مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

شفيق الحوت: أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية

تاريخ الحلقة:

05/01/2003

- نبذة عن حياة شفيق الحوت
- نشأة شفيق الحوت وطفولته في مدينة يافا

- بداية وعي شفيق الحوت بوجود القضية الفلسطينية في ظل اعتداءات الانتداب البريطاني

- شفيق الحوت واستشهاد أخيه في حرب 48

- هجرة عائلة شفيق الحوت من يافا إلى لبنان

- تقييم شفيق الحوت لفكرة الهجرة من يافا إلى لبنان

نبذة عن حياة شفيق الحوت

أحمد منصور: وُلد شفيق الحوت في مدينة يافا الفلسطينية في الثالث عشر من يناير عام 1932، أنهى دراسته الثانوية من المدرسة العامرية في يافا عام 48 حيث أُجبر مع عائلته على الهجرة إلى لبنان في إبريل من نفس العام.

التحق بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1948، وتخرج منها عام 1953.

عمل مدرساً في مدرسة المقاصد الإسلامية حتى العام 56، حيث انتقل للعمل مدرساً في الكويت وحتى العام 58، عاد بعد ذلك إلى بيروت تاركاً مهنة التدريس وملتحقاً بالعمل في الصحافة مديراً لتحرير مجلة "الحوادث" اللبنانية، وبقي في منصبه هذا إلى العام 1964.

ساهم في تأسيس جبهة التحرير الفلسطينية عام 1963، كما كان أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، وشارك في مؤتمرها التأسيسي الذي عُقد في مدينة القدس في الثامن والعشرين من مايو عام 1964.

عُين في أول اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً ومديراً لمكتب المنظمة في لبنان، حيث ترك العمل الصحفي وتفرغ من يومها للعمل السياسي.

اختير عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 66 و68، عاد مرةً أخرى للجنة التنفيذية في العام 91 حتى استقال منها في أعقاب اتفاق أوسلو عام 1993.

عاصر كافة مراحل الوجود الفلسطيني في لبنان من العام 1948 وحتى الآن، وكان شاهداً على الحرب اللبنانية بكل تفاصيلها وأحداثها، كما كان شاهداً على الغزو الإسرائيلي للبنان وعلى الخروج الفلسطيني منها عام 1982.

شارك في تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ العام 1974.

تعرض لحوالي عشر محاولات، اغتيال خلال مسيرته النضالية أُصيب في بعضها، ونجا بحياته منها جميعاً.

لا يزال عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني وممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر الوجود الفلسطيني في لبنان.

أستاذ شفيق، مرحباً بك.

شفيق الحوت: أهلاً بكم.

نشأة شفيق الحوت وطفولته في مدينة يافا

أحمد منصور: أريد أن أبدأ معك من مدينة يافا، حيث وُلدت ونشأت وترعرعت هناك، وتحديداً من حي المنشية، الذي شهد طفولتك الأولى، كيف كانت حياتك الأولى في مدينة يافا؟

شفيق الحوت: أولاً: يحلو لي أن أقول كلمة موجزة عن يافا، التي وصفها مؤرخ فلسطيني مشهور اسمه مصطفى مراد الدباغ بأنها واحة أُفلتت من الجنة، وقال عن تاريخها: أنها من القدم بحيث تبدو معظم عواصم ومدن العالم كأنها أطفال أمامها.

أحمد منصور: يا سلام.

شفيق الحوت: هذه هي المدينة التي شاءت أقداري أن أُولد بها، وفي حي المنشية بالذات الذي ذكرت، وهو شمالي المدينة، وأحد الأحياء الأولى التي بُنيت خارج أسوار يافا القديمة، وكان هذا الحي على تماس مع مستوطنة أو مستعمرة صغيرة في ذلك الحين تُسمى تل أبيب، فكانت كخط تماس بين المدينة الفلسطينية الأصيلة والمدينة المستحدثة القادمة مع المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء أوروبا، فعندما كنت صبياً ألعب على شاطئ البحر لم أكن أدرك أنني عندما كنت أتلفت جنوباً وأرى منارة يافا وأسوار يافا وقلاع يافا، وأسواق يافا القديمة، وكل معْلم من معالمها له قصة يرويها ويتحدث عن عهد من عهود التاريخ فيها، وكنت أنظر فيما بعد شمالاً فأرى هذه المساكن الخشبية لليهود في مدينة تل أبيب، لم أكن أعرف أنني كنت أنظر بين مشهدين يفرق بينهما 4 آلاف سنة من التاريخ، وشاءت الأقدار أن تنمو تل أبيب، وأن تسقط يافا للمرة الخامسة في حياتها، حررها صلاح الدين، أولاً: دخلها المسلمون سنة 636 ميلادية على يد عمرو بن العاص، ثم حررها صلاح الدين، وحررها العادل.. الملك العادل، ثم حررها الظاهر بيبرس، والآن هي بانتظار من يحررها مرة أخرى في تاريخنا المقبل إن شاء الله.

هذه هي مدينة يافا، كما أذكرها وكأنني أفتح عيناي على الضوء لأول مرة، بيتنا أذكر منه كطفل، لا أذكر منه سوى شجرة تمر حنة، وبئر صغير، وثلاثة بيوت متواضعة، والوالد بقمبازه المشهور كلباس تقليدي يشبه الجلابية المصرية إلى حد ما، ولكن هو يشبه القمباز الشامي كما، وأذكر طبعاً الوالدة، وكانت طبعاً مثل مثيلاتها في تلك الأيام محجبة بالملاءة السوداء والمنديل الأسود على وجهها.

لقد وُلدت في نهاية الثلث الأول من القرن الماضي من القرن العشرين، يعني كان قد مضى جيل أول إذا قسمنا القرن إلى ثلاثة أجيال من القرن العشرين، وكانت بداية القضية الفلسطينية أو أوج النضال حول ما يُسمى وما عُرف فيما بعد بقضية فلسطين.

أحمد منصور: أثرت في كثيراً وأنت تتحدث بهذه المعاني عن المكان اللي ولدت فيه، وبيتك الذي أجبرت على الهجرة منه، لأن الطفولة دائماً تترك في نفس الإنسان أو تحفر في نفسه بعض المعاني والأشياء التي يعني لا تزول خاصة إذا أُجبر على الهجرة من وطنه وعدم العودة إليه.

شفيق الحوت: تماماً إن تجربة الاقتلاع أخ أحمد بالذات، يعني أنا مررت بتجارب مؤلمة كثيرة في حياتي شأني شأن أي إنسان عادي يعني، المرض، محاولة الاغتيال، نكسات مختلفة، لكن لم أعانِ في حياتي ومازلت كما عانيت من تجربة الاقتلاع من الأرض، الاقتلاع من الوطن، تجريدك من هويتك الوطنية ومن أرضك التي كنت تمشي على أرضها وأنت واثق أن ما من إنسان يستطيع أن يتمنن عليك، بأنك مقيم خارج فضائك وخارج سمائك وعلى غير ترابك، أعتقد أن.. أن من.. من يفقد الأرض بالقوة، ويفقد الهوية كما حدث لشعب فلسطين يفقد جزءاً من إنسانيته في نظر الناس، يعامَل -شئت أم أبيت- معاملة غير إنسانية، حتى عندما يسايرونه تبدو أن المسايرة هي نوع من العطف، وهو ما لا يرتضيه إنسان صاحب كرامة، ولكن في غالب الأحيان تبدأ المعاملة بالعطف، ولكن كما يقال: المصاب ثقيل الظل، فيبدأ بعدئذٍ المعاملة السيئة أو المعاملة المتميزة، وهذا ما أعتقد أنه استشعره جميع اللاجئين الفلسطينيين خارج الوطن بعد سنة 48.

أحمد منصور: الشعور ده ظل يلازمك؟

شفيق الحوت: حتى الآن.. حتى الآن، رغم أنني ربما أكثر حظاً من غيري، حيث شاءت أقداري أن أنحدر من عائلة لبنانية الأصل، يعني جدي كان لبنانياً مهاجراً إلى فلسطين مغترباً في فلسطين في مدينة يافا، التي أكرمته وأحبته، وأصبح مختاراً على حي المنشية نفسه، ولا.. ولا أذكر أنه عومل في ذلك ولا أبي من بعده عوملنا كأغراب، في تلك الفترة كنا نسمى نحن أمثالي أننا من ولدنا من أبوين عثمانيين، كان هذا التعبير وحدوي، وإن كان مش كلمة عربي كلمة عثماني إلا أنها كانت تساوي بين الناس في معظم أقطار الإمبراطورية العثمانية، أنك في بلدك، في أرضك، لكن بعد سايكس بيكو وتقسيم الأقطار العربية للأسف، على ما نشهده اليوم وعلى ما هو مهدد بمزيد من التقسيم والتفتيت نشأ مع الزمان، وترعرع، ونمى الشعور بالقطرية أو التعبير الحديث بالشوفينية الضيقة، وأصبح هنالك طبقات مستفيدة من هذا التقسيم، فبالتالي أصبح عندك السوري، واللبناني، والسعودي، والإماراتي، والخليجي، و.. إلى آخره، مما يعني يحزن ويفتت القلب، لأن هذا يعني أحد مصائب هذه الأمة.

أحمد منصور: أنت ولدت في 13 يناير 1932.

شفيق الحوت: صحيح.

بداية وعي شفيق الحوت بوجود القضية الفلسطينية في ظل اعتداءات الانتداب البريطاني

أحمد منصور: 1936 إلى 1939 كانت هناك ثورة أطلق عليها بالثورة العربية الكبرى في فلسطين، متى شعرت أن لك قضية؟

شفيق الحوت: حتى ذلك كنت ربما في السابعة، السادسة من عمري، طفل صغير، فوجئت فجر ذات يوم على طرقٍ عنيف على باب منزلنا، طبعاً ذعر من في البيت، ففتح الوالد الباب، فإذا بنا أمام ثلة من الجنود البريطانيين، ومعهم مجندة يهودية، وكما كانت العادة، أو عرفت فيما بعد هذا ما كان يحدث في فلسطين باستمرار في عهد الانتداب بحثاً عما.. عن السلاح، بحثاً عن الثوار، يعني هو نوعٌ من الحركات الإرهابية والقمعية ضد نضال الشعب الفلسطيني في سبيل استقلاله، طبعاً لم أكن على وعي من ذلك، ولكن عندما تعرضت لهذا الحادث الشخصي ورأيت ما جرى لأبي وإخوتي الأكبر مني، حيث سحبوا إلى خارج البيت، وأوقفوا في إحدى الساحات العامة، تماماً كما يجري أحياناً في.. في فلسطين المحتلة اليوم على يد الصهاينة، الذين يعتمدون نفس القوانين الإرهابية التي كانت معتمدة في الثلاثينات، يعني قبل النكبة في فلسطين، مازالت معتمدة الآن في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، جيء بهم بعد أن قضوا سحابة النهار في ظل شمس حارقة في ذلك اليوم، كان يوم صيف، واستفسرت أسأل.. كنت أنا وإخوتي الأصغر بقينا في البيت، والله أذكرها يا أخ أحمد أن أحد الجنود الذين بقوا في البيت لحراسة.. للحراسة كان ينظر إلي وكأنه يتمنى قتلي، أذكر ذلك كما أراه اليوم، وكان يعني.. ولا مؤاخذة زي ما بيقولوا جنجر أحمر الشكل وأحمر الشعر..

أحمد منصور: إلى هذا الحد وأنت طفل؟!

شفيق الحوت: والله وأنا طفل أذكرها، و.. وأخذت أزحف مقترباً من.. من.. من أخي الأكبر مني مباشرة، كما أذكر.. وباعتزاز موقف الوالدة التي رفضت أن تسمح للمجندة اليهودية بأن تفتشها، لا أذكر إن كنا في رمضان، أو ادعت والدتي لا أذكر الآن بالدقة أنها صائمة، وبالتالي لن تسمح لإنسان أن يمسها، خصوصاً أنتِ، وقالت لها كلمة ما معناها أنكِ دنسة، فأنا لا أسمح لكِ بأن.. لأكتشف فيما بعد أن أمي كانت تخبئ في صدرها قنبلة يدوية كان أحد إخوتي الأكبر مني اسمه جمال استشهد في الـ 48 في نهاية الأمر مخبأها في إحدى زوايا البيت، فكانت هي على علم في ذلك، فلما صار الطَّرق على الباب خبَّت هذه القنبلة، لما رجعوا إلى البيت، و.. ودار الحوار، وشكرت والدتي الله سبحانه وتعالى لأنه نجانا من.. من أن تكتشف القنبلة، وأول مرة بأسمع بحاجة اسمها قنبلة، بفلسطين كانوا يسموها بمبة، لشو هذا البمبة..؟ ثم فهمت من أخي إنه هذه للدفاع عن النفس، لإيقاف الهجرة إلى بلادنا، اليهود عم بيسرقوا بلادنا إلى آخره.. إلى آخره، قد يعتدون علينا، فلابد من الاحتياط. في هذه...

أحمد منصور: ترتيبك كان الكام بين إخوتك؟

شفيق الحوت: نعم؟

أحمد منصور: كم كان ترتيبك؟

شفيق الحوت: كان ترتيبي 1،2،3.. الرابع.

أحمد منصور: كنت الرابع.

شفيق الحوت: أي أنا الرابع.

أحمد منصور: ثلاثة ذكور قبلك؟

شفيق الحوت: 3 نعم، واستشهد أحدهم.

أحمد منصور: كانوا منخرطين في الحركة الوطنية، أو في..؟

شفيق الحوت: جمال بالذات كان يعن يمش منخرط وبس، كان يعني.. يعني يعتبر من الشباب الطليعيين في مدينة يافا في عقد..

أحمد منصور: استشهد في 48.

شفيق الحوت: استشهد في الـ 48. فهذا كان أول تماس لي مع..

أحمد منصور: أيه الرواسب اللي تركتها يعني هذه الحادثة تحديداً في نفسك؟

شفيق الحوت: أولاً أنني في خطر، يعني انتابني لأول مرة.. أو فقدت الشعور بالأمان، يعني..

أحمد منصور: وأنت في السابعة من عمرك؟

شفيق الحوت: وأنا في السابعة من عمري، لأني كنت معتاد أن أرى بعض أطفال اليهود قريبين منا في الحي، وأحياناً كنا يعني يمكن نلعب مع بعض أو.. أو لا نصطدم بالضرورة مع بعضنا البعض، وخصوصاً كنا نختلف على ملعب (Foot Ball) ساحة للعب الكرة، لكن بعد ذلك أصبحت أدرك إنه.. إنه اليهود والإنجليز لأ همَّ أعداء، وقادرين على البطش بنا، ومتربصين بنا، ففقدت الشعور بالاستقرار والأمن، وهذا زادني التصاقاً بأخي المرحوم أكثر من غيره من إخوتي وأشقائي كنت أشعر بالأمان معه.

أحمد منصور: جمال.

شفيق الحوت: نعم، كنت أشعر بالأمان، وكان هو يعني يحرص على تعبئتي وتربيتي وتنشئتي نشأة وطنية، يعني يعلمني..

أحمد منصور: كان له اتجاه سياسي معين، أو كانت الحركة الوطنية وقتها؟

شفيق الحوت: في فلسطين كانت الحركة الوطنية تلخص بتيارين، تيار عارم يقوده الحاج أمين الحسيني، و.. وكان يعني الولاء للحاج أمين الحسيني من الظواهر التاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، يعني كان ولاءً عارماً..

أحمد منصور: مفتي فلسطين.

شفيق الحوت: وكان الشخص له وزنه وقيمته الإسلامية، وكان هنالك من يسمى بالمعارضة أو المعارضين، وهم معظمهم من رؤساء مجالس بلديات الذين كان يتم تعيينهم عن طريق دولة الانتداب، يعني كانوا يدينون بمناصبهم إلى الإنجليز، فكان هؤلاء يمثلون التيار المناهض أو الرافض للكفاح المسلح وللثورات، والراغب في التعاون مع الإنجليز، ومحاولة حل القضية عن أسلوب التفاوض.

أحمد منصور: نعم. بين 39، 44 أو 45 كانت الحرب العالمية الثانية، هل أنت بعد سن السابعة بدأ يصبح لك شيء من الوعي السياسي، لاسيما وأنك في هذه المرحلة إلى العام 44.. أنهيت الدراسة الابتدائية في سنة 44، في مرحلة الدراسة الابتدائية هذه هل بدأ وعيك السياسي يتشكل؟

شفيق الحوت: أنا أنهيت الابتدائية وكنت.. كنت في الثانية عشرة من العمر، وكان يقتصر ما يمكن أن يسمى نشاط على حركات كشفية ورياضية، الإسهامات البريئة للأطفال، إنما ما يمكن تسميته بوعي سياسي ونضال سياسي بدأ في كلية العامرية، حيث ابتدأت عهد الثانوي.. العهد الثانوي من دراستي..

أحمد منصور: اللي هي في المدرسة العامرية.

شفيق الحوت: المدرسة العامرية.

أحمد منصور: أشهر مدارس يافا.

شفيق الحوت: أحد أشهر مدارس يافا، وهي مدرسة حكومية، وكان لها شقيقة تسمى مدرسة الزهراء للبنات، وكانت من أحدث البنايات في ذلك.. في تلك الفترة، وكانت تمتاز بنخبة من المدرسين، معظمهم من خريجي الجامعة الأميركية، وكانوا..

أحمد منصور: ممن؟ من تذكر منهم؟

شفيق الحوت: يعني أذكر عبد الله الرماوي مثلاً (أحد أقطاب حزب البعث)، أذكر الشهيد شفيق أبو غربية، أخو المناضل المعروف بهجت..

أحمد منصور: أخو بهجت أبو غربية، نعم.

شفيق الحوت: رحمه الله، استشهد كذلك في الـ 48 وهو يسعى لذرع قنبلة أو عبوة ناسفة في مكان ما.

أحمد منصور: ذكرها.. سجلنا (شاهد على العصر) مع الأستاذ بهجت أبو غربية، وذكر..

شفيق الحوت: آه، ونعم الناس.. ونعم الناس، وهو شيخ المناضلين الآن نسميه، عميدنا جميعاً. وكان هناك الأستاذ أحمد السبع، والأستاذ حسن الدباغ، الأستاذ زهدي جار الله، وكلهم يعني يمكن..

أحمد منصور: فيه أحد من هؤلاء ترك أثر معين في نفسك، أكثر من الآخر؟

شفيق الحوت: أكثرهم شفيق أبو غربية -رحمه الله- الذي كان يرعانا رعاية يعني رعاية محترف للنضال، مش مجرد..

أحمد منصور: إزاي، يعني قل لي إزاي أنت قدر يؤثر فيك؟

شفيق الحوت: يعني كان.. هو عرفنا على جميع أنحاء فلسطين، يعني أيام الأسبوع الـ (week ends) عُطل الأسبوع كان الأستاذ أبو غربية رحمه الله يحرص على أنه كل أسبوع أن نقوم برحلة إلى منطقة معينة من مناطق فلسطين، وكان يحرص على تعريفنا في المستعمرات التي كانت تُنشأ في تلك الفترة، يعني كان يعمل وفق نهجٍ في ذهنه معين، وليس مجرد يعني تعبير عفوي، يعني كان يشتغل وكأنه ينفذ خطة في ذهنه، وكان شجاعاً، جريئاً، يعني عندما ندعو إلى مظاهرة يكون من أوائل الأستاذة الذين يبادرون إلى تشجيعنا، غير مبالٍ بما قد يكون عليه قرار المدير أو إدارة المعارف الفلسطينية، ففي هذه الفترة.. وكانت فعلاً يعني كنت موفقاً بعددٍ من الأصدقاء في صفي يعني، كلهم شباب يعني كانوا.. هو الحقيقة كان معظم الشباب -يعني لا أريد أن أبدو متميزاً عن غيري- حريصين ومتحمسين على أن يعملوا شيئاً لقضية فلسطين. وكانت الحركة الطلابية غير منظمة، فأول ما يعني يخطر على بالي من الإنجازات التي يعتز بها الإنسان هي أننا استطعنا في هذه الفترة إنشاء اتحاد طلاب في يافا، ثم تعمم هذا الاتحاد فأصبح اتحاداً عاماً لطلبة فلسطين، وكان فيه اتحادات سابقة، بس كانت انحلت أو يعني لسببٍ أو آخر توقفت عن النشاط، فكنا نحن ومعظم الثانويات الفلسطينية الأخرى تعاونَّا لإنشاء ما يسمى باتحاد الطلاب العام للفلسطينيين، وهذا تسبب في إقفال العامرية، كان مدير المعارف اسمه (فاريل) إنجليزي عاقب المدرسة بإقفالها، أمر المدرسين بأن لا يدرسون، فكانت النتيجة إن إحنا احتلينا المدرسة، وأصبح تلامذة من الصفوف العليا يعلمون التلامذة من الصفوف الأدنى منهم، وقدنا المدرسة حوالي أسبوع، فلما وجد فاريل أننا مصرين على ذلك، ورفعنا قضية أمام المحكمة، وهذا كان بالنسبة لنا إحنا كنا.. باحكي لك أعمارنا 14 ،15 سنة الواحد، يعني ما زلنا أطفال، لكن كنا نجد بعض الرعاية. كما قلت لم يكن هناك حياة حزبية حقيقية في فلسطين، ولكن كان هنالك أندية ثقافية ورياضية كانت تهتم بطبيعة الحال بالشأن العام وبالقضية الوطنية، أذكر من ذلك نادي الشبيبة الإسلامية، أذكر النادي القومي، وهذا نادي رياضي كان، حيث كان يلتقي النخبة المتعلمة من أبناء يافا بعد الانتهاء من أعمالهم في النادي الثقافي العربي كان كذلك، فكان هؤلاء الرجال لصلاتنا بهم، الصلات الشخصية يعني يرشدوننا ويحاولون أن يشدوا من أزرنا، التنظيم السياسي الوحيد الذي شاءت الأقدار أن أتعرف عليه كحزب هو عصبة التحرر الوطني، كانوا من أنشط وأوائل الناس الشيوعيين يعني في.. في فلسطين، صحيح كان مركز الحركة العمالية حيفا.

أحمد منصور: ودا ترك أثر باقي في نفسك؟

شفيق الحوت: ودا أثر.. فعلاً، ولأول مرة وأنا بهذا العمر أحضر حلقات تثقيفية ومحاضرات لرجال من أمثال مثلاً فؤاد نصار، فؤاد نصار أحد أقطاب وزعماء الحزب الشيوعي.. توفي مؤخراً من عشر سنوات أو أكثر (إميل توما) كمان شخصية معروفة، رشدي شاهين كمان شخصية معروفة، وكلهم كانوا يعني شيوعيين صحيح ولكن كمان لهم تاريخهم في حركة النضال المسلح في.. في فلسطين، فعندما كانت تعلن اللجنة الطلابية في العامرية الإضراب، تدعو للإضراب تلبي النداء جميع المدارس في.. في فلسطين.

أحمد منصور: في يافا.

شفيق الحوت: في يافا بداية، وتدخل في.. في شوارع المدينة إلى أن يستقر بنا المقام في ساحة تسمى ساحة الساعة أمام الجامع الكبير، وتسمى الساعة ويذكرني بها الآن وأنا أتحدث معك هذه الساعة التي وراءك في هذا المشهد..

أحمد منصور: ساعة مجلس النواب اللبناني..

شفيق الحوت: لأ هذه ساعة مش هي ساعة المجلس النيابي، اللبناني، ساعة أخرى.

أحمد منصور: مجلس الوزراء.. نعم.

شفيق الحوت: هذه تركية ولها أمثال في معظم حواضر بلاد الشام، منها يافا في طرابلس الشام يوجد هنا، في دمشق ساحة المرج كان يوجد مثلها، هذه الساحات التي شهدت كذلك استشهاد العديد من أبطال الحركة التنويرية في بداية القرن على يد جمال باشا، وهناك تنتهي عادة المظاهرات أمام المسجد الكبير حيث نوقِّت وصولنا مع خروج الناس من الصلاة فتزداد..

أحمد منصور: نعم، في.. في أبريل سنة 1948 وكنت في عامك النهائي في الشهادة الثانوية، استشهد شقيقك جمال، وجمال كما ذكرت كان له أثر كبير في نفسك..

شفيق الحوت: آه.. صحيح..

شفيق الحوت واستشهاد أخيه في حرب الـ 48

أحمد منصور: انتهت الحرب العالمية الثانية في العام 45 وبدأ التوجه لإقامة وطن لليهود في فلسطين على أنقاض فلسطين، وبدأت الخطى حثيثة لتحقيق هذا الأمر مع نهاية الانتداب البريطاني، جمال استُشهد في أبريل والفترة من أبريل إلى مايو..

شفيق الحوت: صحيح..

أحمد منصور: قبيل نهاية الانتداب شهدت معارك وحركات مقاومة عنيفة جداً في ذلك الوقت، كيف كان أثر وقع جمال على نفسك واستشهاده وكيف تلقيت الخبر؟

شفيق الحوت: يعني الحقيقة -أخي أحمد- الآن أنا أحتار وسأحاول أن أميز بين انطباعاتي كما شعرتها في ذلك الحين وكما أراها الآن، يعني الآن النظرة تختلف، يعني أنا كنت أول شهر نيسان هذا كان شهراً بائساً على الشعب الفلسطيني واستشهد فيه أهم رموزه، المرحوم عبد القادر..

أحمد منصور: الحسيني نعم.

شفيق الحوت: الذي كان لأخي علاقة جيدة ووطيدة معه، وأخي استشهد كذلك في.. في أبريل نيسان، ونحن غادرنا الديار.. غادرنا يافا في..

أحمد منصور: في 24.

شفيق الحوت: في 24 نيسان، يافا يعترف موشي ديان في مذكراته أنها قاومت وأنا حتى لما قرأت واطلعت على ما قاله استغربت، ما ورد على لسانه من شهادة عن عنف المقاومة اليافية، لأني لم أكن فعلاً وكنت على تواصل، يعني على حركة، مش قاعد في البيت يعني، كنت أتنقل في مواقع القتال، في مراكز الأندية والقيادات المسؤولة، كان يبدو لي إنه المقاومة شعبية وبأبسط صورها الشعبية، يعني لم يكن هنالك قيادة مركزية، لم يكن هنالك تراتب في المسؤوليات القيادات العسكرية، كنت أذكر والآن أذكر بألم يعني إنه يأتي من يقول: والله يا إخوان فيه هجوم على الحي الفلاني أو المحور الفلاني فتجد منهم مقيمين في.. في هذا المقر أو ذاك، يحملون ما تيسر من السلاح ويتوجهون لدعم هذه الجبهة يعني يمكن الساعة الرابعة مساءً يكونوا في حي المنشية، الساعة عشرة مساءً يكونوا في حي الجبلية اللي هو في أقصى الجنوب من مدينة يافا، كان السلاح يعني بسيطاً..

أحمد منصور: شحيحاً وقليلاً.

شفيق الحوت: وشحيحاً، وكانت.. وكنا نسمع طبعاً الصحافة العربية كانت ربما ما تغيرتش كثيراً، يعني تحرص على الإثارة، إنه وصول جحافل جيش الإنقاذ على الطريق، الجيوش العربية تتهيأ، يعني لم يجد المراقب من هذا الذي كان يقرؤه واحد على عشرة من الحقيقة، يعني لما وعدونا بجيش الإنقاذ إلى مدينة يافا، في أوائل نيسان أو أواخر آذار أجى أظن 15 عنصر، أو 20 عنصر، جاء خمسة أو ستة مناضلين أذكرهم بالخير، بقي منهم.. بعضهم أحياء من يوغسلافيا وكانوا مثار إعجابنا لأنهم كانوا..

أحمد منصور: مسلمين يوغسلاف.

شفيق الحوت: مسلمين يوغسلاف لأنه كانوا فعلاً على قسط من التدريب بينما جميع أبناء المدينة كانوا هواة يعني، يعني هو التدرب عشوائي فلم يكن هنالك يعني أمام ما اكتشفناه فيا بعد من تنظيم يهودي هائل للجيش..

أحمد منصور: تدريب في الحرب العالمية الثانية...

شفيق الحوت: ... ومدرب..

أحمد منصور: شيء من التدريب نعم.

شفيق الحوت: الفيلق اليهودي..

أحمد منصور: تسليح عالي..

شفيق الحوت: وتسليح عالي وصولاً للطيران، يعني 48 استعملوا طيران ضدنا، وأثناء الهجرة قصفوا الناس وهم مهاجرين..

أحمد منصور: صحيح..

شفيق الحوت: عبر البراري بالطيارات، فكان من المحتم أن تحدث هذه المأساة وأن يهاجر الناس، مع ذلك أحب هنا أن أقول.. وهنا أربط الماضي بالحاضر ربما، يعني لأنه كثيراً ما وجِّه إلينا السؤال فيما بعد من إخواننا المضيفين العرب، إنه لماذا هربتم من فلسطين؟

أحمد منصور: دا كان سؤال لسه مش هأسأله لك الآن، أنا الآن في موضوع جمال وأصر عليه..

شفيق الحوت: أيوه.. المهم يعني قدمت امتحاناتي في شهر نيسان وكانت أخر دفعة..

أحمد منصور: وكانت مبكرة..

شفيق الحوت: وكانت مبكرة..

أحمد منصور: الوقت العادي لها كان يونيو.

شفيق الحوت: وكان في يونيو أو july قدموه في نيسان باعتبار 15 آيار كانت حكومات الانتداب واعدة نفسها..

أحمد منصور: تنتهي.

شفيق الحوت: بأن تغادر، ركبنا البحر يا طويل العمر..

أحمد منصور: لأ، أنا لسه في استشهاد جمال.

شفيق الحوت: أنا كنت يعني أخر.. كنت أذكر يوم مرت جنازته يوم دفنه كنت أنا في قاعة الامتحانات وأقدم فحصي في اللغة العربية، وكان مفارقة عجيبة من أحد الأسئلة: اكتب موضوعاً إنشائياً يعني عن حادثة هزت مشاعرك، هذا كان عنوان الموضوع فما كان لي إلا أنني وصفت حالي وأمام المشهد الذي كان يطل من النافذة أمامي، وكذلك من المفارقات إنه كان عمي شقيق والدي من مفتشي وزارة المعارف أو دائرة المعارف كان من المراقبين في هذه القاعة فأذكر أننا كنا نتبادل الدمعة، أنا عيناي عم بتشرشر دموع وهو يا حرام كان متعاطفاً معي، طبعاً تركته أنا غير واثق أنني يعني سأنجح..

أحمد منصور: ستنجح.. نعم.

شفيق الحوت: ولكن جاءت الأخبار فيما بعد عندما جئنا إلى لبنان بأنني قد نجحت في الامتحانات.

هجرة عائلة شفيق الحوت من يافا إلى لبنان

أحمد منصور: في 24 أبريل 1948 قررت عائلتك أن تترك يافا وتهاجر إلى بيروت.. إلى لبنان، كيف جاء.. كيف جاء قرار الهجرة؟

شفيق الحوت: القرار إنما يعني من بداية 48، حتى نيسان 48 يمكن انتقلنا في أكثر من ثلاثة بيوت يعني كنا في المنشية وانتقلنا إلى داخل المدينة أكثر، أبعد عن خط التماس فأبعد.. فأبعد، والحصار والضرب يقترب، في نيسان بدأ اليهود يضربون يافا بقنابل الهاون (مورتر) كنا نسميه في تلك...

أحمد منصور: على اعتبار إن تل أبيب ملاصقة لها.

شفيق الحوت: ملاصقة، وكان عندهم هذا السلاح، واخترعنا في مدينة يافا، وهذا للحق يُذكر وإن كان شيئاً بسيطاً يعني، كما يحدث الآن في غزة، سامع في.. صواريخ..

أحمد منصور: زي صواريخ قسام.

شفيق الحوت: كنا نسميها نحن راجمات الألغام، وكان الذين يصنعون هذه الراجمات عمال شرفاء من أبناء يافا يعملون في شركة اسمها شركة السكب الفلسطينية، كانت أحد المصانع التي نفخر بها في مدينة يافا، وكان يعني صاروخ يمشي وأربعة ينفجروا فيما نفجره يعني، بينما كان الإنجليز قد زود الإسرائيليين وهم شاريين من الأول يعني أسلحة المورتر التي تعمدوا إسقاطها عشوائياً في جميع أنحاء المدينة.

أحمد منصور: اللي دفع الناس..

شفيق الحوت: مما أثار الفزع في قلوب الناس، يمكن ما كانش فيه ضحايا بقدر ما كان فيه فزع، وكان قد سبق ذلك دير ياسين.. مذبحة دير ياسين التي كما قال أحد الصهاينة يا إما (بيجن) لا أدري من وكان صادقاً -أنها يعني ساهمت في إنشاء الكيان الإسرائيلي، هذه المذبحة أخافت الشعب الفلسطيني وساعدته على فكرة الهجرة، مضافاً إلى ذلك الظن بأن هنالك من هو قادم على الطريق لتحرير البلد، يعني لا حاجة لي لأن أضحي وأن أموت في الوقت اللي الجيوش العربية السبعة تنتصر على الحدود، فكان يعني شهر نيسان شهد وابلاً من القصف والضرب والرعب فتقرر يعني شبه قرار جماعي، لأنه في البداية كان ممنوع الهجرة وكان يوجد دوريات فلسطينية من المناضلين على خارج المدينة..

أحمد منصور: تمنع الهجرة..

شفيق الحوت: تمنع من الهجرة، ثم سُمح للنساء والأطفال والمراهقين الصغار بأن يغادروا سواء عن طريق البحر أو من يتمكن منهم عن طريق البر، وطريق البر كانت محاصرة، لأنه كان هنالك مستعمرة اسمها مستعمرة (نيتر) يهودية كانت تقدر أن تقطع الطريق على الخارج من يافا إلى القدس أو إلى غزة أو إلى بقية فلسطين الداخلية، فنحن اخترنا البحر وبقي جزء من أسرتي الأكبر مني والدي ووالدتي ونحن الصغار، أنا أكبر من سافر من أبناء العائلة، أخي وأختي الأصغر مني كانوا معي والوالدة والوالد.

أحمد منصور: بقي إخوانك الكبار.

شفيق الحوت: بقوا على أساس أنهم قادرين على حمل السلاح والمفروض منهم أن.. ومن حسن الحظ إنه وجدنا باخرة يونانية وحتى أصر والدي أن يدخل لبنان شرعياً فلا أدري من أين أتى بالوقت ذهب إلى القنصلية اللبنانية في مدينة يافا وكان هنالك قنصلية فخرية مسؤول عنها رجل من يافا اسمه (ألفريد روك) من عائلة مسيحية مشهورة من أبناء يافا، فأخذنا فيزا..

أحمد منصور: تأشيرة..

شفيق الحوت: سمات دخول إلى لبنان كمصطافين والباخرة كانت يونانية دولوريس و.. وكان البحر هائجاً فعلاً كان يوماً عصيباً..

أحمد منصور: لأ أنا عايز أعرف مشاعرك أيه وأنت بتغادر يافا لاسيما وأنك كنت بتذهب إلى بيروت مع العائلة للتصييف.

شفيق الحوت: فعلاً.

أحمد منصور: هذه المرة شعورك كان مثل مشاعرك السابقة؟

شفيق الحوت: لا لا يعني كنت طبعاً آجي إلى لبنان لزيارة العائلة وللاصطياف عن طريق البر ويافا حيفا رأس الناقورة بيروت كانت 3 ساعات 4 ساعات (maximum) على الطريق ووقفات في منتهى الجمال ومنتهى الاستراحات الجميلة، يعني عندما كنت آجي إلى بيروت مصطافاً لم أكن أنظر إلى الوراء، لأني عارف إنه عائد إلى يافا، يافا تنتظرني، يافا الحبيبة بالانتظار، وأنا الآن أخونها بزيارة بيروت وبمشاهدة أماكن أخرى، عندما غادرنا أولاً طريقة المغادرة يا أخ أحمد يعني كان ميناء يافا كيوم الحشر يعني كنت ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وما قيل وما سمعناه ونحن في بداية الرحيل عن يافا، يعني لأنه الأيام التالية كان فارق كبير.. فارق كبير..

أحمد منصور: كان أسوأ بكثير حتى جاء.. انتهى الانتداب في 15 مايو كانت الأمور أسوأ.

شفيق الحوت: يعني أهلي الذين لحقوا بنا بعد أسبوع من الزمان أو أكثر عشرة أيام أولاً لم يستطيعوا الوصول إلى بيروت، قذفت بهم القوارب في صور وفي صيدا وكانت قوارب صغيرة شراعية أو على..

أحمد منصور: وغرق كثير من الناس.

شفيق الحوت: وغرق كثير من الناس وقصة الامرأة التي حملت المخدة بدل ما تحمل ابنها أو رضيعها مشهورة وقصص من هذا النوع، فأنا أذكر أنني كنت مذهولاً.. مذهولاً مصدوماً وجلست على الدكة على ظهر المركب وأذكر أنه كان سمكتين كبيرتين يعني يمكن شاركس أو ما بأعرف مقدمة السفينة باستمرار أمامي كنت أتطلع عليهم وأخشى أن.. أن يقع بنا المركب يعني، بكيت، دمعت وبأذكر طلعت دفتر صغير وبدأت أكتب مذكراتي.

أحمد منصور: أمك وأبوك وإخوانك كان شعورك أيه؟

شفيق الحوت: أمي وأبي كانوا يعني مع الناس يساعدون، يسايرون، يستفسرون، يُسألون ناس كيوم القيامة ما حد عارف يعني زي ما قلت لك إحنا كنا محظوظين أننا عارفين أننا ذاهبين إلى مدينة ننحدر أصلاً منها ولنا أقرباء يستطيعون أيواءنا وكان هنالك الوالد يعني مدخر قليلاً من المال يعني ما يكفي لبداية جديدة، لكن غيرنا من الناس.

أحمد منصور: كان تاجر والدك.

شفيق الحوت: كان تاجر في البرتقال، تاجر برتقال، أما الآخرون، أما فيه ناس كانت لا.. يعني لا تملك خارجة من ثيابها تماماً يعني لا.. لا يوجد معها..

أحمد منصور: كنتم تدركون أنكم ستعودون إلى يافا مرة أخرى؟

شفيق الحوت: ما فيش شك، عمرنا بحياتنا ما نظرنا إلى يهود فلسطين نظرة جدية بأنهم قادرين على احتلال البلد، وإقامة دولة إسرائيل كنا نقول هذا غير معقول، نحن ووراءنا أمة العرب والمسلمين هؤلاء الأقلية التعبانة يعني يأخذون فلسطين ويخرجوننا وإلى الأبد؟! هذا مستحيل، ثم كان لدينا وهم أن هنالك 7 دول عربية مصر فؤاد، الملك فاروق وشواربه المتعرمة، الملك عبد الله، القواتلي في سوريا، مش عارف مين في.. في.. بشارة الخوري في لبنان، العراق كان برضو الملكية الوصي، يعني كان فيه دول عربية السعودية كانت بداية النفط وكانت يعني بداية إنه صار عندها قدرات للمساعدة إلى حدٍ ما فهذا.. هل هذا معقول؟! ثم كانت فعلاً قضية فلسطين على المستوى الشعبي العربي، فلسطين دائماً كانت مليئة بالقيادات والكوادر النضالية القادمة من.. من الدول العربية، فوزي القاوقجي من لبنان، طه الهاشمي من.. من العراق، المرحوم الشيخ عز الدين القسام سوري، يعني هنالك من استُشهد، وهنالك من قاد وكلهم من العرب فكنا واثقين إنه القضية قضية أسابيع إن لم تكن قضية أشهر بدليل.. بدليل إنه.. إنه الوالد رفض أن يستأجر بيتاً غير مؤثث إنه يشتري أثاث حرام يعني بعذاب..

أحمد منصور: سنعود بعد شهر أو شهرين..

شفيق الحوت: سنعود بعد شهر أو شهرين، وقضيناهم كنا يعني دخلنا في مايو بداية الصيف وقضيناهم.. قضيناهم في مدينة بلدة سوق الغرب في جبل لبنان.

أحمد منصور: لم تر يافا بعد ذلك.

شفيق الحوت: لم أرها بعد ذلك ولا أنوي أن أراها سائحاً أو زائراً لا أنوي يعني سنحت لي الفرصة في أعقاب أوسلو عندما إسرائيل منحت ما يسمى بالرقم الوطني للبعض لحضور المجلس الوطني، هنالك بعض الإخوان الذين تمكنوا من الذهاب إلى يافا ورؤيتها.

تقييم شفيق الحوت لفكرة الهجرة من يافا إلى لبنان

أحمد منصور: بعد هذه المدة الطويلة منذ العام 48 وحتى الآن يعني سؤال ربما يتبادر إلى الذهن: لماذا تركتم فلسطين؟ لماذا هاجرتم منها وهناك أسر بقيت وناضلت وكافحت وعانت معاناة كثيرة؟

شفيق الحوت: نعم، نعم، الآن سأتكلم زي ما بيقولوا بنظرة رجعية للتاريخ، يعني بعد التجربة التي خضناها وقد رأى الفلسطينيون بعد كمان نكبة 48 نكبات أخرى، يعني في أيلول الـ 70 وما جرى في لبنان لا يقل عنفاً عما لقوه في.. في فلسطين، ولكنهم لم يهاجروا لم يتركوا، فإذا كان من الممكن يعني أن نبقى وأن نحيا وأن يعني لا نضطر لحياة اللجوء السياسي، لكن لماذا جرى ما جرى؟ أولاً سأروي لك.. أنا كنت محتار يعني في الإجابة على هذا السؤال حتى يمكن سنة 69..

أحمد منصور: 69..

شفيق الحوت: 69، 69 كان بدأ العمل الفدائي، بدايات العمل الفدائي، وجاء فريق تليفزيوني فرنسي يريد أن يحقق في هذه الظاهرة إنه صحيح فيه فدائيين فلسطينيين أم عصابات قطاع طرق ولصوص وشيء من هذا النوع، للأسف كان فيه من يظن أنه هؤلاء هم الذين يعني يقومون بالعمليات الفدائية، وجاء الوفد مرفق بتوصيات من بعض السفراء العرب في باريس بأن أعتني به كمدير مكتب منظمة التحرير في بيروت فقلت لهم لنذهب إلى شو.. إلى الأغوار حيث كان العمل الفدائي في بداياته وتشاهدون على بأم العين من يتدرب.. من يقوم بالعمليات وتسألون الناس وتكتشفون بأنفسكم حقيقة هذا المسمى بالعمل الفدائي.

فأخذناهم وذهبنا إلى معسكر كان لمنظمة التحرير في منطقة اسمها منطقة خَوّ وكان هنالك المئات من الشباب الذين يتدربون، فرئيس الفريق التليفزيوني اختار 4، 5 أشخاص وقال أريد من هؤلاء أن يدعوني إلى بيوتهم في.. في الأردن وفعلاً أخذناهم واحد واحد ورافقناهم واستجوب أهلهم وتعرف على أهلهم ولماذا التحقوا بالعمل الفدائي وسمع من المحاضرات الوطنية ما لم يخطر على بال إلى أن دخلنا بيت فيه امرأة عجوز فسألها رئيس الفريق الفرنسي نفس السؤال اللي تفضلت سيادتك فيه.

أحمد منصور: قال لها لماذا خرجت..؟

شفيق الحوت: لماذا.. الله طب أنتم في سنة الـ48 ليه خرجتم من البلاد؟ ليه خرجتم من البلاد؟ قالت له لأننا تيسنا يا خواجة!! وكلمة تيسنا بالفلسطينية الدارجة يعني كنا أغبياء، تصرفنا كالتيوس والقطعان ومشينا وكان خطأ، أنا ترددت في الترجمة، إن شو ها الكلام هذا الجريء قالت لي قل له اللي قلت لك إياه لأنه إحنا لو ما تركنا بلادنا ما كان جرى فينا اللي عم بيجري الآن ومرور كذا سنة على حياتنا في المخيمات أذلاء، وأضافت.. ولا تنس قالت لي: يا أخ شفيق إنه إحنا مش بس ارتكبنا خطيئة الخروج واللجوء إلى خارج الديار، إحنا اتهمنا من بقي وراءنا بأنه خائن وارتضى العيش في ظل الحكومة الإسرائيلية، وهذه كانت حقيقة مؤلمة، نحن يعني إخواتنا الذين بقوا في.. في الديار سنة الـ48 كنا نقاطعهم كنا مقاطعين لهم.

أحمد منصور: يعني الحكمة جاءت من هذه المرأة العجوز.

شفيق الحوت: جاءت على.. من هذه المرأة العجوز وأصبح الذين يعني أخذنا عليهم قبولهم بالهوان والحياة في ظل إسرائيل هم في رأيي الآن أحد أهم مباعث الأمل في تحرير فلسطين من الكيان الصهيوني.

أحمد منصور: يعني خروج.. خروج الفلسطينيين سنة 48 بتعتبره غباء في التصرف.

شفيق الحوت: ما فيه شك.. ما فيه شك، لكن له يعني ما يبرره، يعني بمعنى مش غباء نقطة على السطر، كان هنالك أولاً الوعود الكاذبة من الدول العربية، يعني الدول العربية كاذبة علناً يا أحمد، الآن تتضح لك الصورة عندما تذهب إلى الأرشيفات وتفتش عما يسمى المقررات السرية لمؤتمرات الجامعة العربية في بلودان في (....) وفي غير ذلك فتجد إنه ما.. كلام فارغ، عندما يعني حتى قُبيل 15 آيار بأيام لم تكن قد شُكلت القيادة العسكرية لـ..

أحمد منصور: يعني أيضاً خُدع الشعب الفلسطيني.

شفيق الحوت: خدع و.. وجزء من الخديعة كان يعني تآمرياً، يعني كان هنالك من الدول العربية -وهذا ما تثبته الوثائق اليوم- بأنه كان قد ارتضى مبدأ التقسيم ووعد بأنه.. أن لا يفعل ما يعكر هذه الخريطة.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من هذه النقطة تقييم حرب العام 48 وما حدث فيها وما أدى إلى نكبة الشعب الفلسطيني التي لا زالت قائمة ومستمرة إلى الآن، تركت يافا ولم تعد إليها في 24 أبريل 1948، لكنها لازالت تعيش في زوايا نفسك.

شفيق الحوت: هذا صحيح.. صحيح.

أحمد منصور: التحقت بالجامعة الأميركية في لبنان، ثم عملت بالصحافة مديراً لتحرير مجلة الحوادث، وبدأت مرحلة العمل السياسي الفلسطيني، أكمل معك في الحلقة القادمة، أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم.

في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ شفيق الحوت (ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.