مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

فريد عبد الخالق: عضو جماعة الإخوان المسلمين

تاريخ الحلقة:

14/12/2003

- البناء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين
- كيفية تعامل حسن البنا مع أعضاء مكتب الإرشاد

- مدى التقارب بين الوفد والإخوان

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق، أحد مرافقي حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (عضو الهيئة التأسيسية وعضو مكتب الإرشاد السابق في الجماعة).

أستاذ فريد عبد الخالق، مرحباً بك.

فريد عبد الخالق: أهلاً بكم.

أحمد منصور: في الفترة بين عامي 1939 و 1945 انتهت.. كانت فترة الحرب العالمية الثانية.

فريد عبد الخالق: أي نعم.

البناء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين

أحمد منصور: وفي هذه الفترة قام حسن البنا بوضع البناء التنظيمي المتكامل للجماعة، انتميت أنت للإخوان في العام 1941، وفي تلك الفترة وُضعت الأنظمة المختلفة نظام الأسر، الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين، مكتب الإرشاد وغيرها من الأمور التنظيمية الأخرى، من أي شيء استقى حسن البنا هذا النظام؟

فريد عبد الخالق: التنظيم؟

أحمد منصور: نعم.

فريد عبد الخالق: هو كان واسع الاطِّلاع، وأنا آنست منه يعني أكثر مما نتصور، يعني مثلاً لما يكلمني هو في السياسة في كلام عابر ويقول لي: إحنا يا فلان ما عندناش كوادر سياسية، يعني مدرك بالضبط هو، وعنده نقد ذاتي، وعارف بالضبط أيه اللي تم وأيه اللي ما تمش، ماهواش، واقترح اقتراح في إن إحنا ممكن الكلام اللي كنت قلته كاقتراح إحنا ممكن يحصل تعاون مع منظمة سياسية في مصر نظيفة وبلا شعبية، وممكن نتعاون دا طريق، والطريق الثاني ممكن نتبع نظام زي نظام (الفيبيانز) في النظام البريطاني كمؤسَّسة كانت في القرن التاسع عشر اللي تحولت بعد كده إلى حزب العمل، فلقيت إن هو يعني كونه يعرف بيدور على أنظمة، دي نظرة يعني ليس فقط مجرد..

أحمد منصور: يعني حسن البنا فكر في لحظة من اللحظات التاريخية في تاريخ الجماعة أن يندمج الإخوان مع أحد الأحزاب السياسية في مصر؟

فريد عبد الخالق: آه، أي نعم، تفكيراً.

أحمد منصور: هل حدَّد هذا الحزب؟

فريد عبد الخالق: الحزب الوطني.

أحمد منصور: الحزب الوطني.

فريد عبد الخالق: اللي هو كان في.

أحمد منصور: اللي هو امتداد لمصطفى كامل.

فريد عبد الخالق: نعم.

أحمد منصور: الحزب اللي أسسه مصطفى كامل.

فريد عبد الخالق: مصطفى كامل واللي من تبعه فيه من..

أحمد منصور: كان فتحي رضوان.

فريد عبد الخالق: فتحي رضوان، ونور الدين.. نور الدين طراف، والأشخاص يعني..

أحمد منصور: هذا الموضوع تحديداً كيف عرضه عليكم حسن البنا؟

فريد عبد الخالق: آه، دا عرضه أولاً هو فكر فيه قبل ما يعرضه، وعرضه في مكتب الإرشاد، ولما عرضه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: سنة كم تفتكر؟

فريد عبد الخالق: دا الكلام دا حصل بعد الحرب العالمية.

أحمد منصور: يعني نقول 1946؟

فريد عبد الخالق: آه، قول كده تقريباً.

أحمد منصور: 45.

فريد عبد الخالق: أيوه، 46، لأن بدأ نضج سياسي وبدأ يبقى للدعوة.

أحمد منصور: 46، 48 كانت فترة نضج سياسي؟

فريد عبد الخالق: أيوه، لأن بدأ التواجد السياسي يوجد، وبدأ هو حتى يحصل تعامله مع رؤساء للدول، ويكتب لهم.

أحمد منصور: يعني في فترة متأخرة من تاريخ الجماعة.. من تاريخ حياة حسن البنا.

فريد عبد الخالق: أيوه.

أحمد منصور: شعر حسن البنا عدم وجود كوادر سياسية في الإخوان تواكب الوضع الذي كان موجوداً آنذاك.

فريد عبد الخالق: أيوه أي نعم.. نعم.

أحمد منصور: ففكر باندماج بين الحزب الوطني وبين الإخوان المسلمين.

فريد عبد الخالق: آه..

أحمد منصور: فكرته أيه في الاندماج؟

فريد عبد الخالق: نعم؟

أحمد منصور: ما هي فكرته في الاندماج؟

فريد عبد الخالق: فكرته في الاندماج هو اللي.. إن يعني تناول الشق السياسي وأداء الدور السياسي اللي هو يتعلق بنظام الحكم، ويتعلق بالوصول مع الشعب إلى المشاركة والحضور في القرار، يعني لهذا الاحتكاك تقوم به كيان عايز يغير، لأن لا تغيير من غير رأي عام.

أحمد منصور: يعني هو الآن كجماعة تملك تيار واسع، ويقال في 46 كانت الإخوان تنصف بالجماعة.. توصف بأنها الجماعة المليونية.

فريد عبد الخالق: أيوه.

أحمد منصور: لم يكن فيها كودار سياسية، الحزب الوطني كان فيه كوادر سياسية، وليس فيه شعب.

فريد عبد الخالق: شعبية.

أحمد منصور: شعبية.

فريد عبد الخالق: آه، هو طبعاً مش معناه.. معناه إن الساحة خالية، لأ، يوجد، إنما عايز يقول العمل أكبر من كده، يعني إحنا يمكن ما استكملناش دورنا اللي يؤهلنا إلى وجود كوادر سياسية كافية لتغطية متطلبات العمل السياسي.

أحمد منصور: أنت عايز تفهمني هنا إن حسن البنا كان بيستشير مكتب الإرشاد، وكان بيستشير الهيئة التأسيسية، وكان بيرجع لكم يعني.

فريد عبد الخالق: أي نعم.. أي نعم، هو..

أحمد منصور: أي نعم إزاي؟

فريد عبد الخالق: ودي حتة يعني جديرة بالذكر الحقيقة، فكرة الاستشارة كانت أساس عنده ليس شخصياً، ولكنه من المفاهيم الأصيلة في الإسلام نفسه، لأن الإسلام (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، يعني فكرة الشورى دي زي ما تقول أصل في بناء الإسلام نفسه، وحطها..

كيفية تعامل حسن البنا مع أعضاء مكتب الإرشاد

أحمد منصور: أنا عايز أعرف حسن البنا كيف كان يتعامل معكم أنتم في مكتب الإرشاد؟

فريد عبد الخالق: كان يتعامل معنا سواء في مكتب الإرشاد أو في غير مكتب الإرشاد بانفتاح على الآخر كامل، يعني كان يستطيع مثلاً الفلاح في أقاصي الريف يأتي ويدخل عليه مكتبه ويراجعه في الأعمال، وأنتم ليه عملتوا كده؟

أحمد منصور: إزاي دا؟

فريد عبد الخالق: آه، يعني..

أحمد منصور: والمعروف إن يعني كأنما حسن البنا وضع في.. في نظام السمع والطاعة والأسس التي وضعها في العلاقة بين المسؤول وبين الجندي نظام من الديكتاتورية المستبدة المقنن بغطاء إسلامي.

فريد عبد الخالق: لأ، اسمح لي بقى عشان خاطر نصحِّح ونحرِّر الكلام أكثر، لأن زي ما قلت أنا يعني من آفة الكلام إن يحصل فيه نوع من عدم التحرير، فيما يتعلق بالشق بتاع النظام العسكري دا قائم بطبيعته، لأن هو عبارة عن جندية.

أحمد منصور: النظام الخاص يعني؟

فريد عبد الخالق: نعم.. نعم.. إنما النظام العام..

أحمد منصور: سنتحدث عنه وحده.

فريد عبد الخالق: إنما النظام العام لأ، يعني كان الفكر قد يكون فيه نوع، ودا موجود في الحياة يعني، هل كل حزب أو كل مؤسسة أو كل نظام كلهم عندهم نزعة استقلالية؟ يوجد من هو قابل للاستماع وإن هو يعني يرجع في قراره إلى الآخر، وفيه عنده قدرة.

أحمد منصور: لكن كان هناك نظام.

فريد عبد الخالق: إنما..

أحمد منصور: كان هناك نظام الأسر، ونظام الأسر كان نظام مفتوح، لم يكن نظام عسكري سري مثل النظام الخاص.

فريد عبد الخالق: لأ، لأ ما هو.. هو فيه شيء، وفكرة أنا عشت في الإخوان فترة طويلة، ويعني دخلت في كل الأقسام وكل الأعمال تقريباً، فما آنست لا من المرشد نفسه ولا من كون دا نظام مُملى على الجماعة، وأصبح متبَّع، إن فكرة الانقياد والسمع والطاعة دا، أنا ما أعرفش.

أحمد منصور: اضرب لي أمثلة.

فريد عبد الخالق: هأضرب لك أمثلة.

أحمد منصور: بتقول لي الآن أنتم حسن البنا جاء يستشيركم في.. في انضمام الإخوان إلى الحزب الوطني.

فريد عبد الخالق: آه.

أحمد منصور: احكي لي اللي حصل.

فريد عبد الخالق: هو..

أحمد منصور: إزاي بيستشيركوا وإزاي بيأخذ رأي، لأن أنا عندي ضد هذا الكلام؟

فريد عبد الخالق: كويس أنا أرحب.. أنا أرحب..

أحمد منصور: قل لي ما عندك.

فريد عبد الخالق: لأن إحنا كلنا نبغي وصول الحقيقة.

أحمد منصور: اتفضل.

فريد عبد الخالق: يعني لسنا يعني خصوم، نحن شركاء في البحث عن الحقيقة.

أحمد منصور: لأ أنا خصم لك في هذا الحوار.

فريد عبد الخالق: لأ أنا مش.. مش.. صديق مش خصم، لأن أنا أرحب.. أصل أنا حياتي..

أحمد منصور: برضو مش.. مش هأنحاز لك مطلقاً.

فريد عبد الخالق: لأ.. لأ، أصل كويس اللي أنت قلتها، أصل أنا طبيعتي كده، أنا أحب الرأي الآخر، ولا يغنى البشر من وجود رأي آخر، لأن.. وربنا خلق كده الازدواجية دي، خلق ليل ونهار وخلق ذكر وأنثى، يعني طبيعة لأن دا فيه حياة أكثر، فأنا أرحِّب جداً والإسلام يرحِّب، وربنا أقام الحوار دا جزء من الإسلام نفسه.

أحمد منصور: مع هذا الترحيب ارجع لي للموضوع، تقول لي حسن البنا جاء إلى مكتب الإرشاد في سنة 46.

فريد عبد الخالق: أيوه.

أحمد منصور: وعرض على مكتب الإرشاد عملية اندماج بين الحزب الوطني وبين الإخوان المسلمين.

فريد عبد الخالق: آه.. آه، هو كان الفكرة كما سمعتها أنا منه من قبل فكرة بتراوده كمخرج لمأزق أو أزمة اللي هو غشيان الحقل السياسي، ووجود يعني الوفاء بمتطلباته محتاجة إلى كوادر وأصحاب خبرة في الحقل السياسي.

أحمد منصور: أنا عايز يا أستاذي اللي حصل في الحوار أيه؟

فريد عبد الخالق: اللي حصل بالحوار، إن هو فعلاً اقترح على مكتب الإرشاد الفكرة.

أحمد منصور: مين أعضاء مكتب الإرشاد اللي كانوا قاعدين آنذاك؟

فريد عبد الخالق: أعضاء مكتب الإرشاد يعني اللي أذكر منهم يعني الشيخ الباقوري، والأستاذ طارق خشاب، الدكتور كمال خليفة، اللهم صلي على سيدنا محمد، عبد الرحمن.. أخوه عبد الرحمن.

أحمد منصور: عبد الرحمن البنا.

فريد عبد الخالق: عبد الرحمن البنا، عبد الحفيظ السيفي.

أحمد منصور: صالح عشماوي كان فيه؟

فريد عبد الخالق: وصالح عشماوي طبعاً طبيعي لأنه كان وكيل الجماعة..، يعني نخبة من..

أحمد منصور: وأنت كنت عضو مكتب الإرشاد.

فريد عبد الخالق: وعبد الحكيم عابدين.

أحمد منصور: عبد الحكيم عابدين.

فريد عبد الخالق: وعبد الحكيم عابدين، فكان فيه يعني اعتبروا..

أحمد منصور: حسن البنا كان يستشير..

فريد عبد الخالق: وكان.. وكان فيهم حامد أبو النصر اللي بقى مرشد بعد كده.. حامد أبو النصر.

أحمد منصور: نعم، حسن البنا كان يستشير هؤلاء أو كان..

فريد عبد الخالق: كان بيعمل..

أحمد منصور: هو المرشد، وكان افعلوا، نعم.. حاضر.. طيب؟

فريد عبد الخالق: لا.. لا.. لا، مافيش كنا بنناقش الرأي ما له وما عليه، واللي يرجح كفته بنتبعه، فهو كان بيعرض الموضوع للنظر وتبادل الرأي فيه.

أحمد منصور: حينما عرض الموضوع كيف ناقشتموه؟

فريد عبد الخالق: آه، الموضوع دا بالذات كان له خصوصية في هذا العرض، لأن أنا استدركت عليه لما طُرح الموضوع دا، وأنا.. وعُرض على مكتب الإرشاد وقال لي أنا أعرضه باعتباري أنا كنت يعني زي أمين سر المكتب، وحضَّر.. وهو أملى عليَّ قبل ما ندخل جدول الأعمال، فكان نمرة واحد هي الموضوع دا، فأنا الحقيقة يعني طرحته بلسانه يعني، وبدأ الإخوان يرفع بعضهم إصبعه بالكلام، وأنا كمان رفعت إصبعي، فهو حتى قال يعني إن أنا أفسح لغيري لأني أنا كثير الصلة به، فأنا قلت له: لأ، أنا هأتكلم في الشكل، فالإخوان لما سمعوا مني هذا، قالوا: لأ، الكلام في الشكل يسبق الكلام في الموضوع، فأنا وجهت كلام له ناقداً، قلت له: هذه الفكرة التي تعرضها هل سبق لك قبل عرضها والاتفاق عليها أنك اتصلت ببعض الأطراف المعنية من الحزب الوطني، أمثال فتحي رضوان ونور الدين طراف، فناقشت معهم الموضوع أم.. أم هذه هي البداية؟ طلع إن هو سبق له جس نبض، وهو استشعر بإن هو سبق بما قام به من جس نبض قبل أن يرجع المكتب، وكان الأَوْلى إن هو يطرح الموضوع ويتخذ فيه قرار ثم يشرع، هو شرع يعني سمح لنفسه جس نبض يعني أنا.. أنا لا أعتذر عنه، وإنما أقول ما شاهدت منه إن هو اعترف ضمنياً بأن ليس هو دا النهج الأقوم، وإنه كان ينبغي إن لا يمس موضوع مع الآخرين قبل عرضه واتخاذ قرار فيه من المكتب.

أحمد منصور: يعني اعترف حسن البنا أمام مكتب الإرشاد بخطئه في.. في هذا؟

فريد عبد الخالق: أيوه، في جوه المكتب، أنا لا أجد بأس من كوني أنا أواجهه، مافيش حكاية سمع ولا طاعة، ولا سيطرة ولا رياسة، كلنا يعني طلاب.

أحمد منصور: هذا المظهر كان يتكرَّر إزاي؟

فريد عبد الخالق: يتكرر.. يتكرر في كل حاجة، يعني هو يعني فكرة الاستشارة والعمل بالشورى، دي كان يعني أمر أنا بأعتبره من مقوِّمات الإسلام الأساسية، لا يمكن واحد يعلم عن الإسلام علماً مثل علمه ويلتزم به مثل التزامه، ويستعمل ما نهى الله عنه للسيطرة يقول (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) إذا كان ربنا قال لرسوله.

أحمد منصور: طيب أنا هأقول لك شيء يناقض هذا الكلام.

فريد عبد الخالق: (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) مش معقول يعني.

أحمد منصور: حينما اختار أو فرض الإنجليز مصطفى النحاس رئيساً للوزراء في حكومة 4 فبراير حادث 4 فبراير الشهير.

فريد عبد الخالق: أيوه

أحمد منصور: رشَّح حسن البنا نفسه في الانتخابات.

فريد عبد الخالق: أي نعم.

أحمد منصور: ولكن مصطفى النحاس استدعى حسن البنا.

فريد عبد الخالق: أي نعم.

أحمد منصور: وقال له: إن هناك ضغوط من البريطانيين، ويرجى منك سحب ترشيحك من الانتخابات..

فريد عبد الخالق: صحيح.. نعم.. دا صحيح.

أحمد منصور: سحب حسن البنا نفسه من الانتخابات..

فريد عبد الخالق: أي نعم.

أحمد منصور: حينما رجع حسن البنا إلى الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد رفضوا انسحابه من الانتخابات وطلبوا منه أن يبقى، ولكنه انسحب مخالفاً مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية صح؟

فريد عبد الخالق: آه.. آه هذا.

أحمد منصور: كنت أنت عضو مكتب إرشاد وهيئة تأسيسية؟

فريد عبد الخالق: آه كنت عضو مكتب الإرشاد، هو دا اتعمل إزاي؟ هو اللي حصل عندما يعني هو تكلَّم بهذا الكلام اللي تم بين النحاس باشا وبين.. بينه، أنهاه إلى المكتب فرفض البعض، واعتبار دا يعني زي ما تقول تحايل على إبعاد من الدعوة وخسارة، والبعض يعني قَبِل فهو وجد إن فيه يعني انقسام في الرأي ما بين رَضِي رأيه وبين من اعترض عليه، فهو.. اللي يحل الإشكال هو كان مؤمناً تمام الإيمان بإن هو القبول بما طلبه إليه النحاس باشا باعتباره عمل وطني وإنه مصلحة عامة، مقدم على مصلحة الدعوة، لأنه كان عنده الفكرة دي سائدة، فهو لما رأى البعض توقف استأذن، هل يؤذن له بأنه هو يعني يشرح رأيه ويعرضه وإن خالف، فرحبنا لمنزلته عندنا، فهو قعد يرصد في المسألة ويوضِّح لنا أيه الإيجابيات وأيه السلبيات اللي هتترتب على كلا الموقفين، فوصلنا فعلاً إلى إن فعلاً الأرجح نقبل، ليه؟ لأن النحاس باشا أبدى تقديره والدعوة كانت مضطهدة ومُضيق عليها، وقال له: أنت رجل بتدعو دعوة يعني طيبة وأسلوب مع..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني عقد صفقة مع النحاس؟

فريد عبد الخالق: ما تعتبرش صفقة، هو قبل منه.. قبل منه..

أحمد منصور: شيء مقابل شيء.

فريد عبد الخالق: يعني إنه.. إنه أيوه.. بس هو.

أحمد منصور: تعتبر صفقة.. يعني تنازل عن الترشيح في مقابل امتيازات حصل عليها.

فريد عبد الخالق: لأ، وجد أن الإجابة للمصلحة العامة أَوْلى، وإنه كمان يعني فيها إن الراجل يعني حصل نوع من التجاوب وهو كان دائماً حريص على إن يحصل بينه وبين الحكام نوع من التفاهم..

أحمد منصور [مقاطعاً]: طيب في سنة 44..

فريد عبد الخالق: لسه.. لسه يعني، فهو لما عرض وأبدى وجهة نظره، الحقيقة وصلنا كلنا بقناعة إن إحنا قبلنا تفويضه في الأمر، وإن فعلاً.. وطبعاً الأيام دلت على إنه أصح، لأن إحنا كسبنا كسب فعلي، يعني فيه حاجات كنا بنطلب (...) ماكنش تيجي، كان أيامها مسموح بالخمور حتى في المواسم منعها، كان فيه بيوت الدعارة مرخص لها مُنع، كان فيه أشياء..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كل هذا مقابل إن حسن البنا ينسحب من..؟

فريد عبد الخالق: الدعوة.. الدعوة. اعتبرها مقابل.. اعتبرها ثمرة للتفاهم، يعني بس أصلي أصبحت العبارة دي عبارة زي متهمة يعني كلمة صفقة، يعني حتى لو واحد عمل صفقة مع الله، يبقى ناقص إنه يشوهها، يعني صفقة مع الله أنا أتوب عن ذنبي وتقبل الذنب مني، أصبح..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما الذي أعطاه؟ ما الذي أعطاه النحاس لحسن البنا مقابل..؟

فريد عبد الخالق: اللي عطاه أن.. أن ينفذ الكلام دا.

أحمد منصور: ما هو؟

فريد عبد الخالق: اللي هو منع التصريح لبيوت الدعارة، اللي هو كان قائماً، منع في المحلات كلها في المواسم كرمضان شرب الخمر، احترام، لا.. منع أو كف الأجهزة الأمنية عن التضييق على نشاط الإخوان والإعلان بدعوتهم في المجتمع، وقال له لأ، أنا هأذلل لك العقبات، وحصل فكسب طبعاً إن..

أحمد منصور: كل دا في مقابل إن حسن البنا فقط يسحب ترشيحه..

فريد عبد الخالق: أصل هو..

أحمد منصور: من الانتخابات؟

فريد عبد الخالق: أيوه، لأن هو قال له إنه صريح العبارة إن ترشيحك دا مطلوب مني بصراحة أنا بأقول لك، والمستعمر البريطاني لأسباب أنا يمكن مش قادر أقدرها، لأن أنا لا أرى فيك الخطر دا.

أحمد منصور: بس المعروف هنا حسن في.. حينما قرأت بعض الذين كتبوا بعض التحليلات بعيد عن كتب الإخوان وكتب السياسيين، بعض المؤرخين الذين رصدوا المرحلة قالوا أن مصطفى النحاس لم يكن يعلم شيئاً عن حسن البنا وأنه فوجئ بأن فيه مدرس ابتدائي وكان لا يزال يعمل مدرس ابتدائي..

فريد عبد الخالق: أي نعم..

أحمد منصور: البريطانيين طالبين من النحاس إن هذا يسحب، فلما اطَّلع على أوراقه في الداخلية فوجئ إنه مدرس ابتدائي وبريطانيا مهتمة به..

فريد عبد الخالق: كبرت.. دا صحيح، أنا تقريباً يعني أنا مش.. لم أفارق ولم أبعد عن كلام حضرتك، بأقول لك أنا إنه فعلاً هو أطلعه بصراحة، الراجل كَلِّمه كان بصراحة على الموقف، ما أخدش الموقف يعني لأ، فهو لما الموقف اتضح..

مدى التقارب بين الوفد والإخوان

أحمد منصور [مقاطعاً]: دا خلَّى بعض المؤرخين يقولوا إن هذه الفترة شكلت نوع من التحالف بين الوفد وبين الإخوان.

فريد عبد الخالق: هو.. هو تقدير.. أصل كان جت الفترة من فترات في الوضع الاجتماعي والخلافات السياسية، وتنافس الأحزاب اللي بينها، جا يوم رأى بعض المسؤولين في الأحزاب اللي بيغلب عليهم العلمانية إن التوجُّه الديني دا غير مرغوب فيه لا في الخارج ولا.. وقد يشكل في الداخل خطر، فاتخذوا مواقف فيها تحفظ في نشاط الإخوان، فدا وُجد فعلاً في الساحة، إنما عايز أقول إن هو الرجل كان عنده طيبة، ويعني ليس علماني النزعة بالمفهوم العلماني الضيق..

أحمد منصور [مقاطعاً]: تقصد النحاس..

فريد عبد الخالق: اللي هو البعد عن الدين، آه، فهو الرجل رحب بالنشاط..

أحمد منصور [مقاطعاً]: قبل النحاس هل صحيح الإخوان كانوا يتمتعوا بعلاقة خاصة، أو حسن البنا تحديداً مع علي ماهر الذي كان رئيساً للوزراء والبريطانيين هم الذين طلبوا إبعاده بسبب مواقفه الوطنية؟

فريد عبد الخالق: آه، لألم يكن هناك إلا التقدير الذي شاع، علي ماهر كان يتمتع في المجتمع المصري كله بأنه صلب في الحق وإنه هو وطني علي ماهر..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يصفوا حكومته إنها كانت من أقوى وأنظف الحكومات التي جاءت في ذلك الوقت.

فريد عبد الخالق: أيوه أي نعم، إحنا قدَّرناه وشجعناه، وحصل يعني نوع من التراجع شوية لما الأمور ما مشيتش كما يعني يريد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أحمد ماهر بقى الذي جاء بعد النحاس..

فريد عبد الخالق: آه، أحمد ماهر اللي هو..

أحمد منصور: حينما طلب من حسن البنا..

فريد عبد الخالق: اللي هو السعديين..

أحمد منصور: من السعديين، حينما طلب من حسن البنا أن يتنازل عن الانتخابات رفض حسن البنا أن يستجيب له في الوقت الذي استجاب له.. للنحاس من قبل.

فريد عبد الخالق: أي نعم.

أحمد منصور: لماذا رفض في 44 أن ينسحب من الانتخابات واضطروا طبعاً إن هم يسقطوه في الانتخابات..

فريد عبد الخالق: آه.. آه.. أي نعم يبقى دي ممكن تعد تناقض ويستحق علامة استفهام، فطرح السؤال له قيمة، إنما الحمد لله يعني إنه رده حقيقي من واقع معايشتي حاضر كممثل..

أحمد منصور: ما هو رده؟

فريد عبد الخالق: وأيضاً رد، إن لما هو طلب مني –أحمد ماهر- طلب فعلاً النحاس كما طلب من حسن البنا وواحد آخر تاني طلب منه سوداني.

أحمد منصور: كان سوداني نعم.

فريد عبد الخالق: سوداني، فلم يجبه إلى طلبه الذي أجاب إليه لسببين، إن ليست حكومة السعديين مثل كان حكومة الوفديين، لا في الشعبية ولا في المصداقية هي نفس حكومة السعديين بتصرفاتها في القضية دلَّت على إن هي فيه خلاف، فهناك خلاف نوعي ما بين علي ماهر وحكومته.. بين النحاس وحكومته.. وزارته وبين أحمد ماهر ووزارته، الحاجة الثانية: إنه هو لما جه بعد حكومة وزارة الوفد كان مطلوب تحلية صورته لأنه مُتهم إنه جه بعد الوفد.. واخد بالك؟

أحمد منصور [مقاطعاً]: أحمد ماهر؟

فريد عبد الخالق: أيوه، فكان من تحلية صورته وتجميلها عند الناس إنه لا يعُرَّض به على إنه بيصادر الحريات ويمنع الناس من الترشيح، فهو طلب الطلب دا وأجاب.. وجه الإنجليز ووجدوا سيناريو جديد، حل الإشكالية خلَّى الإنجليز همَّ ينفذوا دور والحكومة تنفذ دور، وينتهوا لنفس النتيجة اللي هو إقصاؤه أو فشله في الانتخابات من غير ما يعملوا العملية بتاعة إنه يحملوه على إنه يترك الانتخابات..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ليه حسن البنا كان مصمم إنه يدخل الانتخابات؟

فريد عبد الخالق: كان مصمِّم على دخول الانتخابات كوسيلة من الوسائل المتاحة الدستورية إنه هو يجد منبر كالبرلمان يعبر فيه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كانت الدنيا مفتوحة أمامه ليس مثل وضع الإخوان الآن..

فريد عبد الخالق: طب ودا يمنع إنه يكون أنا يعني عندي وسيلة أضيف إليها وسيلة أخرى؟ مادام الدستور بيسمح بها لِمَ تمنعني؟ يعني دا يعتبر اجتهاد في إنه أنا أحصل أكبر الوسائل علشان أجيب أكبر أوسع مساحة تسمع الرأي اللي أنا بأقوله..

أحمد منصور: في 17 مايو 1943 قام فؤاد سراج الدين ممثلاً عن الوفد مع مجموعة من وزراء الوفد أثناء حكومة النحاس هذه بزيارة المركز العام للإخوان المسلمين.

فريد عبد الخالق: أي نعم صحيح.

أحمد منصور: حتى أن فؤاد سراج الدين قال لحسن البنا اعتبرني جنداً من جنودك كما نقلت بعض المصادر حول هذا الكلام، هل كانت هذه الزيارة رد لجميل موقف حسن البنا من النحاس، أم كانت أيضاً من ألاعيب السياسة آنذاك التي يوصف الإخوان أنهم أيضاً كانوا انتهازيين فيها؟

فريد عبد الخالق: آه، هو الحقيقة يعني إحنا قبل ما نبدأ بالاتهام نبحث الموضوع نخلي الاتهام هو آخر حاجة، يعني نبدأ بحسن الظن، وإذا تعذر والوسائل دلت عليه كده يبقى انقياداً للحقيقة ممكن نخش في اتهامات بأي اسم.

أحمد منصور: إحنا شغلتنا هنا نتهم أنا شغلتي أعمل اتهامات.

فريد عبد الخالق: أنا فاهم، معلش.. معلش أنت.. أنا إذا كنت أنا يعني تقريباً بآخذ دورك المرة دي..

أحمد منصور: اتفضل.

فريد عبد الخالق: فيعني ليس تنقُّصاً منه، ولا يعني عدم إعطائك حقك.

أحمد منصور: لأ، اتفضل.

فريد عبد الخالق: فأنا بأقول إن هو الفترة اللي كان الصحف الوفدية في.. و"صوت الأمة" وبتاع مالهاش شغلانة إلا السب في حسن البنا والسب في الإخوان، حصل هذا، وبعدين وُجد يعني شواهد لهم إن النظر دا غلط، لأن وجدوا إن ما يُتهم به الإخوان مما يجعلهم يتخذون منهم موقف عدائياً دا غلط، لقوا الناس ماهماش لا هم كارهين للحزب ولا كارهين لأشخاصهم، وممكن جداً يكون لي أنا ننتفع بالقوة دي بدل ما نعاديها، هم راجعوا نفسهم يعني الدكتور صلاح الدين وزير الخارجية وفؤاد سراج الدين وكان راجل سياسي وجدوا إن هم يعني أخطأوا في المعاداة وفي شن الحرب بطريقة يعني مُبتذلة، وإن الشعب بدأ يكرهها، لأن كان له شعبية، الإخوان بقى لها شعبية، وزي ما قال كل الكُتَّاب زي إحسان عبد القدوس وفي شهادته لهم وآخرين لما اتكلموا عنه من الناحية دي قالوا إن شعبيته.

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى إحسان عبد القدوس كتب وقال..

فريد عبد الخالق: ما هو إحسان عبد القدوس..

أحمد منصور: إذا قال.. إذا عطس واحد من الإخوان في الإسكندرية..

فريد عبد الخالق: طيب.. يعني أصبح.. يعني.

أحمد منصور: يرد عليه واحد من أسيوط يقول له يرحمك الله..

فريد عبد الخالق: أه، يعني أصبح إن حتى رغم حرمان من المظلة القانونية في الحرية القانونية لمباشرة العمل، لأنهم كان لهم وجود فعلي ودي أزمة النهارده لغاية النهارده الأزمة دي موجودة فيه وجود فعلي ما حدش ينكره، بيتمثل في أشياء كثيرة..

أحمد منصور: طيب صحيح فؤاد سراج الدين من خلال هذه الزيارة فتح المجال أمام الإخوان في مجال الزراعيات والتعاونيات وفتح لهم فرصة لكي تنمو الجوانب المادية عند الإخوان؟

فريد عبد الخالق: لأ، هو التقارب اللي حصل يمكن انعكس أكثر وشفناه، لأن كان نفس فؤاد.. فؤاد سراج الدين الوفد يعني استطاع إن هو يؤدي دور للدعوة حسن لما حصل الإفراج عن الإخوان كنا في السجون، وكنا في الطور وعيون موسى وكان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لأ هذا متأخر هذا..

فريد عبد الخالق: آه.. بس.

أحمد منصور: أنا الآن في سنة 43.

فريد عبد الخالق: آه.. بس يعني هو له يعني مواقف تذكر له..

أحمد منصور: أنا في سنة 43 الآن.

فريد عبد الخالق: يعني عايز أقول أن الخصومة دي كانت مفتعلة وسبقها نوع من التفاهم، هم قالوا عادوا إلى الأصل، ودا..

أحمد منصور: طيب، عايز أرجع معاك لجزئية معينة حتى يفهمها المشاهد، ما هي الهيئة التأسيسية للإخوان؟

فريد عبد الخالق: الهيئة التأسيسية للإخوان هي زي الجمعية العمومية في أي مؤسسة بتشكل أكبر عدد ممن يمثلون المؤسسة، ويمثلون الرأي فيها، والقدرات اللي فيها، وهم..

أحمد منصور: هل كانت بالتعيين أم بالانتخاب؟

فريد عبد الخالق: العناصر البارزة، ذات القيمة، ذات الفهم، اللي ليها مكانها الاجتماعي، يعني بحيث يعتبر لهم مرجعية.

أحمد منصور: بالتعيين أم بالانتخاب؟

فريد عبد الخالق: لأ هي كان أول، في أولها كان بالتعيين، وبعدين بدأ يُعاد النظر فيها بعد ما وُجد الاتساع.

أحمد منصور: من الذي كان يُعيِّن؟

فريد عبد الخالق: اللي يعين كان الأول يعني حسن البنا بنفسه كان يعني له دور باعتباره هو محتك شخصياً بالشُعَب، وأعرف الناس بهم، فكان بيختار..

أحمد منصور: ما هو مكتب الإرشاد؟

فريد عبد الخالق: مكتب الإرشاد هي المجموعة التي ينتخبها الهيئة التأسيسية العامة ديت، ممثلين لفكرهم، معبرين عن إرادتهم، وبالتالي عن إرادة الإخوان عامة، فهم يعتبروا زي ما تقول جمعية مُصغَّرة، زي ما هو موجود في أي مجلس إدارة وجمعية عمومية.

أحمد منصور: يعني تقدر تقول الهيئة التنفيذية للإخوان هي مكتب الإرشاد..

فريد عبد الخالق: بيكون الهيئة التنفيذية، وكمان بأنها هي بتعبر عن ناحية..

أحمد منصور: كيف مكتب الإرشاد يكون حر في اتخاذ قراراته، في النقاش مع المرشد، في رد آراء المرشد، والمرشد هو اللي معين الهيئة التأسيسية اللي بتعين مكتب الإرشاد؟

فريد عبد الخالق: آه، شوف الهيئة التأسيسية حتى لو عيَّنها، أو عيَّن منها من عيَّن المرشد، ما كانش فهمنا لديننا يسمح بأنه يجعل له يد عليَّ، ولا على الحق، كان الحق عندنا أعلى من حسن البنا، وليس لحسن البنا قدسية عندنا، وبنعتبره كأحد الإخوان، أو..

أحمد منصور: إزاي مالوش قدسية، ومرشد الإخوان عمر التلمساني يقول نحن بين.. مثل الميت بين يدي مغسله.

فريد عبد الخالق: ما قاله.. ما قاله ليس، هو حجة عليه وليس حجة على الدعوة.

أحمد منصور: يعني أنت كنت بتواجه حسن البنا، وتقول له لأ أنت غلط؟

فريد عبد الخالق: أيوه.. أيوه يعني كان اللي بينا وبينه، اللي بينا وبينه ما كانش تبعية إطلاقاً كما قد تصوَّر الناس، الحقيقة دا شهادة لله، لأني أنا لو قلت كده أبقى ظلمته.

أحمد منصور: أنت صاحبت حسن البنا في الأسفار كثيراً.

فريد عبد الخالق: صاحبته في أسفار كثيرة..

أحمد منصور: اضرب لي نموذج بسفرة واحدة أنت سافرت معاه فيها.

فريد عبد الخالق: يعني هي أول سفره أنا بأعتبر لها أهمية كبيرة في حياتي كلها، وأنا بأعتبر هو مارس فيها دور خاص، وتميز هو به، كما تميَّز عن أسلافه من الناحية العلمية، أو الدعاة المفكرين زي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، دي كلها مدرسة سبقت حسن البنا، وأثَّرت، وتعلَّم منها واستفاد منها، إلا أنها كان يغلب عليها الناحية العلمية البحتة، مافيهاش ناحية مؤسسية، هو يتميز بأنه حوَّل الفكر إلى حركة، فأصبح هو ليس فكراً مطلقاً، بل فكراً حركياً –إذا صح التعبير- وبحيث إنه ترجم الفكر النظري إلى واقع تمثَّل في أسر وآليات وأنظمة موجودة، فدي الميزة بتاعته، ولذلك هو كان يقول أنا يعني يمكن ما تركتش فيكم سبت طويل من المؤلفات النظرية، إنما أنا كان كل مهمتي أمام الله، إنني أنا أؤلف رجال، وفعلاً الرجال الذين ألفهم لازال للآن، يقومون بدور أكبر من دور المجلدات، يعني أنا لما أنظر مثلاً المسلمين في أوروبا، المسلمين في أميركا، وأشوف المنطلق بتاع التعبير عن حقوق المسلمين، ومناهضة دعاة الصهيونية إلى النقيض بتاع دا، أجد لهم دور، أنا لما أتكلم على الإنترنت كوسيلة اتصال أجد يوسف القرضاوي كإسلام أون لاين، هو بدأ يشوف وبيشتغل، كل دول رجال الدعوة، لما أجد ناس.

أحمد منصور: طب خليني في الرحلة بتاعتك.

فريد عبد الخالق: لما أجد ناس الشخصيات النهارده بارزة في الدعوة، وتتعاون مع الدولة في مسائل كثيرة، أجدهم من تلاميذ الدعوة، زي الدكتور محمد كمال أبو المجد هو من تلاميذ الدعوة، مع استقلاله الفكري، ومع هو شموله في العمل، ومع كل الاعتبارات التي لا تنسى، يعني إنما هو أنا بأعتبره من ثمار والغراسة الطبية اللي نشأت في حضن الدعوة، وتربت على الإسلام وشربته، وكان لحسن البنا له الدور، وهم لا ينكرونه، فأنا عايز أقول الرجل كجانب دوره دا، الواسع الغزير، وربَّى في رجاله، والرجال لهم أثر للآن، في أوروبا وأميركا، وفي الصراعات والأزمات اللي بتواجه الأمة الإسلامية النهارده.

أحمد منصور: في أي سنة رحلتك الأولى كانت معاه؟

فريد عبد الخالق: نعم؟

أحمد منصور: في أي سنة؟

فريد عبد الخالق: دي.. دي كانت مبكرة قوي، يعني أنا كان في سنة يمكن.

أحمد منصور: 42.

فريد عبد الخالق: لا بعد يجي 43 حاجة زي كده.

أحمد منصور: 43، رحت معاه فين؟

فريد عبد الخالق: رحت معاه رحلة يعني أنا طلبني إني أنا أصحبه، وطبعاً لم أكن يعني أعلم لماذا هو طلبني، وإلا إن الصحبة العامة، يعني كويس.

أحمد منصور: كنت أنت وقتها عضو هيئة تأسيسية.

فريد عبد الخالق: كنت أي نعم.

أحمد منصور: عضو مكتب إرشاد.

فريد عبد الخالق: أيوه.

أحمد منصور: مسؤول عن الطلبة، فيه.. فيه حاجات أخرى؟

فريد عبد الخالق: أيوه، فجيت بقى لأ، فجيت.

أحمد منصور: لسه.. كل شيء كان يقول فريد عبد الخالق.

فريد عبد الخالق: أي نعم هو حصل ما أنا اتُّهمت..

أحمد منصور: هآجي لك، بس كل..

فريد عبد الخالق: ما أنا يعني اتُّهمت فيها، أو يعني وُجه لي سؤال ليه هو شخصياً، نهايته لما يجي الوقت اللي حضرتك تشوفه مناسب، نهايته هو.. وبدأنا الرحلة، قلت له أنا أرحب بالرحلة.

أحمد منصور: رايحين فين؟

فريد عبد الخالق: الصعيد.

أحمد منصور: الصعيد.

فريد عبد الخالق: وكنا في الصيف، فأنا حتى بأضحك معاه، قلت له الناس بتروح الصعيد في الشتاء، وأنا واخد لسه.. لسه أنا على أبواب الحياة العامة الأخرى، اللي أقرب إلى الحياة المترفة – إذا صحت يعني التعبير- مش مشقات الدعوة، فقال لي: لأ، إحنا هنروح، يعني المشقة تجعل لنا اعتبارات أخرى مع الدعوة، غير الاعتبارات الترفية دي، طيب، كنت..

أحمد منصور: كنتم رايحين مجموعة؟

فريد عبد الخالق: لأ أنا وهو لوحدنا، المرة دي يعني كان بينَّا..

أحمد منصور: وحسن البنا لم يكن يتحرك وحده؟

فريد عبد الخالق: لأ.. لأ هو خدني أنا، وبالتالي أنا ما أعرفش ليه؟ أتاريه عايز ينفرد بي -إذا صح التعبير- يعني هو كان عايز بأنه.. فيه شواهد كثيرة دلت على إنه يعني غيَّر فيَّ، يعني مثلاً هو عاهدني إني أنا أحب الأدب، وأحب.. وأكتب حتى قصص، وراجل عندي النزعة دي، ولي مذكرات، فقرأ المذكرات وكتب عليها كلام يعني لا أنساه، ولو إنه المذكرة راحت مع أشياء كثيرة، أخذوها في أشولة، وهم بيعتقلوا، أثناء الاعتقال لبياعين الترمس، فأنا لقيته بيقول لي كلام مثلاً يقول لي: أنا يعني لعل الله أن يعني يوفقك إلى ما ترجو إليه، إنك أنت تتطلع إلى شيء لم تصل إليه بعد، فيه كلام اللي بيقول عليه إنك تبحث عن شيء، لعل الله يكون.. يجعل الشيء دا هو العمل لله، وكنت معتز بالمذكرة دي، وفيها كلام كثير راحت.

أحمد منصور: رحتم في عربية أم في القطر؟

فريد عبد الخالق: لأ رحنا بالقطر، ما هو اللطيف بقى، إن أول بداية الطريق بدأنا يعني سميه بقى، بدأنا الأمور تتكشف بقى، وبدأنا المتاعب بقى إذا صح التعبير.

أحمد منصور: إزاي؟

فريد عبد الخالق: أولاً: قال لي خد أجرة تذكرة درجة ثالثة، هات لي تذكرة وهات لروحك تذكرة، فأنا كنت اللي أعرفه عن الجماعات، والمعلومات البسيطة والأحزاب وبتاع، فخفخة بقى، مسافر بقى هأروح درجة أولى بقى وعلى حسابهم، ويمكن آخد مصاريف انتقال، لقيت الحكاية بيقول لي: لأ، الدعوة بقى إحنا بنصرف على روحنا، والدعوة زي القضية الخاصة، وكل واحد بيصرف عليها، قلت له: لأ دا أنا ماعنديش مانع.

أحمد منصور: يعني إداك ثمن تذكرته هو لوحده؟

فريد عبد الخالق: آه، وأنا..

أحمد منصور: وقال لك أقطع تذكرتك من جيبك؟

فريد عبد الخالق: أيوه، بيعلمني إني أنا أتحمل مسؤولية عملي، ما أنتظرش من الدعوة، أعطي ولا آخذ، ولا أنتظر، ونهايته أنا الدرجة، اللي كان مش كده يا أستاذنا، اللي ركبنا الدرجة الثالثة، أنا عمري ما ركبت درجة ثالثة، بصراحة، أنا كنت بأركب درجة ثانية فما فوق رايح إسكندرية، والدرجة الثالثة أنا كنت اتطلع عليها كده كان ناس يعني يُرثى لهم، واللي هيخش هنا من المنكوبين، فأنا إذا كان الراجل هو المرشد وهو اللي ليه مكانة يعني في الدعوة، والناس كلها بتتحدث عنه، ويركب درجة ثالثة، وأنا أستعلي قبلت مذعناً، وأول ما دخلت لقيت المقاطف والقفف، ولقيت مافيش مكان أعرف أنا أحط، أقعد فيه، نهايته هو شاف في.. في عيني الحيرة والارتباك يعني، فقال لي: اقعد هنا، جاب لي مكان وقعد قصادي قعدت وأمري إلى الله، وبعدين.. بعد شوية القطر قام، فلقاني أنا متوتر وقلق يعني، لأن الخشب بيضايقني، الخشب صعب.

أحمد منصور: الدرجة الثالثة يعني.

فريد عبد الخالق: درجة ثالثة صلبة، وما اتعودتهاش، وهو قاعد مستقر، فهو فطن، وكان الفطنة من..، وثاقب النظر، قال لي تحب يعني.. يعني يعمل نوع من التخفيف، قلت له كيف؟ قال لي تحب تغير، أهو التغيير.. أهو التغيير فيه راحة، قلت له أيوه أغير، يعني هو هيبدل مكاني وأنا، قال لي: لا، الله لأ ليه خير، وقال لي يحيا الثبات على المبدأ، قلت له: إيش دخل الثبات على المبدأ في تغيير الكرسي؟ دخلني.. خلَّى الدعوة دخلت أقحمت وببساطة، وخلاني أنا ما آخذ نفسي على إني في وضع تاني، وإنسان مش.. مش منشغل بالخشب اللي هأقعد عليه، أنا منشغل بالقضية اللي تعمر رأسي، والهموم اللي بتشغل فكري، وأيه اللي أنا مرتبه علشان أبرأ ذمتي أمام الله، يعني غيَّرني، فأنا قبلت الدعوة ورضيت خلاص وقعدت، وبعدين أنا يعني كنت أياميها بأدخن بصراحة، فطلعت علبة السجاير ودخنت.

أحمد منصور: وهو قاعد.

فريد عبد الخالق: وهو قاعد.

أحمد منصور: يعني ما أنتش خايف دا المرشد بتاعك، والإمام بتاعك؟

فريد عبد الخالق: بدون تكليف ولا.. ولا تكليف ولا حاجة، طبعاً ولا تعاقبت، يعني تعمقت، كنت أستحي، إنما يمكن لسه يعني حديث عهد بالحرية الكاملة، وولعت السجاير وتركني حتى دخنت.

أحمد منصور: ما عزمتش عليه بسيجارة؟!

فريد عبد الخالق: لأ، ثم همس إلي همسة رقيقة، دخل بي في الموضوع اللي أنا ذكرته إنه الموضوع ما انتهينا على كده، أنا شربت وخلصت، فقال لي هامساً، أحب أقول لك حاجة، بمودة: أنت في طريق دخلت فيه، الطريق دا بقى هيؤدي بيك راضياً أو كارهاً إلى أن تخش السجن، أول مرة.

أحمد منصور: في أولها كده.

فريد عبد الخالق: هو قال كده، أول مرة، أو الاعتقال، قلت له أول أنت أيه اللي بتفكر فيه، أنا فكرة الاعتقال والسجن كانت لسه جديدة، بالنسبة للإخوان ما كناش لسه يعني تمرَّسنا بالسجون، وبعدين أنا يعني لما.. قال لي: لما هتكون دي عادة، وأصبحت أنت لا تستغنى عنها، هتتحكم فيك، وهتضطر إنه أنت في الزنزانة تشحت أو تستجدي من العسكري اللي واقف عليك يديك السيجارة شوف المذلة والهوان، اللي أنت هتبقى فيه، شوف الموقف السيء، اللي أنت هتتعرض ليه.

أحمد منصور: ما دخلش معاك لا في حرام ولا حلال، ولا أي حاجة؟

فريد عبد الخالق: لا قال لي حرام ولا حلال، ما دخلنيش في الحكاية دي، ولا ناقشت الموضوع من أصل الشرعية، أي، ولا دخل في.. في.. في متاهات، هو حطها في القضية الواقعية اللي بتنتظرني، صحاني لما ينتظرني، ونبهني إلى ما كنت غافلاً عنه، وإزاي دي عملية فعلاً أساسية، حطيت نفسي في الموضع دا، وجدت نفسي مش هأقدر.. لأن عندي كرامة، كوني أشحت من عسكري بمذلة، فأنا رحت على طول ماسك علبة السجاير اللي في جيبي وهي من أرفع أنواع السجاير آنذاك.

أحمد منصور: كان نوعها أيه؟

فريد عبد الخالق: كانت بتاع دا اسمها (ستريك) دي نوع أميركاني عالي، ورحت راميها من الشباك خلصت العملية.

أحمد منصور: كيف كان معك في السفر حسن البنا؟

فريد عبد الخالق: نعم.

أحمد منصور: السفر للصعيد طويل، كيف رأيته في السفر؟

فريد عبد الخالق: آه، ما أنا بأقول لك أنا.. أنا فعلاً.. حضرتك.. هو كل شوية يفاجئني بشيء جديد، لقيته طلع من الشنطة بتاعتة كتاب في الفقه الدستوري، أنا كنت أنا دارس قانون، لأن أنا غيرت حياتي من التعليم والرياضة والمدارس لأسباب، خلَّتني أدور على حاجة ما يتحكمش فيها وزارة المعارف تنقلني، لأن هو نقلوني فجأة وأنا كنت في الخديوية، راجل محترم وبأدرس في أحسن مدرسة، وبأدرس حاجات عالية، لقيت جه أمر من وزير.. من وزير التعليم لناظر المدرسة، قال له: فريد عبد الخالق ينقل فوراً في 24 ساعة، لأنه هو اللي بيحرك الطلبة في الجامعة، فلما قال لي، قلت له طب هأروح فين؟ قال لي: تروح فرشوط، قلت له: أنا فرشوط دي عمري ما سمعت عنها.

أحمد منصور: فرشوط دي في الصعيد؟

فريد عبد الخالق: أيه فرشوط دي فين دي؟ قال لي: في الصعيد في أعماق الصعيد، ورحت فرشوط، أمري إلى الله مذعناً، ومن يوميها بقى، وطبعاً لما رحت فرشوط، يعني حصل ما ليس سهلاً عليَّ فيكفي إن أنا في فرشوط راجع لأن أنا متهم من الوزارة بالشغب وإن أنا بأثير الطلبة المظاهرات وإن أنا.. الطلبة بيقتلوا الإنجليز في أعياد الميلاد، وإن هم بيطالبوا بالتحرير ومزعجين للاستعمار، وفيه.. في يعني ورايا اتهامات قائمة طويلة، قام لقيت وأنا واقف مع المدرسين كانوا يستقبلوني يعني يطيبوا خاطري باعتباري جاي من القاهرة إلى فرشوط دا يرثى له يعني، ويعزى، إلا والولد اللي في الفصل اللي أنا قصادي، كنت أنا بأدرس فيه لقيت الولد خارج وجاي لي بشكل مثير، قلت له: أيه مالك أيه يا ولد، فيه أيه، قال لي: الولد أحمد قتل محمد؟ قلت له: قتل طب دا أنا، دا أنا جاي لكم علشان أضع حد للتهم دي، أنا أول درس أحضره ألاقي ولد قتل الثاني وقعتك سودة، فدخلت جري سيبت المدرسين ورحت جري، فين الولد القتيل دا يا ولد؟ قال لي أهو، قلت له: دا دا حي، يا وولد، قال لي: ما هو قتله.

أحمد منصور: ضربه يعني..

فريد عبد الخالق: الطلبة في الفصل قالوا لي يعني ضربه، أتاري لغة الصعيد قتله يعني ضربه، وأنا داخل باللغة يعني بعد كده أنا غيرت ودخلت فأنا معه..

أحمد منصور: أنا هنا فيه نقطة مهمة طالما ذكرت إنك أنت اتنقلت إلى الصعيد، لأن أنا في.. فوجئت أيضاً إن حسن البنا ظل يعمل في التدريس لفترة متأخرة، كمدرس ابتدائي، وأنه نقل في عهد حكومة حسين.. محمد حسين هيكل باشا، لأن كان محمد حسين هيكل لم يكن يحب الإخوان أو كان بينه وبين الإخوان حاجة، فنقل حسين البنا إلى الصعيد سنة 44، هل.. كيف كان حسن البنا بيقوم بواجباته الوظيفية وبيتقاضى عدة جنيهات كمدرس ابتدائي، ويقود جماعة بتلتقي مع رئيس الوزراء ويقوم بهذا؟

فريد عبد الخالق: آه،.. السؤال الذي يسأل دا أو يطرح بيقاس بمقياس الحاضر ويغلب عليه المادية، الرجل كان بيكفيه لقمة العيش السهلة في بيته، وأنا دعاني مرة كنت عنده في البيت قال لي تعال كل معايه، أنا هاكل، فأنا لقيت صحن.. صحن واحد وفاكره، صحن واحد فيه بامية بالدمعة وصحن فيه رز وبيأكل إحنا الاثنين وكل واحد معاه رغيف، أكل بسيط، يعني لا تقدمه أنت..

أحمد منصور: غير الأكل البسيط..

فريد عبد الخالق: واللبس بتاعه لبس بسيط

أحمد منصور: الوقتي الآن قيادة.. قيادة جماعة زي دي تنظيمها والسفر والمرواح والمجي وكان يجوب القطر كله، إمتى كان بيحضر دروسه وإمتى كان بيروح يدرس للطلبة؟

فريد عبد الخالق: كان.. أولاً: هو كان عنده قدرة إن هو يعني ينام فترة قليلة فتكفيه عن الكثيرة.

أحمد منصور: كم ساعة كان بينام في اليوم؟

فريد عبد الخالق: كان يقول لي أنا.. أنا لما بأنام ساعات معدودة كأن واحد نام يعني ليل.. ليل بطوله.

أحمد منصور: أنت سافرت معاه كثير.

فريد عبد الخالق: أنا سافرت معاه.

أحمد منصور: كان.. كان بينام كم ساعة؟

فريد عبد الخالق: ما أنا سافرت معاه في الصعيد ما كملتلكش أنا، يعني هو في الصعيد لما مر معاي..

أحمد منصور: أنا هأرجع للصعيد، بس قل لي الأول: إزاي كان بيقدر يقوم بواجباته الوظيفية وبيقود جماعة ضخمة زي دي؟

فريد عبد الخالق: هو زي ما.. هو أولاً: قيادته للجماعة قيادة زي ما تقول قدرة وملكة عقلية وتنظيمية وهو صغير، طالب كان بيشكل جمعيات..

أحمد منصور: لم يكن حسن البنا..

فريد عبد الخالق: هو صغير طالب.

أحمد منصور: لم يكن..

فريد عبد الخالق: هو طبيعته عنده نزعة.

أحمد منصور: الوضع اختلف الآن، لم يكن لحسن البنا مورد رزق حتى هذه الفترة إلا الراتب بتاعه بتاع المدرس الابتدائي؟

فريد عبد الخالق: لأ.. لأ فيه حاجة.. فيه حاجة، ربنا عوضه بإن زوجته أبوها يعني والدها عبد الله الصوري، من أعيان الإسماعيلية، فكان حقيقة إن ربنا فتح عليه رافد رزق بأن هو مصاهر أسرة مقتدرة، فكان لا شك ما يحصل ما بين الأسرة المتصاهرة من هذا النوع.

أحمد منصور: كان حسن البنا بيروح يدرس الصبح إزاي ويرجع بعد الظهر زيه زي الموظفين؟

فريد عبد الخالق: أيوه، كان أول الحضور إلى الفصل، وآخر المنصرفين، وكان يؤدي عمله على.. كأنه هو ليس صاحب دعوة ولا مشاكل لنظام طويل عريض، ولا عنده القضايا كلها، منفرد تماماً، كان يفرق بين الواجبات التي تؤدي ويحرص على إنه يكون كل واجب يأخذ حقه.

أحمد منصور: وأنتم رايحين الصعيد طلع كتاب في الفقه الدستوري.

فريد عبد الخالق: في.. في الصعيد مثلاً من العملية، طبعاً أنا بدأت أتبين إن أنا بأستفيد، وإنه هو قاصد عمداً بأنه يعمل العملية دي فيَّ، سواء في تغيير، المدركات أو الفكر، أو في تغيير السلوك أو في تغيير استقبالي للأحداث في الطريق، والتعامل معها، فمثلاً طلع الكتاب وقرأه فأنا.. فأنا استغربت، قلت له: الكتاب دا.. دا كتاب علمي قانوني عايز واحد يقعد في بيته يعني ويرتاح، إنما في وسط الغلق والمقاطف والحالة اللي إحنا فيها دي وتقرأ الكلام دا؟ إزاي دا وفي رحلة؟ فقال لي شيء جديد، قال لي: أنا حرصاً مني على إني أنا أحسن استخدام وقتي، لأن الأوقات قليلة والأعمال كثيرة دربت نفسي بعد اكتشفت من نفسي كيف إن الكلام أنا أديره، وجدت إن فيه حسب تكوين الله لينا، إن وأنا بأمضي بعيني على ما أقرأ يتحرك عضلة لساني دون أن أشعر، فأنا تريحت في إسكات ما عدا عيني، فبقيت أمر بعيني فالذي أقرأه في دقيقتين تقراه أنت في ربع ساعة، والحاجة الثانية ربنا أداني بعد الكتاب أديه لك أهو، اسألني عن أي حاجة فيها مش بس هأقول لك: أقول لك هي في الصفحة اليمين أو الشمال، وأقول لك فين.

أحمد منصور: إلى هذا الحد؟

فريد عبد الخالق: دا ربنا أعطانيه، قال لي: دا ربنا أعانني.

أحمد منصور: فقط يمر حسن البنا بعينه على الكلام.

فريد عبد الخالق: أيوه والله.

أحمد منصور: فينطبع.

فريد عبد الخالق: تكفي آه.

أحمد منصور: كأنه Scan يعني؟

فريد عبد الخالق: أي والله هذا منه، ويشهد الله إنه لو درجه لو سألتني عن أي قضية أو حقيقة أثارها الرجل القانوني الفحل السنهوري أقول لك هي فين، فكان عنده قدرة ذاكرة خارقة وشوفناها إحنا كثير، يعني إحنا شوفناها فعلاً في واقع حياته، كان اللي يروح معاه في نجوع القاهرة ومختلف المحافظات، كان يسأل الأخ الفلاح ويسلم على كل واحد، ولادك عاملين أيه، أنت البقرة بتاعتك اللي كانت معاك بتشتكي شفيت أو لسه؟ ويسأله عن خاصة.. إزاي.. إزاي يعني ذاكرة تستوعب تفاصيل ومع كل الناس، لدرجة أنا مرة جاء لي واحد كنت أعرفه دخل الدعوة ثم غاب لسبب، وقال لي بعد سنة أو أكثر قال لي: أنا أود لو سلمت على حسن البنا، قلت له: تعالَ الباب مفتوح، فأخذته بعد درس الثلاثاء، وانتقلنا إلى المركز العام القديم حيث مكتب متواضع لحسن البنا، وأنا لسه وهو على الباب، لا أنسى هذا الموقف والله يا أستاذ أحمد شيء غريب، ابتدرني بشيء حكى لي الأخ بعد كده إن ارتعدت له ركبتاه، قال له: تعال يا محمد باسمه قال لي: مش يعني حط رأسه كده يهرش يعني يحاول يسترجع اسم بقى له سنة لم يعرف شخصه إلا في يوم سلم عليه عقب درس الثلاثاء، حيث سلم الناس وذكر اسمه، الذاكرة دي..

أحمد منصور: مجرد ذكر اسمه مرة واحد في درس الثلاثاء فيه مئات من الناس اللي بتسلم عليه..

فريد عبد الخالق: قاعد سلموا عليه، ما هو عنده قدرة واعية ربنا أعطاه إياها فعلاً يا أستاذ أحمد، دي ميزة، وأنا بأعتبر إن ربنا بيهيئ الإنسان (فَخَلَقَ فَسَوَّى) لما بيخلي واحد مكلف بشيء بييسر له الأسباب.

أحمد منصور: هذه.. هذا الشيء ما كانش بيخليكوا أنتم تنزلوه منزلة يعني فيها نوع من..

فريد عبد الخالق: (...) يعني.

أحمد منصور: مثل منزلة الصوفية للمريدين.

فريد عبد الخالق: آه، هو.. هو بقى، يعني هو يعني مثلاً وأنا معاه في الرحلة أطلعت على شيء لم أكن مطلع عليه من قبل.

أحمد منصور: ما هو؟

فريد عبد الخالق: ما هو؟ كنا في أبو تيج، واختلف أخوان كريمان لكل منهما شأن في بلده، إن حسن البنا لشرفٍ يحصل عليه أن يكون مبيت ليلته في بيته، فقال لهما يعني اتفقا على أحدكما، فأصر كل منهما على مطلبه ولم يعطِ الآخر يعني يزعل، فلما اختلفا، ساءه أن يختلف الأخوان ولا يستطيعان للتفاهم، فمن عجز عن التفاهم في شيء زي كده، لا يستطيع في غيره، هو عايز أمة تستطيع أن يفهم بعضها بعضاً، وينزل بعضهم للآخر، ويبقى فيه إيثار بدل الأثرة، عايز يربي على المعاني دي حتى في يدعى أن ينام، يعني لا يفارقه التربية والتدريس والتلقين الأصول اللي عايش فيها منهج الدعوة، شيء غريب قوي، فلما اختلفنا وأنا قاعد معاهم علشان أشوف نصيبي، أنا في انتظار نصيبي أنا راخر، أنا أود طبعاً أروح البيت ألاقي سرير كويس ويمكن..

أحمد منصور: مش درجة ثالثة..

فريد عبد الخالق: ولقمة كويسة بدل المقاطف أغير شوية، لقيته.. لقيته فاجأني بحاجة ثانية، فقال لهم: لقد قررت أنا أقضي ليلتي في المكتب الإداري بتاع أبو تيج، فزعا، وفزعت.

أحمد منصور: أنت اللي فزعت أكثر.

فريد عبد الحق: وفزعت أنا الآن بدون أن يشعروا، وبعدين قال لهم ليه؟ لأنهم لم ينجحا في أن يؤثر أحدهم الآخر، ودا درس مهم، فأنا لما قال لي كده.. حاولوا قال: لأ، خلاص أنا نزلت علشان يبقى الدرس يؤتي ثمرته أصر، واضطرا كما أمرهما أن يبرحا وخلا المكان المكتب الإداري دا عبارة عن أوضة واسعة، وفيها دكك خشبية وعليها بتاع غطا صوف أحمر كده فاكره..

أحمد منصور: دا أنت ما نسيتش..

فريد عبد الخالق: هه؟

أحمد منصور: بعد ستين سنة ما نسيتش..

فريد عبد الخالق: لا مش ناسي لأ ما باعتبار اللي جاي ها أقول لك ليه ما نسيتهوش قال لي: نام يا فريد على الكنبة دي، وأنا هأنام على الكنبة المقابلة، ونام.. ونمنا وخلاص..خلاص بعد قليل يمكن لا يزيد عن دقائق عشر دقائق، نادى علي بصوت عال قال: يا فريد، أنمت؟، قلت له: لا، قال لي: ولا أنا، أنا عرفت وهو عرف، ليه؟ سرح علينا البق، الذي كان راقداً في الكنب الخشبي والبتاع.. البتاع الأحمر..

أحمد منصور: الغلالة الحمراء..

فريد عبد الخالق: الغلالة الحمراء زي.. زي صوف هي، البتاع افترسنا، وبدل ما أنا قلت هأروح أنام على السرير وآكل أكلة، خلصت أنا من المقاطف والخشب دخلت في البق، فجت ثالثة الأثافي، فقلت له: قال لي: اسمع هو كان لما يجي مشكلة سريع البحث عن الحل، عملي أنا مش عارف أعمل أيه قدري كده بقى، لكن هو ما سلمش، قال لي لِمَّ لي الكراسي الخزران، قلت له: طب دي عملية بسيطة، قال لي: لمها، لميت الكراسي الخرزان، قال لي حطها خلف خلاف، حطيتها خلف خلاف..

أحمد منصور: أستاذ فريد، اسمح لي هأوقف المشاهدين عند المشهد دا.

فريد عبد الخالق: طيب.

أحمد منصور: وأكمل معاهم الحلقة الجاية، أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق (مرافق حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وعضو الهيئة التأسيسية وعضو مكتب الإرشاد السابق).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.