مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

محمد داود عودة: عضو المجلس الثوري لحركة فتح

تاريخ الحلقة:

24/07/1999

- البيئة التي نشأ فيها أبو داود.
- اندلاع حرب 48 وتشكيل فكرة المقاومة لدى أبو داود.

- تأثير هزيمة 48 على أبو داود.

- طبيعة الحركات الأيدولوجية الموجودة على الساحة الفلسطينية في الخمسينيات.

- انجذاب أبو داود لفكر حركة فتح في الستينيات.

- رؤية أبو داود لما حدث في نكبة 67.

محمد داود عودة
أحمد منصور
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة مع ضيف جديد في برنامج (شاهد على العصر).

في الوقت الذي يتوارى فيه كل من كان له تاريخ نضالي على اعتبار أن النضال والجهاد والكفاح أصبح في أيامنا هذه مرابطاً للإرهاب، في هذا الوقت يخرج شاهدنا على العصر في هذه الحلقة والحلقات القادمة السيد محمد داود عودة الشهير بأبو داود ليروي لمشاهدي (الجزيرة) في شهادته على العصر جانباً من تاريخ النضال الفلسطيني الذي صنعه هذا الرجل أو شارك في صناعته مع آخرين.

ولد السيد محمد داود عودة (أبو دواد) في القدس في التاسع عشر من مايو عام 1937.

تولى أبو داود قيادة المليشيات الفلسطينية في الأردن التي كانت تضم أربعة عشر ألف مسلح، وشارك في أحداث أيلول التي عُرفت بإسم أحداث أيلول الأسود عام 1970، والتي وقعت في الأردن بين الأردنيين والفلسطينيين.

شارك في التخطيط وأشرف على التنفيذ في الهجوم الذي استهدف الفريق الإسرائيلي في دورة ميونيخ الأوليمبية عام 1972.

قاد في عام 1973 فريقاً من الفدائيين الفلسطينيين للقيام بعمليات في عمان تهدف إلى السيطرة على مجلس الوزراء الأردني والسفارة الأميركية في عمان بهدف الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الأردن، إلا أن العملية كُشفت، وحُكم على أبو داود ومرافقيه بالإعدام إلا أن الحكم خُفِّف بعد ذلك وأُفرج عن أبو داود بعد عدة أشهر بعد زيارة قام بها الملك حسين إليه في سجنه.

انتقل أبو داود بعد ذلك إلى بيروت، وعُيِّن قائداً عسكرياً لمنطقة بيروت الغربية وخاض حرب العامين 1975 و 76 التي وقعت في لبنان.

اختلف أبو داود مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات عام 78، وذلك بسبب قبول السيد عرفات وقف إطلاق النار أو باتفاق وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين آنذاك.

تعرض أبو داود لمحاولة اغتيال في وارسو عام 1981، وأُصيب بسبع رصاصات في أماكن مختلفة من جسده، إلا أن هذه الرصاصات لم تمنعه من الركض وراء الشخص الذي حاول اغتياله في ردهات الفندق. حتى إن كثيراً من الحضور كانوا ينظرون إلى المشهد وكأنه فيلم سينمائي، وظل أبو داود ينزف طيلة ساعتين حتى وصلته سيارة الإسعاف.

عايش أبو داود الخروج الفلسطيني من بيروت عام 82، كما كان وسيطاً رئيسياً في الخلاف الذي دب داخل حركة فتح عام 83 بين أبو موسى والسيد ياسر عرفات، وانتهى بخروج عرفات من طرابلس عام 84.

صديق للإرهابي العالمي كارلوس، وقد راسله كارلوس من سجنه في باريس برسالة مؤخراً يطلب منه فيها البحث عن زوجته.

كان صديقاً لأبو نضال ثم خصماً له، حتى أن محاولة الاغتيال التي وقعت لأبو داود في وارسو كان وراءها أبو نضال.

صديق حميم لأبو إياد منذ بداية انتمائه لحركة فتح وحتى استشهاد أبو إياد بعد ذلك في تونس.

تفاصيل مثيرة نتناولها مع رجل يعتبره الغرب وإسرائيل إرهابياً، لكنه لا يخجل من تاريخه النضالي الطويل، بل يفخر به، محمد داود عودة (عضو المجلس الوطني الفلسطيني، عضو المجلس الثوري لحركة فتح ورئيس هيئة الرقابة الحركية في حركة فتح). سيد محمد داود، مرحباً بك.

محمد داود عودة: أهلاً وسهلاً بك.

البيئة التي نشأ فيها أبو داود

أحمد منصور: تاريخ طويل النضال والكفاح ومعايشة لأحداث هامة وصناعة أيضاً لكثير من الأحداث التي دخلت التاريخ، أشهر العمليات التي لصقت بك وهي عملية ميونيخ، لا ينساها الناس الآن في جميع أنحاء العالم وفي كل دورة أوليمبية يتم عرض ما حدث في ميونيخ عام 72.

أريد أن أبدأ معك من القدس عام.. عام 37 حيث وُلدت ونشأت وترعرعت، ما هي البيئة التي نشأت فيها؟

محمد داود عودة: الحقيقة أنا وُلدت بحي هام من أحياء القدس ،كان في ذلك الوقت يعتبر قرية، اسمها سلوان، ووُلدت في حي كان يُسمى حي اليمن نسبة لأن سكانه كانوا من اليهود اليمنيين الذين جاءوا إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، وأذكر أنني في طفولتي التي جاءت بعد إضراب فلسطيني دام ستة أشهر وهو أطول إضراب بالعالم، كان الوضع يعني بيننا وبين اليهود عادي، يعني كنا متعايشين مع بعض، وأنا كنت اترك مرات.. تتركني والدتي بسبب انشغالها بقضايا أخرى تتركني عند الجارة اليهودية، وكانت ترضعني وكان الأمر عادي جداً، وهؤلاء اليهود كانوا يتكلمون اللغة العربية طبعاً، وكانوا لهم العادات والطباع التي لكل عربي في كامل الوطن العربي، فلم نكن نشعر أننا غرباء عنهم أو هم يشعرون أننا.. أن هم غرباء عنا، حتى بدأت الصهيونية تخطط لترحيلهم من سلوان ونقلهم إلى المناطق اليهودية على الشاطيء ، فبدءوا يستأجرون مسلحين بالأجرة ليطلقوا النار عليهم بالليل ليشعلوا الرعب في أوساط اليهود اليمنيين مما اضطرهم بالنهاية إلى الرحيل.

أحمد منصور: يعني كان الحركة الصهيونية بتسعى لكي تجمع اليهود في مناطق.

محمد داود عودة: في مناطق

أحمد منصور: يعني ترعب هؤلاء الذي يرفضون الانتقال إلى مناطق اليهود.

محمد داود عودة: نعم، كانت لا تسمح لهم أن يبقوا متعايشين مع جيرانهم العرب، كانت تريد أن تضعهم في جيتوس يهودية صرفة، فكان لابد من ترحيلهم، فرحل اليهود اليمنيين، وأذكر أنني زرتهم مرة واحدة بعد ذلك، ذهبت أنا ووالدي، لأن والدي أراد أن يشتري بيت بجانب البيت الذي نسكنه من أحد اليهود المالكين له من جيراننا.

أحمد منصور: سنة كام؟ كان عمرها كم سنة؟

محمد داود عودة: بالـ 44 كان، عمري 7 سنوات تقريباً، وذهبنا لضاحية من ضواحي تل أبيب وقبضهم والدي الثمن ووقعوا له على الوكالة التي تؤهله أن يمتلك البيت، ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخبار هؤلاء الجيران الطيبين عنا، وأقول الطيبين، لأنهم لو بقوا على طبيعتهم اليمنية البسيطة لكنا بقينا نعيش معاً في فلسطين بدون كوارث، ولكن الصهيونية هي السبب.

اندلاع حرب 48 وتشكيل فكرة المقاومة لدى أبو داود

أحمد منصور: هل عايشت، كنت في وعي حينما وقعت أحداث العام 48 يعني عمرك ربما كان اثنى عشر عاماً.

محمد داود عودة: الحقيقة في الـ 48 أنا كان عمري تقريباً 11 سنة، وأذكر إن والدي كان الشهوة لامتلاك السلاح، لأنه في العهد البريطاني لم يكن مسموحاً للفلسطينيين أن يمتلكوا السلاح مع أنه اليهود كانوا يستطيعون أن يمتلكوا السلاح وشُكِّل منه فيلق أيضاً حارب في داخل الجيش البريطاني واكتسب خبرات، على العرب كان هذا ممنوع، وكان يحكم العربي على رصاصة فارغة إعدام، فعندما صار الـ 48 صارت الشهوة لامتلاك السلاح والدفاع عن الأرض شهوة عارمة، فلذلك ارتفعت أسعار السلاح، فإضطر والدي أن يبيع بقرة .. آخر بقرة عندنا يبيعها ليشتري بثمنها بندقية، وهذه البندقية كانت بندقية عثمانية قديمة فاضطر أنك لذخيرتها حتى تكون متوفرة يجيب لها ذحيرة بلجيكية.. وتخرطها عند الخراط، فكنت أنا يعني بالنهار كنا أنا وولاد عمي نحمل هذه البنادق لآبائنا، ونقف نواطير يعني مش مقاتلين ، لأعدائنا كنا مقاتلين نواطير لندافع عن أو نؤشر إن هناك تقدم على المنطقة أو على التقدم، بالليل طبعاً كان والدي وأهل بلدي وأبناء عمي يتولون الدفاع عن منطقة صاري النبي داود و جبل المكبر.

أحمد منصور: يعني كيف كان استيعابك للأحداث في ذلك الوقت، وأنت ترى أن والدك اضطر إلى أن يبيع بقرته من أجل يعني أن يشتري بندقية حتى بندقية قديمة للدفاع عن..

محمد داود عودة: كنت شاعر يعني أنا، يعني أنا كنت في ذلك الوقت أستطيع أقرأ الجريدة، وكنت شاعر إنه هناك حدث كبير جداً قادم على فلسطين، وإنه هناك غزوة إمبريالية استعمارية صهيونية قادمة للاستيلاء على الأرض.

أحمد منصور: كنت تعرف مفهوم الإمبريالية والصهيونية في ذلك الوقت؟

محمد داود عودة: لأ.. لأ، بس عندي شعور أن غريباً قادم ليأخذ بيتي، هذا الشعور كان واضح وزاد من هذا الشعور تأكيداً عندما حدثت حادثة دير ياسين، فأهل دير ياسين هاجروا إلى سلوان وأسكنوا في المبركة، فركبنا نحن الأطفال لنحمل لهم الأكل والشراب والملابس حتى القديمة والأغطية ورووا لنا ماذا حدث في دير ياسين، تعمق هذا في وجداني أن الخطر داهم ولابد من مواجهة الخطر بالسلاح والسلاح فقط، وبعد حادثة دير ياسين –الحقيقة- شعرت أن هذا العدو يعني ليس عدواً عادياً، وإنما هو عدو لا يرحم، ومستعد أن يقتل ويبيد ويدمر ويشرد كل الفلسطينيين من أجل الاستيلاء على الأرض، فلذلك أنا كنت حريص إن يعني من هذه.البداية إني أمارس ما أستطيع ممارسته يعني كطفل مش كمقاتل.

أحمد منصور: بعد انتهاء الحرب والهزيمة التي لحقت بالعرب، كيف كان الوضع بالنسبة لك ولعائلتك؟.

محمد داود عودة: يعني قبل ما أوصل للهزيمة بدي أقول لك إنه أنا شاهدت وطبعاً بعدين قرأت، شاهدت إنه الإسرائيليين أو الصهاينة في القدس الغربية كانوا في مأزق، كان الشباب المصري في.. متملك أسوار القدس ودافع عنها دفاعاً رهيباً، وكان للجيش الأردني لاشك دور كبير في هذا، ومدفعية الجيش الأردني ساهمت في تضييق الخناق على الإسرائيليين في القدس، فطلب الإسرائيليون من عبد الله التل أن يستسلم، وعبد الله التل سأل قيادته فأبلغوه أنه انتظر 24 ساعة، خلال هذه الـ 24 ساعة والتي لا يعرفها الكثيرون فُرضت هدنة على العرب، هدنة.. هدنة إجبارية، وهذه الهدنة 18 يوم على ما اذكر، خلل هذه الهدنة استطاع جنرال يهودي أميركي كان يخدم الجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية في بورما أن يقنع القيادة الإسرائيلية بشق طريق شبيه بالطريق الذي شُقت في بورما في ذلك الوقت، وشُق طريق بالجبال الوعرة بين الساحل الفلسطيني والقدس، هذا الطريق أعطى اليهود فرصة أن تُنقل لهم و الذخائر الأسلحة وحتى التموين والمقاتلين مما جعلهم في وضع أفضل ولا يريدون الاستسلام.

تأثير هزيمة 48 على أبو داود

أحمد منصور: أنت أشرت لنقطة وإن كان سنك ما يسمحش إن أخوض معاك كتير في ذلك الوقت وهي دور الجيش الأردني، وهناك تشكيك أيضاً في دور هذا الجيش وأنه تسبب في الهزيمة من خلال بعض القيادات المقاتلين في حرب 48 من المتطوعين وربما أشار يعني إلى هذا الأمر يعني أحد أبرز قادة المتطوعين في فلسطين إلى أن تأخُّر.. تأخُّر عمليات الإمداد من الجيش الأردني للمقاتلين أدى إلى عملية سيطرة اليهود على القدس على وجه الخصوص، لا أريد أن أخوض معك بالذات، لأن أنت كنت في مرحلة طفولة في.. في ذلك الوقت، أنت الآن طفل في الحادية عشرة أو الثانية عشر من عمرك ،بدأت هناك غزوة للاستيلاء على أرضك، على بلدك، ما هي الانطباعات والأشياء التي تُركت في نفسيتك بعد هزيمة 48؟

محمد داود عودة: أنا شاهدت أكتر من هيك، أنا شاهدت والدي يصاب بالمعركة إصابات بالغة ويُنقل للمستشفى تقريباً شبه ميت، ولا يسمح لي بزيارته إلا بعد أن انتعش قليلاً من أقربائه يعني، وشاهدت أعمامي وشاهدت جيراني بعضهم يُقتل وبعضهم يُصاب، يعني شاهدت المأساة.. أنا طفل صحيح، لكن الصورة أمامي ترسم سنتي سنتي حتى تكتمل هذه الصورة، واكتملت أنا حتى أكون واضح أنا لا أدافع عن الجيوش العربية في فلسطين، كلها كانت دون المستوى القتالي، وكلها وحكامها أسهموا في تشريد الشعب الفلسطيني عن فلسطين بالوعود والكلام الفاضي، أنا بأقول إنه للجيش الأردني موقعين هامين قاتل فيهما وكان شجاعاً في القتال موقع القدس وموقع باب الوادي الذي سكر على اليهود الوصول للقدس عن طريق باب الوادي، وهذا معروف تاريخياً، أما أنا لا أدافع عن الجيش الأردني في لَّد الرملة الذي تركها دون قتال، وأنا بأعرف مين كان قائد الجيش الأردني في ذلك الوقت، الذي بيقود الجيش العربية والجيش الأردني كان بريطانيا

أحمد منصور:جلوب.

محمد داود عودة: جلوب باشنت، أنا لا أتوقع من هؤلاء الشيء الكثير، أنا الانطباع اللي حُفر في وجداني هو ما شاهدته حول محيط بلدي من دير ياسين ومُهجريها من قتال أقاربي وإصابة والدي وعمي إصابات بالغة ، هذا جعلني إني أتصور إنه لابد أن يتعاقب جيل على جيل الدفاع عن أرض فلسطين، وأنا بأقول الآن وأنا تقريباً تجاوزت الستين.. على الشباب الصغير أن يدرسوا هذه التجربة ليستلموا الراية ويدافعوا عن فلسطين كما دافع اللي قبل واللي قبل واللي قبل.

أحمد منصور: العام 48 على وجه الخصوص وحرب العام 48 ومن عاشوا أحداثها بهذه الصورة التي عشتها أنت، يعني من الأهمية بمكان لمقارنتها بالوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية الآن، لكن كون شهادتك تبدأ بهذه المأساة الكبرى، بالنكبة الكبرى كما سُميت في التاريخ العربي الحديث، وأن تشاهد فيها هذه الأشياء بأن أقرب الناس لك وهو والدك أصيب وكذلك أعمامك، هذه أيضاً انعكاسها أيه على حياتك بعد كده؟

محمد داود عودة: جعلتني أترك كل مباهج الدنيا وأمسك بأول طرف خيط نضالي وأتمسك به، أنا كنت في السعودية، ومن تركتهم خلفي في السعودية الآن أصحاب بنوك في عمان، أنا ما كنت أتصور إنه أنا بالسعودية وأنا بالكويت لي هدف ثاني غير النضال من أجل فلسطين وقضية فلسطين.

أحمد منصور: إحنا كده قفزنا قفزة كبيرة لسنة 60 تقريباً حينما ذهبت إلى السعودية، في الفترة من 48 إلى 60 بعدما أكملت دراستك انتقلت للعمل مدرس في السعودية و بعدها انتقلت للعمل في الكويت في الفترة 62

محمد داود عودة: آه.. لأ.. أنا بأمر على بس وقفة عندما كنت في الـ 58 كنت مدرساً في أريحا، وكنت أفكر أيضاً في القضية الفلسطينية، فاتفقت أنا وزميل لي أن نشكل تنظيماً صغيراً فلسطينياً، وكان إسم هذا الزميل ـ رحمه الله ـ عمر حمد، فشكلنا تنظيماً صغيراً، اضطرتني ظروفي أن أغادر للسعودية لأعمل فتُرك التنظيم بعهدة الأخ عمر الذي لم يحتمل صبراً، فقام في عيد من الأعياد بمظاهرة في أريحا، وأريحا كانت مركز لتجمعات لاجئين كبيرة جداً، فأعتقل وانتهى التنظيم عند هذا الحد.

طبيعة الحركات الأيدلوجية الموجودة على الساحة الفلسطينية في الخمسينات

أحمد منصور: في هذه الفترة لم يكن هناك.. ما طبيعة الفكر الأيديولوجي أو الحركات التي كانت موجودة على الساحة الفلسطينية؟ ألم يجتذبك شيء منها؟

محمد داود عودة: لأ، الساحة الفلسطينية كانت فيها الفكر القومي والفكر الماركسي والفكر .. يعني أفكار كثيرة، أنا الحقيقة يعني زاملت منير شفيق وكان شيوعياً في ذلك الوقت، وكنا نتناقش .. كان الاهتمام بفلسطين أقل عند الحزب الشيوعي، فلم يستهويني هذا، وصادقت أصدقاء كانوا بعثيين ،وكانوا يطرحون شعار تحرير فلسطين، لكن كان هناك اجتهاد تبناه عبد الله الربماوي أن الوحدة قبل التحرير أو التحرير قبل الوحدة، فكان بيقول الوحدة قبل التحرير، فلم يستهويني أن أنتظر حتى الوحدة العربية لأحرر فلسطين، وكانوا مثلاً القوميين السوريين، وكانوا مظلومين في ذلك الوقت، كنا نعتبرهم عملاء لبريطانيا، ولم أعرف حقيقتهم إلا متأخراً عندما كنت

أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني غيرت مفهومك عنهم.

محمد داود عودة[مستأنفاً]: آه، حتماً بالتجربة.. بالتجربة

أحمد منصور: طب ما هو.. ما هي الأسباب في ذلك الوقت التي كانت تدفع وجود هذه التهمة عليهم أنهم عملاء للبريطانيين؟

محمد داود عودة: يمكن اختلافهم في ذلك الوقت مع الرئيس عبد الناصر واختلافهم أيضاً مع الأحزاب القومية في داخل فلسطين وسوريا ومقتل عدنان المالكي الذي اتهموا فيه، كلها عوامل ذات شك باعتبارهم عملاء.

أحمد منصور: ألم يستهويك أي تنظيم من هذه التنظيمات؟

محمد داود عودة: لأ، ما يعني أنا كان.. كان فكري منصب على فلسطين وتحرير فلسطين

أحمد منصور: لكن علاقتك بمنير شفيق..

محمد داود عودة: ما يعني ما خلتنيش أنتمي، علاقة زمالة وصداقة، بس ما انتميت أنا للحزب اللي هو كان منتمي إله .

أحمد منصور: لكن هو اعتُقل في 57 على ما أذكر.

محمد داود عودة: أعتُقل بـ.. سنة 57 ضُربت الحركة الوطنية الأردنية كلها في ذلك الوقت، وأنا طلعت ما إنسجنتش لأني ما كنتش أحد الناشطين في الحركة الوطنية الأردنية، وبعد ها انتقلت بالسعودية فبعد فترة قصيرة اطلعت على فكرة فتح.

أحمد منصور: متى .. سنة كام..؟ وعن طريق من؟

محمد داود عودة: يعني يمكن 63 أو 64 على ما أذكر.

أحمد منصور: عن طريق من؟

انجذاب أبو داود لفكر حركة فتح في الستينات

محمد داود عودة: عن طريق أحمد القدوة قريب لأبو عمار، فلما شوفت هذا الفكر، وكان تصدر مجلة فلسطين هنا، وكانت توصلني أقرأها، فلاحظت إنه هذا فكر جديد في المنطقة، ويدعو للتحرير.

أحمد منصور: أيه أهم الأشياء اللي جذبتك في هذا الفكر في الوقت الذي كانت توجد فيه حركات قومية مختلفة لم يجذبك أي شيء؟

محمد داود عودة: إنه الفكر الأساسي أن هذا الجهد من هذه الفئة منصب على تحرير فلسطين، وطبعاً كان التحرير يعني تحرير ما فُقد بالـ 48، ولذلك شعرت إنه هذا التنظيم هو التنظيم الذي يربي.. يلبي ما بأطمح فيه من زمان.

أحمد منصور: لكن فيه بعض الكتابات بتشير إلى أنك في هذه الفترة أيضاً أُعجبت بحزب التحرير، وكان لك صلات به

محمد داود عودة: سابقاً.. سابقاً، وأنا بسن المراهقة بتعرف إن كان عندنا في القدس مؤسس حزب التحرير المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله، ودعونا إحنا كشباب في الثانوي لحلقات دراسة، وأنا كنت مواظب على حضور هذه الحلقات، وربما كانت هي التي أسست فهمي للفقه الإسلامي الصحيح، وأنا بأعتبر الشيخ تقي الدين النبهاني، وهذا قد يستغرب الكثير أنه من الرجال المخلصين لأمتهم ولأرضهم ولشعبه.

أحمد منصور: لماذا يستغرب الكثير يعني؟

محمد داود عودة: نعم، لأنه شُوِّه

أحمد منصور: لاتهامات..

محمد داود عودة: واتُهم كثيراً، وأنا أعرف كيف مات ـ رحمه الله ـ أبو إبراهيم الشيخ تقي الدين، مات فقيراً معدماً، ومات جاكتته ممزوعة مش لاقي أحد يخيط له إياها، ويسكن في شقة متواضعة على الطابق الخامس يمشي لها مشياً ما فيش أسانسير، رغم كبر سنه ورغم أمراضه ودفن يمكن ما مشى في جنازته 20 شخص أنا واحد منهم، دُفن ـ رحمه الله ـ في بيروت.

أحمد منصور: تفتكر سنة كام؟

محمد داود عودة: والله يعني بالضبط 77، 78 في من ها النوع يعني مش متذكر بالضبط.

أحمد منصور: لكن حزب التحرير لم يترك لديك الأثر الذي تنتمي أيضاً فيه إليه، وإنما أيضاً هذا كان في فترة من..

محمد داود عودة: لأ ما جعلنيش.. ما جعلنيش أتبنى كامل فكره، بس في أشياء كثيرة.. من حزب التحرير تركت في نفسي أثر، زي ما قلت لك فهمي للفقه الإسلامي

أحمد منصور: حتى الآن هذا الأثر؟

محمد داود عودة: آه، موجود، الاقتصاد الإسلامي كمان، يعني أنا قرأت كتاب الشيخ تقي الدين عن الاقتصاد الإسلامي ، لما بديت أقرأ كتب ماركسية وغير ماركسية وجدت أن المنهج الذي فسره الشيخ تقي الدين يصلح لهذا الزمان أفضل من كثير من النظريات.

أحمد منصور: في 63، 64 تعرفت على فكر فتح، بدأت تشتري مجلة فتح، كنت في المملكة العربية السعودية، بدأت تقتنع بفكر فتح على اعتبار أنها تهدف إلى تحرير فلسطين، وهذا الأمل الذي كنت تبحث عنه في كل الحركات الأخرى ولم تجده، ما الذي قررته بعد ذلك؟

محمد داود عودة: قررت أنتمي لفتح وحقيقة انتميت، لكني أنا ما طولتش بعدها تركت السعودية، وانتقلت أبحث عن عمل في الكويت.

أحمد منصور: فيه شخصيات عرفتها فتح في البداية في السعودية في تلك المرحلة؟

محمد داود عودة: في السعودية لا، عرفت واحد ثانى غير أحمد عمر القدوة عرفت واحد كان يسموه الشيخ البرقاوي، ولا أعرف اسمه الأول،يعني في ذلك الوقت ما كناش كثير ندقق بالأسماء يعني، ولا أدري أين مصيره، وكنت أقول أحمد الله أنه يعني ما التقيتش به أثناء وجودي في فتح بعدين.

أحمد منصور: ليه؟

محمد داود عودة: لأنه كان يحب شد كل اثنين مع بعض، فما.. يعني هاي الخصلة ما حبيتها فيه، قد يكون مات رحمه الله، لأنه أكبر مني سناً كان كبير، وبعدها انتقلت للكويت، وهناك تعرفت على أبو حسن سلامة، وربطتني فيه صداقة متينة، وهو الذي عرفني على المرحوم الشهيد أبو إياد، وربطتنا أيضاً صداقة، ورجعت أمارس في فتح عبر أبو حسن سلامة وعبر مسؤولية أبو إياد، وحدثت عام 67 .

أحمد منصور: أبو حسن سلامة وأبو إياد، يعني هاتين الشخصيتين على وجه الخصوص لك علاقة خاصة و متينة بكلاهما رغم ما حدث من خلافات بينك وبين أبو حسن سلامة، مثلاً في بعض..

محمد داود عودة: وأحياناً مع أبو إياد كمان.

رؤية أبو داود لما حدث في نكبة 67

أحمد منصور: ولكن بقيت مع أبو إياد، وبقي أبو إياد يدعمك إلى النهاية، وبقيت علاقتك.. علاقتكما علاقة وثيقة وخاصة طوال هذه المرحلة، ربما أعود بشكل من التفصيل بعلاقتك بكلا الرجلين، ولكن الآن هزيمة 67، أين كنت في العام 67؟

محمد داود عودة: كنت بأقدم لامتحان النهائي في كلية الحقوق، تعرف أنا يعني كان ميولي علمية، و..

أحمد منصور: كنت مدرس فيزياء على ما أعتقد

محمد داود عودة: آه، درست فيزياء ورياضيات، وكنت ميال للمواضيع العلمية، لكن أنا تزوجت صغيراً، كان عمري 20 سنة لما تزوجت، فلذلك أنا كنت أدرس حقوق، لأنه الحقوق كانت في دمشق بالانتساب، ويوم حرب 67 كنا نقدم امتحاناتنا النهائية، وفوجئنا طبعاً العالم كله العربي كان (معتقم) يعني ما كناش بنفس هذه الصورة، كنا نراقب مضايق فيران، ونراقب ما يحصل، والاستعراضات في سيناء، والتهديد على سوريا وإلى آخره، كنا متابعين هاي الأحوال، وعندما انفجر القتال كنا نحلم حلماً فوضوياً كبيراً، لأنه فتح كان عندها تفكير أن الأمة العربية هي فيل، لكن فيل مكبل بالجنازير، وأن إسرائيل هي فأر، فمن يستطيع أن يكسر هذه الجنازير فينطلق الفيل ويدعس الفأر ويمشي، فكان عندنا يعني معلومات من الصحف والإعلام المزور، إنه قوة العرب أضعاف قوة إسرائيل.

أحمد منصور: لكن ما الذي حدث بين الفيل والفأر؟

محمد داود عودة: اللي صار إنه مع الأسف إن الفيل لم يكن فيلاً، وأن الفأر أيضاً لم يكن فأراً، وطبعاً نحن بس.. أُعلن عن بداية الحرب ركضنا لنحمل السلاح، بسوريا كانوا بيوزعوا بنادق على الجامعات، وأنا مسكت بندقية من هذه البنادق فلم أعرف كيف أستعملها، لأنه ما كان عندي أي فكرة عن استعمال السلاح إلا ما تدربت في المدارس على أسلحة قديمة بالأردن، فبعدين قررنا أنا ومجموعة من الشباب أن نذهب إلى الضفة الغربية، وكان أحد زملائنا معه سيارة، فركبنا السيارة وذهبنا حتى الحدود الأردنية السورية لم نجد أحداً فيها، فقطعنا الحدود وكملنا.

أحمد منصور: كان يوم كام، 5 ولا كام؟

محمد داود عودة: كان يوم 5 يوم المعركة، ووصلنا عمان فكان ليل وممنوع الإضاءة إضاءة السيارات، فصاحب السيارة قال لي: أنا ما أسوقش مش مستعد، قلت له أعطني السيارة أنا بأكمل فيها، فكملت سياقة وهو معي طبعاً إلى أريحا بدون أنوار على الظلام الدامس، ووصلنا أريحا فلم نستطع أن نكمل لأنه كانوا فيه لواء أردني بيطلع على الطريق باتجاه القدس، ونمنا في..

أحمد منصور: طوال الطريق لم يقل لكم أحد، ولا أين أنتم ذاهبون؟

محمد داود عودة: لا.. لا، ولا أحد سألنا.

أحمد منصور: كان أيه المظاهر اللي موجودة في الطريق؟

محمد داود عودة: لاحظنا عند البحر الميت، عند مصرف أريحا أن هناك تحرك لدبابات أردنية .

أحمد منصور: باتجاه ؟

محمد داود عودة: باتجاه القدس في ذلك الوقت، لكن نمنا بأريحا، ثاني يوم زميلي ذهب بسيارته لوحده، فأنا ذهبت إلى القدس معظم الطريق ماشياً.

أحمد منصور: من أريحا إلى القدس.

محمد داود عودة: من أريحا إلى القدس.

أحمد منصور: ما الذي رأيته؟

محمد داود عودة: ورأيت إن ما فيه دبابات، الدبابات اللي كانت طريق إلى القدس مش رايح على القدس نقل يمكن مفرق شمال على اليمين فوصلت العزارية فوجدت دبابتين أردنيات يقصفوا باتجاه جبل (المكبر)، ولاحظت أنه بعض الجنود تقدموا في جبل المكبر، فبعد يمكن ماقصفت دبابات 5، قنابل وإذا الطيران ييجي بيقصف الدبابتين والجنود بيدمرهم، فكملت أنا على رأس العمود، من رأس العمود طبعاً لأنه أنا..

أحمد منصور: أنت لوحدك تتحرك؟ وليس معاك أحد؟

محمد داود عودة: لأ فيه ناس كثير.. فيه ناس كثير ماشيين بس الناس كلها ماشية في اتجاه معاكس.

أحمد منصور: الناس عايزه تعرف هي رايحة فين جاية منين.

محمد داود عودة: الناس مروحة، الناس.. مروحة على شرق النهر، يعني هلا أنا جاي لك على هذا الوضع، فوصلت رأس العمود فلم نشاهد عسكري إسرائيلي إلا بعض الجنود على بعد خطوات كانوا فيه إطلاق خفيف نار بينهم وبين بعض الجنود الأردنيين، لم تكن هناك معركة، والتقيت بأحد جيراني، وأخبرني إنه والدي ووالدتي وابني اتجهوا شرقاً مع الناس اللي متجهين شرقاً.

أحمد منصور: كنت ..كانت عائلتك تقيم في أريحا في ذلك الوقت؟

محمد داود عودة: لأ، فقط أبي وأمي بالقدس ومعهم ابني.

أحمد منصور: في سلوان.

محمد داود عودة: آه، في سلوان، ورجعت باتجاه أريحا ماشياً أيضاً، فشاهدت المنظر القاسي الرهيب التالي، آلاف الناس يذهبون باتجاه الشرق ولا يدرون ماذا يفعلون، ولم يشاهدوا جندي إسرائيلي، آلاف الجنود أيضاً..

أحمد منصور: الجنود الأردنيين؟

محمد داود عودة: جنود أردنيين يسيرون باتجاه الشرق، يلقون بأسلحتهم شمالاً ويميناً ويذهبون باتجاه الشرق، لأن الأمر جالهم بالانسحاب للخط الثاني اللي هو الخط الثاني خلف النهر.

أحمد منصور: انسحاب دون قتال.

محمد داود عودة: دون قتال.

أحمد منصور: دون مواجهة.

محمد داود عودة: دون مواجهة.

أحمد منصور: لا يوجد أمامهم أحد يقاتلونه.

محمد داود عودة: ولا فيه أحد، أنا لم أرَ جندياً، أنا قطعت النهر ولم أرَ جندي إسرائيلي إلا ثاني يوم لما رجعت يعني أفتش على ابني في هجوم الإسرائيليين، بس في اليوم الأول لم أرَ جندي إسرائيلي يعني إلا بعض الجنود زي ما قلت لك في بعض الأطراف.

أحمد منصور: دي يوم 6 يونيو.

محمد داود عودة: يوم 6، صار يوم 6 هذا فبعد ما قطعنا النهر يوم 6 قُصف جسر لمبي ودُمِّر، وصار الناس ينصبوا شوية خشب ليمروا عليها، بس الناس يعني تائهين كالغنم، لاحظت إنه..

أحمد منصور: كانوا شايلين أيه الناس؟ سايبين بيوتهم..

محمد داود عودة: يعني بعض دواعي، بعض الملابس الضرورية، بعض.. يعني نوع من الهلع طبق، وليس هناك أجهزة إعلام تهديء روع الناس ،وليس هناك أجهزة إعلام صادقة لتقول للناس ماذا يفعلون، فالناس كانوا ضايعين ما عندهمش أي تفكير.

أحمد منصور: كنت بتشعر إن فيه حتى تماسك لدى الناس؟

محمد داود عودة: لا.. لا، ما فيه تماسك.

أحمد منصور: يعني فرادى الناس؟

محمد داود عودة: آه.. آه، ما فيش مجموعات

أحمد منصور: ليس بالضرورة إن كل واحد واخد عائلته أو كذا يعني..

محمد داود عودة: لأ، يعني عائلاتهم آه، يعني كل واحد عائلته وكل حارة 4، 5 منها ماشيين لكن إلى أين؟ ما بيعرفوش، وأقسى ما يمكن أن هذا مورس على مخيم كبير جداً في أريحا اللي هو مخيم عقبة.. الجبل، ها دول لاجئين من الـ 48 سكنوا بالمخيم، صارت 67 فرحلوا هم ومخيم عين السلطان باتجاه الشرق، والآن شكلوا مخيم كبير جداً، اسمه مخيم البقع، ويعني لو كان

أحمد منصور: في مدخل عمان.

محمد داود عودة: آه، سهل بين عمان وجرس، ولو كان هناك توعية ولو كان هناك مؤسسات حكومية أو شعبية تفهم الناس إنه لا يرتكب الخطأ اللي ارتُكب عام 48، وبقيوا الناس مكانهم لكان الوضع الآن أفضل 100 مرة، طبعاً أنا بالنسبة إلى يعني..

أحمد منصور: لكن أنت تعتقد إن الناس دول هناك من دفعهم إلى أن يتركوا بيوتهم أم أن الهلع فقط هو الذي دفعتهم؟

محمد داود عودة: لا.. لأ، الإعلام.. الإعلام العربي، الإعلام العربي اللي كان يمارس، الإعلام العربي.

أحمد منصور: الإعلام العربي في وقتها كان عمال يشير إلى الانتصارات الساحقة والطيران الإسرائيلي الذي يتساقط.

محمد داود عودة: مضبوط.. مضبوط.. مضبوط، هم شايفين إعلام عربي بيشيد بها الانتصارات، وشايفين جنود إسرائيليين قريب منهم يشيروا إلى الهزيمة، فالاختلاف بين الواقعين شكل هلعاً، والناس لسه ذاكرة دير ياسين وبعض القرى في أذهانهم فخافوا، بعدين الناس يعني الإشاعة إذا ما بيكون فيه جهاز ينظم الناس، ها الإشاعة تسري سريان النار بالهشيم وليس لها من يضبطها، يعني مثلاً أنا بحيبي.. انتقل لسلوان قالوا: المذابح بالطول، مش صحيح.

أحمد منصور: ولم يكن هناك مذابح.

محمد داود عودة: ما فيه مذابح مطلقاً، ويمكن إحنا في سلوان انتقل للعزارية.. ورووا نفس الرواية إنه أهل سلوان يقولوا أن المذابح في سلوان، وأهل العزارية انتقلوا إلى أريحا ليقولوا أن المذابح في العزارية.

أحمد منصور: إذاً الناس وتكوينهم أيضاً لعب دور في المأساة.

محمد داود عودة: يعني أنا بأقول لك الناس.. الناس العاديين هم ناس عاديين مثل التربة صالحة لزراعة النبتة الكويسة والنبتة السيئة.

أحمد منصور: لكن أيه اللي تتوقعه؟ أنت قلت لو أن الناس لم يهاجروا، لم يتركوا ديارهم كان الوضع مختلفاً، ما الذي سيكون مختلفاً والإسرائيليون أيضاً سيطروا على الضفة بالكامل إلى..؟

محمد داود عودة: آه، لكن أقول لك شغلة، الآن الإسرائيليين أخطأوا خطأ يمكن يكون صدفة عام 48، تركوا 120 ألف فلسطيني، الآن أظن 120 أهل فلسطيني مليون، الآن لهم 15% من الأصوات لهم الترجيح ، لعلمك يعني ولو إنه هذا شأن.. شأن متأخر جداً باراك نجح بأصوات الفلسطينيين ليس بأصوات اليهود، باراك نجح بأصوات الفلسطينيين، لو بقيت..

أحمد منصور: هم نجحوا فعلاً..

محمد داود عودة: آه، لو بقيت الأوضاع نحن يعني أحمد أنا أكلمك بدون تكليف، بأقول لك إحنا القنبلة الذرية الأهم عندنا والديموغرافيا جوه، الديموغرافيا لو ما رحلش مثلاً 400 أو 700 ألف كما يقولون من فلسطين من الضفة الغربية في ذلك الوقت، للآن هادول الـ 700 ألف مليونين.

أحمد منصور: أنا في الجانب الديموغرافي وحضرتك ركزت عليه سواء فيما يتعلق بزواجك المبكر أو في ما يتعلق بما ذكرته الآن، هل تعتقد إن الإسرائيليين يمكن أن يتركوا المجال للفلسطينيين بحيث إن التركيبة الديموغرافية فعلاً يمكن أن تختل بعد 10 سنين أو 20 سنة وتصبح في صالح العرب؟

محمد داود عودة: ناقشت هذا الأمر مرة مع أحد الصحفيين الأوروبيين الإنجليز، فقلت له إنه الإسرائيليين أمامهم أحد أمرين إما إنه يحكموا الفلسطينيين (بالأوليجاركية) ،يعني بالأقلية القامعة كما كان في جنوب إفريقيا وهاي انتهت في جنوب إفريقيا، ولم يتحملها العالم طويلاً، أو أنهم يتركوا اللجان الديمقراطية هي التي تحكم، فأنا بأعتقد.. أو عندهم حل ثالث يعملوا transfer الآن شايف الـ transfer يعني ما يتحملهوش لا في كوسوفوا ولا بأي بلد بالعالم.

أحمد منصور: لكن هم بيعملوا ترانسفير بطيء.

محمد داود عودة: هم لأ.. أنا بأقول لك.

أحمد منصور: القدس على سبيل المثال

محمد داود عودة: أنا بأقول لك أحمد.. أنا.. أنا خايف من ترانسفير، وهذا يجب أن يفهموه الناس اللي جوه بالذات والقيادات المسؤولة سواء بفلسطين أو بالمجاور يفهموا شغلة هناك خطة لترانسفير اختياري، وهذا اللي بيخوفني، يعني كيف اختيار ترانسفير اختياري؟ بيجوا مثلاً يضيقوا وسائل العمل في الضفة والقطاع ويعملوا منشآت مهمة صناعية على الجانب الشرقي من النهر، ويتركوا فرص العمل في الجانب الشرقي من النهر كبيرة جداً

أحمد منصور: الأردن يعني كما تقصد.

محمد داود عودة: آه، فبيروح الواحد بيشتغل أول يوم، أول شهر، أول شهرين، بعدين بيجيب عائلته، بيسكنها جنبه، وهكذا نشأت مدن في الأردن،الرصيفة الزرقا..

أحمد منصور: شاهدت بعضها.

محمد داود عودة: شاهدت هناك نشأت هيك، هذا مخيف يجب أن يهتم العالم العربي بشيء مهم.

أحمد منصور: وفيه ترانسفير تاني أيضاً يعني

محمد داود عودة: نعم؟

أحمد منصور: ترانسفير توفير الفرص في العالم العربي ترانسفير إن الولايات المتحدة وأوروبا مفتوحة للفلسطينيين لمن أراد أن يهاجر منهم.

محمد داود عودة: مضبوط.. مضبوط.

أحمد منصور: فكل هذا أيضاً يدخل في.. في الإطار العام لقضية التهجير أو الترحيل

محمد داود عودة: يعني الترانسفير، عفواً الترانسفير الخارجي ممكن يكون بيلعب جزء.

أحمد منصور: ربما نعود إلى ذلك ولكن لنرجع إلى العام 1967 كنت تبحث عن أبيك وأمك وابنك في وسط هذا الكم الهائل من الناس الذين يهيمون على وجوههم من الضفة باتجاه الشرق.

محمد داود عودة: بعد ذلك طبعاً لم أجدهم في عمان، عدت اليوم الثاني على النهر ودخلت قاطعاً النهر سباحة إلى أريحا، وطبعاً في ذلك الوقت كان صار الوضع مختلف، كانوا الإسرائيليين يعملون كمائن..

أحمد منصور: يعني الإسرائيليين ارتاحوا إلى وضع الهجرة، ولا يريدون الإعادة .

محمد داود عودة: آه طبعاً، ولا يريدون أن يعودوا .

أحمد منصور: من يعود يعتبر متسلل ويُقتل

محمد داود عودة: طبعاً يُقتل، فأنا استطعت إني أتسلل، وذهبت إلى بيت أقاربي اللي بأريحا، وعرفت إنه والدي ووالدتي وابني تركوا أريحا اليوم صباحاً متجهين باتجاه عمان.

أحمد منصور: معلش هنا أنا في جانب نفسي مهم جداً جداً، معلش ممكن في دقيقة كده تقول لي الجانب النفسي، وضعك النفسي كان أيه؟ في هذا الوضع، أسرتك في الكويت، أنت كنت تدرس في دمشق، ابنك مع أبوك وأمك في سلوان، رجعت وجدت أرضك راحت ، بلدك راحت، الإسرائيليين سيطروا عليها وأنت تبحث ملتاعاً، أوصف لي حالة.. حالتك كمثال لآلاف أو عشرات الآلاف..

محمد داود عودة: أنا بدي أقول لك.. أنا بدي أقول لك حالتي هى الضياع الفلسطيني اللي كان سائد في ذلك الوقت، أنا همي أسرتي بالفعل بالكويت، همي إني رأيت آخر معقل يُسمى بفلسطين عليه الجندي الإسرائيلي الآن اللي هو النهر، فمعناها الضياع الكامل لفلسطين، أنا لما انتميت لفتح ما كنتش أسعى على تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة كانت already مع العرب، أنا كنت أسعى لتحرير اللي ضاع بالـ 48، فالآن شوفت إنه إحنا العرب صرنا لورا كمان الوضع كثير مأساوي، فالضياع كان ضياع كامل ومؤثر نفسياً يعني.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من تحليلك لوضع 67، أسباب الهزيمة، وما حدث فيها ما حدث من هجرة الفلسطينيين بعد ذلك والتمركز في الأردن على وجه الخصوص، معركة الكرامة في عام 68، الفصائل الفلسطينية التي تجمعت في الأردن والتوجهات المختلفة لهذه التجمعات وصولاً إلى أيلول الأسود في العام 1970.

أشكرك شكراً جزيلاً.

محمد داود عودة: شكراً لك.

أحمد منصور: كما أشكركم –مشاهدينا الكرام- على حسن متابعتكم.

في الحلقة القادمة –إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد داود عودة أبو داود.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.