مقدم الحلقة أحمد منصور
ضيوف الحلقة - الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس
تاريخ الحلقة 29/05/1999






الشيخ أحمد ياسين
أحمد منصور
أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل حوارنا مع مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين، مرحباً فضيلة الشيخ.

أحمد ياسين:

مرحباً بك.

أحمد منصور:

توقفنا في الحلقة الماضية عند اعتقالك في يوم 19 مايو 1989م، وعمليات التعذيب التي تعرضت لها، ورأيت ابنك يتعرض لها، ثم مواجهتك بعد ذلك بالخلية العسكرية الأولى لحركة حماس.

أحمد ياسين:

ثم استمرار منع النوم، يعني أن تجلس على الكرسي أربع أيام دون أن تنام، وهم يضعوا لك يعني محققين في كل ساعتين، ثلاثة، يغيروا اثنين يتكلموا معاك، يعني التحقيق مستمر طوال الأربعة أيام دون أن تنام، ودون أن يعطوك فرصة تنام، حتى وصلت إلى مرحلة إني دخت، فقدت وعيي، ووقعت عن الكرسي.

أحمد منصور:

ماذا كانت الأسئلة أو المحاور التي يتحدث فيها المحققين؟

أحمد ياسين:

طبعاً بدهم يعرفوا مين .. كيف بنشتغل، وين بنشتغل، ومين بيشتغل، وحركتنا وتنظيمنا وشغلنا. طيب، أنت اعتُقِلت كيف ييجوا اللي بعدك؟ مين بيختارهم؟ كيف يختارهم؟ كيف يطلعوا؟ قلت لهم هذه قضية شعبية. طبعاً في الحقيقة إن هم فيه تنظيم مسلسل هرمي، تسقط القيادة تطلع قيادة منها مباشرة، يعني هم كانوا يريدوا أن يعرفوا كل شيء، ولكن إحنا كنا نعطيهم اللي ما يعرفوا الأصول، ولا يعرفوا الجذور.

أحمد منصور:

الخلية العسكرية الأولى التي ووجهت بها في الليلة الأولى لاعتقالك هل شعرت منهم أنهم ذكروا كل شيء، أم أنهم هناك أشياء أيضاً أخفوها؟

أحمد ياسين:

الخلية العسكرية هربت خرجت، بس بقى قائدها اللي موجود في الداخل، هو اللي كان موجود، طبعاً هو لم يواجهني القائد بتاعهم، واجهني الأخ المسؤول العسكري معايا النائب بتاعي اللي كان يصرف الخلية، بس قائد الخلية لم أراه.

أحمد منصور:

لم تراه.

أحمد ياسين:

ما جابوه لي إياه...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

هل شعرت أنهم قالوا كل شيء، أم كان لديك إيحاء أن هناك أشياء أيضاً كثيرة أُخفِيت؟

أحمد ياسين:

شوف .. ما يخص الماضي والمتعلق بهم فهم شخصياً أعطوه، لأنه لا يأتي بناس جداد، لا يفتح أبواب جديدة وما يخص الآخرين، وفتح أبواب جديدة لم يعطوه، يعني عملت كذا؟ عملت مش مشكلة، شو اللي عملته؟ طخيت كذا، وعملت كذا وكذا، بس لأنه ما بيفتح عليه باب جديد يأتي بآخرين إلى السجن.

أحمد منصور:

خلاصة ما دار بينك وبين الإسرائيليين في التحقيقات.

أحمد ياسين:

أنا طبعاً وجدت أن الأمر أن الاعترافات القائمة أصبحت حقيقة أمامي، وأن إنكارها لا يفيدني، لأنه أنا سأحاكم عليها ما دام فيه شاهد واثنين، وثلاثة فيها. إذن المكابرة والمواجهة وتحمل التعذيب لشيء ستحاكم عليه ما بيهمك، ما بيأثرش علي. ثانياً: إن أنا يهمني بأعترف على شيء بحيث ما أفتحش خطوط جديدة لهم على الحركة. ومنها كانت اعترافاتي بالواقع الموجود بس بشكل إني أنا كنت بأعطي فتوى، وأنا كنت إنسان بأعمل ضد الاحتلال، ومن حقي أعمل انتفاضتي، وأواجهه، لأنه هذا من حقي...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني كنت تواجههم أنهم محتلون وأنك تعمل ضدهم؟

أحمد ياسين:

بكل الحقيقة وليش لأ؟! يعني هذا حقي أنا هم طبعاً كان بيهمهم ينشروا اليأس بأن خلاص حماس انتهت وماتت، فضها، يعني خلاص قدر ربنا بدهم انتهت، بأطلع فيه وبأضحك، وبعد أربعة أو خمسة أيام من اعتقالي كان البيان الثاني نازل على طول، فصعقوا هم إنه يعني هم فكروا أن حماس .. اعتقلوا 1500 واحد في خلال يومين، وبعدين يطلع البيان ثاني يوم..

أحمد منصور:

لم تحدثنا عن عملية الاعتقال لـ 1500 هذه.

أحمد ياسين:

لا، هم لما اكتشفوا قضية الخلية اللي قتلت الجنود أصدروا أمر بإغلاق قطاع غزة كله، وفرضوا عليه منع التجول أربعة أيام، وبدءوا حملة اعتقالات، كانوا يعتقلوا معظم شبابنا في هذه الأيام قبل ما يعتقلوني على أساس بدهم الأطراف اللي لها علاقة ما تهربش، فاعتقلوا حوالي 1500 واحد في هذه الضربة وظنوا إنهم خلاص قضوا على حماس، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يقول لهم أن حماس أقوى من ضرباتكم، وبقيت حماس وبقيت منشوراتها وبقيت نشاطاتها ومواجهاتها، وتنامت أكثر وأكثر بفضل الله تعالى.

أحمد منصور:

هل ترى أن من يقوم بعمل عسكري أو عمل سري مثل الذي كنتم تقومون به ضد الإسرائيليين يجب أن يبتعد عن ارتكاب أي أخطاء يمكن أن تؤدي إلى اكتشافه، خاصة وأن واضح أن الصدفة هي التي...

أحمد ياسين [مقاطعاً]:

هو الأصل هو هكذا، بس طبعاً الأخوة لما كانوا بيدخلوا إسرائيل، كانوا بيدخلوا وبيتحركوا، جوه لازم أن تكون بين إيديهم سيارة إسرائيلية، لأنه كان بيتحرك، فكانوا هم بيشتروا سيارات مسروقة من لصوص السيارات، وبيستخدموها في الحركة الداخلية على أنها سيارة إسرائيلية...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني من يعمل في العمل العسكري، أو العمل السري لابد أن يتعرف على اللصوص وعلى المجرمين وعلى الحشاشين وعلى تجار السلاح؟

أحمد ياسين:

بكل تأكيد لأنه بيشتعل، فهم طبعاً بعد ما نفذوا العملية بالسيارة المسروقة هذه صار عندهم قناعة، طيب ونرميها ليش؟! طيب، نأخذها معنا ونستعملها مرة ثانية وثالثة وهكذا، فكانت هي السبب في كشفهم، ما أدركوش بُعْد أنه يمكن أن تنكشف آثارها ممكن تشاهد، ممكن كذا...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ألا تعتبر ذلك خللاً في التكوين؟

أحمد ياسين:

هذا خللاً في التفكير.

أحمد منصور:

في التفكير؟

أحمد ياسين:

نعم.

أحمد منصور:

وليس في التكوين؟

أحمد ياسين:

لا، لا، التكوين كويس، بس الخلل في التفكير لم يكن يقدِّر بُعْد القضية اللي هم فيها طبعاً، وحادثة بتعلم الحادثة الثانية، إحنا بنتعلم كل يوم تجارب.

أحمد منصور:هل تعرض ابنك لعمليات تعذيب بعد الليلة الأولى لاعتقالك؟

أحمد ياسين:

طبعا لا، مرتين بس في الليلة الأولى وبعدين سجنوه معي، كانوا يقعدوه زي المساجين، ويحطوا له كيس في راسه. ما هو كان فيه ممر طويل، وفيه المساجين جالسين على كراسي خشبية صفين، حوالي 50 واحد كله حاطط كيس على راسه، يعني مخنوق وجالس، ومكبلة وإيديه من الخلف للكرسي طوال 24 ساعة.

أحمد منصور:

خلاصة ما تم، أو ما انتهى إليه التحقيق، والاتهامات التي وجهت إليك.

أحمد ياسين:

وجه إليَّ طبعاً عملية قتل الجنود، إن أنا وراها، رغم أنني قلت لهم: لا ما ليش .. أنا دريت بها بس...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

أنت مجرد أنك أفتيت؟

أحمد ياسين:

آه بس، هذا للعملا أفتيت، بس الجنود ما بأعرف عنهم حاجة، أنا دريت أنهم قتلوا، ونصحتهم أنهم ما يعلنوش هاي دوري أنا.

أحمد منصور:

على أنك علمت بعد التنفيذ.

أحمد ياسين:

بعد الحادثة أنا ما أصدرت أوامر، ولا قلت لهم: اقتلوا، لكن التهمة كانت أنه قتل جنود وقتل عملاء، وطبعاً تم المحاكمة عليها.

أحمد منصور:

لكن يعني اعترافك أو إعلانك الآن عن هذه الأمور، ألا تعتقد إن لها أي شكل من أشكال التأثير، وأنها تدخل في سجل جهادك؟

أحمد ياسين:

شوف يا أخي، هم حاكموني على هذا الشيء، عندما أعترف به فهم حاكموني عليه. قضية حوكمت عليها وانتهيت وأغلق ملفها، والتاريخ لابد أن يعرف الحقيقة.

أحمد منصور:

بعد توجيه الاتهامات إليك ماذا حدث؟

أحمد ياسين:

طبعاً نقلت إلى السجن ثم بدأت المحكمة، وكنت طبعاً في (إيريز) أكثر من مرة وانتهى الحكم. كان عندي سبعة محامين بيحضروا محاكمتي، فكلهم أجمعوا...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

فيهم حد إسرائيلي، أم كلهم من العرب؟

أحمد ياسين:

لا، فلسطينيين من غزة.

أحمد منصور:

فلسطينيين.

أحمد ياسين:

بس كان أحد إخواننا اللي هو بيرأس الدفاع المباشر عني من داخل .. من 48 هو عبد الملك دهامشة، كان هو يعني اللي بيدافع مباشرة، كانوا بيطرحوا عليَّ قبل الحكم أنه بس مجرد تاخد لك عشر سنوات، بالكثير 15 سنة...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

من كان يقول هذا: المحامين أم الإسرائيليين؟ المحامين.

أحمد ياسين:

كلهم، المحامين، وأنا كنت أضحك عليهم، وقلت لهم: هذا الكلام مش معقول، لازم يعطوني مؤبد، قالوا: يا راجل! قلت لهم: بأقول لكم شوفوا، فرضنا ناخد القرار طبعاً صدر القرار مؤبد وفيها كمان 15 سنة متداخلة.

أحمد منصور:

يعني المحامين كانوا يرون أنك لن تقضي أكثر من 15؟

أحمد ياسين:

لأن المحامي في دفاعه عني قال لهم: طيب، ما دام أن الراجل علم بالجنود بعدما قتلوا توجهوا له تهمة القتل ليش؟! فالنيابة اقتنعت وقالوا: ماشي بنقيمها عنه، قالوا: ما دام ما قتلش، وما أمرش بالقتل للعملا، هو أعطى فتوى دينية، طب توجهوا له القتل ليش؟! فهم شالوا تهمة القتل مع النيابة، ولكن عند المحكمة الحاكم ما رضيش بالكلام هذا، وأصر بأن هو متهم بقتل الجنود وقتل العملاء، حتى صار يصورها يعني بشكل حزن، بأنه كيف هذا قلبه قاسي، وكيف قتل وكيف .. عشان يصدر القرار بتاعه.

أنا عارف أنه لازم أن يقول قرار. شوف إحنا لما بننشئ خلية عسكرية ما بنقولهاش: روحوا واقتل فلان أو علان، هو معاه مطلق العمل العسكري، هو حر يقرر متى يقتل وأين يقتل ومتى يجاهد، وما لنا علاقة فيه، هو بيتكون وبيشتغل بالطريقة اللي بيراها مناسبة، هو صاحب الميدان وصاحب المعركة، ما بنصدر له أوامر إنه اقتل وما تقتلش. عشان هيك هو لما قتل وعمل وعمل، عنده تفويض أصلاً مسبق بأن يواجه ويقاتل، ما فيش حدود لهذا العمل.

أحمد منصور:

يعني هناك ضمانات على أن هذا الشخص لن يفعل شيء فيه خلل أو إخلال أو مخالفة للضوابط الشرعية؟

أحمد ياسين:

لأنه أصلاً إحنا بنختاره مسلم، نختاره ملتزم إسلامياً في دينه وعباداته وأخلاقه، فهو ملتزم بالقوانين الشرعية، وملتزم بالحدود الشرعية لا يخرج عنها أصلاً بطبيعته، بتربيته، بوجوده.

أحمد منصور:

لكن ذكرت لي حضرتك في حلقة سابقة إن حدث خطأ وقُتل أحد العملاء، وأنكم دفعتم دية له.

أحمد ياسين:

نعم، هو كان يريد أن ينتزع معلومات يراها عنده، ولها حيثياتها من شخص معين، طبعاً لما واجهه .. بعض الناس بيكون عنده ضغط، بعض الناس ما فيش تحمل ... تحت أي هوامش طبيعية ممكن يموت الإنسان، ولم تثبت عليه الجريمة، إنما كل القتل هذا مش متعمد. إحنا ما عاوزين نقتله ولا بدنا نقتله...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني لم يقتل، وإنما مات لظروف صحية؟

أحمد ياسين:

لظروف خاصة به، يعني ممكن أي ضربة تكون مش قاتلة وتقتله، إحنا ما بنكون عاوزين نقتله، بس بدنا نريد نأخذ منه المعلومات اللي عاوزينها، لنعرف وين نمشي مع العملاء اللي بيخترقونا وبيهاجمونا وبيعملوا على ضرب خلايانا، من وين نعرف؟ فكونه يموت في هذه الحالة بنكون إحنا فنعتبره قتيل خطأ، ومن حقه يأخذ الدية.

أحمد منصور:

هل كنت على علاقة بحماس أثناء فترة محاكمتك واعتقالك؟

أحمد منصور:

الحقيقة أنا طول عمري بأثق في الناس اللي ورايا وما بأتدخلش في شغلهم، إذا دخلت السجن خلاص أعتبر حالي سِبْت العمل والقيادة، عليَّ الآن أهتم بوجودي اللي أنا فيه، الظرف اللي أنا فيه، ما أتدخلش فيهم، لكن بأتابع أخبارهم وأسمع ما يجري، إذا فيه ملاحظات بأرسلها وبحذر منها...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني فيه ملاحظات كنت ترسلها؟

أحمد ياسين:

طبعاً، يعني في فترة كان فيه عملية قتل عملاء كثير أنا كنت مستاء جداً، وبعت عليها رسائل بأنه ما بصيرش هذا لازم نكون متأنيين، لأن الحياة البشرية مش سهل نتخلص منها بسرعة، لابد من ضوابط، لابد من حدود، فيه تعذيب في السجون كان للعملاء، ولما سمعت عنه استأت جداً، وجهت رسالة...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

كان على أيدي..

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

وجهت رسالة للسجون في الداخل اللي أنا فيها، طبعاً لنا طرقنا أنا معزول صحيح، يعني ما حدش يتصل بي، لكن فيه لي طرق لأبعث رسائل، هذه الطرق الفنية بتاعة السجناء.

أحمد منصور:

هذا التعذيب اللي كان يتم داخل السجون كان يتم على أيدي أناس من حماس؟

أحمد ياسين:

من حماس بيحققوا معهم على .. ثبت عندهم...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

النائب العسكري لك كم أخذ من سنوات في السجن؟

أحمد ياسين:

هو النائب الأول .. كان لنا نائب أول هو صلاح شحادة وأخذ عشر سنوات، اللي بعد القائد الأول بعد لما اعتقل الأول صار فيه قائد ثاني للعمل العسكري فهو لسه ما مارسش عمله كتير .. فترة قليلة تم اعتقاله في ضربتنا عام 89، فأخذ ستة سنوات وروَّح.

أحمد منصور:

هذا حوكم معك؟

أحمد ياسين:

لأ، مش معايا في نفس الجلسة، بس في نفس الـ...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

نفس القضية؟

أحمد ياسين:

نفس القضية، نعم.

أحمد منصور:

تم اختيار مسؤولين عسكريين بعد ذلك طبعاً.

أحمد ياسين:

بالتأكيد.

أحمد منصور:

كيف كنت تتابع العمل العسكري لحماس...

أحمد ياسين [مقاطعاً]:

أنا بعد هذه الفترة قلت أنني ما بأتدخلش، وبيشتغلوا، لكن كنت أبعث نصائح توجيهات إذا وجدت هناك خلل، أما من اللي صار قائد عسكري بعد هيك؟ ما أعرفش. إحنا كنا نسمي العمل الأول (المجاهدون الفلسطينيون) اللي إيجوا بعدنا قالوا: لا، بدنا نسميه (كتائب عز الدين القسام).

أحمد منصور:

متى تم اختيار هذا الاسم؟

أحمد ياسين:

يبدو أن هذا الكلام صار بعد 90، 1991م.

أحمد منصور:

إيه أسباب اختيار اسم كتائب عز الدين القسام؟

أحمد ياسين:

أنه يعني الإخوة بيتصوروا أن عز الدين القسام قدوة في الاستشهاد في فلسطين، قدوة في مقاتلة اليهود والبريطانيين، ثم نفذ ذلك عمليات استشهاد على أرض فلسطين، وهو أصلاً سوري جاء من سوريا إلى فلسطين وقاوم، وعمل مجموعات في مواجهة الاحتلال البريطاني في قرية (يعبد) في شمال فلسطين واستشهد. فواحد قاوم وقاتل واستشهد، يعني أن تعطيه رمزية الجهاد شيء ممتاز جداً، كويس.

أحمد منصور:

كيف كان سجنك بعد الحكم عليك بالمؤبد؟

أحمد ياسين:

والله أنت عارف كان السجن رغم ضيقه وظلماته وضغوطه النفسية على الإنسان وتعرضه لسوء التغذية وسوء العلاج وسوء المعاملة من السجانين، إلا أن الإنسان المؤمن يجد في السجن متعة، المتعة من أن هو يتفرغ في علاقته مع الله، علاقة العبادة وعلاقة القرآن، أنا أكملت حفظ القرآن في السجن، ما كنتش لسه حافظه...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

في السجن الثاني هذا؟

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

نعم، كنت حافظ كميات، لكن ما عنديش وقت أحفظ، في هذه السجنة في سنة 90 أنهيت .. أكملت القرآن الكريم، اطلعت على التفاسير، اطلعت على التاريخ الإسلامي، اطلعت على أصول الفقه، اطلعت على كتب اللغة العربية، اطلعت على دراسة الفقه الإسلامي في مجلدات، 23 مجلد للأستاذ محمد نجيب المطيعي اللي كان بيكمل كتاب الإمام النووي رحمه الله...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

"المجموع".

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

"المجموع" للنووي، يعني كان الإنسان في فترة سجنه هي فترة دراسة وعلم، فترة عبادة ومعنويات روحية عالية جداً لا تتصورها قد إيش! إنسان عمال كل يوم بيصلي صلواته، وبيقرأ من القرآن، يعني أنا كنت بأقرأ أربعة أجزاء في اليوم في صلاة السنن بس، مش في الفرائض، بس وأنا بأقرأ في السنن انظر كيف تكون روحه المعنوية، كيف حاله؟! الحقيقة هي كانت أعلى حياتي المعنوية في ذلك الوقت.

أحمد منصور:

كيف كان الإسرائيليون يتعاملون معك؟ صف لنا شكل الزنزانة التي قضيت فيها سجنك وأسلوب التعامل معك.

أحمد ياسين:

اللي كان بيهمهم معايا في التعامل في قضيتين، يضيقوا عليَّ من حيث الاتصال الخارجي، يعني المعلومات، الصحافة، من حيث التغذية، من حيث العلاج، بس يهمهم أن يحافظوا على هذا الإنسان ما يموتش، بدهم إياه يظلوا ولو كل الأمراض فيه، مش مهم الأمراض فيه بس ما يموتش ويوم ما يحسوا أني وصلت إلى مرحلة من الخطر للحياة تنقلب الدنيا عندهم، ويصيروا قلقين لأنهم ما بدهمش إياي أموت.

أحمد منصور:

ليش؟

أحمد ياسين:

هم بيعرفوا أن واحد زي الشيخ أحمد إذا مات في السجن بيؤثر عليهم في الشارع، وبيؤثر على تاريخهم، ويؤثر على .. وهيلاقي ردة فعل كبيرة في الشارع من المقاومة ضدهم. طيب، هم واجهوا يعني مقاومة عنيفة لمجرد قائد بسيط من إخواننا القياديين لما قتلوه، فلما يقتلوا الشيخ أحمد في السجن يعني حاجة طامة بالنسبة لهم.

أحمد منصور:

من الذي واجهوه؟

أحمد ياسين:

أذكر أني أنا أصبت بالتهاب رئوي في السجن، وارتفعت درجة الجرارة إلى 39.5...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

سنة كام؟

أحمد ياسين:

هذا في 87 قبل الخروج من السجن، وارتبك السجن...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

97 تقصد.

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

97 آه مش 87 .. لا، آسف 97، فارتبك المستشفى يعني فيه مستشفى في السجن داخل السجن، فنقلوني من مستشفى السجن على طول إلى مستشفى خارجي في الرملة، منطقة مستشفى .. في الرملة موجود مستشفى ... ومدير الصحة في السجون واقف والكل، وأعطوني علاج خافض للحرارة، وأنا نايم بأتطلع فيهم وأضحك، ويقول لي مدير الصحة لسجون: أنت بتضحك وإحنا قلقين حواليك؟ قلت له: هي كام موتة؟ ما الواحد بيموت موتة واحدة، ومادام بيموت موتة واحدة ليش يزعل؟! أهلاً وسهلاً، فهو كان خائف يعني من نتيجة الـ...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

لكن بشكل عام طوال الفترة الماضية كانوا يتركوك إذا صحتك تدهورت، في كثير من الأحيان كانت الصحف تتناقل أن صحتك متدهورة والإسرائيليين لا يعطون لك رعاية وأشياء من هذا القبيل.

أحمد ياسين:

يعني هو بيديني علاج للأذن طول وجودي في السجن، خلص ها العلاج تطيب، ما تطيبش، ها بنعطيك علاج، كويس؟ يعني قلت له: ظهري، ومش قادر لما أصبت أنا بوضع ظهري هناك في السجن خدت دوا، يقول لك: وإيش أعملك؟ هو أني الله؟ لكن بيدوا لك علاج بالقدر اللي يحافظوا على حياتك، وطبعاً برضه كمان شيء جيد أن يحافظوا على حياتك.

أحمد منصور:

هل كنت في الزنزانة أم في المستشفى طوال الوقت؟

أحمد ياسين:

لا، في المستشفى، كنت في غرفة فيها المرافقين اثنين، كانت الغرفة واسعة، كانت كويسة.

أحمد منصور:

طول فترة سجنك قضيتها في المستشفى؟

أحمد ياسين:

لا، بس من بداية 96 و1997م.

أحمد منصور:

لكن قبل ذلك؟

أحمد ياسين:

كنت في السجن.

أحمد منصور:

كنت في الزنزانة؟

أحمد ياسين:

كنت في .. هم نقلوني ثلاث مراحل في السجن...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

مرحلة مرحلة صف لنا.

أحمد ياسين:

المرحلة الأولى لما طلعت من زنازين التحقيق وكنت "كفاريونا"، وهناك اختاروا لي غرفة منفردة في قسم الجنائيين، زي ما قلت لك مترين ونصف في مترين، فيها الأسِرَّة، فيها دورة المياه وفيها الحمام وفيها المغسلة، يعني يدوبك تقدر تتحرك فيها. سجن، ولها كوة صغيرة بس 30 سم × 30 سم اللي تنفس عليك، وقعدنا فيها 89 و90 و91 و1992م، ثلاث سنوات فيها...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

92 صدر الحكم عليك.

أحمد ياسين:

لا، في الـ 90 صدر الحكم

أحمد منصور:

في الـ 90 صدر الحكم.

أحمد ياسين:

في 92 من كتر ما أشكي وييجي الصليب وأوريه الـ.. قرروا يوسعوها، فكان جنبها غرفة صغيرة مترين ونص × مترين أضافوها لها، صارت –يعني على كل حال- فيها تهوية فاعتبروها يعني إن هذه غرفة لوكندة...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

First class, Five Stars.

أحمد ياسين:

خمس نجوم، فندق خمس نجوم.

أحمد منصور:

من كان يساعدك ويقوم على خدمتك؟

أحمد ياسين:

كان معي شباب من الحركة يجيبوهم كل شهرين ثلاثة، كل شهر .. يجيبوا ناس ويغيروهم...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني شباب حماس يأتوا يقضوا معك...

أحمد ياسين [مقاطعاً]:

نعم، آه هم بيخدموني.

أحمد منصور:

كل شهر شهرين يقضوا معك داخل السجن.

أحمد ياسين:

اثنين ويروحوا بدالهم...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يناموا ويأكلوا ويشربوا ويعملوا، يعني مسجونين معك؟

أحمد ياسين:

طبعاً معايا في نفس الوضع اللي أنا فيه، طبعاً مش اليهود اللي كانوا يختاروا، في الأول اليهود كانوا يختاروا على كيفهم، في الآخر إحنا قررنا إن إحنا اللي نختار مين ييجي، فصارت الحركة لما تطلب إسرائيل بدنا اثنين يخدموا الشيخ، الحركة في أي سجن تقول لهم: هي اثنين، مش هم اللي يختاروا، إحنا نختار اللي بدنا إياه.

أحمد منصور:

وكانوا يأتوا من السجون المختلفة؟

أحمد ياسين:

نعم.

أحمد منصور:

في أي سجن أنت كنت؟

أحمد ياسين:

قضيت فترة اعتقالي حتى آخر 95 في سجن كفاريونا اللي هو في (بيت ليث) منطقة (طولكرم) في آخر 95 نقلت إلى سجن (تلمونت) كانوا عاملين قسم خاص معزول خالص لي بس أوسع، فيه غرفة كبيرة طويلة وفيه حمام ودورة .. يعني فيه .. لكن معزول تماماً عن العالم، لا ترى إلا الجنود فيه، لا مدنيين ولا عسكريين، في السجون هذه كنا نشوف الأمنيين، بس لا نرى أحد، قضينا من 17/9 حتى 4/1/96 في هذا المكان، ثم نقلنا إلى المستشفى.

أحمد منصور:

كيف كانت الزيارات تتم إليك؟ كان يسمح لمن يريد أن يزورك بزيارتك؟

أحمد ياسين:

لا، كان بيسمح لأهلي، عيالي وبناتي وأولادي، الأولاد كانوا ممنوعين بيجوني كمان...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني الذكور ممنوعين؟

أحمد ياسين:

ممنوعين. كانوا البنات اللي بيجوني بس، كانوا في فترة سابقة بيسمحوا للأولاد وأخواتي وبعض أقاربنا القريبين بيجوا، وبعدين منع كله، حتى أولادي منعوا، وما ظلش يجيني إلا بناتي وزوجتي. وفي الآخر طبعاً البنات صاروا بدهم كمان تصاريح لهم، وصارت تجيني زوجتي لحالها، كانت يعني الزيارات صعبة، كان يمضي على مرات ستة شهور بأزورش...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ما أحد يزورك؟

أحمد ياسين:

ولا واحد يزورني من أهلي، يعني ما فيش زيارات، كانت تمر فترات يعني صعبة ما بأشوفش الأهل أو نشوف الناس. كانوا طبعاً لما بتيجي -زي ما أنت سامع- أنا ما بأسمعش يجيبوا لي شرطي جنبي يسمعني إيش يأتكلم أنا وزوجتي، في الآخر بده هو يترجم لي إيش بتقول زوجتي كمان...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

الشرطي؟!

أحمد ياسين:

يا نهار! متعبة فقررت ما بديش زيارات، في آخر يوم طلعت فيه قلت لزوجتي: لا تعودي إليَّ أبداً.

أحمد منصور:

هل ضعف السمع عندك وكذلك عينك من آثار الضرب والتعذيب اللي تعرضت له؟

أحمد ياسين:

لا هو التهاب قديم، بس هم ما كانش عندهم عناية في علاجهم، فأخذ يمتد ويزيد مش مهتمين بالعناية خالص.

أحمد منصور:

ذكرت لي أن بعض الأطباء الفلسطينيين المقيمين في الخارج كانوا زاروك وقالوا إمكانية إجراء العملية، هل كان يسمح لهم بالزيارة؟

أحمد ياسين:

من قطاع غزة كان مرفوض بتاتاً، يصلني ولا دكتور، سمحوا بزيارة أطباء من الداخل من الخط الأخضر، من أهلنا من 48، وكانوا يسمحوا ببعض الأطباء من

الضفة الغربية، وكانوا بيكتبوا تقارير ما لهاش قيمة، تكتب تقارير وخلاص مع السلامة.

أحمد منصور:

يعني فرصة أن تحدثنا عن حياتك الاجتماعية، ولم تحدثنا عنها، متى تزوجت وأولادك وعائلتك؟

أحمد ياسين:

طبعاً أنا -زي ما قلت لك- خلصت توجيهي عام 1958م، وبدأت أشتغل في نفس العام 4/10/58 وبديت في المرحلة الأولى أهتم بالعلاج، سافرت مصر 59، وفي 61 للعلاج هناك في مصر، في 61 قررت الزواج...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

في 1961م؟

أحمد ياسين:

نعم، وبفضل الله تزوجت، وبدأ عندي الإنجاب، صار عندي .. ماتوا الأوائل الاثنين، أولادي الاثنين في الأول...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ربنا يرحمهم.

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

وبقي عندي الآن 11 ثمانية بنات وثلاثة أولاد، وجيش كبير يعني.

أحمد ياسين:

ما شاء الله. ربنا يبارك.

أحمد ياسين:

الحمد لله رب العالمين.

أحمد منصور:

شيخ كيف كانت تتم عملية الاتصال الخارجي بالنسبة لك؟ كيف كنت تجري اتصالاتك؟

أحمد ياسين:

طبعاً أنا بالنسبة لأهلي ما كنتش بأرشحهم للاتصال، لأنني مش مستعد أن أدخل بناتي في أمور ليست صحيحة. ثانياً: أنهن مش على مستوى أنهن يتحملن أعباء المسؤوليات، لكن أنا كنت أتصل عن طريق السجناء، يعني أنا عندي اثنين الآن بعد شهر ونصف بدهم يمشوا من عندي، أحملهم الرسالة اللي بدي إياها وتنتقل إلى السجن الثاني، وتطلع بره، بل في الفترة الأخيرة كنا متفقين على نقطة ميتة بيننا وبينهم في دورة المياه...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

النقاط الميتة دي لازالت سر إحنا عاوزين أن نفهمه.

أحمد ياسين:

طبعاً هذا يشرفنا، نستقبل رسائل ونودي رسائل على كل السجون، وهذه طريقة شغلنا، أقول لك السجين بيحمل رسائل وهو طالع من السجن، لو حرروه كله ما بيعرفوش وين الرسائل، لأنها كبسولة وبلعها وبعدما يصل إلى السجن بتاعه، ينزلها وبيغسلها ويفكها، ويعمل اللي بده إياه فيها، وتكون (مجلتنة) وملفوفة بنايلون.

أحمد منصور:

أثناء فترة اعتقالك في السجن كان كثير من وسائل الإعلام لاسيما الإسرائيلية، حتى كانت تجري معك حوارات ولقاءات، وكنت تبدي آراءك في القضايا القائمة على الساحة، وكأنك تعايشها لحظة بلحظة رغم وجودك في السجن. كيف كانت تتم عملية المتابعة والمعايشة لما يحدث في الخارج؟

أحمد ياسين:

كان عندنا راديوهات في السجن، وكان عندنا تليفزيون في السجن، بس اللي كانوا ينغصوا علينا فيه الجرائد، الصحافة، كان الجريدة يجيب لك إياها بعد أسبوع، بعد 15 يوم تكون الأخبار اللي فيها باتت، لأن الجريدة تحمل من أنباء الأهل والوطن وحركة المجتمع غير الراديو أو التليفزيون، فكانوا يتعبونا في الجرائد، تجيب لك إيها بعد أسبوع إيش بدك فيها؟! بعد 15 يوم إيش بدك تقراه؟!

طبعاً كانوا بينغصوا علينا مثلاً تكتب حاجة يصادروها، يفتشوك وإذا لقوا ورق بدهم .. الجريدة كانوا يصادروها في الأول من عندي، مقالات كنت أختارها من الجرائد وأحطها عندي في ملف صادروها، يعني ما بدهمش يخلوك تتمتع بحرية زي ما أنت عايز يعني، وأنت طالع للفسحة يفتشوك وأنت نازل يفتشوك، يعني تفتيش كل يوم، يفتحوا الغرفة ويقعد يفتش ويقلب (الأواعي) فوق تحت.

في يوم جينا لقينا الغرفة كلها مقلوبة فوق تحت، فعملت إضراب عن الطعام، قلت إيش شو هذا؟ اللي بده يفتش يفتش بس يحط كل شيء محله، لكن لما تحط لي العدس على سريري، على القواعد، وتقلب لي كل شيء وترمي لي إياه في نص الأودة وتطلع هذا مش تفتيش والله وأسكت، وأضربنا عن الطعام، ولما إيجي قال: طيب خلاص إحنا بعد هيك بنفتش ما بنعملكوش المشاكل هذه.

وفكنا نضرب عن الطعام في مناسبات إضراب السجون مثلاً نضرب عن الطعام، لما يكون مثلاً اغتيال زي فتحي الشقاقي أضربنا عن الطعام يوم كامل احتجاجاً على العملية...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

وعلمتم بالنبأ في حينه؟

أحمد ياسين:

طبعاً.

أحمد منصور:

من خلال الراديو والتليفزيون.

أحمد ياسين:

طبعاً. قلنا اليهود إنه .. لا، ما كانش فيه اتصال، بس بعدما بيطلع الشباب من عندي اللي كان معايا أو إحنا بنبلغ الزيارات الأهل بالكلام هذا، بالمكشوف إحنا احتجاجا على اغتياله مضربين عن الأكل، مش يعني شيء مخفي، تضامناً مع إخواننا في سجن كذا إحنا مضربين عن الأكل، هكذا.

أحمد منصور:

تذكر أمور أخرى بارزة تمت في السجن أثناء فترة اعتقالك قمتم بها مثل عملية الإضرابات أو غيرها؟

أحمد ياسين:

كنا نُضرِب عن الفورة، نُضرِب عن الأكل -مثلاً- نُضرِب عن الزيارة يعملوا معانا مشاكل نقول لهم: خلاص ما بدناش نروح، ما عدناش نروح، إحنا بنواجههم يعني أكثر بالبطون الجائعة زي ما قالوا، حربنا معهم بطون جائعة، وهذا كان بيؤثر عليهم يعني، لأن مدير السجن بده السجن يكون هادي يبين أنه راجل ناجح فإذا صار عنده مشاكل وإضرابات، فبيدل أنه فاشل وبده يتغير.

أنا طبعاً كانت يمكن أوضاعي لأن عدد اللي معايا اثنين وأنا -ثلاثة- قليل المواجهة، بس المواجهات في السجون غير .. تصل إلى حد الضرب والتكسير ورش الغاز والإغماء والسجون، يعني حاجة مش قليل في السجون، كثيراً تحصل هذه...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

المواجهات بين السجناء؟

أحمد ياسين:

بين السجناء والسلطة، يحرموهم من الزيارات، يحرموهم من .. يعتقلوهم، ينفوهم من سجن إلى سجن حتى لا يستقر السجين. يوم أكون في السجن هذا بعد شهر والثاني أرحل وين؟ عا (السبع) بعد شهر والثاني يرحل من وين؟ على كفاريونا، بعد شهر والثاني من وين؟ على غزة، بعد .. وين؟ حتى يظل السجين في قلق، مش مرتاح، مش واجد نفسه حتى لا ينفذ برامج التربية والدراسة كمان في .. بيظل الإنسان..

فهم لهم وسائلهم السيئة في الضغط على السجين في الترحال والتنقل والطعام والعلاج، تلاقي السجن يضرب عشان بده يودي مريض عا المستشفى ليش مهملينه؟ ليش ما ديتوش؟ يقولوا: ما هو الدور ولما ويستنى، يعني واحد بده يعملوا له عملية -مثلاً- خطيرة، يقعد سنتين وثلاثة عشان يودوه عا المستشفى بحجة أنه المستشفى مليان، والدور..

أحمد منصور:

شيخ، كيف كنت تتابع العمليات العسكرية لحماس، خاصة وأنها في فترة سجنك أخذت أبعاد وآفاق كبيرة للغاية؟

أحمد ياسين:

هم كانوا يريدوا يظهروني في الإعلام عشان أعلق على هذه العمليات، وأنا طول الوقت كنت أقول لهم: إنه أنا بأرفض قتل المدنيين، وأنا مش معاه، لكن أنتم بتجبرونا على هذا، أنتم بتروحوا تقتلوا، بيصير رد فعل، إنتو ابعدوا عن المدنيين نبعد عن المدنين. وبعدين كمان يمكن كنت أقول لهم: وطب وأنا وإيش دريني إنه راح يقتل مدنيين؟ يمكن رايح لثكنات عسكرية، وانفجرت فيه في الباص قبل ما يصل! يمكن علشان عملية .. وضع وظروف أخرى مختلفة للعمليات اللي كانت بتصير، فهم بيسألوني: طب يعني .. مرة بيقولوا لي: طب إيش حالة نفسيتك وأنت بتطَّلَّع التفجير اللي صار جنب كفاريونا هذا؟ كيف نفسيتك؟ قلت لهم...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

جنب السجن .. جنب المستشفى؟

أحمد ياسين:

لا، اللي قبله كفاريونا صار فيه تفجير في (بيت ليد) وقتل حوالي 21 جندي في التفجيرين، وكنت أنا قاعد في الساحة وبأسمع التفجيرات جنبي يعني بس 50 متر بيننا وبينهم. فطبعاً ايجوا بالعجل وحملوني، ودخلوني الغرفة، وسكَّروا عليَّ...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

التليفزيون الإسرائيلي؟

أحمد ياسين:

لا، الصحافة الإسرائيلية مش على التليفزيون، فقالوا .. قلت لهم: والله .. والله أنا كنت حزين، فانبسطوا حزين يعني الراجل .. فقالوا: كيف حزين؟ قلت لهم: لأن سفك الدماء لم ينتهي بعد، ها الحزن بتاعي، إنه ما انتهاش السفك لسه ماشي مستمر إن شاء الله في الطريق.

أحمد منصور:

هذا يفهم على كل الوجوه.

أحمد ياسين:

على كل الوجوه، كانوا بدهم مني أوجهه علشان نوقف العمليات، قلت لهم: هذا كلام مش معقول، وقفوا أنتم كل شيء بيقف، تعالوا نبعد المدنيين عن الصراع وإحنا جاهزين، أما بدكم إياي أقول لجماعتنا: وقفوا وأنتم ما بتوقفوش مش معقول هذا الكلام.

أحمد منصور:

لكن كان هم على ثقة أنك لو وجهت مثل هذا النداء سيسمع له؟

أحمد ياسين:

هم هيك فاهمين، هم بيجسوا نبض الشارع، وأن الشيخ أحمد له تقديره وله دوره في الشارع الفلسطيني، فإذا قال كلمة تسمع، وخاصة من أبناء الـ.. ولذلك لما جوا لي في قضايا المختطفين أيام (نسيم توليدانو) اللي أبعدوا على آثارها إخواننا اللي فوق الـ 400 إلى مرج الزهور...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

إلى جنوب لبنان، نعم.

أحمد ياسين:

وخلوني أوجه نداء وكذا، ولما جوني أيام، الاختطاف الثاني (نخشون فارتمان) اللي كان...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

أنا أرجو أن إحنا نأخذ دي واحدة بواحدة بشكل من التفصيل شوية، يعني حينما .. يعني الأشياء الأساسية أو المحورية التي جاءك فيها الإسرائيليون يطلبون تدخلك أو تعليقك فيها.

أحمد ياسين:

بأقول المرة الأولى كانت اختطاف نسيم توليدانو اللي اختطفته مجموعة من القدس وعلى أثرها رابين أبعد الـ400 في 1992م فجاءوني قبل ما ييجوني إلى العصر إيجت الـ…

أحمد منصور [مقاطعاً]:

هذه كانت أول مرة؟

أحمد ياسين:

أول مرة.

أحمد منصور:

أول مرة.

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

فجاني مدير السجن وضابط الأمن وأخذوا التليفزيون وأخذوا الراديو من عندي، ما عنديش خبر، مش داري إيش .. إيجه المغرب قالوا: الأكل، قلت لهم: بلاش أكل، مضربين عن الأكل، إنتو تأخذوا التليفزيون والراديو ليش؟ هم بدهم يمنعونا نسمع الخبر وإحنا مش داريين، والله شوية إلا جايين مدير الشؤون العربية القديم اللي كان في غزة، ومعاه النائب بتاعه ضباط من ضباط الجيش، كولونيل، اثنين ودخلوا عليَّ، وقالوا: إحنا جايين نتكلم معك شوية، فيه جندي مختطف، ناس مختطفينه، ناس كذا بهذا المعنى، قلت له: إيش بدك مني يعني أوجه كلمة...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

هو قال لك أن حماس اللي مختطفاه؟

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

.. هو ما قالش لسه، قلت له: بدك أوجه كلمة، قال: يعني، قلت له: أنا مستعد هات تليفزيونك وتعال، قال هم: ليش اختطفوه لهم مطالب، قلت له: اسمع لهم مطالب، نفذوا لهم مطالبهم، ما بأعرفش إنهم بيطالبوا في أني .. أنا مش عارف إنهم يطالبوا في أنا قال، قلت له: طبعاً اللي يختطف له مطالب، قال: بس ليش يختطفه؟ قلت له: وأنتم ليش اختطفتوا؟ ليش اختطفتم عبدالكريم عبيد، ومصطفى الديراني من لبنان، قال لنا أهداف ولنا مصالح، قلت: وهم لهم أهداف ولهم مصالح، نفذوا لهم مطالبهم.

أحمد منصور:

هذا كان من التليفزيون الإسرائيلي؟

أحمد ياسين:

هذا الكلام كان قبل التسجيل، قبل ما ييجي التليفزيون، لكن هم كانوا مرتبكين إيش يسألوني؟ لدرجة أن أحد الجنائيين الذي كان بيجيب معهم الأكل، هم بيشرفوا عليه كان تحت لما إيجوا، وقال أن كانوا المخابرات تحت بيكتبوا الأسئلة لبتاع الـ...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

للتليفزيون.

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

آه، بيحضروا له الأسئلة، فلما إيجه المراسل بتاع التليفزيون وشاف الأسئلة ما رضيش فيها مزَّعها، وقال لهم: ما بأستخدمش أسئلتكم فكانوا بيتقاتلوا معاه، فين إيه وإيه اللي بيسألوا؟ إيش يسألوا؟ والحمد لله كانت المقابلة مش في صالحهم.

أحمد منصور:

تفتكر أهم الأسئلة والإجابة؟

أحمد ياسين:

يعني مثلاً بيقول: إنت إيش رأيك فيه جماعة مختطفين جندي، وها دول يعني بدهم يقتلوه الساعة 9 ميعاد قتله، إحنا جايين لك إنك توجه لهم نداء بلاش يقتلوه وكنا .. قلت لهم: أنا معاكم أن هذا أسير، وبأدعوا الشباب ما يقتلوهش وهيحافظوا على حياته، قالوا: طيب، اطلب منهم مهلة، بدهم مهلة يومين أو ثلاثة، قلت لهم: إلا هادي، أنا ما أقدرش أعطيكم مهلة وهم أدرى بظروفهم، ثم أنا بأقول لهم: ما يقتلوش لكن مهلة، مدة محددة هذه قضية بتخصهم هم، هم يقدروا يتحكموا فيها، ومش أنا اللي بأتحكم فيها.

طبعاً هذا الكلام كان بيعني إذا تضايقتوا .. مات وهم فهموا هذا الكلام ولذلك لما سألوهم في التحقيق، طيب الشيخ قال لكم: ما تقتلوش، قالوا: أنه ما أعطيناش حدود معينة، وقال: إنه ما بأقدرش أعطيهم مهلة محددة، وهذا معناه أنه إذا تضايقنا إحنا نحقق .. فكانت المقابلة يعني من فضل الله مش في صالحهم...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

وكنت في ذلك الوقت علمت أنهم يطالبون بالإفراج عنك؟

أحمد ياسين:

بعد هيك عرفت.

أحمد منصور:

بعد ذلك، يعني المقابلة تمت مع التليفزيون دون أن تعلم؟

أحمد ياسين:

يعني تقريبا آه، والحمد لله الموقف كان جيد، وكانت المقابلة مش في صالحهم، في صالحنا، في صالح حركتنا، وفي صالح نشاطنا، هذه هي المرة الأولى اللي إيجوا فيها...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

سنة 92.

أحمد ياسين:

سنة 92.

أحمد منصور:

بعد ذلك.

أحمد ياسين:

المرة الأخيرة اللي كانت في سنة .. بعد ما إيجت السلطة في سنة أظن 94 أو 95، طبعاً الشباب برضه بدهم يطلعوا الشيخ أحمد من السجن، فاختطفوا جندي وحطوه في بيت في (بئر نبالة) وطبعاً الأمر كان ماس جداً لمدة أسبوع، وإسرائيل مش دارية إيش تعمل. للأسف الشباب عملوا تسجيل صوتي على فيديو وأرسلوه إلى غزة علشان ينشر للإعلام و... على إسرائيل.

إسرائيل طبعاً بدأت تفاوض، ومستعدة تطلق سراح الشيخ أحمد، بس الشباب ما بدهمش الشيخ أحمد لحاله، بدهم عبد الكريم عبيد، وبدهم الديراني، وبدهم أسرى، وبدهم كذا، فإسرائيل أعطت أمر بأننا مستعدين نطلق سراح الشيخ، أحمد، بس أطلقوا الجندي، إسرائيل تايهة ومخابراتها مش عارفة إيش تعمل، السلطة الفلسطينية اكتشفت الشريط وعرفت مين اللي جاب الشريط من القدس، التنسيق الأمني بلغ أن فلان اللي جاب الشريط، فاكتشف الشخص بتاع القدس اللي جاب الشريط، فاعتقل طبعاً وعُذِّب، فاعترف تحت التعذيب على المكان اللي فيه الجندي.

إسرائيل صارت توحي إنه بدنا نطلق السجناء، والسجناء وصلوا الحدود، ووصلوا (إيرنز) والباصات، وبيقولوا: مش عارف إيش، إسرائيل بتخطط لهجوم على البيت اللي فيه الشباب، الشباب لما جاءهم الجيش وحاصرهم، كانوا بيفكروا يأخذوني أنا معاهم على الباب، عشان أقنع الشباب يسلموا الجندي، وفي الآخر قالوا: لو شافوا الشيخ جاي بيعدموه، لا ما بدناش ناخده، ما جونيش، فلما الشباب شافوا هجوم الجيش حواليهم، وقالوا لهم: سلموا ما رضيوش قتلوا الجندي وقاوموا، وقتلوا كمان ضابط في الهجوم بتاعهم واستشهد اثنين، يعني هم استشهدوا، رفضوا التسليم، قتلوا المختطف، وقتلوا ضابط من ضباطهم المهاجمين واستشهدوا...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني واحد بواحد.

أحمد ياسين [مستأنفاً]:

آه، الحمد لله ما كانوش .. ما فيش استسلام، ما فيش حدانا حد يسلم نفسه خلاص مستعد يقاتل حتى الشهادة، وهي الساعة اللي أنا بدور عليها، أنا بدور على الشهادة وجاتني كيف أبطل عنها؟! … وفيه محاولات كثيرة كانت لتحرير السجناء، محاولة اختطاف الباص في رام الله، والشباب اللي استشهدوا، ثلاثة كادوا يموتوا، ماتوا اثنين، وواحد كان في غيبوبة حتى قررت إسرائيل أنها تلقيه إلى غزة إلى السجن إلى المستشفى، فوصل إلى المستشفى وربنا دب فيه الحياة من جديد، وطاب وإحنا الآن بنزوره وبنسميه (الشهيد الحي) مصاب بشلل نصفي في إيده ورجله وتزوج وأنجب.

أحمد منصور:

ما شاء الله!

أحمد ياسين:

آه، فيه رجال الله يجزيهم الخير، فيه محاولات كثيرة، تخطيط مسبق يكتشف قبل التحريك...

أحمد منصور [مقاطعاً]:

هذا موضوع السلطة سنأتي له ربما بالتفصيل في الحلقة القادمة، لكن أنا أود أيضاً فيما يتعلق بفترة التعامل الإعلامي الإسرائيلي معك. في أحد الحوارات ذُكِر -نقلاً- عن التليفزيون الإسرائيلي أنك اعترفت بإسرائيل، أو أنك قلت: لا بأس أن يكون هناك تعايش ما بين اليهود والـ...

أحمد ياسين:

هذه يعني كانت دبلجة إسرائيلية من المخرج، لأنه هو كان بيسألني أو طبعاً أنا لو اعترفت بإسرائيل ما كان ثاني يوم طلعت من السجن، هم كانوا بيطالبوني بهذا الكلام أنني بس أعترف، أوقف، أعمل، فكنت دائماً أقول لهم: هذا مستحيل إطلاقاً، لكن هو بيسألني: إيش موقفكم من السلطة؟ قلت له: إحنا نرفض أوسلو لكن مش مستعدين نتقاتل مع بعض، قال: طيب هم لو وصلوا، وأخذوا القدس، وعملوا دولة فلسطينية بتوافق عليها؟ قلت له: أنا طبعاً أوافق عليها على أساس أنه شيء موجود، شيء قائم يعني قال: طيب الدولة هذه وين هتكون؟ قلت: وين هتكون؟ هتكون جنب إسرائيل، فهو اعتبر هذا الكلام إنه أنا اعترفت بإسرائيل، أنا بأتكلم عن السلطة وموقف السلطة، وهي التي بتعترف، وهي اللي عايزه، فاعتبر مني هذه الدبلجة إني أنا اعترفت بإسرائيل، وطنطنوا فيها وذاعوها، لكن أنا ما كنت متأثر لأني أعرف بنفسي وأعرف بموقفي، ثم الناس أهلي في الخارج هم يعرفوا مين أحمد، مش سهل أنه يعطي هذه المعلومات، لكن الحمد لله مرت بسلام (أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وهيك طبيعة الصراع.

أحمد منصور:

في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نتحدث عن أوسلو، والسلطة الفلسطينية، وخروجك بعد ذلك من المعتقل.

أحمد ياسين:

نسأل الله السلامة.

أحمد منصور:

شكراً فضيلة الشيخ، كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. حتى نلقاكم في حلقة قادمة من برنامج (شاهد على العصر) هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله.