مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

شفيق الحوت: أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية

تاريخ الحلقة:

02/03/2003

- الأهداف السورية من وراء الدخول إلى لبنان
- أسباب سوء العلاقة بين الأسد وعرفات

- صراع القوى الكبرى على الساحة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية

- الصراع السوري الفلسطيني في لبنان

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ شفيق الحوت (أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية وممثلها في لبنان).

أستاذ شفيق، مرحباً بك.

شفيق الحوت: أهلاً بكم.

الأهداف السورية من وراء الدخول إلى لبنان

أحمد منصور: كانت الحرب الأهلية اللبنانية على أشدها في بداية العام 1976، في 19 إبريل 76 سيطرت القوات السورية على الحدود، ودخل لواءان مدرَّعان وكتيبة مشاة إلى سهل البقاع في 12 إبريل. بلغ عدد القوات السورية آنذاك حوالي 17 ألف رجل، الأمر وصل إلى أن حد قوات الصاعقة الفلسطينية الموالية لسوريا كانت تقصف مواقع الفلسطينيين، حتى إنه في 8 إبريل قُصف مخيمي صبرا وشاتيلا من قوات الصاعقة، ما هي أهداف سوريا من وراء دخولها إلى لبنان؟

شفيق الحوت: أولاً: لابد من الإشارة بأن هذه القضية الفلسطينية كانت -ولا تزال- من أعقد قضايا العصر، ودوائرها الثلاث دائمة الاتصال والتفاعل مع بعضها البعض، وأعني: الدائرة المحلية، فالدائرة الإقليمية، فالدائرة الدولية، وقد تجلَّى هذا التفاعل حقيقة بين الدوائر الثلاث أو الثلاثة أبعاد من أبعاد القضية الفلسطينية في عام 1976، فكانت الساحة الفلسطينية منشغلة بذاتها، وكانت الساحة الإقليمية منشغلة بالقضية الفلسطينية، وكذلك الساحة الدولية، بدأ البعد الإقليمي بالتدخل في المقاومة الفلسطينية في لبنان على أوجه في الـ 76، والسبب واضح، أولاً: سوريا ليست غريبة عن قضية فلسطين من حيث المبدأ، هي من بين الدول العربية أكثرهم تاريخاً وعلاقة بقضية فلسطين.

2: سوريا من دول الطوق، وهي الدولة التي يجمعها حدود مع إسرائيل ومع لبنان، وسوريا هي الدولة التي كانت منذ البدايات ترعى العمل الفدائي الفلسطيني، وكان لها بالتالي شعور بأنها مسؤولة إلى حدٍ ما عن مسار هذه المقاومة، أو تعتبر نفسها صديقة كبرى لهذه الوصاية لكي لا نقول ما هو أكثر من ذلك.

هلاَّ ماذا تريد سوريا؟ سوريا تريد أولاً وأخيراً، ومن حيث المبدأ أن لا يعبث أحد في لبنان بما هو -بمنظورها- يؤثر على الأمن القومي السوري، وأذكر في الـ 58 عندما حدث نوع من الثورة في لبنان، وكان أحد رؤسائها ورموزها كذلك كمال جنبلاط كنت صحفياً في ذلك الحين أذكر له بالذات كلمة وكنا على مائدة الغداء عنده في دارة المختارة، حيث قال: أن من يريد تغيير في لبنان لابد أن يكون قد أمَّن ظهيره في سوريا، وأن يكون على علاقة حسنة مع سوريا.

أحمد منصور: لكن يفهم كأن التدخل السوري في لبنان كان موجهاً ضد الفلسطينيين بالدرجة الأولى.

شفيق الحوت: لكن جاءت الأيام لتثبت أنه كان لمصلحة سوريا بالدرجة الأولى بغض النظر عن الفريق المضاد في تلك الفترة، فعلى سبيل المثال يعني الذين استدعوا مجيء القوات السورية علناً، وذهبوا إلى دمشق وطلبوا هم الفريق المنطقة الشرقية فريق الجبهة اللبناني.

أحمد منصور: الموارنة.

شفيق الحوت: وهم الموارنة، وطلبوا ذلك لأنه استشعروا أن القوة الفلسطينية مع المتحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية أصبحت أقوى من أن تتعامل معها لوحدها، فطلبت تدخُّل سوريا، ولكن أخطأ الإخوان عندما ظنوا.. الإخوان في الموارنة عندما ظنوا إنه يعني إن سوريا موظف عندهم يعني بيستدعوها وقت ما بدهم، وبعدين بيقولوا لها: مع السلامة وقت ما بدهم، لذلك سرعان ما انقلبت العلاقة من علاقة استدعاء وطلباً للنجدة ضد الفلسطينيين أخذ هنالك نوع من الصدام بين..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كنتم كفلسطينيين تدركون أن التدخل السوري موجَّه ضدكم بالدرجة الأولى؟

شفيق الحوت: ما فيه شك.. ما فيه شك، يعني الآن أصبح تاريخ يعني معروف، يعني زي ما قلت لم.. ما لم يدركه الفلسطيني حساسية النظام السوري الذي شاءت أقدارنا أن يرأسه الرئيس حافظ الأسد بالذات، وهو رئيس ليس كغيره من رؤساء سوريا.

أحمد منصور: كيف؟

شفيق الحوت: يعني كان رجلاً يأخذ الأمور جدياً، ولا يساوم، ولا يهادن فيما يتعلق بما هو ثابت لديه بالثوابت التي عنده، وأهم ثوابته إنه لبنان إن كان لابد من قوة إقليمية أن تؤثر به فهي سوريا، وخصوصاً عندما تأكد للنظام السوري أن هنالك فريق من اللبنانيين بدأ التعامل العلني والمباشر مع إسرائيل.

أحمد منصور: (إسحاق رابين) أعلن -رئيس وزراء إسرائيل آنذاك- أن التدخل السوري في لبنان إسرائيل تعتبره مسألة داخلية، (كيسنجر) رئيس الوزراء الأميركي، أعلن أمام الكونجرس في 14 إبريل بأن الخطوة السورية لم تعرِّض أمن إسرائيل للخطر، كان هناك وساطة أردنية، الملك حسين تحدث إلى الأميركيين وإلى الإسرائيليين.. إلى سفير إسرائيل في لندن، للحصول على تأكيدات بأن إسرائيل لن ترد على التدخل السوري في لبنان، ونقل وجهة نظر سوريا إلى أميركا (وزير الخارجية السوري آنذاك) عبد الحليم خدام، وأصبح هناك ضوء أخضر إسرائيلي أميركي بالنسبة لسوريا، ما هو رد المنظمة على التدخل السوري في لبنان؟

شفيق الحوت: أولاً: لشرح هذه المواقف لابد من الإشارة إلى أن أميركا وإسرائيل كانت.. لم تكن سوريا هي الأولوية أمامهم، لم تكن سوريا هي الهدف أمامهم، الهدف كان تصفية منظمة التحرير الفلسطينية في الـ 76..

أحمد منصور: هل تم الاستعانة بسوريا للمساهمة في هذا الدور؟

شفيق الحوت: دعني أكمل، يعني هنا.. لذلك أشرت في البداية -أخي أحمد- إلى تفاعل الدوائر الثلاث، إحنا أصبحنا أقوياء في الساحة الفلسطينية عسكرياً، أصبحنا أقوياء جداً سياسياً، في الـ 76 إحنا كنا في قمة التألق على المستوى الدولي، الاعترافات والانضمام للكتل الإقليمية الكبرى.

أحمد منصور: بعد الأمم المتحدة.

شفيق الحوت: وأصبحنا فعلاً يعني.. أصبحنا يعني..

أحمد منصور: الغرور ركبكم يعني..

شفيق الحوت: استعادة يمكن باستطاعتك أن تقول غرور، لكن في تلك الفترة لفريق من الناس لشعب كان مقهور طيلة كذا سنة، فأصبح يعني يجد من يشير إليه بالمناضل وليس باللاجئ، وبالرجل الثائر وليس بالمستشهد.

أحمد منصور: ولكن هنا أستاذ شفيق ده كلام جميل جداً، لكن هنا إسرائيل اللي هي الهدف الأساسي.

شفيق الحوت: ما فيه شك.

أحمد منصور: كانت مغيبة تماماً، ماكانش بيوجه إليها شيء، حجم العمليات التي قامت ضد إسرائيل في سنة 74 كانت قليلة ومحدودة للغاية.

شفيق الحوت: أخ أحمد..

أحمد منصور: الآن خلاص بدأتم تفرضوا دوركم على الساحة اللبنانية، وتنسوا إن فيه دولة لابد أن تحترم.

شفيق الحوت: هل تعتقد.. هل تعتقد أننا اخترنا هذا الشيء؟ يعني أنا أذكر -على سبيل المثال- إنه سألني الشيخ بيير الجميل -الله يرحمه- إنه أنتم شو رأيكم في كمال جنبلاط، كانوا الاثنين ضدان في الساحة اللبنانية، سياسيين يقفان...

أحمد منصور: جنبلاط كانت مواقفه مؤيدة للقضية الفلسطينية.

شفيق الحوت: وبيير الجميل يعني على كل حال بعيداً عن القضية الفلسطينية كانوا دائماً على غير وفاق، قلت له يا شيخ بيير، لسنا نحن الذين اخترنا كمال جنبلاط، كمال جنبلاط هو الذي اختارنا..

أحمد منصور: سنة كام هذا؟

شفيق الحوت: هذا الحكي في الـ 75، في الـ 75.

أحمد منصور: أثناء الحرب.

شفيق الحوت: أي نعم، وكنا على اتصال دائم، إما تليفونياً أو لقاءات تحدث، يعني نحن لم نسعَ، بالعكس السعي كان من قبلنا نحو الأطراف اللبنانية التي كنا نخشى ألا تساير مسيرتنا وأن تقف ضد مسيرتنا، أما إذا واحد جاي مد إيده لك مصافحاً مؤيداً داعماً ها.. هل تقول له: لا والله، أنا مستغني عن خدماتك؟ ففي لبنان لم يكن القرار وحده فلسطيني،كان هنالك قراراً لبنانياً فلسطينياً يتحمل هذه المسؤولية، نحن لم نكن نرغب، وأنا واثق وأقول هذا من موقع القريب، ويشهد بعض المنصفين من الإخوة في الساحة المضادة بأننا.. بأن المنظمة.. قيادة المنظمة سعت جاهدة لدى شمعون وكان قطباً من أقطاب المعارضة، ولدى الشيخ بيير جميل من أجل تفادي هذه الحرب التي استمرت مدة سنتين داميين بين الشعب الفلسطيني...

أحمد منصور: من الذي تسبب في استمرارها؟

شفيق الحوت: كما أشرت في ربما في حلقة سابقة، اختُرع ما سمي بالفريق الثالث، وقلت أذكر أن كان البطل.. الأبطال رجال بلا أسماء، بدليل كنا نوقف إطلاق النار الساعة 7، الساعة 7.30 تجد من يدخل على الخط، ويقذف طلقة هنا أو هناك، يعني لا.. لا أبرئ الموساد، وكل من كان له مصلحة في تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، وأريد أن أقول هنا أن.. أن الفريق الذي كان ضد المنظمة، وأعني بالتالي الموساد وأميركا لم يكن بالضرورة متعاطفاً بصدق مع الفريق المسيحي اللبناني، يعني ما كان هام فعلاً المصير الذي قد تؤول إليه الأوضاع بالنسبة للمسيحيين في لبنان، بدليل إنه بعد.. بعد الاجتياح في 82 باعوهم.

أحمد منصور: في 16 إبريل 76 عُقدت محادثات بين الأسد وعرفات، في دمشق وقعت اتفاقية بين الطرفين، اتحدت الأحزاب المارونية في إطار الجبهة اللبنانية، في 2 إبريل 76 التقى كميل شمعون الذي أشرت إليه أنه أحد أقطاب الموارنة مع إسرائيليين، وأصبحت العلاقة مباشرة بعد ذلك بين الكتائب والإسرائيليين، كما جاء في عشرات الكتابات، الموارنة أقاموا شبه دولة في مناطقهم، شرطة، محاكم، بريد، مواصلات، دعوا في 22 إبريل إلى وساطة دولية لحل الصراع، طالبوا بقوات دولية فرنسية ومغربية وسعودية، وسؤالي هنا: ليه طالبوا بقوات سعودية الموارنة؟

شفيق الحوت: يعني ظناً منهم أن السعودية بلد معتدل، علاقتها باستمرار كانت حسنة مع المسيحيين، يعني لم يكن هنالك.. يعني معظم المستثمرين كانوا في السعودية من اللبنانيين المسيحيين، فبالتالي يعني موضع ثقة بأن جنودها أو مراقبيها لن ينحازوا في تقاريرهم إلى صالح الجانب الفلسطيني.

أحمد منصور: تقرر أن تكون الانتخابات الرئاسية اللبنانية في 8 مايو 76، كان ريمون إده مرشح ضد إلياس سركيس، فاز سركيس بفارق بسيط، لماذا فضلتم في منظمة التحرير دعم ريمون إده ضد إلياس سركيس، وكلاهما موارنة؟

شفيق الحوت: في واقع الأمر لم نؤيد ريمون إده نحن..

أحمد منصور: الحركة الوطنية أيَّدت.

شفيق الحوت: يعني.. لأ، بأذكر يعني كان هنالك نوع من الخلاف، كان بين ريمون إده وسركيس، مش هيك؟ أذكر أن كمال جنبلاط في النهاية، وهو مشهور بأنه صانع الملوك في لبنان رجَّح كفة إلياس سركيس، والأهم من العنصرين الفلسطيني واللبناني في هذه الانتخابات أن الإشارة من سوريا جاءت مؤيدة أكثر لإلياس سركيس، لذلك جرى انتخابه حتى في منطقة (شتورة) حيث الحماية السورية مؤمَّنة لإجراء مثل هذه الانتخابات، والسبب أنه شهابي يعني من مدرسة الرئاسة.. الرئيس المرحوم فؤاد شهاب، وأنه من الممكن أن يكون أقرب للتفاهم معهم في إدارة الأزمة القائمة في ذلك الحين.

أحمد منصور: لكن هل انتخاب سركيس حل المشكلة؟

شفيق الحوت: عهد سركيس بكامله كان مخيِّباً للآمال، كان مديراً للأزمة، أدار الأزمة ولم يحل الأزمة، ولم يتنطح في حل الأزمة، كان نوَّاح باكي باستمرار، ولكني أعذر الرجل لأنه حتى لو حاول لم يكن بمستطاعه أن يحل ما كان قد أصبح من مشاكل متجذرة في الساحة اللبنانية، وبحاجةٍ إلى.. إلى.. إلى.. إلى عملياتٍ جراحية تستدعي تدخلات خارجية وإقليمية.

[فاصل إعلاني]

أسباب سوء العلاقة بين الأسد وعرفات

أحمد منصور: في 15 مايو 76 اجتمع السادات مع الأسد، ووصف أبو إياد في "فلسطيني بلا هوية" الاجتماع بأنه كان اجتماعاً عاصفاً، حيث قرَّر الأسد، أو أبلغ الأسد عرفات بأنه سوف يرسل المزيد من القوات إلى لبنان لإعادة النظام إليه، تضخم الوجود السوري في لبنان بعد ذلك، وساءت العلاقة أكثر فأكثر بين الفلسطينيين وبين سوريا، لماذا كان يكره الأسد عرفات؟

شفيق الحوت: يعني بالإضافة إلى السبب الموضوعي أن عرفات أصبح شريكاً منافساً له في لبنان، أعتقد أن نوع من الكيمياء لم تكن موفقة بين الاثنين.

أحمد منصور: كيف؟

شفيق الحوت: يعني تستغرب أن تمر في الشارع وتصادف أناساً من أجناساً مختلفة، ففيه وجه ترتاح له ووجه لا ترتاح له، فيبدو أن الرئيس الأسد لم يكن يرتاح لعرفات..

أحمد منصور: بس ليس عرفات وحده، حتى أبو إياد..

شفيق الحوت: كان.. لكن..

أحمد منصور: حتى أنه قال لأبو إياد ذات مرة إني أكرهك، ولكني أحترمك، فقال له: إنما يأسى على الحب النساء.

شفيق الحوت: يعني كان الرئيس الأسد على صلة وطيدة بهؤلاء الناس، يعرفهم معرفةً قريبة، والقرب أحياناً مؤذي، يعني.. خصوصاً في العلاقات السياسية.. أنا عندما يكون علاقاتي بالرئيس الفلاني أو الزعيم الفلاني حميمية أكثر من اللازم تُسيء، لإني بأعرف ضعفه وبأعرف قوته، وقد يُترجم هذا في تصرفي السياسي معاه، فيعني الأسد عبارة قال أظني للأخ خالد الفاهوم، كان رئيس سابق للمجلس الوطني الفلسطيني، كان منرفز الرئيس الأسد من بعض الأمور في لبنان، فأظني حاول الأخ خالد الفاهوم وهو صديق كذلك للرئيس المرحوم الأسد، حاول يدافع عن وضع الفلسطينيين، قال له طبعاً، الرئيس الأسد قال له: يعني كيف أنا هأناقش أهم إنسان في العالم؟ استغرب خالد الفاهوم إنه ماذا يقصد الرئيس الأسد بوصفه أهم إنسان في العالم، قال له: مش إحنا العرب -هذا الرئيس الأسد- خير أمة أخرجت للناس؟ قال له: صحيح، قال له: مش أنتوا الفلسطينيين طليعة هذه الأمة؟ ومنظمة التحرير أليست طليعة الشعب الفلسطيني، وأنت عضو في هذه القيادة، فكيف أنا بدي أناقش واحد مثلك؟ أنت أهم واحد في العالم أنت، يعني ربما كان يعني بسبب المعرفة الحميمية ربما تولَّدت بعض العواطف السلبية بين الرئيس الأسد..

أحمد منصور[مقاطعاً]: كان لها تأثير على العلاقات السورية الفلسطينية؟

شفيق الحوت: أنا بأعتقد كان لها تأثيراً.

أحمد منصور: طيب وأسباب الخلاف والكراهية أيضاً بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد؟

شفيق الحوت: أنا ما بأعتقد.. أنا كمان لغز كبير، كيف إنه كمال جنبلاط وقع في الخطأ الذي سمعته يحذِّر منه في سنة 1958؟ هنا يعني و.. و.. وكمال جنبلاط رجل مميز، يعني ليس رجلاً عادياً، رجل عميق الفكر، طويل القامة، مفكر ورقيق وعنيف في نفس الوقت، وواسع الثقافة، ويعني أذكر أن.. أن.. أنه في.. في جلساتنا المشتركة كان دائماً يترك الجميع يتكلم براحته، ثم يحسم الأمر بكلمتين هادئتين.

اللي.. طبعاً كمان كمال جنبلاط شاءت أقداره أن يكون أكبر من حجمه في لبنان، يعني هو بيطلع له تكوينه الشخصي والثقافي والعلمي أن يحتل ما هو أكثر من المقام الرابع في لبنان، هو أصبح في.. فترة من الفترات يُنظر إليه كزعيم إقليمي، وحتى يعني يتلقى جوائز من الاتحاد السوفيتي، ومن الصين الشعبية، أصبح يُنظر إليه كذلك كمناضل عالمي، هذا من جهة.

أحمد منصور: كان أكثر من قائد سياسي.

شفيق الحوت: كان يعني لبنان أصغر منه، أو هو أكبر من لبنان، إن جاز مثل هذا التعبير، وفي نفس الوقت في المقابل الساحة المسيحية.. وأرجو المعذرة باستمرار لاعتماد مثل هذه التعابير..

أحمد منصور: أصل هو واقع في لبنان.

شفيق الحوت: للأسف، لكن أنا بأحب أطرح..

أحمد منصور: يعني الواحد لما بييجي يسأل عن شخص الآن في لبنان يقول لك دا ماروني، دا درزي، يعني أصبحت الهوية هي الوصف..

شفيق الحوت: هذا صحيح، للأسف.. نعم. أصبحوا هم كذلك غير ما كانوا عليه، يعني.. يعني..

أحمد منصور: أسباب الكراهية بينه وبينهم أيضاً لأن..

شفيق الحوت: لحظة شوية. الكتائب و.. والشمعونيين وبقية التكتل المضاد للحركة الوطنية اللبنانية و.. والمقاومة الفلسطينية أصبحوا يؤدلجون موقفهم.. كان موقفاً سياسياً معارضاً عبر التاريخ أصبح مؤدلجاً، يتشبَّهون بإسرائيل، تعاونوا مع إسرائيل، وصاروا.. حتى اقتربوا بطبيعتهم.. كانوا همَّ بيحاولوا يميِّزوا حالهم عن المسلمين وعن العرب إن همَّ أكثر حرية و.. وليبرالية إلى غير ذلك، فنحن نلاحظ إنه بالسبعينات صارت تصفيات للجانب الآخر، ومحاولة استئثار كذلك في.. في.. في الفريق الحاكم، يعني أصبح بشير الجميِّل بعد اغتيال توني شمعون، بعد مجزرة (إيدين) سنة 80 أصبح يعني الشارع المسيحي محكوماً بقبضة فريقٍ واحد، إن لم نقل برجل واحد. هنا استشعر كمال جنبلاط خطورة الوضع، إذا أضفنا إلى ذلك نظرته إلى ذاته إنه يعني هو أكبر من هذا الواقع..

أحمد منصور: أكبر من..

شفيق الحوت: نقدر نفهم.. نقدر نفهم إنه لماذا غامر.. لماذا غامر، وهو كان صاحب يعني القرار في محاولة توسيع الحرب ضد المسيحيين باختراق الجبل وصولاً إلى (فرايا) ومنطقة (عين سليمان)، هنا.. هنا.. وما كانش كمال جنبلاط يعني بالنسبة لسوريا يمثل فقط يعني منافس في لبنان، كان كذلك ينظر إليه البعض أن له آراء معينة في الاشتراكية وفي الوحدة تختلف عن.. عن الطراز الممارس في سوريا، فالحاكم السوري أو النظام السوري ما كان ليتصور أو ليقبل أن يقوم في لبنان نظام يرأسه كمال جنبلاط، ويُغيِّر طبيعته بشكلٍ جذري، أضف إلى ذلك -وهنا يعني على ذمة الرواة - أن.. أن.. أن أميركا نفسها خافت من مثل هذا التغيير، ولذلك لم تلقِ بأي ضوءٍ أحمر تجاه التدخلات السورية في الساحة اللبنانية.

صراع القوى الكبرى على الساحة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية

أحمد منصور: واضح الآن إن أميركا وإسرائيل كانوا بيلعبوا من بره، وبيحركوا الأمور من بره، الدروز، الشيوعيين، جورج حاوي وجورج حبش والجبهة الشعبية.. وقع تكتل ضد الوجود السوري في لبنان، كان هناك تقارب سوري أردني على غير العادة في تلك الفترة، وصفه كمال جنبلاط في 2 مايو 76 بالمؤامرة الإسرائيلية العربية لاحتواء المقاومة الفلسطينية، السادات لم يُرد أن يكون متفرجاً على ما يحدث، لاسيما بعد التدخل السوري الكبير، فسمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن تعود إذاعتها من مصر مرة أخرى، وفي 6 مايو انطلقت إذاعة منظمة التحرير، 6 مايو 76 من مصر مرة أخرى، انتقد سوريا وتحدث عن الذين يريدون أن يفرضوا وصاية على الشعب الفلسطيني.

بدأ الصدام في لبنان بين اليساريين اللبنانيين والفلسطينيين من جهة، والسوريين من جهة أخرى يشتد في مايو 76، وقعت مقتلة عظيمة بين الطرفين حتى إن (رابين) في 13 مايو قال: إن القوات العاملة تحت سيطرة سوريا في لبنان قتلت من الإرهابيين في الأسبوع الماضي أكثر مما قتلت إسرائيل في العامين الماضيين.

شفيق الحوت: يعني لا شك إنه.. إنه جزء كبير من السبعينات مليء بالأحداث التي يفجع لها الإنسان، بغض النظر عن هويته السياسية، سواء في المنطقة الشرقية أو في المنطقة الغربية، والعلاقات العربية- العربية كانت يومئذٍ تترجم نفسها بعنف على الساحة اللبنانية، أنا أعتقد في الـ76، خد موقف مصر مثلاً، مصر أنا أعتقد من الـ 76 أو بعد.. قبل حتى 76 كانت تحاول أن تهيئ الشعب الفلسطيني للقبول في تسوية، وكان السادات يهيئ ربما نفسه لزيارة القدس كما تم في 77 وتحدث يومئذٍ عن إقامة حكومة في المنفى أو شيء من هذا القبيل، وكان يعتمد على هوى الرئيس عرفات الذي كان يقول أن هواه مصرياً باستمرار، وعرفات كان كما هو معروف عنه يعني لا يقطع بين أي عاصمة وأخرى يحاول الاستفادة من الفريقين، الخلاف السوري-المصري كان يدور حول التوجه الاستراتيجي في العلاقة مع إسرائيل، لأنهم اشتركوا في الحرب واختلفوا أو قيل إنهم فيما بعد اختلفوا على الهدف الاستراتيجي، يعني الأسد يقول: أنه دخلت حرب 73 بهدف تحرير، وبينما السادات دخل بهدف تحريك قضية فلسطين، والفرق واسع بين الكلمتين، وهذا كان يعكس نفسه كمان على الساحة الفلسطينية.. على فصائل الثورة الفلسطينية، كان دائماً باستمرار هنالك من الفصائل الفلسطينية من هو مع دمشق، رغم وجودهم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وكان هنالك من يقف ضدها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا لم أستطع أن أستوعب وأنا أقرأ بين الكتب، فحضرتك قلت لي: العربي قتل العربي واللبناني قتل اللبناني، لكن المأساة هنا أن يقتل الفلسطيني الفلسطيني..

شفيق الحوت: ما هو الفلسطيني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: الفلسطيني الذي خرج مهاجراً من بلده، وامتطى السلاح من أجل أن يحرر بلده تحول إلى قاتل لفلسطيني آخر، لأنه ظل.. كان هذا يتبع سوريا وهذا كان يتبع كذا، والفلسطيني.. عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على أيدي الفلسطينيين في لبنان عدد غير عادي..

شفيق الحوت: والمأساة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: عدد الفلسطينيين اللي قُتلوا على أيد الفلسطينيين في الأردن..

شفيق الحوت: مأساة.. مأساة..

أحمد منصور: كان عدد غير عادي.

شفيق الحوت: مأساة المأساة إنه كان كلاهما يعتقد أنه كان على حق، ولكن أليس هذا هو.. يعني أليست هذه هي سيرة كل الثورات في العالم أخ أحمد؟

أحمد منصور: لأ. ليس بهذا الشكل.

شفيق الحوت: لا. الجزائريين قتلوا في بعضهم البعض، الفرنسيين قتلوا في بعضهم البعض، البولشفيك والمونشفيك قتلوا في بعضهم البعض..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن يعني أن تكون السيرة بهذا الشكل..

شفيق الحوت: شيء مؤسف لأنه..

أحمد منصور: فيه عدو واضح موجود، العدو طلع وقال: القوى.. الفلسطينيين قُتل منهم بإيد بعضيهم أكثر من اللي إحنا قتلناهم في هذه الفترة..

شفيق الحوت: لاحظ.. لاحظ.. لاحظ إنه عندما احتدم الخلاف فيما بعد أكثر في الساحة الفلسطينية، وكان مسرح العمليات فلسطين. لم يحدث مثل هذا الأمر.

أحمد منصور: بالضبط.

شفيق الحوت: لأنه كان السمك عم بيسبح في بحره، هنا لم يكن السمك يسبح في بحره..

أحمد منصور: كنتم مستوعبين القضية دي؟

شفيق الحوت: كان التدخل كانت.. كان السفارات العربية والسفارات الأجنبية قادرة على أن تلعب في الساحة اللبنانية في منتهى البساطة، كما قلت: وقف إطلاق نار الظهر عشية يصبح تستعر الأمور من أول وجديد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وأيه مصلحة هؤلاء بالذات الدول العربية؟ وللأسف يعني دول عربية كثيرة كانت بتدعم الموارنة وتدعم الفلسطينيين كأن كان يهمها أن تظل الحرب مشتعلة بين الطرفين، الموارنة كما كان لهم علاقات مع إسرائيل، وإسرائيل بتعطيهم سلاح، كانت دول عربية أخرى كانت تعطيهم السلاح أيضاً وسلاح ثقيل.. دبابات، أسلحة ثقيلة.

شفيق الحوت: منذ.. منذ أن قامت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 -وقد أشرت إلى ذلك في حينه- كل دولة عربية كانت تنظر إلى المنظمة من شرفة تختلف عن شرفة النظام الآخر، قسم كبير أو القسم الأكبر كان يحاول ترويض منظمة التحرير الفلسطينية ولا سيما بالسبعينات ولاسيما بعد حرب تشرين إلى الدخول في إطار التسوية، وأنا بأعتقد أنه دخلنا في منظمة التحرير في نفق التسوية من 74 من ذهابنا إلى الأمم المتحدة، لكي لا نخدع أنفسنا، أصلاً أنت لا تصبح عضواً مراقباً في الأمم المتحدة إن لم تكن موافقاً على ميثاقها، وراضياً..، أصلاً إحنا دخلنا بقرار من الأمم المتحدة، ولكننا وجدنا النصف الملآن من الكوب وقتئذٍ.

أولاً: تفادينا الذهاب إلى جنيف الذي كانت تدعو إلى عقده إسرائيل، ورضيت به مصر وفيما بعد سوريا، واعتبرنا أن أصبح لنا وجود في الأمم المتحدة بعد.. بعد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: إذا كان هذا كما تقول يعني من 74. ليه استمريتم في خداع نفسكم وخداع شعبكم، وبُذلت كل هذه الدماء، وبُددت مليارات المليارات من الدولارات في حروب داخلية-داخلية بين الفلسطينيين بعضهم وبعض وبين الفلسطينيين واللبنانيين والفلسطينيين والسوريين؟ لماذا لم تبدءوا إذا كانت.. أنتم من 74 قررتم تدخلوا في التسوية، لماذا لم تبدءوا؟ حتى كنتم اللي حصلتم عليه أحسن من اللي حصلتم عليه؟

شفيق الحوت: أحسن.. آه طبعاً على مستوى القرارات نحن حصلنا في 74 و75 على قرارات لا نحلم بها، يعني خد مثلاً بعيداً..

أولاً: إقرار الحق.. الحقوق غير القابلة للتصرف في الشعب الفلسطيني، اللي هي حق العودة إلى الديار والممتلكات التي فقدناها 1948 الحق في تقرير المصير دون أي تدخل خارجي، الحق في السيادة والاستقلال الوطني.

أحمد منصور: أليست القيادة الفلسطينية هي التي تتحمل المسؤولية كلها..

شفيق الحوت: طب ما هو تعالَ نفِّذ يا أحمد القرار موجود، بس حتى تنفذ إسرائيل تقول لا، بس..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بغض النظر إن إسرائيل تنفذ أنت الآن يمكن أن تضعها أمام المجتمع الدولي في موقف محرج..

شفيق الحوت: ما وضعناها أمام المجتمع الدولي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما وضعتوهاش لأن أنتم ظليتم رافعين شعارات ومواصلين تقتِّلوا بعض هنا وتقتِّلوا بعض هناك ولم تحققوا شيء.

شفيق الحوت: لأ ما هنا.. هنا.. هنا كمان مرة أخرى أذكِّر بالتفاعل بين الدوائر الثلاث، إحنا بسبب انتصاراتنا السياسية قررت إسرائيل تصعيد العمل ضدنا في الساحة اللبنانية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنتم ما كنتوش بتقاتلوا إسرائيل، أنتم كنتم بتقاتلوا الموارنة، كنتم بتقاتلوا السوريين، حتى إن يطلع.. لما صلاح خلف يطلع في مؤتمر جماهيري في 23 مايو 76 ويقول: إن طريق فلسطين لا يمكن إلا أن تمر في (عنطورة) و(عيون السمان) و(جونيا) حتى لابد أن تصل إلى جونيا، حتى نمنع المؤامرة والتقسيم.

شفيق الحوت: يعني شوف كثير من الجمل ممكن أن تأخذها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لأ. بس دي ألهبت الحرب مع الموارنة، أنا قابلت ماروني قبل أيام، كنت أسأله عن بعض المعلومات فقال لي صلاح خلف، فظليت أقلِّب في الكتب لحد ما لقيتها في مذكرات أبو إياد ولقيتها في كتاب أيضاً يزيد صايغ، الجملة. هو قال لي طبعاً قال صلاح خلف: الحرب.. الطريق إلى القدس لا يمر إلا عبر جونيا.

شفيق الحوت: يمر في جونيا.. في جونيا..

أحمد منصور: لكن أنا لقيت العبارة نقلتها بنصها كما جاءت في الخطاب يعني دا إلهاب للحرب مع الموارنة.

شفيق الحوت: يعني ما هو بنرجع ونقول إنه لن تبدأ المقاومة الفلسطينية ولم تقم منظمة التحرير الفلسطينية بهدف مقاتلة الموارنة وغير الموارنة، قامت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أهداف منظمة التحرير لم تتحقق..

شفيق الحوت: طبعاً لم تتحقق.

أحمد منصور: ظلت حبر على ورق..

شفيق الحوت: قضية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ورحتوا تقاتلوا في الأردن وتقاتلوا في لبنان وتقاتلوا الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والدنيا، والفلوس بُدِّدت واتعملت يعني حاجات.. شيء مؤذي إن كل فلسطيني بعد كده يقرأ تاريخه، وكل عربي يقرأ تاريخ القضية الفلسطينية على.. على يد الذين تحملوا مسؤوليتها من 64، خلينا إلى الآن لسنة 2002 شيء مؤذي اللي حصل خلال الستينات والسبعينات للشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى ولكل عربي أن يقرأ هذا التاريخ.

شفيق الحوت: تعرف يا أخي أنا لن أخالفك في هذا، لأن الشعب الفلسطيني أصلاً أقسى على نفسه في الحكم مما تفضلت به الآن كقراءة لمرحلة تاريخية، نحن في.. نحن الفلسطينيين حتى الآن لا يوجد لدينا بطل، البطل الذي سيحرر القدس، ونحن كلنا حتى على مستوى القيادات، موضع شبهة إلى أن نستشهد، يعني من لم يمت مغمساً بدمه لا يعتبر.. يعني لا تزول عنه الشبهة، لكن لا تنسَ أن قضية فلسطين هي أحد.. أو هي أعقد قضايا العصر، هي أعقد قضية شهدها القرن العشرين وهي دخلت القرن 21، وأرجو أن لا يكون أبناء هذا القرن يعني بالحظ الذي كنا نحن عليه في..

أحمد منصور [مقاطعاً]: والقيادة الفلسطينية ساهمت في تعقيدها.

شفيق الحوت: قضية فلسطين كانت باستمرار أخ أحمد.. باستمرار تختلف عن جميع قضايا شعوب الأرض بما فيها من تعرضت لاستعمار استيطاني، بدليل.. بدليل إنه في الأمم المتحدة كان فيه لجنة خاصة اسمها لجنة تصفية الاستعمار وصُفيت معظم -إن لم يكن كل- المستعمرات العالم التي كانت متبقية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، خلافاً لمزاج العصر بأسره، في هذه الفترة قامت دولة إسرائيل، ونحن تعرضنا لمجابهة عدو لا مثيل له في تاريخ شعوب الأرض قاطبة، نحن نحارب شعباً..

أحمد منصور: يا أستاذ شفيق..

شفيق الحوت: يهودي..

أحمد منصور: قل لي من سنة 64 لحد الآن، أنا قعدت أقلِّب في 50 كتاب وأسهر وأطلَّع، علشان أشوف كم مرة واجهت منظمة التحرير الفلسطينية إسرائيل وجهاً لوجه؟ معظم قتال منظمة التحرير الفلسطينية الشرس لم يوُجَّه ضد إسرائيل، وُجه في الأردن ووُجه هنا في لبنان على الساحة اللبنانية، أما إسرائيل المعارك معاها قليلة ومحدودة، معركة الكرامة فُرضت على الفلسطينيين والأردنيين في سنة 68.. في مارس 68 وحققت نجاح وبطولات رهيبة، فيه بطولات كثيرة جداً قام بها، لكن أنا أقصد هنا القيادة الفلسطينية لم تقم وجهاً بوجه في قتال الإسرائيليين في معارك من أجل تحرير.. المعارك الشرسة اللي خاضتها كلها ضد الموارنة وضد السوريين وضد بعضها البعض.

شفيق الحوت: فعلاً يعني شيء مثير للتساؤل، لكن سأرد عليك بكل بساطة، لماذا -ونحن نتكلم عن نفس الشعب- هذا الشعب الذي لم يخض أي معركة شرسة مع إسرائيل كما تفضلت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا ما بأتكلمش على الشعب..

شفيق الحوت: جاي لك.. جاي لك.

أحمد منصور [مقاطعاً]: الشعب دا على رأسي كله.

شفيق الحوت: جاي لك يا أحمد، جاي لك يا أحمد، هو نفس الشعب الذي يخوض مثلاً المعارك الحالية التي يعني تكاد أن تكون أكثر شراسة مما كان في الحرب اللبنانية، يقاومون وأنت ترى...

أحمد منصور[مقاطعاً]: دي قصة أخرى يا أستاذ شفيق، الانتفاضة لها قصة أخرى.

شفيق الحوت: لأ.. لأ، هي الشعب.. الشعب واحد، وأكاد أقول.. وأكاد أقول...

أحمد منصور: بس ده مش القيادة اللي بتحركه، أنا الآن ما بأتكلمش على الشعب.

شفيق الحوت: وأكاد.. على راسي، وأكاد أقول أن..

أحمد منصور: القيادة عمَّالة تقمعه وعايزة توقفه وعمَّالة..

شفيق الحوت: معلش.

أحمد منصور: حتى إن قيادات فلسطينية من التي كانت تقاتل وتناضل صارت تصف الانتفاضة وأبطال الانتفاضة أوصاف للأسف بتضعها في دائرة الخيانة.

شفيق الحوت: ما أنا بأقول لك.. لأ، مع ذلك.. مع ذلك علينا إن توخينا الموضوعية، أنت تعرف، وربما المشاهد يعرف أنني لست من عشاق الدفاع عن القيادة الفلسطينية، عشت حياتي في إطار منظمة التحرير معارضاً، تشهد على ذلك جميع جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، تشهد على ذلك استقالتي سنة 1992 من منظمة التحرير.

أحمد منصور: 93.

شفيق الحوت: 93 من.. من القيادة بسبب أوسلو، يعني علاقاتي مع القيادة وحتى مع الأخ أبو عمار بالذات لم تكن إلا نقدية، وتكاد تكون يعني حامية وساخنة في معظم الأيام، ولكن.. ولكن يعني المشكلة أخ أحمد هنالك أسباب موضوعية أخرى أولاً: الحرب تصور الفلسطيني لم يكن همه فقط أن يخترق الحدود الإسرائيلية، كان همه أولاً أن يفلت من الحارس العربي للحدود الإسرائيلية، أنت بتعرف إنه في الستينات وفي السبعينات لم يكن هنالك من مجال لأي عمل فدائي عبر الحدود دول الطوق باستثناء لبنان، مضبوط أو مش مضبوط؟ كان لبنان وحده، وكما قلت مش بسبب خيار لبناني ولا رضا لبناني، ولكن لأنه لبنان لم يكن حدوده لها سياج، حيث كان يمكننا الدخول كنا ندخل، كنا نحاول، كنا نريد.

أخطاء الثورة الفلسطينية إذا بدك لها حلقة خاصة وهي يعني.. يعني شيء يعني يندى له الجبين أحياناً، فيه أخطاء نحن نعترف، أنا أعترف وذاكر هذا في كتبي وفي مقالاتي هنالك أخطاء جسيمة ارتكبتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، لكن أن نضع العبء وحده فقط ونبرئ..

أحمد منصور: العبء الأكبر.

شفيق الحوت: ونبرئ.. أنا دائماً كنت أقول: قضية فلسطين ما ناقصها عروبة، العرب ناقصهم فلسطنة أكثر شوية، يعني هلا الانتفاضة، الانتفاضة وصلت إلى مستوى هائل، لكن لم..

أحمد منصور[مقاطعاً]: مين اللي بيحاربها الوقتي؟

شفيق الحوت: لم.. العرب أولاً..

أحمد منصور: القيادة الفلسطينية في الداخل أولاً.

شفيق الحوت: والعرب ثانياً، الآن تجف جميع مصادر الثوار الفلسطينيين بعيداً عن السلطة الفلسطينية، حتى القوى المناهضة للسلطة الفلسطينية أصبحت تعاني من..

أحمد منصور[مقاطعاً]: هو ليه يا أستاذ شفيق الشعب الفلسطيني الآن انفلت من قيادته وأخد هو زمام المقاومة ضد إسرائيل؟ لأنه ظل معطياً الزمام لهذه القيادة طوال الفترة الماضية فأوصلته إلى ما وصل إليه، شعارات وضحك على الناس وخطب وهتافات وكذا، والآخر الشعب الفلسطيني يتجرَّع المرار ويتجرع ما تجرعه طوال الفترة الماضية، والآخر لقى نفسه بيحصد أوسلو وما بعدها، فالشعب انفلت من هذه القيادة ولم يعد له سوى... وفعله.

شفيق الحوت: ياريته انفلت، ما انفلتش كفاية..

أحمد منصور: يعني أنت عايزه ينفلت كمان..

شفيق الحوت: لا مش.. مش ينفلت بمعنى إنه ينفلت أنا بأعتقد إنه.. إنه كل الحركة الوطنية الفلسطينية كلها -بما فيها شفيق الحوت كجزء صغير ومتواضع منها- يتحمل مسؤولية المرحلة الماضية، ليس ياسر عرفات وحده ولا أقول هذا دفاعاً عن ياسر عرفات، ولكن حتى هذه اللحظة، حتى هذه اللحظة نجد بعض المشاهد تتكرر مما شاهدناه قبل 20 سنة من علاقات بين فصائل الثورة الفلسطينية، ولم يحققوا الإطار الوحدوي المطلوب، طبعاً هنالك أخطاء.. خطايا هنا تتحمل مسؤوليتها القيادة الفلسطينية،ولكن لا تعفِ -يا أخ أحمد- لا تعفِ أبداً.. لا تعفِ أبداً العواصم العربية المعنية والتي جزء كبير منها والمهم منها ليس له من عمل إلا الضغط على الشعب الفلسطيني وحتى على القيادة الفلسطينية للرضا بما تفرضه أو تحاول فرضه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

الصراع السوري الفلسطيني في لبنان

أحمد منصور: في 22 مايو 76 أعلن (فاليري جيسكار دي ستان) رئيس فرنسا، أن أميركا لا تعارض إرسال 7500 جندي فرنسي إلى لبنان، 24 مايو 76 بدأ قتال بين منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا وبين حركة فتح، في 27 مايو أُعلِن عن منع عرفات من دخول بيروت، حاول إلياس سركيس القيام بدور لمنع الصدام بين الفصائل الفلسطينية، لكن قُتلت شقيقة كمال جنبلاط واندلع.. اشتعل العنف، وفي 30 مايو أصبحت سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية في وضع صدام لا عودة عنه، جورج حبش -الذي يعيش الآن في سوريا- أعلن وقتها أن الجيش السوري يخدم السياسة الأميركية، أول مايو طالبت منظمة التحرير الفلسطينية القوات السورية بالخروج من لبنان، طالبوا باجتماع لوزراء خارجية الدول العربية، وُصف التدخل السوري بأنه احتلال عسكري، وتعهدت الحركة الوطنية اللبنانية بمقاومته، الآن أصبحت الحرب ضد.. الحركة القومية أصبحت ضد سوريا، جيش التحرير الفلسطيني والصاعقة وهما منظمتين فلسطينيتين يُدعمان من سوريا صدرت لهم أوامر في بداية مايو بالاستيلاء على مكاتب منظمة التحرير، لكن قيادة المنظمة قامت بهجوم مضاد وأصبحت الحرب الآن فلسطينية فلسطينية، فلسطينية سورية، لبنانية، فلسطينية لبنانية أيضاً موجهة ضد سوريا، سوريا في 7 يونيو قامت بهجوم مضاد على الفلسطينيين، يعني بالحرب السوريين قاموا بأشياء ضد الفلسطينيين والفلسطينيين ضد السوريين، وفلسطينيين ضد الفلسطينيين، هل تعتبر ما قام به السوريون ضد الفلسطينيين في لبنان يعادل ما قام به الأردنيون ضد الفلسطينيين في 70، 71 في الأردن؟

شفيق الحوت: المقارنة يعني غير جائزة 100% لأسباب عدة، وأهمها أننا لم نخرج من لبنان بسبب السوريين في النهاية، يعني عادت العلاقات السورية الفلسطينية إلى نوع من الاستقرار والهدوء بشيء من التوتر ولكن توقف الاشتباك و..

أحمد منصور[مقاطعاً]: لكن أبو إياد وقتيها وصف ما يقوم به السوريون قال: إن الأسد يحاول القيام بما فشل فيه الجيش الأردني في تحقيقه.

شفيق الحوت: يعني أنا لي كلمة في إحدى كتبي التي أعدد فيها أخطاء الثورة، كلمة قلت فيها: ومن أهم أخطاء القيادة هذه الزائدة الدودية في ألسنة البعض الإعلاميين، كثيراً ما كان يصدر تصريحات مسيئة من قِبل المسؤولين عندنا، ولكن للأسف تُذكر هذه، ولكن لا تُذكر الردود عليها، أنا..

أحمد منصور[مقاطعاً]: لكن أبو إياد هو.. هو اللي صحيح تصدى أو هو الذي أصدر أمراً عسكرياً بالتصدي للقوات السورية في "فلسطيني بلا هوية" في صفحة 297 يقول: إزاء غياب بقية أعضاء قيادة المقاومة كنت أنا الذي اتخذت في 6 يونيو 76 القرار المؤلم بالتصدي للتدخل السوري والعسكري.. للتدخل العسكري السوري بالسلاح.

شفيق الحوت: من الممكن وهو كان يُسمى الرجل الثاني بس بأعتقد سواءً اتخذ القرار أم لم يتخذ القرار كانت معادلات الأمور قد وصلت إلى حد التفاعل الذي لا مفر منه، وللأسف.. وللأسف وبغض النظر عن الأسباب كان على الجانب الفلسطيني وهنا كمان نقد ذاتي لازم تقدر لي إياه أنت.

أحمد منصور: تفضل.

شفيق الحوت: إنه إحنا ما كان لازم نخاصم سوريا، أولاً: لأنه مش قد سوريا، مش قد سوريا، لا نستطيع أن.. أن نحارب سوريا ونصف لبنان ضدنا، وناهيك عن أننا -كما أشرت- قمنا من أجل تحرير فلسطين ومحاربة إسرائيل، إحنا لسنا قوة عظمى، و.. ولسنا قادمين من كوكب آخر.

أحمد منصور: هل كان فيه استراتيجية بترسم بشكل.. استراتيجية للبحث في قضية شعب وهم شعب أم هي كانت كلها آراء شخصية واجتهادات شخصية وقرارات شخصية؟

شفيق الحوت: لأ، كانت قرارات شخصية واجتهادات شخصية ومنها.. ومنها آراء واجتهادات يعني غير ذات بال، يعني غير محترمة.

أحمد منصور: يعني أفراد الآن غرَّقوا الشعب وضروا .....

شفيق الحوت: نعم.. نعم، لم يكن هناك استراتيجية، وأكاد أقول: الدول العربية نفسها ما عندهاش استراتيجية.

أحمد منصور: السادات في 5 يونيو 76 أغلق السفارة السورية في مصر، استدعى الدبلوماسيين المصريين من دمشق، قرر مجلس وزراء الجامعة العربية إرسال قوات مشتركة عشان الصراع السوري الفلسطيني فهدأ الوضع قليلاً، في 16 يونيو 76 قتل أو اغتيل السفير الأميركي لدى لبنان (فرانسيس ميلوي) أيه تأثير ده على مسار الحركة؟

شفيق الحوت: يعني أخ أحمد هذه الحقبة مليئة..

أحمد منصور: أنا ما بأقفش عند كل يوم وإلا عندي بلاوي بس..

شفيق الحوت: آه، لا.. عندك بلاوي، وهذا من مصدر وفيه مصادر أخرى، يعني فيه مصادر ناسية حدوث أشياء أخرى..

أحمد منصور: آه أنا ما بأقفش عند كل حاجة، لأن أنا جبت.. عندي مجلدات يوميات الحرب اللبنانية، وعندي كتير كنت بأغرق فيها يعني.

شفيق الحوت: آه.. آه ما.. حاجة مصيبة.. مصيبة يعني خلينا المشاهد الذي يسمع الآن عن أحداث مرت بعد.. مر عليها 50 سنة تقريباً أو أكثر أو أقل، 30 سنة أن نشير أن.. أن كل.. يعني أصبحت الساحة هنا ممكن وصفها بالساحة العبثية أكثر من أي شيء آخر، يعني لم يعد يعرف مَنْ يقاتل مَنْ، إلى متى، ومع من وضد من، يعني أنت تذكر أو أشرت حتى الآن عدة مرات إلى قتال سوري فلسطيني، لكن في هذه السبعينات كذلك حدثت اشتباكات مسيحية سورية وقصفت الأشرفية وتجد بعض الكتابات من يصف تلك الحملات.

أحمد منصور: جوزيف أبو خليل اتكلم عن بعض الحاجات في الوضع الماروني وكتب كثيرة.

شفيق الحوت: آه يعني، وإسرائيل لكانت استمراراً على الخط تقصف وتضرب، ضربت (الفكهاني) في هذه الفترة.

أحمد منصور: إسرائيل كانت بتلعب الساحة قدامها مفتوحة.

شفيق الحوت: تلعب بالساحة و.. وحرة.

أحمد منصور: بس ما حدش فاضي لها.

شفيق الحوت: ما حدش.. لا أصلاً يعني ليس أمراً سهلاً أن تقاوم تحالفاً إسرائيلياً أميركياً مع احترامي لقيادتنا وحتى لقادتنا العرب يعني، يعني حط القيادة يعني بكفة وحط القيادة المقابلة بكفة تجد إنه هنالك فوارق في القدرات العقلية والمادية والسلاحية وكل شيء، فاللي.. اللي عاوز أقوله إنه الهدف الأساسي كان وقد نجحت إلى حدٍ ما إسرائيل وتوَّجته بـ 82 هو إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من الأرض اللبنانية، إفقادها للمرتكز المادي الوحيد الذي كان..

أحمد منصور[مقاطعاً]: وأنتم ساعدتم بسياساتكم المتخبطة على تحقيق هذا.

شفيق الحوت: المهزوم دائماً ممكن أن تحمله كل المسؤوليات، لكن أنا بأعتقد أننا نتحمل جزء من المسؤولية وليست كل المسؤولية، لم تكن أمامنا كعكة على المائدة يعني لا تنتظر سوى أن نلتهمها، كان.. كانت الملاحقات يومية، محاولات الاغتيالات يومية، قصف الجنوب يومي، قصف المخيمات يومي، يعني وصلنا إلى.. إلى حتى مخيمات الشمال لم تنجُ من الغارات الإسرائيلية.

أحمد منصور: في يونيو ويوليو وأغسطس 76 تمت أطول معارك الحرب الأهلية اللبنانية وأكثرها مقتلة ودموية.

شفيق الحوت: للأسف.

أحمد منصور: مخيم تل الزعتر..

شفيق الحوت: للأسف..

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من الحرب على مخيم تل الزعتر.

شفيق الحوت: مأساة أخرى.

أحمد منصور: أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حُسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ شفيق الحوت (أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية وممثلها في لبنان).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.