مقدم الحلقة أحمد منصـور
ضيوف الحلقة - الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس
تاريخ الحلقة 24/04/1999







الشيخ أحمد ياسين
أحمد منصور

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل حوارنا مع زعيم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين، مرحباً فضيلة الشيخ.

أحمد ياسين: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند زيارتك الثالثة إلى مصر نود أن نعرف كيف كانت هذه الزيارة وكيف تمت؟

أحمد ياسين: في الحقيقة إني أريد فقط قبل أن أجيب على هذا السؤال، أن أعقب على شيء قفزنا عنه في الحلقة الماضية.

أحمد منصور: اتفضل.

أحمد ياسين: وهو العدوان الإسرائيلي عام 56 على مصر.

أحمد منصور: نعم .

أحمد ياسين: وكان هذا العدوان طبعاً يجد مقاومة في الأرض المحتلة من كل الاتجاهات بما فيها الحركة الإسلامية في قطاع غزة، ولما تم الاتفاق على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، كان من شروط الاتفاق أن يصبح قطاع غزة تحت إشراف دولي، فلما علمنا في قطاع غزة بذلك خرجنا في مظاهرات صاخبة تهتف بعودة الإدارة المصرية إلى قطاع غزة، ونرفض الإشراف الدولي بل نريد أن تعود الإدارة المصرية، وكان للحركة الإسلامية دور كبير في مظاهرات صاخبة في المطالبة بعودة الإدارة المصرية إلى قطاع غزة وفعلاً تم ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى.

أحمد منصور: لكن الحرب في مصر كانت في المناطق الشرقية، وهي كانت نسبياً تعتبر قريبة منكم في غزة، فكيف كان إيقاع هذه الحرب وتأثيرها عليكم في غزة؟

أحمد ياسين: أولاً نحن في قطاع غزة بيننا مسافات كبيرة بين بور سعيد والإسماعيلية إحنا، فيه يمكن 200 كيلو، مسافات شاسعة لا نرى هذه نحن، فإحنا نرى الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، واستولى على القطاع، طبعاً وبدأ ينفذ تنكيله وقتله.. المجندين الفلسطينيين كانوا أيامها في الكتيبة الفلسطينية في جيش التحرير الفلسطيني هناك، طبعاً وبدأنا نقاوم هذا الاحتلال بالطرق اللي كنا بنقدر عليها بالنشرات، بالمقاومة، بالمظاهرات، بالصدامات، طبعاً هذا كله يعني..

أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني كانت هناك مواجهات عسكرية، وكان هناك قتلى وشهداء منكم في غزة؟

أحمد ياسين: كانت، بس يعني أنا لا أذكرها جيداً، بكمها ماكانتش يعني في ذلك الوقت زاخمة يعني فيها الزخامة والقوة، لم يكن يعني شيء مؤثر يمكن أن يلفت النظر، لكن طبعاً إحنا كل بيت القصيد اللي أحب أقوله إن إحنا رفضنا الاحتلال الإسرائيلي طبعاً لأرضنا، رفضنا التدويل لقطاع غزة والإشراف الدولي، وكان إصرارنا أنه لابد أن تعود الإدارة المصرية إلى القطاع، لإنه الإنسان مع أهله وجيرانه، لأن هم الشعب المصري دفع ثمن كثير في فلسطين، وشهداء كثير في فلسطين، فلا يمكن أن نستبدل إشراف دولي بدل الإدارة المصرية.

أحمد منصور: ما هو تقييمك لهذه الحرب بعد مرور ما يزيد على أربعين عاماً على حدوثها؟

أحمد ياسين: والله الحرب كانت حرب ظالمة، إنه إسرائيل بالاتفاق مع بريطانيا وفرنسا أرادوا أنهم يعني يعيدوا احتلال قناة السويس مرة أخرى.

أحمد منصور: هل ترى.. هل ترى أن هذه الحرب كان لها ما بعدها بالنسبة للرؤية التاريخية للأحداث وللحروب الكبيرة؟

أحمد ياسين: بكل تأكيد أنا في نظري إنه هذه أعطت دفعة قوية لمصر وتمكين لها في أرضها وفي قناتها، وأن تستعد لجولات قادمة، يعني خرجت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا مهزومة من هذه الحرب لأنها لم تستطيع أن تستولي على القناة وانسحبت دون أن تحقق أهدافها، وبذلك يعني ثبت لمصر حقها في قناتها وفي أرضها وكانت خارجة من هذه الحرب منتصرة، رغم إنه الإسرائيليين استولوا على سيناء ووصلوا إلى ضفاف قناة السويس، لكن أمام الضغط الدولي والمقاومة الشعبية المصرية اللي كانت ضد الإسرائيليين كان لابد أن ينسحبوا من سيناء كاملة.

أحمد منصور: لكن هذه الحرب ألم تساعد في تقوية إسرائيل واستئسادها وزيادة نفوذها في المنطقة على حساب الدول العربية؟

أحمد ياسين: في الواقع إنه فرنسا وبريطانيا استخدموا إسرائيل كمخلب قط لإيجاد العذر والسبب أن تتدخل فرنسا وبريطانيا في القناة وتعيد احتلالها مرة أخرى، بعد أن انسحبوا منها بعد الاتفاق.. بعد قناة.. الاتفاق اللي وقعته مصر معهم للانسحاب من قناة السويس وتسليمها للمصريين، وإسرائيل دائماً كانت يعني مستعدة وجاهزة للعدوان والاحتلال، لأن طبيعتها هيك، يعني هذه الحرب فقط ربما فتحت شهية إسرائيل لأن تقوم بمثل هذا العمل في مرات قادمة، وفي حرب قادمة، يعني أعطتها التفكير إنه التوسع عندها بيصير وممكن يصير وسهل إنه تتوسع فيه، وربما حرب 67 كانت يعني تستند إلى الاستراتيجية اللي أخدتها إسرائيل في عام 56 عندما استولت على سيناء وعرفت المنافذ والطرق، وكيف تدخل وكيف تخرج، وهذا سهل عليها الاستيلاء في ستة أيام كانت على ضفاف القناة في حرب 67.

أحمد منصور: لو انتقلنا الآن من حرب 56، وتقييمك لهذه الحرب، إلى سؤالنا الرئيسي حول زيارتك الثالثة إلى مصر؟

أحمد ياسين: في الحقيقة أنا بعدما بدأت أعمل مدرس، وزملائي الطلاب اللي كانوا معي في المدرسة خرجوا لظروفهم المادية كملوا دراسات جامعية وعادوا، فأحسست بالنقص، إنه أنا ما خدتش شهادة جامعية، وكنت متضايق من نفسي فقررت إني أعود وأقدم توجيهي مرة أخرى جديدة، وألتحق بالجامعة انتساب لكي أكمل دراستي، وفعلاً قدمت توجيهي ثاني، وتقدمت إلى جامعة (عين شمس)...

أحمد منصور [مقاطعاً]: سنة كام قدمت توجيهي؟

أحمد ياسين: 64.. في 64، وقبلت في جامعة عين شمس في قسم اللغة الإنجليزية، وطبعاً ذهبت إلى مصر وقدمت أوراقي والتحقت، وكل شيء، بذلك يعني.. وبعدين عدت إلى غزة كمدرس، وبعدين عدت في 65 لتقديم الامتحان، فعلاً قدمت الامتحان وعدت إلى غزة، لكن طبعاً ظروف الاعتقالات اللي صارت في 65 في مصر بالنسبة للإخوان والشهيد سيد قطب طبعاً أحالت دون عودتي إلى مصر مرة أخرى.

أحمد منصور: لماذا؟ هل كانت لك علاقات بالإخوان في ذلك الوقت؟

أحمد ياسين: الحقيقة أنا كنت –كما ذكرت لك- إني أنا إنسان إسلامي وتفكيري التفكير اللي كان بينهجه الإمام حسن البنا في رسائله وفي كتبه يعني أنا أحب حركة الإخوان، وأتمنى أن يعود للإسلام دوره ووجوده في الأرض، وكنت بأقوم بدور مدرس ودور خطيب في المسجد في ذلك الوقت، فطبعاً شملني الاعتقال في ذلك الوقت.

أحمد منصور: أعتقلت؟

أحمد ياسين: آه في 65 أعتقلت.

أحمد منصور: أعتقلت كنت في القاهرة أم.. ؟

أحمد ياسين: لا.. لا، وأنا في غزة 18/12/65، واستمر اعتقالي لمدة شهر وأفرج عني بعد ذلك.

أحمد منصور: لكن أنت يعني سبب الاعتقال يعود إلى علاقتك بقيادات الإخوان أو بالإخوان في مصر؟

أحمد ياسين: أنا ما كان لي علاقات بقيادات إخوانية، أنا كنت إنسان بأدعو إلى الإسلام وبأحب الإسلام ينتشر وهذه طريقتي في العمل، ما بيعنيني مين قيادات أو كذا، لكن طبعاً أنا بأطلع في التهمة المسجلة على الورقة اللي حملها الضابط اللي بيوديني على السجن فوجدت فيها الإخلال بالأمن، التهمة الإخلال بالأمن، فأنا ضحكت، وطبعاً الحمد لله قعدت شهر، هم حققوا معي على أساس علاقتي بالإخوان، وإيش علاقتي، وأنا قلت لهم ماليش علاقات، وما كانش أي.. يعني تهمة ثابتة في ذلك الوقت فطلعت بعد شهر.

أحمد منصور: الشهر اللي قضيته، قضيته في أي السجون؟

أحمد ياسين: في سجن غزة المركزي.

أحمد منصور: كان تحت القيادة المصرية؟

أحمد ياسين: طبعاً تحت القيادة المصرية، بس طبعاً مسؤول المخابرات كان فلسطيني في ذلك الوقت في غزة.

أحمد منصور: لكن كيف كانت التحقيقات، عن أي شيء سألوك...؟

أحمد ياسين: والله هم سألوني عن يعني علاقاتي بأشخاص معينين فمنهم من اعترفت إنه لي علاقات معهم، ومنهم ما ليش علاقات معهم، فعلاقتي بالإخوان وأنا قلت لهم ماليش علاقة في ذلك الوقت، سألوني عن بعض الأنشطة اللي كنت بأقوم فيها والكتب اللي كنت بأقرأها، حتى كانوا بينكروا عليَّ أني كنت بأحمل كتاب "خلق المسلم" للأستاذ محمد الغزالي في ذلك الوقت، يعني وأنا كنت مستغرب جداً، والشيء الثاني إني أنا وضعت لحالي في غرفة منفرداً في غرفة انفرادية مساحتها 6×8 بـ48 متر مربع وأنا لا أستطيع أغطي نفسي، ولا أستطيع أعمل..، يعني بدي أنام بدي نصف ساعة عشان أفرش البطانيات، عشان أحط جنبي عشان أحط راسي.. الكندرة تحت راسي اللي هي المخدة.

أحمد منصور: ماكانش أي مساعدة لك؟

أحمد ياسين: لا..لا مافيش حد يساعدني، يعني كنت عانيت إن مافيش لي مساعد في ذلك الوقت، وطبعاً كان الغطاء قليل بطانيتين في (أربعينية) في 12.. في 1 شهر (أربعينية) فالواحد كان عانى شوية من البرد و..، بينما التحقيق ماكانش فيه إيذاء بالنسبة لي كان مجرد أخذ وعطاء، حوار يعني.

أحمد منصور: بعد خروجك من فترة السجن هذه التي استمرت شهراً هل ترك هذا الأمر أثراً نفسياً في حياتك؟

أحمد ياسين: طبعاً أي اعتقال بيؤثر في الإنسان، لأنه هو مابيقبلش إن يوجه إله تهمة لم يقم بها، يعني بيحس لنفسه الظلم، وبيحس إن هو يعني بيأمل في أي سلطة إنها تكون عادلة، وتكون تعطي الإنسان يعني حقه في الحياة وحريته في الحياة، والحمد لله تجاوزنا تلك المرحلة، وأنا استمريت في نشاطي، حتى طلعت يوم الخميس ويوم الجمعة كنت بأخطب الجمعة في المسجد، لأنه يعني صحيح الضغوط قالت لي ما تخطبش اللي حواليا وأهلي وكذا، لكن لما وصلت المسجد الخطيب ماجاش اللي كان بعدي وأنا في السجن، فطلعت المنبر وخطبت، فالحمد لله أنا كنت مستمر حتى قبل الاعتقال.. بعد الاعتقال في دعوتي في نشاطي، واستمريت في تعليمي يعني لم يؤثر ذلك على وظيفتي الحكومية والحمد لله كانت الأمور طيبة يعني.

أحمد منصور: لكن ما هي العلاقة بين اعتقالك واعتقال الإخوان في عام 65 ومنعك من مواصلة الدارسة؟

أحمد ياسين: أصله.. مصر كانت بتحط.. يعني.. علامات استفهام على أي شخص.. بيظهر عليه أي نشاطات دينية، سواء كان إخوان أو مش إخوان، المهم في اللي إله نشاط ديني هم.. بيخافوا منه، طبعاً نظراً لوجود الإخوان في مصر وخلافاتهم مع السلطة والحكومة،رغم إن إحنا في غزة يعني دراستنا إخوان وبندرس..، لكن مالناش علاقة، يعني لم يكن إلنا علاقة في الإخوان في مصر في أي يوم من الأيام أبداً.

أحمد منصور: رغم أنكم كنت -كما ذكرت لي- في الحلقة الماضية تدرسون كتب الإخوان والرسائل المؤسسة لهم؟

أحمد ياسين: بفكرنا ونشاطنا.. آه، لا بس… يعني لم يكن.. أنا لا أذكر في تاريخ حياتي إنه كان بيننا وبين إخوان مصر أي علاقات، أنا لا أذكر في تاريخ حياتي رأيت قيادة من قيادات الإخوان في مصر إلا مرة واحدة كنت رايح على مكتبة (وهبه) بدي أشتري كتب ففوجئت بيقولوا لي بتعرف مين هذا؟ بأقول لهم لا، قالوا هذا الأستاذ محمد قطب.

أحمد منصور: سنة كام هذا؟

أحمد ياسين: في سنة.. يمكن 64 أو 65.

أحمد منصور: آه فترة دراستك الجامعية.

أحمد ياسين: آه، لكن ما فيه بيننا وبين إخوانا في مصر أي علاقات، كل بلد له همومه وله مشاكله وله شغله.

أحمد منصور: إلى اليوم لم تر قيادات من الإخوان؟

أحمد ياسين: إلى اليوم.. إلى اليوم، يعني محمد قطب شفته هنا في قطر، أبداً مافيش اتصالات أو علاقات، حتى في زيارتي لمصر الأخيرة كان من طلباتي إني بدي أزور المرشد، لكن لم يتحقق لي زيارة ولا شيء من الزيارات اللي هناك، أنا بأعتبر شيء بس معنوي إنك تزور إنسان...

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن معروف إن حركة حماس هي -وإن كنا سنأتي لذكرها فيما بعد- أن حركة حماس خرجت من رحم الإخوان، أو هي تعتبر حركة إخوانية أو تتبنى فكر الإخوان أو نهج الإخوان.

أحمد ياسين: هي لاشك إنها هي خرجت – كما يقولون – من رحم الإخوان المسلمين هذا صحيح، لأنه فكرنا ونشاطنا هو نفس الفكر والنشاط، لكن -زي ما قلت لك- إحنا مافيش بينا وبين إخواننا في مصر أي علاقات، ثم إحنا بنواجه واقع فلسطيني وبنتصرف حسب واقعنا مش حسب واقع أي بلد عربي، وإحنا ما بندخلش في الشؤون العربية ولا مع داخلها ومشاكلها، مالناش دخل فيها، وهذا من فضل الله علينا إن إحنا نكون مستقلين في سلوكنا وقراراتنا بما يخدم قضيتنا وشعبنا ووطننا.

أحمد منصور: قمت بزيارتك الثالثة إلى مصر في عام 64 - 65، حيث كنت تدرس في جامعة عين شمس في قسم اللغة الإنجليزية، ماذا تذكر من أحداث في هذه السنة؟

أحمد ياسين: والله صحيح هي كانت فترة لطيفة، وكان فيه طلاب مصريين يعني بيدرسوا في نفس القسم، طبعاً أنا غايب عن القسم، بيعملوا كشاكيل وبيسجلوا للمحاضرين، فكانوا بيحضروا لنا هذه الكشاكيل وإحنا كنا بنزوهم وكمان بنحمل لهم هدايا معانا كشكر على نشاطهم، والحمد لله كانوا متعاونين معنا، كان فيه أخوة وصفاء، وكل شيء، طبعاً بعد هيك أنا طبعاً منعت من السفر إلى مصر ثاني، حتى في سنة 67 تقدمت للسفر برضو عشان أكمل في 67 قبل العدوان بخمس.. لكن.. وأخذت إجازة من التعليم عشان أسافر، وأفاجأ إنه رفض طلبي للسفر إلى مصر، وأفاجأ إنه معاشي مقطوع خلاص كأني سافرت ما أعطونيش المعاش، وبتيجي حرب 67 خمسة..

أحمد منصور: يونيه.

الشيخ ياسين: يونيه.

أحمد منصور [مقاطعاً]: قبل حرب 67، هل..

أحمد ياسين [مستأنفاً]: و.. لا بأسافر ولا بآخد المعاش وعليه، صحيح.

أحمد منصور: هل لازلت تذكر أحداً من أصدقائك أو من زملائك الذين درسوا معك أثناء دراستك في جامعة عين شمس في مصر؟

أحمد ياسين: والله بأذكر شاب اسمه كرم بس مش عارف الآن ناسي يعني. سنوات طويلة.

أحمد منصور: فيه مواقف معينة حدثت لك في مصر في تلك الفترة لازلت تذكرها ولم تنساها رغم مرور هذه السنوات؟

أحمد ياسين: كان يعني أنا كنت بأذكر إنه بس فيه حاجة اسمها… في إخواننا الشعب المصري كان طلاب الجامعة لما بنتناقش معهم كانوا مش عارفين غزة وين، وإيش غزة وحدود غزة، صحيح!! لدرجة شاب من الشباب اللي بنتحدث معهم بيقول لي إنتوا الأميركان علمكوا الإنجليز.. الإنجليزي يعني عشان..، وهم قريبون منكم، قلت له أنت مش عارف غزة وين؟!

أحمد منصور: جنب واشنطن!!

أحمد ياسين: صحيح.. صحيح!! فيعني تجد شاب وصل إلى الجامعة وما يعرفش غزة وهي تحت الإدارة المصرية.

أحمد منصور: لا، بس الآن تغيرت الثقافة يعني.

أحمد ياسين: هذا صحيح أنا بأقول ما بأقولش، لكن الواقع هو هيك، حتى أذكر في توجيهي كان أستاذ بيعمل كتاب جغرافيا يعني جغرافيا للتوجيهي، أنا كنت متخصص قسم جغرافيا في التوجيهي، الأساتذة اللي عاملين كتاب الجغرافيا للتوجيهي إيش بيقولوا فيه؟ بيقولوا وتمتد حدودنا الشمالية من مرسى..

أحمد منصور: مطروح.

أحمد ياسين: ... والسلوم إلى شمالاً إلى رفح.. إلى قطاع غزة، يعني كأنه مش يعرف قطاع غزة هو داخل في مصر ولا مش في مصر.. صحيح يعني!!

فالأصل إنه لازم يكون هذا الشيء واضح تماماً، إنه هذه أرض أخرى لكنها تحت إدارة.. الإدارة المصرية.

وكان واحد في التاريخ كمان بيكتب كتاب، وبيقول إنه: بلاد الشام –بده يعرف بلاد الشام- فبيقول تحت بلاد الشام هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين وإسرائيل!! فقعدت أضحك.

أحمد منصور: هذا كان في ذلك الوقت في الستينات؟

أحمد ياسين: 58 هذا.. 58.. 58!!

أحمد منصور 58!!

أحمد ياسين: وطبعاً أنا أيامها، ما كنتش عندي ها التفكير الواعي اللي أبعت له رسالة وأقول له ما يصيرش كده، كان لازم أبعت له رسالة وأقول له هذا التفكير مش صحيح يعني مش هيك، والحمد لله إحنا..

أحمد منصور: هل كان هناك من يساعدك في مصر أثناء فترة دراستك؟

أحمد ياسين: الحقيقة لأ، مافيش حد مساعد، أنا كنت بأنزل في العتبة، في فندق.. (العتبة) أظن اسمه، وبأطلع على الجامعة بالترماي أو.. أو..، أو مرات كنت بأمشي نص الطريق يعني عشان أتنشط وبأرجع من الجامعة، مرات باخد تاكسي بأروح الجامعة، والحمد لله كان الجو طيب، وإخواننا المصريون من ألطف الناس في التعامل، حتى مرات كنت بأركب التورلي، الترولي سريع جداً.. بتاع الكهرباء هذا اللي بيمشي...

أحمد منصور: آه نعم نعم.

أحمد ياسين: ومرة بأطلع ووقفت.. الكراسي مليانة مش عارف أقف، ماسك... فأحد إخوانا المصريين، الكمسري بيقول لي ورق ورق يعني بده فلوس، يعني بده التذكرة، فأنا مش عارف أطول الفلوس من جيبتي، فأفاجأ إن الراكب اللي جنبي طلع فلوس وإدى له قال له خلاص خد روح، فقعدت أضحك يعني شوف الطيبة لوين، إن واحد خلاص شافني واقف مش عارف أطول الفلوس راح دافع عني والسلام مع السلامة، والحمد لله يعني كنت بأطلع لحالي وبأنزل لحالي، وبأتحرك بحركة كويسة يعني، الحمد لله.

أحمد منصور: خلال فترة وجودك وإقامتك في مصر ألم تفكر ألم تسعى إلى الذهاب إلى الإخوان والالتقاء بهم طالما أنك ذكرت أنك كنت تدرس كتبهم؟

أحمد ياسين: لا أنا مش.. يعني مش قضيتي إني أعرف الإخوان في مصر أو يعرفوني الإسلام ما بيرتبطش بإخوانا في مصر أو في غير مصر، أنا مسلم بدي الإسلام، لكن ما بأعرفش.. يعني بأعرفش يمكن مرة جمعنا لقاء مع أحد الإخوة الفلسطينيين في مصر، وكان جايين فيه اتنين من إخواننا المصريين من اللي كانوا في السجن وطالعين، لقاء مع أحد إخواننا الفلسطينيين وكنت مدعو عنده، كان بيدعيني عشان يغديني أو..، ففوجئت فيهم فبأسألهم بأقول لواحد منهم طب إنتو يعني دخلتوا السجن وطلعتوا.. اسمه إيش، استنى خليني أتذكره.. قال: آه، قلت له طب نظرة الشعب المصري إلكم إيش؟

أحمد منصور: هذا كان من الإخوان؟

أحمد ياسين: آه من الإخوان اللي دخلوا السجن وطلعوا، فرد بيقول لي: "أوه يا عم واللي يزمر يغطي دقنه" باللغة المصرية، فإلى اليوم بأذكر العبارة.. بأضحك، أظن الأخ اسمه عباس.. والله ما أنا عارف إيش اسمه، يعني اسمه عباس، فبس هذا اللقاء اللي أنا يمكن شفت فيه ناس من الإخوان، ومش عارفهم بس مجرد مصادفة، فالحمد لله إحنا دائماً علاقتنا.. مع إنه إخواننا المصريين كانوا يعني بيخافوا كتير من إنه يطلعوا وبيمنعوا، بس هم كانوا يعني يمكن مش فاهمين الحقيقة، إحنا ماكانش بينا وبين مصر أي علاقات إطلاقاً التنظيم الإخواني أو غيره، ولكن الحمد لله إحنا بنتجه للإسلام مخلصين لديننا ولوطننا بدون الترابط اللي بلد وبلد، كل بلد هي أدرى بنفسها.

أحمد منصور: يعني إنتو في.. يعني حتى تلك الفترة لم يكن لكم أي رباط تنظيمي بالإخوان؟

أحمد ياسين: إطلاقاً إطلاقاً.

أحمد منصور: في الوقت الذي ذكرت لي فيه في الحلقة السابقة أنكم كنتم تجلسون في أسر وتتدارسون كتب الإخوان.

أحمد ياسين: هناك.. آه.. آه بندرس صحيح.

أحمد منصور : أنت قدمت على الإجازة في عام 67 حتى تذهب إلى مصر مرة أخرى لتكمل دراستك.

أحمد ياسين: طبعاً -كما قلت لك- أنا طلبت إجازة، وأخدت موافقة التعليم على الإجازة، طبعاً والمفروض اللي بده يسافر أنه بيكتب إقرار مغادرة، لكن أنا ما كتبت إقرار مغادرة لأني منعت من السفر، ويوم واحد في الشهر رحت أقبض، قالوا لي مالكش معاش، طيب ليش يعني؟ قالوا أنت مسافر، طب أنا ما كتبتش إقرار مغادرة إنتو وافقتوا لي بس أنا ما غادرتش، وبأتابع تاني يوم على التعليم، قالوا: طيب، لما نرجع للكشوف ونحط لك ماهيتك، تالت يوم، رابع يوم، كان خمسة يونيو جاي، طبعاً صارت.. الهزيمة والنكبة، وراح المعاش، وظلينا لا رحنا مصر لا قبضنا معاشنا، والحمد لله.

أحمد منصور: هنا دخلنا إلى النكبة نود أن تحدثنا بالتفصيل عن النكبة.

أحمد ياسين: يعني هذه النكبة كان إلها مقدمات، وأنا كنت حزين إنه تصير هذه المقدمات دون استعداد حقيقي وصحيح، الرئيس عبد الناصر طبعاً اتخذ قرار سحب القوات الدولية من سيناء، وهذا قرار معناه أنا ما بأحط بيني وبينك حاجز أمني.. أنا بأحط بيني وبينك حاجز أمني دولي عشان يمنع الصدام بيني وبينك، تيجي أنت تشيله، يعني في نظر العالم إني أنا بدي أقاتلك، إلا أنه مصر ماكانتش مستعدة للحرب، مش مستعدة.

أحمد منصور: من أي النواحي؟ على أي مستوى؟

أحمد ياسين: لأن أنا لما إيجوا الناس من مصر على غزة كنا نقابل ناس منهم.. نقابل ناس منهم نتحدث معهم هو مش عارف وين رايح.

أحمد منصور: ها دول الجنود يعني تقصد؟

أحمد ياسين: آه الجنود!! تتحدث يقول لك طب هي الحدود فين؟ طب هم اليهود فين؟ أنت جاي على بلد مش لازم تكون فاهم الخارطة بتاعتك وعدوك وين، طب وأنت في الجيش؟ قال: لا ولالله أنا لسه جابوني من البيت قبل أسبوع أو أسبوعين، أنا كنت يعني احتياط، طيب احتياط جاي ومش عارف وين رايح؟! فماكانتش مصر مستعدة لمعركة في هذه الحالة، هذه واحدة، أنا ماكنتش عسكري، لكن أن كنت بأقول للشباب اللي حواليا أدعوا الله ألا تضرب مصر في طيارنها، لأنه إسرائيل تخطط لضرب طيران مصر، فتفقدها القوة الجوية، فتسيطر على الجيش وبتدمره في سيناء.

أحمد منصور: نعم

أحمد ياسين: فحتى بعض الشباب بيقول لي الله أكبر هي يعني الطيارات المصرية حظائر دجاج يعني؟! قلت له: أنا والله هيك بأشوف ما أعرفش أنا ما بأعرف، أنا هيك بأفكر وبأقول إسرائيل أول ضربة بدها توجهها للطيران مصر، وفعلاً كانت هي الحادثة اللي قامت بها إسرائيل، فسيطرت على الجو والجيش المصري في سيناء طبعاً كان مش مؤهل التأهيل الصحيح للمعركة والقتال، والدليل على كلامي إن نفس عبد الناصر في 5.. لا أدري 64، 65 قبل سنتين تلاتة يعني كان بيخطب في المجلس التشريعي الفلسطيني اللي طلع مصر، وقال لهم بالحرف الواحد.. ليش عاد وقال الكلام هذا، لأن الملك حسين قال لابد من مخطط عربي شامل ومدروس لتحرير فلسطين، فرد عبد الناصر رد عليه في المجلس الوطني الفلسطيني، قال اللي بيقول لكم عنده مخطط لتحرير فلسطين بيكذب عليكم، وأنا قلت.. وأنا بأقول لكم.. إن قلت لكم عندي مخطط لتحرير فلسطين بأكذب عليكم.

أحمد منصور: هذا على الملأ.

أحمد ياسين: على الملأ آه.. في مواجهة المجلس التشريعي الفلسطيني –اللي انتخب في غزة- طيب أنت اليوم قبل سنتين بتقول ما عنديش مخطط، وبعد سنتين صار مخطط وتواجه إسرائيل وبتجيب جيشك في سيناء، هو مش مستعد للمعركة، فالحقيقة يعني كان دخول غير مرتب، غير مستعد، غير مهيأ للمواجهة، وكانت النكبة زي ما أنت شفت يعني فادحة خالص، شفت في ست أيام تنتهي كل القوات اللي دخلت سيناء، كل الدبابات كل الإمكانات مش موجود، يعني يمكن كان عندنا من مقاتلينا اتنين تلاتة في بيت.. بيت!! بيهاجموه بالدبابات وبالصواريخ، بيقعدوا 24 ساعة.. و 48 ساعة مش مسلمين إلهم.

أحمد منصور: هذا من المقاتلين الفلسطينيين تقصد؟

أحمد ياسين: آه، يعني مش معقول الجيش بقواته وإمكاناته خلال ستة.. ستة أيام أو ست ساعات يكون انتهى.

أحمد منصور: أجواء ما قبل الحرب.. أجواء ما قبل الحرب في غزة؟

أحمد ياسين: كانت متوترة جداً وغزة كانت في ذلك الوقت يعني قبل سحب القوات الدولية كانت بلد تجارة، يعني معبر للتجارة إلى مصر، يعني كانو عاملينها زي سوق حرة اللي ينتقل منها البضائع إلى مصر بسهولة للجالية المصرية الموجودة، والضباط، كانت مركز للورود، والصيني، والكذا اللي بتيجي من لبنان، والضابط أو المصري اللي موجود في غزة بس بده فرصة يروح فيها على مصر عشان ياخد معاه من البضاعة هيك، كمان الفلسطيني بده ياخد ويتاجر، يودي على مصر ويجيب، فكانت سوق تجاري قبل… أما بعد سحب القوات..

أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني الوضع الاقتصادي فيها كان يعتبر وضعاً جيداً؟

أحمد ياسين: جيد للطبقة التاجرة،مش جيد، للسكان، السكان ما هو ما فيش إلهم عمل، كان عمل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كله موجود في الخارج في قطر، في الإمارات، في السعودية، في الكويت، في البحرين، مالهمش في الداخل مافيش لا أرض زراعية، ولا مجال عمل، ولا بحر، لأنه إسرائيل مسكرة على البحر كمان أيامها، لكن أقول لك إحنا كنا الطلاب في غزة لما أنا توظفت –كما ذكرت لك- كانوا بيعملوا مظاهرات بدهم عمل، فمصر تضطر تشغلهم في مصر بـ 12جنيه في الشهر، فخادتهم شغلتهم..

أحمد منصور: موظفين.

أحمد ياسين: شغلتهم في مصر في الدوائر الحكومية في التعليم وهنا وهنا، شغلت حوالي ألف.. ألف و 500 واحد في مصر.

أحمد منصور: يعني انتقلوا من غزة إلى القاهرة؟

أحمد ياسين: إلى القاهرة بس عشان يا خدوا –ويشتغلوا- معاش، ما فيش عمل! أحمد منصور: نود أن تحدثنا بالتفصيل عما شاهدت ورأيت في يوم خمسة يونيو 1967م في غزة.

أحمد ياسين: في الواقع إحنا كنا بنستمع إلى إذاعتين: إذاعة إسرائيل، وإذاعة القاهرة، بشان نفهم إيش الأخبار وإيش اللي دار في المعركة، القاهرة بتعلن إنه جيشنا متقدم والطيارات تتساقط الإسرائيلية، وإسرائيل تعلن إنه جيشنا اجتاح سيناء واستولى و..و ..، وبتوزع منشورات "تُسلم تَسلم" وبنقول إيش الحرب النفسية هذه، وبعدين وزعوا منشورات علينا في غزة إنه إحنا كذا، وجت طيارة ووزعت منشورات، بدأ هجوم على المدفعية المضادة للطيران في غزة، طائرات تهاجمهم، ودمرت مدفع اتنين تلاتة، وعم بنطلع بنشوف بعينينا، يعني مصدقين ومش مصدقين...

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني أنت كنت ترى القصف و.. التدمير؟

أحمد ياسين: طبعاً الطيارات أمامنا، وهي تضرب المدفعية، يعني الحقيقة كان تكتيك الطيران الإسرائيلي أربع طيارات على موقع.. واحدة تضرب، والتانية طالعة، والتانية نازلة، حتى ما يعرفش يوجه أي ضربات إلهم أو .. فدمروا المدفعية اللي كانت موجودة في غزة ضد الطيران كله، وبعدين بدأت الإشعات إنه اليهود دخلوا (جابليا) ذبحوا.. اليهود دخلوا كذا.. الناس كانت في وضع سيئ جداً، حزينة جداً، يعني الكل مش عارف يعني بده يبكي، واللي مش عارف إيه يسوي.

أحمد منصور: كل هذا يوم خمسة يونيو شعرتوا بيه؟

أحمد ياسين: طبعاً، صحيح كان يوم مأساة، فعلاً يوم مأساة خالص،ولما دخلت القوات الإسرائيلية في ذلك الوقت...

أحمد منصور[مقاطعاً]: قبل دخول القوات الإسرائيلية إلى غزة، بعد يوم خمسة يونيو كيف كانت مشاعر وأحاسيس الناس في غزة...؟

أحمد ياسين: كل الشارع ذاهل، يعني اللي بيبكي اللي حزين، يعني مش عارف؟! كأن الشعب كله مخنوق لأنه ماكانش يتصور هذا، لأنه الإذاعة المصرية كانت دائماً بتقول ندخل تل أبيب، وجيشنا جاي على تل أبيب، وصواريخ (الظاهر) و(الظافر) و(القاهر) ومش عارف.. يعني كانت النفسية الفلسطينية قوية بالنسبة للدعاية المصرية، وأحمد سعيد يقول كلام.. والمعلقين، يعني كان مفاجئة قاسمة للشعب الفلسطيني في ذلك الوقت، هذا طبعاً الوضع اللي كان في غزة، يعني.. أقول لك زي ما قال: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) تحس بمنظر البؤس والحزن..

أحمد منصور: وأنت كيف كنت؟

أحمد ياسين: ونفس الشيء، هو أنا واحد تاني يعني من..!! طبعاً نفس الشيء.

أحمد منصور: لأ.. كواحد موجه ومربي ولك إحساس ربما يكون أكثر من الناس بالنسبة لهذه الأمور.

أحمد ياسين: صحيح، بس أنا ماذا أفعل والأمر خطير وخطب وصعب على كل الناس.. صعب على كل الناس، كان الحقيقة كان وضع الاحتلال الإسرائيلي في هذه المرة كان صعب أصعب من سنة 56، رغم إنه قتلوا في 56 و.. ويعني بهدلوا لكن سنة 67 كان شيء أكبر شيء أعظم، طاردوا المقاتلين، ودخلوا بيوتنا أخدوا ناس قتلوهم، وإلى آخره يعني، فعملوا شيء سيئ.

أحمد منصور: متى رأيتم أول جندي إسرائيلي في غزة؟

أحمد ياسين: طبعاً هم ما وصلوا لناش في اليوم الأول، وما كانوش وصلوا للمناطق النائية، أنا كنت في معسكر الشاطئ، هم في الأول دخلوا –اليهود بيمشوا بسياسة خطوة خطوة- دخلوا أولاً إلى وسط غزة، وتمركزوا في المركز، صاروا يعملوا دوريات (بوليسية) يبعدوا شوية حواليه من المناطق العامة، تاني يوم تالت يوم يعني يمكن بعد 3،4 أيام لما شفنا الجيبات الإسرائيلية بتصل المعسكر و…، ما كانوش بيتسرعوا في الدخول خوف من المقاومة، لأنه كان فيه مقاومة موجودة، وكان فيه صدامات معهم، بس ما كانتش على المستوى اللي هو بدنا إياه إحنا، لأنه السلطة قبل الهجوم الإسرائيلي وزعت بنادق على الناس.

أحمد منصور: المصرية؟

أحمد ياسين: آه، الشباب كان فيه بنادق، فيه فرق، وفيه كذا.

أحمد منصور: كيف كان شكل هذه المقاومة ومن كان يقف وراءها؟

أحمد ياسين: أنا بأقول كان فيه مقاومة، بس في نظري ما كانتش هي المستوى اللي لازمن يكون، لأنه اللي حامل بندقية عندما وجد نفسه أمام دبابات و…، فقد الأمل، شو يعمل ببندقيته؟! يعني ما كانتش الروح المعنوية الفلسطينية اللي هي موجودة في 87 اللي تواجه بحجر وتواجه.. لو كانت الروح المعنوية الفلسطينية في ذلك الوقت هي الروح اللي ملكنها في 67 وعملنا فيها الانتفاضة، كان السلاح كثير كان ممكن عملنا عجائب، لكن للأسف ما كانش.

أحمد منصور: لكن أين كانت الحركة الإسلامية التي أشرت إلى وجودها من قبل؟

أحمد ياسين: أقول لك الحركة الإسلامية كان وضعها ضعيف بسبب إن.. الضغط المصري والهجوم المصري في 65، والاعتقالات، والإعدامات في 67، كانت الناس تخاف وتنفر، فكان يعني الوضع الإسلامي في قطاع غزة ضعيف جداً، ما كانش على هذا المستوى اللي أنت بتتصوره، ما كانش عندنا يعني.. كنا نحارب على الكتاب الإسلامي، كيف إحنا بدنا نمتلك سلاح في ذلك الوقت، ما كانش إمكانات إعدادية.. ما فيش إعداد صحيح للمعركة، ومع هيك يعني أنا أقول إن شعبنا قاوم بشكل عنيف وكان فيه مقاومة جيدة، فيه شهداء، فيه قتلى، يعني مش قليل، بس كان ينقصهم السلاح وما كانش عندهم إمكانيات كثير شهداءنا اللي قاوموا وقاتلوا في كل المناطق كان كثير هذا، يعني لا يقاس بـ 56، تماماً واستمر الصراع حتى لعند 70، و72، و73، حتى أذكر أنا والمقاتلين بيستشهدوا طلعت يوم بأخطب الجمعة في مسجد العباس..

أحمد منصور [مقاطعاً]: سنة كام؟

أحمد ياسين: 70.. 70، كانوا محاصرين معسكر الشاطئ، وبأقول لنفسي طب أنا رايح يعني بأخطب، وها دول الشباب بيسقطوا شهداء، طب ما هم مقاتلين، وليش ما أكون مقاتل زيهم أنا والمسجد اللي بأخطب فيه جنب مركز الشرطة الإسرائيلي، فطلعت المنبر وبدأت هجوم على اليهود، وهم ليش لاحقينا، وليش…، وليش محاصرينا، وليش كذا، كانوا عاملين طوق على معسكر الشاطئ، جزء منه بهدلوه، والله أذكر بعد الخطبة الناس هاجت جداً، وإيش بدنا نعمل؟! مش عارفين إيش يعملوا، فبيقولوا لي: نعمل إيه؟ قلت لهم: أقل شيء نعمل مظاهرة. فعلاً طلعت مظاهرة في ذلك اليوم واتجهت إلى الصليب الأحمر، وبعدها فكوا الطوق تاني يوم عن المعسكر، وهذا من فضل الله –سبحانه وتعالى- فيعني إحنا.. كان الفكر بيقاوم والسلاح بيقاوم، لكن ما كناش نملك كفاية ذخيرة وسلاح، حتى أحد الإخوة المقاتلين من تلاميذي يعني وكان داخل في قوات التحرير الشعبية، بأقول له: يا بني أنت مطارد يعني بدي كل يوم تعمل عملية إيش اللي بتعمله؟ قال لي: أيوه، أنا معاي غير ها القنبلة في أيدي بدي أدافع فيها عن نفسي إذا واجهوني ما فيش في إيدي، وفعلاً كان بيختبئ في مستشفى الشفاء لما حاصروه بدهم يعتقلوه هرب منهم، لما لحقوه وطاردوه ألقى القنبلة عليهم طخوه ومنعوا حد يسعفه، ظل ينزف حتى مات في مكانه، يعني حتى منعوا..

أحمد منصور: الإسعاف يصله.

أحمد ياسين: الإسعاف، والحمد لله يعني كانت مقاومة جيدة و...

أحمد منصور [مقاطعاً]: نود أن نبقى في سنة 67، لنعرف كيف نشر الإسرائيليون وجودهم، أو كيف انتشروا في غزة؟

أحمد ياسين: بعدما وصلوا معسكر الشاطئ نادى الميكروفون "اجمعوا الرجال في الساحة" طبعاً أنا ما بديش أطلع، لكن قلت بدي أطلع أتفرج، يعني أنا كان ممكن أقول لهم أنا مريض ومش طالع.. ما بديش أطلع لكن قلت لا بدي أروح أطلع وطلعت قعدت في الساحة بين الناس، فبدؤوا اليهود يجمعوا السلاح، بشكل.. الناس مش عاوزين يسلموا السلاح اللي عندهم، فإيجوا وحطونا في ساحة، وإيجوا إلى بيت.. كان بيت قدامنا، قالوا: اسمعوا اللي بنلاقي فيه سلاح البيت بنهدمه بندمره، خدوا بالكوا إحنا بنفتش.. عمالين نفتش في البلد، اللي عنده سلاح يروح يجيبه، واللي ما بيجبوش.. بنلاقي في بيته سلاح بنهدمه، فعلاً ورا المدرسة الأسوار طلعت قنبلة كده ثارت هدمنا بيت، الحرب النفسية الآن بتشتغل إيجوا أما منا في بيت مافيش فيه حاجة، ما بيسكنش شيء، فحطوا لهم قنبلة في العريشة بتاعته وفجروها، قالوا: ها البيت هذا دمرناه لقينا فيه سلاح، لما عملوا عمليتين تلاتة أمام الناس.. يلا اللي عنده سلاح يقوم يجيبه، الناس..

أحمد منصور: خافت.

أحمد ياسين: قامت وقامت وراحوا يجيبوا سلاح، قعدت يعني بدي أتفجر في نفسي ما فيش الوعي الكافي، طب هو بيضحك عليكوا... لقي سلاح قدامك في الدار هذه وجاي يفجرها!! بس بيضحك عليك، وفعلاً سلم كثير من الناس أسلحتهم اللي كانوا مخبيينها لكن بقي أسلحة، وبقي وجود، وكان مقاومة في هذا اليوم ، اليهود يتعاملون مع الشعوب بحرب نفسية، يعني قبل الدخول بالمنشورات "سلم تسلم".. فبيتأكد الوعي، اللي فاهم مش ممكن يستسلم إلهم.

أحمد منصور: ما هي الطريقة أو الوسيلة التي بدؤوا يسيطرون فيها على غزة شيئاً فشيئاً؟

أحمد ياسين: يعني زي ما قلت لك، اليوم مثلاً أخدوا المركز بكره بياخدوا النقطة القريبة منه، بعده بياخدوا النقطة الثالثة، بعده بيجمعوا.. بعده بيقعدوا في التعليم، بيجيبوا مدير التعليم بيقعدوا معاه، بيجمعوا المفتشين، كيف نرجع التعليم، بدهم يحطوا تخطيط، طبعاً الناس بدها تاكل.. بيقولوا مستعدين نجيب المعاشات للموظفين، بس يرجعوا للشغل، طبعاً اللي بده ياكل ومش لاقي ياكل بده معاش، فالموظف رجع لشغله، والمدرس رجع لمدرسته، وبدؤوا يقدموا سياستهم شوية شوية ويسيطروا على البلد، بدؤوا يحطوا لكل منطقة ضابط مخابرات بيسجل فيها اللي إله واللي عليه، وملفات ويتابع.. يسقط الناس، بدك تشتغل مدرس بنشغلك بس تشتغل معنا، بدك تسافر تكمل تعليمك بنسفرك بس اشتغل معنا، بدك.. ما فيش واحد يطلب أي طلب إلا يخلوه يشتغل معهم، واللي بيرفض طبعاً ما يشغله، واللي بيرفض ما يسفره، واللي، فكان كثير من الناس يسقطوا في هذه الجوانب لأنه حياتهم، لكن معظم الشعب ما كانش بيقبل هذا الشيء، يعني كان فيه فصلوا من عملهم مش مستعدين يشتغلوا، فيه ناس رفض يخرج للتعليم لأنه بدهم منه عمل معهم.. كثير، بس فيه ناس.. طبعاً في كل شعب فيه ضعفاء، فيه ناس ضعاف ممكن يسقطوا عملاء مع اليهود.

أحمد منصور: هل كنتم في ذلك الوقت تتعاملون مع الإسرائيليين كفرادى أم كنتم تتعاملون معهم كجماعة من خلال مجلس منتخب منكم أو مجموعة رشحتموها للقيام بهذا الأمر؟

أحمد ياسين: الإسرائيليين عادة بيتعاملوا مع الشعوب.. مع الشعب الفلسطيني فرادى ما بيتعاملوش بشكل جماعي، حتى في السجون كانوا ما بيرضوش يتعاملوا إلا فرادى، لكن إحنا فرضنا عليهم إرادتنا غصب عنهم، ولم نتعامل معهم إلا جماعي حسب قيادة منتخبة من فلسطينيين وتواجه اليهود وتحل المشاكل معهم، ما بنتعاملش فرادى في السجون، لكن في الشارع العام صعب أنك تجمع الناس وتحطهم في بوتقة واحدة، وخاصة إحنا ما كناش منظمين قبل الحرب، ما فيش الوضع التنظيمي، ما فيه هذا التنظيم اللي يشد الناس ويعمل المقاومة العنيفة والوحدة.. ما كانش هذا موجود.

أحمد منصور: لكن متى بدأ الناس يفيقوا من الذهول الذي عاشوه يوم خمسة يونيو، ويدركوا أنهم أصبحوا تحت واقع احتلال إسرائيلي قائم؟

أحمد ياسين: طبعاً مع الأيام أنت عارف التاجر اللي كان مسكر محله بدأ يفتحه، اللي عنده شوية بضاعة كان مخزنها صار يطلعها في الشارع، اليهود بدؤوا يجوا غزة عشان يشتروا بضاعة رخيصة بالنسبة لعندهم غالي جداً، فيجوا كل إشي في الشارع بشيكل يعني.. حاجة تافهة يعني ، والناس بدها تعيش، بدها تاكل، كل الناس مافيش عندها أكل، كل الناس بدها تعيش مش موجود عندها معيشة، الناس طبعاً بدأت يوم بعد يوم تستيقظ، فيه ناس فعلاً أصروا ما يرجعوا للعمل في الشرطة وفي غيره وفي... وفي الوظائف وبقوا خارج الوظائف، ما عادش خالص، لم.. يعني إحنا ما كانش.. لو كان فيه عندنا تنظيم جيد كان كلنا قاطعنا، وكان ما.. ما مشيش الاحتلال كويس، بس ما فيش تنظيم، ما فيش حماية للإنسان ولا إيش يعمل هو؟!، ولو فعلاً كان فيه تنظيم جيد للشعب الفلسطيني في ذلك الوقت لا تمردنا عليه بكل قوانا وهذا الذي أعطانا الدفعة في 87 بعدما إحنا شفنا الاحتلال وتعاملنا معاه وبدينا ننظم أنفسنا، بدينا نكتل أنفسنا، بدينا نعمل يعني قيادات أرضية تحت الأرض أمام الاحتلال، واللي ساعدنا بالمواجهات اللي أنت شفتها في الانتفاضة.

أحمد منصور: لكن –شيخ- كيف كان وضعك أنت؟

أحمد ياسين: أنا طبعاً إنسان كنت مدرس وبعدما أجت الاحتلال جلست في بيتي، وبعدما نادوا إنه التعليم بدا بده يشتغل والمدرسين يرجعوا، أنا واجهت القضية، طب أنا لما أروح للتعليم باخدم اليهود أم باخدم أبناء شعبي؟ فأنا كان قراري أن أنا ما باخدم اليهود بالقدر اللي أنا بأخدم شعبي، إذا ظلوا أبناؤنا بعيدين عن التعليم يبقى إحنا خرب مجتمعنا كله، إذن حتى لو اليهود رفضوا التعليم يجب أن نعلم إحنا، ومن هون كان في الجانب التعليمي إنه يجب على المدرس أن يعود إلى مدرسته، ويجب أن نوعي شعبنا ونقدم له الجرعات القوية لمواجهة الاحتلال.

أحمد منصور: ومن أين لكم بالموارد المالية أو الرواتب؟

أحمد ياسين: هي الرواتب هي اليهود كانوا.. كانت إسرائيل يعني من اهتمامها الفعلي إنها تعيد الحياة طبيعية لتثبت إنه الأمور عادت إلى طبيعتها وما فيش حاجة جديدة، هي تريد أن تعود الحياة من جديد، تعليم ومدارس، وصحة، ودوائر حكومية على أساس تقول للعالم: أهه البلد ماشية كويس وأنا ناجحة في إدارة البلد هذا كان بيهم اليهود يعلموه. لكن إحنا طبعاً المصلحة تقتضي إنا نعلم ولادنا وبدنا نعلمهم، سواءً كانوا اليهود.. حتى لو سكوا المدارس نعلمهم في المساجد، في البيوت، لأنه بدون علم الإنسان بيضيع، وما بيعرفش قضيته، ما بيعرفش ما مستقبله.

أحمد منصور: وصلتك بالحركة الإسلامية في تلك المرحلة؟

أحمد ياسين: طبعاً لازلت أنا يمكن كنت من الإخوة القلائل اللي موجودين في قطاع غزة، اللي بقوا، فيه ناس منهم إسرائيل رحلتهم في الخارج..

أحمد منصور [مقاطعاً]: رحلتهم؟!

أحمد ياسين [مستأنفاً]: آه طبعاً، ما هم صاروا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني هي طردتهم..

أحمد ياسين [مستأنفاً]: صاروا يجوا مثلاً بيعملوا الاجتماع العام اللي زي ما قلت لك إياه، يحطوا بعض العملاء في خلال سيارة من خرق يطلع هذا جندي حطوا على الشقة، هذا كذا فيلموا عدد كبير من الناس يرموهم على المصر على الأردن على أي.. على لبنان (يكموا) كميات كبيرة من الشعب الفلسطيني، بس ما بدهمش وعي عسكري موجود داخلي اللي يعمل في يوم من الأيام مقاومة قوية ضدهم، فرحلوا كثير من الناس.

طبعاً أنا كان همي دائماً إني بدي أعيد النشاط الإسلامي مرة أخرى، وبدأت نشاطي من جديد من خلال المسجد، من خلال تعليم الأطفال في المسجد الإسلام والعلوم الدنيوية كمان، يعني فيه مدارس تقوية في الصيف، من خلال بدينا نجمع تبرعات علشان اللي اترحلوا بيته مش لاقي ياكل، بديت أجمع تبرعات، مجموعات من الشباب أوزعها على الناس بتجمع، ونحمي الأسر اللي مالهاش عايل نودي لها مساعدات شهرية في هذا الوقت. يعني كان دورنا دور مدعم للشعب الفلسطيني في صموده من فضل الله سبحانه وتعالى.

أحمد منصور: هل تذكر متى بدأت هذه المرحلة تقريباً، في أي سنة من السنوات؟

أحمد ياسين: هذه المرحلة ابتدأت بعد الـ 67 مباشرة، لأنه فيه عندنا ناس رحلوا، فيه عندنا ناس استشهدوا، فيه عندنا ناس.. والبيوت ما فيش إلها دخل فكان لابد إن نعمل زي هذا الشيء، ونتصل في اللي عندهم خير وتجارة، أو موظفين يعني ناخد.. شكل رمزي، ونقدم للناس ما يسد الرمق، ما عندناش.. والحمد لله كان إلها دور طيب، ومفيد لصالح شعبنا في قطاع غزة.

أحمد منصور: كان هذا الأمر بيتم من خلال جمعيات أم من خلال بس شكل فردي؟

أحمد ياسين: لأ ما كان فيه جمعيات، هذا من كان خلال تصرف فردي، بس لأنه فيه إلي معارف من الشباب في كل منطقة كنا نطلب منهم: اطلعوا وحطوا لنا كشف واجمعوا لنا تبرعات علشان فيه أسر محتاجة، وبدنا نساعدها وبدنا نقدم إلها المساعدة. الجمعيات إجا فترتها متأخرة طبعاً.

أحمد منصور: شيخ، إن شاء الله في الحلقة القادمة نتناول بشكل تفصيلي عملية المقاومة التي قمتم بها ضد الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمت والتي أشرت إليها فيما قبل بالشكل المنظم الذي بدأت به فيما بعد واستمراريتها إلى ما شاء الله بعد ذلك، كما تذكر لنا أيضاً العمل الإسلامي المنظم الذي بدأتموه في غزة.

أحمد ياسين: إن شاء الله.

أحمد منصور: شكراً فضيلة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس).

كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى نلقاكم في حلقة قادمة من برنامج (شاهد على العصر). هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله.