني مهماته تزداد أكثر، لكن ما يزال هو لا يحمل صفة عضو، ثم نَصِير درجة ثانية، ثم ثالثة، ومن ثم يدخل كعضو في الحزب، طبعاً بعد أن تتقدم يعني تُرفع تقارير من قِبل المسؤول عنه إلى قيادة الفرقة، ثم قيادة الفرقة ترفعها إلى القيادات العليا، ثم يُبت في أمره، عندما يكتسب صفة العضوية بطبيعة الحال يكتسب كافة المواصفات والشروط اللي تتوفر للعضو.

أحمد منصور: ما هي هذه المواصفات والشروط؟

صلاح عمر العلي: أولاً: المشاركة في الانتخابات الحزبية، الترشيح لقيادات حزبية، حضور المؤتمرات الحزبية، ثم يمارس كافة الفعاليات الحزبية ويؤدي طبعاً اشتراك للحزب.

أحمد منصور: نعم، أنت هذه المراحل في أي مدة قضيتها، يعني استغرقت قد أيه؟

صلاح عمر العلي: أنا في الحقيقة قضيتها بفترة لا تزيد عن سنة.

أحمد منصور: يعني كنت نشيط يعني.

صلاح عمر العلي: نعم، بلا شك..

أحمد منصور: لكن عادة بتستغرق كم؟

صلاح عمر العلي: أحياناً تزيد على الخمس سنوات أو الست سنوات، نعم.

أحمد منصور: حتى يصل إلى درجة العضوية.

صلاح عمر العلي: نعم، وكثيراً ما نجد شباب هم أنصار يدخلوا السجن ينسجنوا سنة أو سنتين أو أكثر.

أحمد منصور: وهم لسه في أول درجة.

صلاح عمر العلي: وهم لسه بعد ما كاسبين صفة العضوية، كانت إذن هناك شروط قاسية جداً للانتماء للحزب، وأعتقد أحد الأسباب اللي دعت ليعني أن يكون هذا الحزب في العراق متين وقوي وقادر على الانتشار والتأثير في الأوساط الشعبية هو هذه الصرامة في.. في ال .. قبول للعضوية.

أحمد منصور: عملية التشدد هذه التي ذكرتها في قضية الانتماء إلى الحزب هل كان يقابلها عملية تشدد في العقيدة التي تطرح على الناس؟

صلاح عمر العلي: ماذا تعني؟

أحمد منصور: أعني عقيدة حزب البعث، هل كانت عقيدة متشددة تكافئ التشدد في مراحل الانتماء التي كنتم تضعونها؟

صلاح عمر العلي: يعني إذا افترضت.. أنه يعني إذا فهمت من سؤالك معنى.. معنى التشدد هو معنى التمسك بالعقيدة العامة لا شك في هذا.

أحمد منصور: لكن ظل الحزب أفكاره مبعثرة، لا توجد له .. يعني حتى في الأدبيات الخاصة لميشيل عفلق كلام شمال ويمين، يعني عبارة عن انطباعات أكثر منها يعني أشياء أو كراسات مرتبة و.. و.. وأفكار مرتبة، يمكن أن يكون هناك تناقض أو اختلاف بعض الشيء بين هذا وذاك يعني..

صلاح عمر العلي: ربما يكون هذا صحيح، لكن يبقى أيضاً يعني بجانب هذا أنه هناك وضوح في.. في الشعارات العامة على الأقل، يعني عند التأكيد على الوحدة العربية هذا الموضوع محسوم، التأكيد على الحرية هذا محسوم، موضوع الاشتراكية أيضاً دخل مؤخراً..

أحمد منصور: من السهل صياغة مثل هذه الأفكار، ولكن من الصعب صياغة الطريق إلى تحقيقها.

صلاح عمر العلي: ممكن.. ممكن يا سيدي هذا الأمر طبعاً لا شك في هذا، لكن عندما يقترن هذا الموضوع بوجود تنظيم وعمل شعبي منظم ومتواصل، وهناك قيادات، وهناك واجبات وعمل متواصل، هذا الأمر يختلف عن وجود شعارات عامة مطروحة في الصحافة، أو في الكتب، أو تأتي على لسان هذا المثقف أو ذاك المثقف، هذا موضوع مختلف، هناك تنظيم، هناك وعاء لهذا الفكر موجود ومنظم ودقيق وجذاب وممارسة.. ممارسة نضالية مستمرة ومتواصلة وضد الأنظمة الاستبدادية آنذاك..

أحمد منصور: قلت لي أن الركابي كان يعني العلاقة به ما يشبه التقديس.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: هل التقديس ده يعود إلى عملية العزلة ما بين الصف وما بين القيادة بحيث يظل العضو أو النصير أو المؤيد أو النصير المتقدم أو المرشح للعضوية، تلك الدرجات المختلقة في الحزب يظل القائد بالنسبة له هو شيء مُبهم وشيء مقدس وتروج له أشياء، وبالتالي حينما يلقاه يُصاب بهذه الهالة من القدسية، أم أن فعلاً الرجل كان بيتمتع بشخصية يمكن أن يشعر بها رجل الشارع والرجل البسيط الذي يتعامل معه؟

صلاح عمر العلي: إحنا إلى ما قبل ثورة 14 تموز عام 1958 طبعاً قيادات الحزب قيادات سرية، ورغم إنه إحنا نعمل في داخل الحزب، لكن ما نعرف من هو عضو القيادة.

أحمد منصور: كانت العلاقة تقف إلى حد مسؤول الحلقة أو..

صلاح عمر العلي: مسؤول الحلقة لا أكثر.. لا أكثر.

أحمد منصور: فقط، لا تعرف من فوقه؟

صلاح عمر العلي: أبداً، نعرف فيه بعثيين، أحياناً عندما نلتقي في يعني المنتديات أو في المقاهي أعرف إنه فلان بعثي ونتحدث عن فكر الحزب، لكن أنا ما أعرف شنو موقع هذا الإنسان في الحزب.

أحمد منصور: يعني نستطيع أن نقول أن من.. من سياسات الحزب الداخلية الغير معلنة هي صناعة الزعامة وإحاطتها بهالة من التقديس لدى الأعضاء؟

صلاح عمر العلي: لأ، هو الحقيقة الأسباب الداعية لهذه السرية -كما ذكرت لك- أنه الحزب طبعاً يعمل ضد النظام، وخشية من اختراق النظام لهذا التنظيم لابد إذن أن يحمي نفسه بمزيد من السرية، وبمزيد من.. من بناء تنظيم متماسك وسري.

أحمد منصور: لكن كيف كان يُصوَّر لكم القائد أو الزعيم الذي لا تعرفونه؟

صلاح عمر العلي: لأ، الحقيقة إحنا ما كان.. ما.. ما كان يعني مهم بالنسبة إلنا أن نفهم عن شخصية الزعيم أو القائد بقدر ما كان.. ما كنا معنيين بالممارسة النضالية، وبالتعليمات اللي تصدر من القيادة، وبواجباتنا الحزبية، وبالفكر المتداول داخل الحزب.

أحمد منصور: إيه أهم الواجبات اللي كنتوا بتكلفوا بها في ذلك الوقت؟

صلاح عمر العلي: طبعاً يعني ممارسات عديدة كانت كلها تصب في مقارعة النظام.

أحمد منصور: يعني -كما قلت لك- كله متعلق بالنظام وليس بفلسطين.

صلاح عمر العلي: لأ هذا موضوع ثاني، يعني الحقيقة يعني.

أحمد منصور: كممارسة الآن أنا بأتكلم عن الممارسة.

صلاح عمر العلي: لا.. لا.. لأ، حتى ممارساتنا ضد النظام كانت تقع في إطار الرغبة في إزاحة هذه الأنظمة من أجل أن نكرس الجهد.. يعني جهد الأمة العربية لتحرير فلسطين، حقيقة أنا لا أزوِّر هذا الواقع.

أحمد منصور: الفكرة الانقلابية التي كان يروج لها عفلق دائما في شعاراته هل كانت هي الفكرة التي تسيطر عليكم ضرورة قلب هذه الأنظمة وإبعادها؟

صلاح عمر العلي: لا شك في هذا.

أحمد منصور: حنا بطاطو في الجزء الثالث في صفحة 52 يقول: أن القيادة القومية الأول لحزب البعث التي شُكلت في مارس 1954 كانت نسبة المسيحيين الأرثوذكس والدروز والعلويين أعلى بشكل ملحوظ في قيادة الحزب مقارنة بعدد السكان، وهذا الذي أشرت لك فيه أن قيادات الحزب الأساسية كانت من أقليات، سعت لترسيخ وجودها ورُسخت بشكل بارز حتى في أول مؤتمر عُقد للقيادة القُطرية في العام 54، ماذا يعني هيمنة الأقليات على قيادة الحزب منذ تأسيسه؟

صلاح عمر العلي: أستاذ أحمد، خلي أقول لك شيء مهم، قيادات الحزب تُنتخب انتخاب ديمقراطي و.. وحر.

أحمد منصور: متى كانت بداية الانتخابات؟

صلاح عمر العلي: منذ بدء تشكيل الحزب، القيادات..

أحمد منصور: ما الذي كان يجري في عملية الانتخابات والترويج لقيادة أو زعامة معينة؟

صلاح عمر العلي: أعضاء.. أعضاء.. ممنوع.. ممنوع الدعاية الانتخابية في .. من تقاليد الحزب منع الدعاية الانتخابية.. قيادات الحزب..

أحمد منصور: مافيش دعاية انتخابية، ولكن هناك تربيطات انتخابية.

صلاح عمر العلي: لا أبداً لم يوجد هذا..

أحمد منصور: هناك عملية إزاحة لمن يعارض.

صلاح عمر العلي: أبداً.. أنا..

أحمد منصور: هناك عملية إبراز لمن يُراد ان يكون في المقدمة.

صلاح عمر العلي: أنا بس أحب أسلط الضوء على ها النقطة هذه، قيادات الحزب تنتخب انتخاب من قبل المؤتمر القُطري أو القومي ولم يأتِ.. يعني لم يوجد عضو في القيادة القومية فرض نفسه من الخارج أو بدون انتخابات، إنما حديثك عن موضوع التكتلات هذه برزت فيما بعد، وهذا صحيح أحد الأمراض المستشرية اللي دخلت إلى الحزب واللي أدت إلى كثير من الانتكاسات داخل الحزب.

أحمد منصور: حتى في البداية يعني إذا رجعنا إلى مؤسسي الحزب الذين لهم أفكار مدونة ومكتوبة، ميشيل عفلق وزكي الأرثوذي، أحدهما أرثوذكسي والآخر علوي، البيطار ليس له شيء من الأدبيات إلا شيء قليل جداً مقارنة بأدبيات الاثنين، يعني الاثنين هما أفكارهم الأساسية التي.. حتى إنكم يعني في داخل الحزب أفكار الأستاذ، مقالات الأستاذ، ويكفي أن تقول الأستاذ في الحزب لكي يُعرف من هو الأستاذ كأشياء تعود إلى ميشيل عفلق.

رؤية صلاح عمر العلي لانقلاب 14 تموز 58

في 14 تموز عام 1958 قاد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف انقلاباً عسكرياً أطاح بالنظام الملكي في العراق وأقاما النظام الجمهوري، ما هي درايتك أو معلوماتك عن هذا الأمر في حينه آنذاك وكنت أصبحت عضواً في حزب البعث؟

صلاح عمر العلي: في الحقيقة كان مطلب تغيير النظام آنذاك يكاد يكون مطلب كافة الحركات السياسية القائمة.

أحمد منصور: إصلاحه أم تغييره؟

صلاح عمر العلي: تغيير، باعتبار أن النظام آنذاك كان يُقيَّم بأنه بالإضافة إلى نزعته الاستبدادية ومعاداته للشعب كان متهم بأنه كان مرتبط بمصالح.. بالمصالح الغربية، وكان يُلبي المصالح الغربية في العراق من خلال زج العراق في عدد من المعاهدات المشبوهة، فعندما قامت ثورة 14 تموز عام 58 كانت تعبير عن رغبة واسعة وشاملة لدى أوساط الشعب العراقي، وطبيعة الحال السبب اللي دفع بجماهير الشعب العراقي بشكل عفوي ومنذ اللحظات الأولى لإعلان التغيير إلى التدفق إلى شوارع المدن العراقية وأبرزها مدينة بغداد إعراباً عن التأييد المطلق لهذه الثورة.

أحمد منصور: شارك الركابي في الحكومة الأولى؟

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: فكان هذا بمثابة مشاركة من البعث في أول حكومة بعد عملية الانقلاب، هل اقتنعتم بهذا الجزء من الكعكة -كما يُقال- أم أنكم كنتم من البداية ترون أن هذا الانقلاب يمهد لما تريدونه ولا يحقق طموحاتكم؟

صلاح عمر العلي: لأ في الحقيقة لم يكن هناك أي تفكير في.. في المراحل الأولى لقيام ثورة 14 تموز بيعني أن يكون.. مثلاً تكون محطة.. 14 تموز بمثابة محطة للقفز إلى مرحلة أخرى، أنا لا أعتقد بوجود أي شيء من هذا، ولن..

أحمد منصور: لكن أنت.. المنهج الانقلابي أساسي لديكم وهذا الانقلاب ليس انقلابكم..

صلاح عمر العلي: لأ هذا صحيح، لكن يعني قيادة الثورة بالنظر للعمل الكبير اللي قامت به وهو إزاحة كابوس النظام من صدر أبناء الشعب العراقي، ونظراً للدور المهم اللي مارسته قيادة الثورة كانت تحظى حقيقة باحترام وبتأييد مطلق من.. يعني ما.. لا أستطيع أن أقول مطلق ولكن واسع جداً لدى أوساط الأحلاف السياسية ولدى عامة أبناء الشعب، وليس هناك في أدبيات الحزب.. حزب البعث ما يشير إلى أن هذه الثورة كانت هي مجرد محطة في برامج..

أحمد منصور: هذه لا تدخل في الأدبيات، هذه في التكتيكات وليس في الأدبيات.

صلاح عمر العلي: لأ حتي في التكتيكات لا.. لا وجود لهذا، حقيقة أنا يعني بودي أن أكون أمين وصريح جداً معاك في هذا..

أحمد منصور: كيف كان موقعك في الحزب في تلك...؟

صلاح عمر العلي: أنا كنت مجرد عضو في الحزب..

أحمد منصور: لم يكن لديك أي مسؤولية إلى فترة 58 هذه بعد قيام الثورة..

صلاح عمر العلي: لا لم يكن هناك لي دور متميز أو قيادي.

أحمد منصور: مين الشخصيات التي كانت متميزة في الحزب في ذلك الوقت كقيادات؟

صلاح عمر العلي: بطبيعة الحال القيادة القُطرية، القيادة القُطرية اللي كان فيها..

أحمد منصور: مين أبرز الشخصيات؟ الآن أصبح الحزب بشكل علني يعني موجود بعد الثورة، كان سريا قبل ذلك؟

صلاح عمر العلي: لأ لم يكن علنياً بقي سري..

أحمد منصور: بقي سري..

صلاح عمر العلي: نعم بقي سريا ولم نعلن ..

أحمد منصور: يعني على الأقل الركابي دخل في الوزارة ومعروف إن هو بعثي وأنه ينتمي لحزب البعث..

صلاح عمر العلي: نعم، عرفنا بعض الأعضاء بالقيادة أو على الأقل استطعنا أن نشخص بعض أشخاص قياديين.

أحمد منصور: كانوا مجهولين بالنسبة لكم كأعضاء إلى ذلك الوقت.

صلاح عمر العلي: في الحقيقة ما كنا نستطيع.. ليس بمستطاع أي واحد من عندنا أن يميز، يعني كنا نعرف عدد من القياديين، لكن هل هم أعضاء قيادة قُطرية أم أعضاء في فرع في بغداد أم كذا؟ هذا غير ممكن.

أحمد منصور: أنا أريد أسألك يعني في جزئية تتعلق بالانتماء هنا العقائدي إلى أي تنظيم أو أي حزب أو كذا، هل يمكن للإنسان أن ينساق دون أن يعرف من يسوقه بمجرد بعض الأفكار والشعارات التي تُروَّج له؟

صلاح عمر العلي: نعم، هو بالحقيقة بتعرف أنت العمل السري بقدر ما فيه ايجابيات كذلك فيه سلبيات كثيرة، يعني العمل السري في الحقيقة من أبرز وأخطر سلبياته بفعل السرية المحاطة بالعمل الحزبي يسمح لعدد كبير.. لعدد من الناس ذوي النوايا الشريرة أن يتسلقوا داخل الحزب.

أحمد منصور: وهذا ما حدث.

صلاح عمر العلي: هذا ما حدث نعم، هذا لا شك فيه. ثانياً: ربما يعني يبرز أشخاص غير مؤهلين لدور قيادي إنما بفعل مواصفات خاصة يملكوها، بفعل الجو السري للعمل الحزبي، ويصبحوا أو يحتلوا مواقع قيادية في الحزب.

أحمد منصور: وهذا ما حدث.

صلاح عمر العلي: نعم، هذا أيضاً ما حدث، هذا صحيح.

أحمد منصور: عبد الكريم قاسم كان برتبة عميد، عبد السلام عارف كان برتبة عقيد، أقل درجة منه، مع ذلك كان عبد السلام عارف يعني يدَّعي دائماً أنه هو صاحب الثورة، والآن يعني الثورة ربما تناولناها مع شخص عسكري قبل ذلك، ولكن بعد تعيين عبد الكريم قاسم عيَّن نفسه رئيس أعلى للقوات المسلحة، رئيس للوزراء، وزير للدفاع. عبد السلام عارف مساعد له في القوات المسلحة، نائب في رئاسة الحكومة، وزير لـ.. يعني المناصب الأساسية.

صلاح عمر العلي: وزير الداخلية.

أحمد منصور: وزير للداخلية بالوكالة، المناصب الأساسية وزعوها على الاثنين، وبعد ذلك وُزعت مناصب أخرى على باقي الوزراء من هنا وهناك، بدأ الصراع يشتد بين الرجلين، كيف كنتم في حزب البعث تراقبون هذا الصراع؟

صلاح عمر العلي: أنا الحقيقة مهتم في هذه النقطة بالذات، وأحب أوضحها من جديد، يعني أنا أسبق لي أن أدليت برأيي في هذا الموضوع، لكن أحب أقف أمام هذه المسائل، الأحزاب السياسية العراقية هروباً من تحمل المسؤولية أشاعت منذ ذلك الوقت ومازالت تروج لشيء أعتبره أنا الحقيقة شيء يعني مزور وغير حقيقي، الإشاعة كانت مفادها شنو هي؟ أن الزعيمين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف سرعان ما اختلفوا.. اختلفوا فيما بينهم، ونقلوا خلافهم إلى الحركة السياسية، وانشقت الحركة السياسية، وبذلك بدأت مسيرة الدماء وانتكاسة الثورة، في الحقيقة كشاهد على العصر..

أحمد منصور: تحديداً.. تحديداً عبد الكريم قاسم من الحزب الشيوعي.

صلاح عمر العلي: عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.

أحمد منصور: عبد السلام عارف حزب البعث.

صلاح عمر العلي: لا لا أنا أتحدث لك قبل هذا، قبل أن يحصل هذا، يعني في الحقيقة كشاهد على العصر أقولها بكل تأكيد أن الذي حصل هو العكس، الصراع أول ما بدأ هو بين الحركة.. أطراف الحركة السياسية، وأعني بهم بالتحديد الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث، ومنذ الساعات الأولى لانبثاق الثورة بدأ الصراع، ثم بدأ هذا الصراع يتسع شيئاً فشيئاً، الأمر الذي أجبر كلا الحزبين للبحث عن مَنْ يستظل به من قادة الثورة، فعندما وجد حزب البعث أن بعض الشعارات التي.. التي رفعها عبد السلام عارف ذات صبغة قومية سرعان ما التف حزب البعث حول عبد السلام عارف، كذلك الزعيم عبد الكريم قاسم، بما أن هناك الكثير من التعابير المصطلحات التي كان استعمالها كانت قريبة من أدبيات الحزب الشيوعي التف الحزب الشيوعي حول عبد الكريم قاسم، ثم الأحزاب نقلت صراعها إلى الزعيمين، فانقسم الزعيمين بفعل الصراع في الحلقة السياسية القائمة..

أحمد منصور: يعني صراع الحركة السياسية المتواصل بين الحزب الشيوعي وحزب البعث والذي بدأ قديماً وليس قبل.. وليس بعد قيام الثورة، سعيتم بعد الثورة أو سعى الحزبين إلى استقطاب القيادتين الرئيسيتين، واستغلال الخلاف الموجود بينهما لكي يكون كل واحد منهما يعني حماية أو ظلاً لحزبه.

صلاح عمر العلي: هذا بالتأكيد، بالتأكيد هذه على الأقل وجهة نظري، نحن الذين ساهمنا مساهمة مباشرة في انقسام الثورة.

أحمد منصور: الشيوعيين والبعثيين.

صلاح عمر العلي: نعم.. نعم بلا شك.

أحمد منصور: يعني أنتم تتحملون مسؤولية الصراع بين الرجلين.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: وأنتم تتحملون مسؤولية ما حدث بعد ذلك في العراق.

صلاح عمر العلي: لا شك في هذا نتحمل مسؤولية كبيرة جداً.

أحمد منصور: الشيوعيين والبعثيين.

صلاح عمر العلي: نعم أنا يعني هذا في الحقيقة يعني لا أستطيع الهروب منه أبداً..

معاناة حزب البعث بعد القبض على عبد السلام عارف في ديسمبر 1958

أحمد منصور: قاسم ألغى منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة الذي هو منصب عبد السلام عارف، بعد ذلك ألغى منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الذي هو منصب أيضاً عبد السلام عارف، ثم قرر تعيين عبد السلام عارف سفيراً في ألمانيا، رفض عبد السلام عارف أن ينفذ هذا الأمر، وبعد ضغوطات أخذته طائرة، ثم رجع مرة أخرى، في 3 أكتوبر 58 تظاهر أعوان عبدالسلام عارف وهتفوا لصالحه، وفي 6 ديسمبر 1958 ألقت الشرطة القبض على عبد السلام عارف، وحوكم في 27 ديسمبر 58 بتهمة محاولة قتل عبد الكريم قاسم وحُكم عليه بالإعدام في 7 فبراير 1959، لكن الحكم لم ينفذ، حتى انفصلت مصر عن سوريا في العام 61 خرج عارف من السجن.

في هذه الفترة عبد السلام عارف كان نصيركم أنتم البعثيين، الآن قبض عليه وأُلقي في السجن، حُكم عليه بالإعدام، وأصبح عبد الكريم قاسم نصير الشيوعيين، أو الذي استطاع الشيوعيين أن يستقطبوه هو الرئيس الأوحد والحاكم الفعلي في البلاد. كيف كان وضعكم كبعثيين في ظل هذا الوضع؟

صلاح عمر العلي: في الحقيقة دخلنا في مرحلة قاسية جداً للغاية، حيث أن الساحة أوشكت أن يعني تنفرد فيها قيادة عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي، فالحزب الشيوعي طبعاً شكل آنذاك ميليشيا شعبية سماها المقاومة الشعبية، وكان مهمات هذه الميليشيا الظاهرية هي حماية الثورة والدفاع عن الثورة وعن مكاسب الثورة، لكن كانت مهماتها الفعلية هو محاولة تصفية كافة القوى القومية وعلى رأسها حزب البعث ومطاردتهم وملاحقتهم بشكل قاسي للغاية، فدخلنا الحقيقة في مرحلة يعني شديدة الصعوبة وواجهنا ضغوط وملاحقات و..

أحمد منصور: أيه طبيعة ما واجهتموه؟

صلاح عمر العلي: بالواقع لاقينا شتى أنواع الاضطهاد والملاحقة من اعتقالات، إلى تعذيب، إلى مطاردة، إلى فصل عدد كبير جداً من دوائر الدولة، إلى ملاحقة كل الرؤوس القيادية في الحركة القومية عموماً وفي حزب البعث بالتحديد.

أحمد منصور: مع تعاظم نفوذ الشيوعيين بدأ الشيوعيون يرتبون للانتقام في ظل الدولة، في ظل رئيس الدولة من البعثيين بشكل أساسي، منظمة السلام الشيوعية عقدت مؤتمرها السنوي أو أعلنت عن عقده في الموصل في 6 مارس 1959، بما اعتبر كعملية استفزاز للبعثيين وللقوميين بشكل عام، عبد الوهاب الشوَّاف، وناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري كان رئيس المخابرات، اتفقوا على القيام بثورة ضد نظام عبد الكريم قاسم، واستغلوا عملية المؤتمر الذي عُقِدَ في الموصل - الذي عقده الشيوعيون - لكي يقوموا بالثورة، ولكن في النهاية تحرك الشَّواف وحده في مارس 59 من الموصل ضد الشيوعيين، في 8 مارس يعني بعد 6 مارس بيومين تحديداً يعني، ما هي دور.. ما هو دور البعثيين في ثورة الشوَّاف؟

صلاح عمر العلي: كانوا متعاونين مع عبد الوهاب الشوَّاف، وكان المشرف على إذاعة عبد الوهاب الشوَّاف كادر بعثي متقدم اسمه فاضل الشُّقَة من مدينة الموصل، وكان هو اللي يذيع بيانات عبد الوهاب الشوَّاف.

أحمد منصور: طبعاً الإذاعة دي المفروض كانت جايه من سوريا بناءً على ترتيبات مع عبد الناصر على أساس إن هذا كان انقلاب قومي لصالح عبدالناصر، أكثر من هو انقلاب بعثي.

صلاح عمر العلي: نعم هذا ما اتضح فيما بعد.. نعم..

أحمد منصور: إيه أسباب فسر.. فشل ثورة الشوَّاف من منظوركم كبعثيين؟

صلاح عمر العلي: الحقيقة يبدو أن عبد الوهاب الشوَّاف يعني ما كان مهيئ المستلزمات الكافية لنجاح مثل هذا العملية، كذلك كان منفعل، شديد الانفعال، ولم ينظر للأمور بمنظار موضوعي، ولم يهيئ يعني الأمور المطلوبة لمثل هذا الانقلاب، لذلك كان أحد الأسباب اللي منعت ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري للتعاون معه في هذه الثورة هو يعني معرفتهم بأنّه الأمور لم تعد ناضجة بالقدر اللي يسمح لمثل هذه الثورة، وفيما بعد اتضحت إنه من خلال المذكرات المكتوبة لدى عدد كبير من الضباط الأحرار أنه اختلف مع عبد الوهاب الشوَّاف لأنه كان هو مندفع ومستعجل على القيام بالثورة، بينما كانوا يسعون بشكل متأني وبطيء من أجل إنضاج الظروف الموضوعية للقيام بالثورة فاختلفوا ولم يتفقوا معه..

أثر محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم على وضع حزب البعث في العراق

أحمد منصور: أدّى هذا إلى.. أدى هذا إلى القبض على ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري وأحد عشر آخرين من الضباط وأعدموا في 20 سبتمبر 1959، في 7 تشرين/ أكتوبر 1959 وُضِعَ حزب البعث على الخارطة الأساسية في العراق، حينما قام عشرة من أعضاء الحزب بمحاولة لاغتيال عبد الكريم قاسم كان من بينهم صدام حسين الذي كان هذا أول بروز أساسي له، جُرِحَ فى العملية وقُتِلَ شخصٌ آخر فيها، كان لديك علم بهذه العملية قبل أن تتم؟

صلاح عمر العلي: لأ حتى تمت ماكان علم إنما بُلِّغنا بإنذار من قيادة الحزب، بُلِّغنا.. بُلغ يعني نزل إلى الحزب تبليغ بالإنذار، والإنذار يعني شيء استثنائي ربما سيحصل، عندما حاولنا نستفسر من المسؤولين الحزبيين، قِيل أنه يعني هناك احتمال أن تحصل عمليات شغب أو مظاهرات أو حدث غير عادي، الأمر اللي يتطلب من أعضاء الحزب أن يكونوا دائماً متواجدين مع بعض وأن يكونوا جاهزين لمثل هذه الاحتمالات.

أحمد منصور: إيه أثر محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم على وضع الحزب في.. يعني وضع الحزب في العراق؟

صلاح عمر العلي: طبعاً الحزب طُورد مطاردة شديدة جداً، ويعني سُجِنَ عدد كبير من أعضاء الحزب، وقُتِلَ عدد كبير آخر من عندهم، وطُورد عدد كبير، وهكذا في طبعاً ما بعد المحاولة، ولكن من جانب آخر.. من جانب آخر يعني الحزب.. هكذا تصور للفرد العراقي في.. يعني في الشارع العراقي أنَّ حزب البعث إذن هو حزب مناضل وقوي وصلب وشجاع، وبالتالي بدأ يواجه حزب البعث موجة واسعة جداَّ من المواطنين العراقيين الراغبين في الانتماء للحزب.

أحمد منصور: هذا نوع من التعاطف مع الحزب..

صلاح عمر العلي: تعاطف لا شك في هذا..

أحمد منصور: تعاطف مع المضطهد..

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: ليس بالضرورة قناعة بأفكار الحزب..

صلاح عمر العلي: لأ، بلا شك هذا صحيح..

أحمد منصور: ولا مبادئه ولا ما يدعو إليه..

صلاح عمر العلي: هذا كله صحيح.

أحمد منصور: وإنما الطبيعة النفسية.. طبيعة العوام أنها تتعاطف مع المضطهد.

صلاح عمر العلي: بلا شك هذا صحيح.

أحمد منصور: فالآن حينما أصبح للشيوعيين السطوة وحدث ما حدث في الموصل من عمليات قتل وصلت إلى خمسة آلاف إنسان قتلوا سحلاً وقتلاً في الشوارع، ودهساً على يد الشيوعيين، أصبح الناس يتعاطفون مع هؤلاء المضطهدين..

صلاح عمر العلي: بلا شك.

أحمد منصور: الذي ظهر كمضطهد هو حزب البعث، إذن ليس.. اضطهاد البعث هو الذي دفع الناس للتعاطف معه وليس أفكار البعث.

صلاح عمر العلي: هذا هو الصحيح، هذا صحيح، لكن هذا طبعاً ما بقى بهذا المستوى، إنما هذا التعاطف.. هذا التعاطف مع المضطهد، أيضاً يعني تم الاستفادة من عنده بحيث أنه حزب البعث بدأ يقبل عدد كبير من هؤلاء الناس إلى صفوفه، بدأ يضمهم إلى صفوفه.

أحمد منصور: بعدما ترك فؤاد الركابي قيادة الحزب تولاها حازم جواد، حازم جواد ابن خالة الركابي كان عمره 25 عاماً آنذاك، ينفع إنسان عمره 25 سنة يقود تنظيم في دولة كبيرة؟

صلاح عمر العلي: طبيعي مبدئيا لا ينفع، صحيح إنه شاب والعمر 25 يعني حتى كان من الصعوبة أن يقود حزب وحركة سياسية بهذا الشكل، لكن خليني أقول لك أنهَّ حازم جواد يعني في الواقع ثبت قدرة.. لديه قدرة تنظيمية عالية المستوى، وكان ذكي جداَّ وشخص حقيقة متوازن وذو شخصية متينة، وما عندنا إلى الآن أي ملاحظة.

أحمد منصور: تعرفه بشكل شخصي؟

صلاح عمر العلي: أنا الحق معرفتي محدودة بالسيد حازم جواد، لكن حقيقة لم يحفظ في ذاكرتي كبعثيين أي ملاحظة سلبية على الفترة اللي تصدى لقيادة الحزب فيما بعد.

أحمد منصور: هو سنة وأعتُقِلَ بعد ذلك.

صلاح عمر العلي: نعم؟

أحمد منصور: تولى القيادة لمدة سنة ثم اعتُقِلَ، وعلي صالح السعدي أصبح هو الزعيم الفعلي للحزب.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: علي صالح السعدي أيضا كان عمره 32 سنة ليس أكثر من ذلك.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: إيه الفوارق الأساسية بين علي صالح السعدي وحازم جواد؟

صلاح عمر العلي: نعم.. الفوارق كبيرة، حازم جواد شخص يعني يتمتع بشخصية قوية جداً، ورجل يعني جاد، وصارم، وذو قابلية يعني تنظيمية كبيرة، ومؤثر في الأوساط القيادية البعثية اللي كان على احتكاك فيهم، على عكس شخصية علي صالح السعدي.. علي صالح السعدي شخص اجتماعي مفتوح ويمارس العديد من الأخطاء، ولم يكن متحفظاً في كثير من.. حتى من سلوكياته الشخصية.

أحمد منصور: أنت عَرُفت علي صالح السعدي من قرب؟

صلاح عمر العلي: نعم أنا عَرَفته عن قرب، والتقيت به عدة مرات.

أهداف حزب البعث من وراء انقلاب فبراير 63

أحمد منصور: كيف رتبتم كبعثيين انقلاب 8 شباط/ مارس 63.. فبراير 63؟

صلاح عمر العلي: أنا كما ذكرت لك أنا شخصيا حقيقة ما.. لم أكن من المخططين لهذا.. لهذا الانقلاب، إنما كنت كادر متقدم، القيادة القُطرية للحزب هي التي وضعت هذا التخطيط، بالتحالف مع أيضاً عدد من الضباط القوميين.

أحمد منصور: كان من أبرزهم كان طبعاً أصبح أحمد حسن البكر عضو في حزب البعث..

صلاح عمر العلي: نعم

أحمد منصور: من أبرز الشخصيات اللي قامت أيضاً صالح مهدي عمَّاش، العقيد خالد مكي الهاشمي، وعلي صالح السعدي، هؤلاء جميعاً كانوا من البعثيين الذين شاركوا في الانقلاب 63.

صلاح عمر العلي: علي صالح السعدي لم يكن عسكرياً كان..

أحمد منصور: لم يكن عسكريا كان من القيادات اللي شاركت في الانقلاب، كان هو يعتبر الأمين القُطري في ذلك الوقت..

صلاح عمر العلي: الأمين القُطري نعم.

أحمد منصور: نعم.. هل عرفتم ماذا كانت أهدافكم من وراء الانقلاب تحديداً؟ مجرد السيطرة على السلطة والانقلاب كمفهوم (....) حزب البعث؟

صلاح عمر العلي: لأ.. طبيعة الحال.. لا طبيعة الحال كانت يعني المفروض مبدئياً أن تغيير النظام هو عبارة عن مرحلة الهدف من عندها العمل على تطبيق مبادئ الحزب في القُطر العراقي، وطبعاً الخطة ربما يكون من المفيد أن أذكر لك أنه القيادة القطرية كان لديها مكتب عسكري، يضم عدد من العسكريين بمسؤولية عضو من أعضاء القيادة القطرية، وهذا المكتب العسكري هو اللي كُلِفَ بوضع الخطة بالتنسيق مع عدد من الضباط القوميين.

أحمد منصور: هل كان البعث مهيأ للحكم في ذلك الوقت؟

صلاح عمر العلي: والله أستطيع في القول يعني لم يكن مهيأ.. لم يكن مهيأ ليس في 63 فقط حتى في 68.

أحمد منصور: سآتي لـ68.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: ولكن في 63 تحديداً لماذا اخترتم عبد السلام عارف حتى تختبئوا وراءه؟

صلاح عمر العلي: لأ.. هذا لم يكن الهدف من عنده الاختباء، إنما كان كافة أعضاء القيادة القطرية هم أشخاص غير معروفين إلا في نطاق الحزب، ورئاسة الجمهورية تعرفوا يجب أن تتوفر فيها مميزات معينة، وبما أن عبد السلام عارف كان ارتبط اسمه بقيادة 14 تموز عام 58 وأصبح معروف باتجاهه وهويته المعينة، فكان الهدف هو وضع شخصية معروفة بهذا الموقع، لكي لا تحصل إشكاليات على هذا المنصب.

أحمد منصور: كغطاء مرحلي.

صلاح عمر العلي: نعم، لا شك، لكن لم يكن يعني موضوعه موضوع اختباء لأنه الناس اللي يملكوا القدرة على إزاحة زعامة عبد الكريم قاسم اللي كانت زعامة حقيقية وكانت إلها تأثير في الشارع العراقي، وكان إلها قوة حقيقية، لم أعتقد دا يفكروا بتلك اللحظة بمسألة الاختباء أمام.. وراء شخص معين، كانوا شجعان وكانوا قادرين على أن يعني اللي يتصدوا.

أحمد منصور: لكن لم يكن للشعب أن يرحب بهم ولا يعرف منهم أحد.

صلاح عمر العلي: بـ 63؟

أحمد منصور: نعم.

صلاح عمر العلي: لا، هذا الأمر غير صحيح، الواقع واجهوا.. قادة 63 واجهوا مقاومة عنيدة من الشيوعيين، نعم والقاسميين خلي نقول..

أحمد منصور: ومن السلطة.

صلاح عمر العلي: لكن.

أحمد منصور: الكل يقول أن عبد الكريم قاسم قاتل بشجاعة وشرف.

صلاح عمر العلي: نعم لا شك في هذا، ظل حوالي ثلاثة أيام معتصم.

أحمد منصور: بوزارة الدفاع.

صلاح عمر العلي: بوزارة الدفاع يقاتل وقاتل كل المتحالف معه..

أحمد منصور: قُبِض على عبد الكريم قاسم وحُوِكم بعد ذلك في محاكمة عاجلة وحُكِم عليه بالإعدام مع طه الشيخ وفاضل عباس المهداوي في دار الإذاعة، قُبِض عليه، حُوِكم في الأستديو، ونُفِّذ حكم الإعدام بشكل مباشر.

في الحلقة القادمة نتناول حُكم البعث للعراق بعد العام 63، ثم صراعهم بعد ذلك مع الشيوعيين ومع عبد السلام عارف، أشكرك شكرا جزيلاً.

كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ صلاح عمر العلي ( عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القُطرية الأسبق في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق)، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.