مقدم الحلقة: أحمد منصـور
ضيوف الحلقة: محمد داود: عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني
تاريخ الحلقة: 07/08/1999

محمد داوود عودة
أحمد منصور
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل الاستماع إلى شهادة محمد داوود عودة -أبو داوود (عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وعضو المجلس الوطني
الفلسطيني، والمسؤول عن تنفيذ عملية ميونخ ضد الإسرائيليين في الدورة الأولمبية عام 1972م) مرحباً يا سيد أبا داوود.

محمد داوود عودة: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند مرحلة هامة وخطيرة في تاريخ الكفاح والنضال الفلسطيني، وهي ما سبق (أيلول الأسود) سبتمبر 1970م من أحداث أدت إلى حدوث ما وقع بعد ذلك في أيلول، هل يمكن أن تصف لنا الأجواء التي سبقت اندلاع المعارك بين الفصائل الفلسطينية وبين الجيش الأردني؟

محمد داوود عودة: الحقيقة إذا بدنا نشوف إمتى بلشت هذه الأعمال، وهذا الصدام، وخلينا نحكي أسبابه يعني باختصار شديد، أنا ذكرت أنه 4/11 كان أول صدام بينا وبين السلطة الأردنية، والقيادة الفلسطينية والقيادة الأردنية تلافت هذا الصدام، وانتهى باعتقال طاهر دبلان كضحية لما حدث في 4/11..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل اعتُقِل وحده، أم اعتُقِل معاه مجموعة؟

محمد داوود عودة: اعتقل هو وبعض.. يعني عناصر قليلة منهم.

أحمد منصور: هل حُكِمُوا، أم أوعوا السجن.. ؟

محمد داوود عودة: لا، أودعوا السجن في (الجفر) وبقي طاهر دبلان بالسجن حتى توفَّاه الله.

أحمد منصور: تذكر تاريخ وفاته؟

محمد داوود عودة: والله لأ، بس بعد 71 أكيد، بعدها صار فيه حدث أيضاً بشهر شباط 1970م، أيضاً فوجئنا بالحكومة الأردنية تصدر إنذار للفدائيين بالخروج من عَمَّان، طبعاً الفدائيين كانوا متواجدين بالأغوار، وكانوا متواجدين بجنوب لبنان.. جنوب الأردن، ولكن كان بعضهم –أيضاً- متمركز حول المخيمات في داخل مخيمات لحمايتها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: نسبة كبيرة على ما أعتقد؟

محمد داوود عودة: لأ لأ، في ذلك الوقت كان في حدود 20 ألف تقريباً.

أحمد منصور: مسلَّح؟

محمد داوود عودة: المسلح، اللي كانوا بيعملوا بدوريات ضد الوجود الصهيوني في الضفة الغربية، وكان عملهم مؤثر، يعني كان فيه شويه مبالغات صغيرة، لكن تعرف العمل الثوري دائماً بعض الأحيان يحتاج إلى مبالغات، بس كانوا يوقعوا بالعدو الصهيوني خسائر، واضطروا هذا العدوَّ الصهيوني أن يبتعد عن شاطئ النهر، إنه يرتفع إلى الخلف 4، 5 كيلو حتى يحمي نفسه.

أحمد منصور: طيب، طالما ذكرت هذا الجانب لو تذكر لنا طبيعة ونوعيات العمليات التي كانت تقوم بها الفصائل الفدائية ضد القوات الإسرائيلية في ذلك الوقت؟

محمد داوود عودة: كان..نعم كان أكثر من نوع عن العمليات، فيه كان دوريات تنزل وتضرب بالعمق، حتى فيه دوريات كانت تصل لفلسطين 48 مشياً على الأقدام، وبتقوم بأعمال ضد الجيش الصهيوني في خلف الخط الأخضر –ما يسمى بالخط الأخضر- وكانت عمليات بتضرب أسلحته ودشمه المسلحة اللي على الحدود، وكانت عمليات أخرى تطلع لجبال نابلس، وجبال القدس، وجبال الخليل وبتقوم بعمليات، منهم من كان ينجح في عملياته ويعود سالمًا، ومنهم من كان يصطدم بالإسرائيليين عند العودة، ويستشهد بعض أو كل الدورية.

أحمد منصور: العمليات دي -طبعاً-كلها بتدور في إطار حرب العصابات، وعمليات الكر والفر...

محمد داوود[مقاطعاً]: طبعاً حرب عصابات، كانت أضرب أهرب، لأن ما كان عندنا قدرة إنا نواجه الجيش الإسرائيلي كما تواجهه الجيوش العربية.

أحمد منصور: هل كان هناك تنسيق على طول الجبهة ما بين المجموعات الفدائية التي تدخل إلى الداخل، أم أن كل مجموعة كانت تختار الوقت والمكان والزمان المناسب لتنفيذ عملياتها؟

محمد داوود عودة: لأ، معظم القوة كانت من (فتح) ويعني كان فيه تنسيق محدود جدًّا بين الفصائل بعضها مع بعض، بس في البداية كان تنسيق كبير وواسع بين هذه الدوريات وبين الجيش الأردني، وكان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: البداية، إمتى.. كان تاريخاً.. ؟

محمد داوود عودة: في البداية يعني من 67 –يمكن-حتى بداية 70.

أحمد منصور: حتى بداية 70.

محمد داوود عودة: آه.. آه، كان فيه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني حتى بعد الكرامة كان هناك تنسيق بينكم؟

محمد داوود عودة: آه كان فيه، كان فيه –يعني- مثلاً تنسيق جزئيّ، إنه كنا نلجأ لبطارية مدفعية أردنية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لحمايتكم؟

محمد داوود عودة: أو تسهيل انسحاب مجموعة إلنا، وكانوا الشباب يتجاوب معنا ويطلقوا بعض القذائف تساعد على انسحاب مجموعتنا، ببداية 70 وبشباط بالتحديد، أو فبراير.

أحمد منصور: فبراير، نعم.

محمد داوود عودة: فوجئنا بأنه.. أنا قلت لك إنه كان فيه –أيضاً- جانب من السلطة في الأردن تحرض على الاصطدام معنا، وعلى منعنا من ممارسة حقنا في الصدام مع العدو الصهيوني المحتل، يبدو أنه صار فيه ضغط، أنا لا أعرف التفاصيل بالجانب الأردني، ولكن يبدو إنه صار فيه ضغط على الحكومة إنها تصدر إنذار، وأصدرت الإنذار، وطبعاً استنفرت القوة من الجانبين، وأرسلت بعض الدوريات من الأمن العام (مقللة) باتجاه جبل (التاج) على ما أذكر.

أحمد منصور: يعني نقدر نقول إنه كان فيه هناك ألفين إلى 3 آلاف فدائي مسلح داخل عَمَّان في ذلك الوقت من بين المجموع..

محمد داوود [مقاطعاً]: آلاف فدائيين كان فيه جزء، بس الجزء الأكبر كان من التنظيم مدنيين.. المسلحة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: الميليشيا؟

محمد داوود عودة: الميليشيا.

أحمد منصور: اللي هي أنت كنت بتقودها؟

محمد داوود عودة: اللي أنا كنت مسؤول عنها.

أحمد منصور: عددهم في عَمَّان كان قد إيه؟

محمد داوود عودة: بعَمَّان يمكن كان فيه 7 آلاف مسلح.

أحمد منصور: يعني شيء ليس هيناً؟

محمد داوود عودة: آه شيء كبير.. لا شيء كبير، بس في ذلك الوقت لم يكونوا بعد هم دُرِّبوا تدريب جيد،وكنا لسه باديين بدورات تأهيل وإلى آخره..

أحمد منصور [مقاطعاً]: المهم في أيديهم أسلحة؟

محمد داوود عودة: آه، المهم في أيديهم أسلحة، بس أسلحة يعني متخلفة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى لو بنادق عثمانية أيضاً.

محمد داوود عودة: آه.. فيه بنادق فيه كان (جوستاف) اللي كان نأخذه من مصر كانوا يعطونا..

أحمد منصور:رشاش بورسعيد.

محمد داوود عودة: رشاش بورسعيد، وبعض الكلاشينات القديمة اللي كنا جمعناها من.. أو جمعوها البدو من سيناء وباعونا إياها، أو جُمعت من مناطق في الجولان وباعونا إياها، فكان عندنا شوية أسلحة لا بأس بها، فصار الصدام بجبل التاج، واستشهد أعتقد اثنين فدائيين، وضربت الدورية ووجهت بنيران ما قتلش منها أحد، لكن ارتدت ورجعت فصار فيه توتر، كمان تدخلت القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت مع القيادة الأردنية وهدَّأت الوضع..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنت لمَّا تقول القيادة الفلسطينية في فبراير 70، هل بتعني بها قيادة فتح، أو أيضاً الجبهة الشعبية والتجمعات الأخرى..

محمد داوود[مقاطعاً]: والجبهة الشعبية، والديمقراطية في ذلك الوقت، كانوا.. فيه قيادة اسمها اللجنة المركزية لحركة المقاومة الفلسطينية، وكان بيقودها أبو عمار وطبعاً قيادة فتح، وكان فيها أيضاً مستقلين، كان فيها المرحوم إبراهيم بكر وكان فيها مجموعة من السياسيين اللي منخرطين بالعمل الوطني الفلسطيني، هاي القيادة الفلسطينية، وطبعاً هدّؤوا الوضع، ورجع الوضع ساكناً، لكن التوتر موجود، والحساسيات موجودة، والأخطاء موجودة من كلا الجانبين، ولذلك التوتر مستمر، يعني مثلاً فيه يكون (لاندروفر) فدائي متحرك خارج عَمَّان يدخل مناطق فيها جيش أردني ينُمسَك، وأحياناً ينشلح سلاحه ويُسجن، وأحياناً يُضرب ويُقتل، وكانت هاي تحصل، كما إنه كان فيه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: مناطق عسكرية يا سيدي لابد أن تُحترم.

محمد داوود عودة: لأ، مش مناطق عسكرية، المناطق العسكرية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: إذا منطقة تابعة للجيش أردني لابد -والفدائيين يعلموا ذلك- لابد ألا يعتدوا عليها، لا يتجاوزوها.

محمد داوود عودة: لأ لأ، مش مناطق عسكرية، المناطق العسكرية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: مش جيش مناطق خاضعة للجيش؟

محمد داوود عودة: مش كلها، البلد كلها خاضعة للجيش باعتبار..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لا.. لابد أن يكون هناك -أيضاً- احترام لسيطرة الدولة.

محمد داوود عودة: لا إحنا.. ما هو فهو احترام سيطرة الدولة كنا حسمناه سابقاً، إنه كان ممكن التنسيق بينا وبين الدولة ويتم الاحترام عبر التنسيق، مش عبر شراع البنادق من الخلف في الظهر، هذا ما كانش يعطي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما الذي يعطي ضمانات للجيش الأردني إن دي مجموعة فدائية، وليست مجموعة متسللة من إسرائيل أيضاً؟

محمد داوود عودة: كان معروفين الفدائيين، والتسلل كان بيكون من النهر، إذا حدا بيمنع التسلل لازم يكثف وجوده على النهر، مش يكثف وجوده بجرش وعجلون، يعني هذا مختلف، ومناطق عسكرية، أنا لا أعني إنه المناطق العسكرية معسكرات الجيش الأردني أو مناطق أسلحته، هاي ما حد كان يفوتها، أنا بأعني كيف كانوا بيعملوا حاجز على الطريق مثلاً، يمسكوا لاندروفر متحرك من جرش إلى إربد وهذا اللي كنت أعنيه أنا، وليس مناطق عسكرية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: طيب من المعروف –عفواً- بشكلٍ عام في كل التحركات العسكرية، في كل الميادين، وفي كل الدول إنه لو أراد حتى جيب صغير أن يتحرك من مكان إلى آخر لابد يبقى معاه خط سير، ولابد يبقى معاه شيء واضح، حتى لو مر على نقاط الشرطة العسكرية أو غيرها، هذا في الدول التي ليس فيها قلق، فما بالك بدولة فيها مواجهة؟

محمد داوود عودة: هذا بالدول.. لأ هذا بالدول اللي فيها سلام، أما مش دولة بتواجه حرب يوميًّا، وفيه قوة فدائية تناصر الجيش في محاربة عدوه، هذا وضع مختلف.

أحمد منصور:لم يكن لديكم في ذلك الوقت تقدير للضغوط -التي ذكرتها أنت من قبل- التي يمكن أن تمارس على دولة صغيرة مثل الأردن ليس لها أي عمق استراتيجي، وفي نفس الوقت دولة صغيرة وبسيطة وقائمة على المعونات والمساعدات، ولا تستطيع أن تدخل في مواجهة مع إسرائيل، كما ذكر الملك حسين لك حينما زارك في السجن بعد ذلك في 73.

محمد داوود: بس دخلت مواجهة مع إسرائيل في الكرامة بالتعاون معنا، وحققت انتصار.

أحمد منصور: قائد المعركة هو الذي حدد دون الرجوع إلى قيادة الجيش..

محمد داوود [مقاطعاً]: ما هو كارثة.. هذه كارثة، إذا كان ما فيش عند القيادة الأردنية نية للصدام مع إسرائيل حتى بمساعدة الفدائيين، فهي كارثة.. معناها كان لازم الفدائيين -أخ أحمد- تعرف كان لازم شو يعمل الفدائيين يظبوا أسلحتهم وما يقاوموش الإسرائيليين مادام الدولة مش قادرة تقاوم، ومش راضية تتعاون هي وإياهم يقاوموا، إذاً كان لازم أنه ما يكونش فيه عمل فدائي من الأساس.

أحمد منصور: يعني أنا أذكر الفريق مشهور حديثة ذكر في شهادته لي على هذه الأحداث أنه تلقى أمراً بإيقاف القتال الساعة 11 صباحاً، ورفض وظل يواصل إلى الثامنة ليلاً، وهذه تعتبر في العرف العسكري فيها شيء من المخالفة، لكن -أيضاً- البعد الوطني في قضية المقاومة، هناك -أيضاً- قرار الحرب هو قرار سياسي دائماً، وليس قرار عسكري، الضغوط التي كانت فيها الأردن، الوضع الذي كان فيه الأردن نستطيع أن نقول بأنكم -أيضاً-لم تتفهموا طبيعة هذه الأمور؟

محمد داوود عودة: لأ، الوضع هو اللي فرض علينا هذا، لو الأردن أجرى صلحاً مع إسرائيل بعد 67 مباشرة، ممكن نقول إنه ما عدش فيه حرب، بس إحنا الدول العربية كاملة بما فيها مصر وسوريا والأردن بعد حرب 67، اعتبرت أن الحرب قائمة، وأن وقف إطلاق النار هذا وقف مؤقت –ما لوش دعوة- أما لو كان فرض سلام، بيكون إحنا لازم نظب أواعينا ونروح –ما لناش دعوة- نروح نفتش عن مكان آخر، بس مادام الحدود مفتوحة، ومادام عملياتنا قائمة، ومادام إنه من حقنا أن نستعمل الأرض العربية في مقاومة الاحتلال، كما ذكرت لك إنه الحبيب بورقيبة كيف كان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لم تكن لكم سوى الجبهة الأردنية المسموح لكم أن تتحركوا فيها؟

محمد داوود عودة: لأ، كان فيه إلنا الجبهة الأردنية، والجولان، ولبنان.. وجنوب لبنان.

أحمد منصور: لكن في ذلك الوقت كان كل تواجدكم وتكثيفكم كان في الأردن..

محمد داوود [مقاطعاً]: زخمنا كان.. بس كان إلنا وجود -أيضاً- في جبل (الشيخ)، في الثلج عايشين مقاتلينا، يعانوا ليل نهار من البرد والجوع وإلى آخره، وكانوا يقاوموا من جنوب لبنان، أيضاً من الجولان، كانت الجولان مفتوحة إلنا، وكنا نقاتل منها أيضاً، فكانت الجبهات الثلاثة، أيضاً يعني إلى حد ما مع الصعوبة اللي كنا نعانيها كان إخوانا المصريين يساعدوا بإدخال دوريات من جانبهم، فكانت الجبهات العربية اللي حول إسرائيل مفتوحة للقتال وللعمل، مش بس الجبهة الأردنية، وإحنا ما استضعفناش الحكومة الأردنية، وبدأنا من جانبنا حرباً ضد إسرائيل من حدودها، لأنه هي ما وقفت القتال مع إسرائيل إلا بهدنة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما الذي دفع الجانب الذي يدعو إلى المواجهة مع الفدائيين داخل السلطة الأردنية إلى أن تكون له الغلبة على الجانب الآخر؟

محمد داوود عودة: يمكن الظروف، ويمكن الضغوط اللي أنت حكيت عنها، الضغوط الخارجية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: حكيت عنها قبلي.

محمد داوود [مقاطعاً]: أنا حكيت عنها قبلك، آه، يعني بس أنت اللي ثبتها الآن، الضغوط الخارجية تكون هاي اللي لعبت دور، بس أنا عم بأسلسل لك الأحداث وما انتهت إليه حتى صدام أيلول، في شهر 6، أيضاً فوجئنا بأنه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني من فبراير ليونيو الأمور كانت متوترة، هدوء مشوب بالحذر.

محمد داوود عودة: آه متوترة، لكن دون اصطدامات، في شهر 6 فوجئنا أيضاً بقرارات -وكانوا القيادة الفلسطينية معظمهم في المجلس الوطني في القاهرة- بقرارات وبمحاولة السيطرة على بعض المناطق مما شكل توتر..

أحمد منصور [مقاطعاً]: داخل عَمَّان؟

محمد داوود عودة: داخل عَمَّان، فهذا التوتر أزّم الوضع، ورجعت القيادة الفلسطينية أيضاً، وعملت على تهدئته واستطاعت أن تهدئه.

أحمد منصور: إحنا نقدر نقول إنك أنت كنت مسؤول عن حماية المخيمات الآن من الناحية العسكرية، والناحية الأمنية.

محمد داوود عودة: نعم، نعم.

أحمد منصور: من خلال الميليشيا التي كنت تقودها، وكانت عَمَّان هي المحور الرئيسي لبؤر التوتر دائماً، دولة تريد أن تسيطر على عاصمتها، مسلحين موجودين داخل هذه الدولة -أيضاً- يحولوا دون تمكين الجيش من السيطرة عليها، فأنت كان عليك عبء أمني كبير، وهم أيضاً لديهم رغبة في أن تكون لهم سلطة على عاصمتهم.

محمد داوود عودة: يعني أقولك شغلة، السلطة.. نحن لا ننكر حق -من ناحية نظرية- لا ننكر حق الأردن بالسيطرة على عاصمتها، لكن هنا الوضع مختلف، هل تريد أن تسيطر على عاصمتها، وتتيح إلنا المجال أن نقاتل العدو الصهيوني، لو كان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: اخرج قاتل يا سيدي في الأحراش..

محمد داوود عودة [مقاطعاً]: لا.. وينا.. وين أقاتل أنا.. وين أقاتل وبنادقهم مشرعة في ظهري؟ وين أقاتل؟ ما إحنا لا أستطيع أن أقاتل، ما جربناها، بتقول لي بالأحراش، جربناها بعد ذلك..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بعد 71 بعد ما صارت المذابح..

محمد داوود عودة [مقاطعاً]: طلعنا من عَمَّان بناءً على نوايا حسنة منهم.

أحمد منصور: لماذا لم تخرج قبل اندلاع الأحداث؟ وقد اضطررت إليها في النهاية؟

محمد داوود عودة: إذا.. لو أعطاني الأمان.. لو أعطاني الأمان وبصدق وبإخلاص، كنت أنا مستعد أروح أنتقل إلى الغور بدون تردد، لكن إحنا ليش –أصلاً- شكَّلنا قوة حماية؟ لما شعرنا بالنوايا، وشعرنا بالمنظمات اللي كانوا بيخترعوها إلنا، وشعرنا بأعباء كبيرة كانت تهدف إلى ضربنا.

أحمد منصور: ما هي المنظمات التي اختُرِعَتْ لبث القلق لديكم؟

محمد داوود عودة: اخترع منظمتين، ثلاثة، كانت الاستخبارات العسكرية بيشرفوا عليها، واعتقلنا واحدة وفيها يمكن 200 عنصر، اعتقلنا قادتها يعني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: فلسطينيين؟

محمد داوود عودة: لأ، فلسطينيين وأردنيين، بالأردن إحنا ما كنا فلسطيني وأردني -حقيقة- حتى بالمنظمات التي كانت تقاتل معنا كان فيه شباب أردنيين كتار.. يعني لم نفصل بين فلسطيني وأردني أثناء هذه المرحلة.

فيه فصل بين السلطة وبين العمل الفدائي، بس العمل الفدائي كان قادة فيه أردنيين (أحمد زعرور) كان أردني، (ضافي جمعاني) كان أردني، ولا أريد أن أسمي حتى لا أنسى ناس وأظلمهم، كان كثير أردنيين.. (نايف حواتمة) أردني، كلهم كانوا أردنيين يقاتلوا، شبابهم كمان أيضًا عناصر منهم كلهم أردنيين، من الكرك ومن أربد ومن عجلون عندنا فتح كان مسؤول منطقة الصلت أردني كان يقاتل، فنتيجة هذا التوتر.. يعني بعد شهر 6 طبعاً رجعت القيادة من القاهرة وهدَّأت الوضع، بدأ التوتر الأكثر في بداية آب..

أحمد منصور: أغسطس.

محمد داوود عودة: أغسطس.

أحمد منصور: 1970م.

محمد داوود عودة: و 70، كان يوميًّا فيه صدامات خفيفة، وكنا دائماً..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما شكل هذه الصدمات؟

محمد داوود عودة: يعني مثلاً، هم كان لهم قوات في البريد، فجأة يمر فدائي لابس أواعيه من جنب البريد، ينضرب رصاصة ينزل قتيل، يهجموا الفدائيين على البريد، بنيجي إحنا نظب الفدائيين ونهدي الأوضاع، وكانوا حتى يسموني أنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بس قضية الهجوم على البريد هذه ما كانت قضية سهلة، وما كانتش قضية بسيطة، وكانت استخدمت فيها (أربجيهات)..

محمد داوود [مقاطعاً]: لا، لما بينتقل.. لما بينتقل عنصر ماشي بالشارع –شايف- لأنه مجرد لباسه فدائي بيطلقوا عليه النار، أنا كنت مع التهدئة في ذلك الوقت كما إنه القيادة الفتحوية كانت مع التهدئة، ولكن -أيضاً- لا أنكر أن هناك كان ناس مع التصعيد من قبل العمل الفدائي، ما بأنكرهاش هاي، بس أنا بقول لك إنه كان ممكن أن نصل إلى conpromise حتى لدرجة أنا من كثرة ما كنت أركض وأهدي وأركض وأهدي سموني قائد (ماكو) أوامر، يعني ما بأعطيش أوامر إطلاق نار، طبعاً أنا ما كنت شاعر إنه هذا إطلاق النار يفيد قضيتي، أنا صاحب قضية، أنا بيهمني إنه الكل.. كل العرب، كل جندي عربي.. كل جندي عربي وين ما كان إن شاء الله بأقصى المغرب أو بالخليج تكون بندقيته متجهة باتجاه العدو الصهيوني، وكنا رافعين شعار"كل البنادق باتجاه العدو الصهيوني" وهناك..

أحمد منصور [مقاطعاً]: والآخرين يرفعون شعار"كل السلطة للمقاومة".

محمد داوود عودة: فيه ناس رفعوا شعار"كل السلطة للمقاومة"ولم نكن منسجمين معهم فكريًّا ولا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن أيضاً أنتم تركتموهم،لم تستطيعوا أن تقوموا بعملية استيعاب لهم؟

محمد داوود عودة: لأ، لأ ما بنقدر نسيطر عليهم مادامت مدافع الدبابات والقنابل مطوقة عَمَّان وموجهة باتجاهنا ما كان ممكن، يعني كمان الجيش الأردني أخذ مبادرة سحب كل قواته من الغور وأحاطها بعَمَّان، هذا من شهر سبعة كتير، إحنا كنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بسبب استفزازكم يا سيدي؟

محمد داوود عودة: لأ، يعني استفزازنا..أنت دائماً الآن تحكم على الصورة من خارجها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لا، أنا أحكم على الصورة من الطرف الآخر، يعني حينما تفقد سلطة السيطرة على عاصمتها بهذه الطريقة.

محمد داوود عودة: كلامك منطقي 100% في حالة عادية جدًّا، في حالة طبيعية، مش بعد ما ينهزموا العرب في 67، ويضيعوا الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وجزء من.. والجولان، فالعرب في ذلك الوقت كان وضعهم -مش بس وضع الأردن- وضع استثنائي.

يعني موضوع عاصمة، وسيطرة جيش عليها، وحقهم، هذا بالأحوال الطبيعية، لكن أيضاً كانت العاصمة الأردنية مهددة، افترض إني أنا ما قاومتش الاحتلال، وافترض إنه مشهور حديثة لم يعط أوامره -زي تفضلت- وتفضل أبو رمزي مشكورًا أعطى أوامره بالتصدي، ما كانت الدبابات الإسرائيلية ممكن تستمر زاحفة حتى عَمَّان أو لأ؟!

أحمد منصور [مقاطعاً]: هو ذكر ذلك.

محمد داوود عودة: أو.. لأ؟!

أحمد منصور [مقاطعاً]: قال: ليس لعَمَّان، لكن ربما أيضاً..

محمد داوود [مقاطعاً]: لأ ربما حتى توصل المفرق، فالوضع لم يكن استثنائيًّا، لذلك أنا ما بأقول إنه أنا من حق الجيش يسيطر على عاصمته وأنا كنت أمنعه، الوضع كان استثنائيًّا في كل دول الطوق المحيطة، لذلك كان هذا الوضع الاستثنائي -أيضاً- يحتاج إلى معالجة استثنائية من قبل الإخوان في الأردن، وأنا بأقول وتجربتنا إحنا وإياهم عندما تعاونا كنا نحقق انتصاراً، وعندما اختلفنا حققنا مزيداً من الهزائم في الوطن العربي، من هذه الزاوية أنا بأجاوب بس وخلال آب كله كان فيه صدامات، وانعقد المجلس الوطني في عَمَّان، وانعقد اتحاد طلاب عالمي في عَمَّان، وحركة وطنية عربية كلها إجت على عَمَّان لتهدأ الأوضاع، بس يبدو إنه كان هذا كله متأخر لأنه قرار الصدام كان صار يعني مأخوذ..

أحمد منصور [مقاطعاً]: متى أدركتم أن هناك صدام -لا محالة- بينكم، وبين الجيش الأردني؟

محمد داوود عودة: يعني بمنتصف أغسطس، بس كنا نحاول -كمان- نمتص كل هذه الأوضاع من أجل حل الصدام.

أحمد منصور: عمليات خطف الطائرات التي قام بها وديع حداد.

محمد داوود [مقاطعاً]: هاي..هاي المأزق الذي زاد الطين بلة، وهذا واقع أوقعنا في مأزق، يعني أوقع المقاومة كلها في مأزق، نحن -مثلما تعرف- إحنا كنا باتجاه الغرب كل توجهنا للصدام مع إسرائيل، فإنه نفاجأ أن المطار صار في المفرق في الشرق، يعني هذا انتهاك لحق البلد في أراضيها، ونحن نقر ذلك، وقد حاولنا أن نحل المشكلة بالتي هي أحسن، وبذلت القيادة في فتح جهوداً جبارة لإقناع الإخوان بالشعبية لحل هذا المأزق وإطلاق سراح الرهائن، ولكن العناد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: تفجير الطائرات حتى بعد إطلاق سراح الرهائن..

محمد داوود عودة: تفجير الطائرات، ونقل الرهائن لعَمَّان، وتوزيعهم على الوحدات، وعلى مناطق أخرى، كمان ظلينا نبذل الجهود إطلاق النساء والأطفال وإلى آخره، ونجحنا في شيء من هذا القبيل.

أحمد منصور: كل هذا -أيضاً- أما يعطى مبررات قوية لدولة فقدت سيطرتها، أو في طريقها إلى أن تفقد سيطرتها على وضعها؟ فيه حادث –أيضاً- وقع، وهو اختطاف الصحفيين الغربيين في (الإنتركونتننتال) أيضاً، كلها عمليات تصعيد كلها بتدفع عملية المواجهة والصدام، وأنتم كما تقول كنتم تسيروا في تيار آخر، وليس لكم قدرة على السيطرة على ما تفعله الفصائل الأخرى أو..

محمد داوود [مقاطعاً]: لا، مش قادرة على السيطرة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: تركتموهم يعني، تركتموهم.

محمد داوود عودة: لأنه أيضاً.. مش تركناهم –أخ أحمد- أيضاً كنا نعي لأن في الجانب الآخر في وسط الجيش الأردنيِ قوة مُصرة على ضربنا وإنهائنا، وكانت هذه القوة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لمصلحة مين؟

محمد داوود عودة: ما بأعرفش، أنا اللي بأسألهم في ذلك الوقت كان لمصلحة مين؟ أنا بأقول إنه هاي كانت لمصلحة وحيدة وهي إسرائيل، مثلاً إحنا يوم 16 أو 15/9 توصل أبو إياد وعبد المنعم الرفاعي لاتفاق..

أحمد منصور [مقاطعاً]: عبد المنعم الرفاعي كان رئيس للحكومة أنذاك؟

محمد داوود عودة: رئيس للحكومة، وكنا مستعدين أن نطبق اتفاق اللي تم بين أبو إياد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أهم بنود هذا الاتفاق لو تذكر؟

محمد داوود عودة: إنه على ما أذكر، إنه نخفف الوجود المسلح في عَمَّان شرط إن يضمن لنا هو إنه الجيش الأردني لا يقتحم مخيماتنا، وإنه نزيد التركيز على الأغوار –كمان- هو يسحب بعض الجيش اللي سحبوه من الأغوار ويعيده إلى الأغوار لمساعدتنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: من حول عَمَّان؟

محمد داوود عودة: من حول عَمَّان آه، وهذا الاتفاق كان اتفاقاً معقولاً، ويعطي المسرَّة لكل من هو بالأردن.

أحمد منصور: لكن يقال أنكم أنتم اللي عرقلتم التنفيذ؟

محمد داوود عودة: لأ ، لأ، لم نتمكن، كان الاتفاق يوم 15 ، ويوم 16 فوجئنا بتشكيل حكومة جديدة، إقالة عبد المنعم الرفاعي، وتشكيل حكومة عسكرية برئاسة محمد داوود، وحاولنا الاتصال يوم 16 بأي مسؤول أردني فما كانوش يردوا علينا، ولا راضيين يحكوا معنانا أي كلمة، حاولنا الاتصال بمحمد داوود، ومحمد داوود ما كان فيه إمكانية اتصال فيه، لأنه كان محصوراً بغرفة بالأركان، ما لوش علاقة بكل ما يدور، وكانت غرفة العمليات الرئيسية باعتراف عدنان أبو عودة إليّ أنا شخصيًّا إنه لم يكن محمد داوود له علاقة بالموضوع، كان شكلاً، مع أنه فلسطيني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: من كان الذي له علاقة إذن؟

محمد داوود عودة: العلاقة كانت غرفة عمليات مُشكلة من الملك ووصفي وعدنان أبو عودة وآخرين كانوا موجودين في غرفة عمليات في القصر، وليس برئاسة الأركان.

أحمد منصور: لهذا حُمِّل وصفي التل مسؤولية ما حدث للأردنيين والفلسطينيين؟

محمد داوود عودة: لأ أعتقد بعدها –كمان- وصفي يمكن مش هذا السبب، هذا السبب كان مش واضح، بس السبب الأكبر ضربة جرش وعجلون يمكن يتحمل مسؤوليتها.

أحمد منصور: 71 بعد ذلك؟

محمد داوود عودة: نعم، وفوجئنا بيوم صبيحة 17، وإذا الدبابات كلها –طبعاً- عَمَّان مورس عليها قصف رهيب بشتى أنواع المدفعية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: على المخيمات؟

محمد داوود عودة: على المخيمات وعلى المدينة، على كل موقع في المدينة..

أحمد منصور [مقاطعاً]: على كل موقع بما فيه مواقع الأردنيين؟

محمد داوود عودة: بما فيه الأحياء الأردنية السكنية، ما فيش فصل بين –أخ أحمد- أنت بدك تتخيل عَمَّان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن أنا رحت عَمَّان مرات عديدة، ورأيت بعض المواقع فيها يعني أماكن الفلسطينيين تكاد تكون متميزة، فيه أماكن متميزة، وفيه أماكن مختلطة.

محمد داوود: لأ.. المخيمات متميزة، المخيمات أما الأحياء -مثلاً- الآن أنا بأسكن بعَمَّان، جاري اللي بالطابق اللي تحتي، ضابط بالجيش الأردني كان، طبعاً متقاعد، وجاري بالمقابل ضابط مخابرات متقاعد، فيعني لا تميز البناية اللي أنا فيها أهي بناية فلسطينية أو أردنية، بس أنا بأقول لك: المخيمات –طبعاً- ما كان فيه أردنيين إلا قلة في المخيمات، يعني الفقراء اللي كانوا مش قادرين يسكنوا في المدينة كانوا بيلجؤوا للمخيمات بسبب رخصها، فالمخيمات متميزة، بس غير المخيمات،كامل عَمَّان غير متميزة، الأحياء فيها غير متميزة، أنا كنت ساكن بجبل النصر كل اللي جنبي أردنيين من الكرك و(..) فبُوشر إطلاق المدافع على عَمَّان دون تمييز، وبعدين تقدمت الدبابات بعد الفجر..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أين كنت أنت بالميليشيات؟

محمد داوود عودة: أنا كنت في ذلك الوقت في قيادة الميليشيا اللي هي بالوحدات.

أحمد منصور: في منطقة الوحدات؟

محمد داوود عودة: آه، ففوجئنا بالدبابات تتقدم حتى إنه مجموعة من الدبابات وصلت قريبة من مركز قيادتي، وبعدها كان من الطبيعي إنه –أيضاً- الفدائيين يدافعوا عن أنفسهم، ويتصدوا.. الميليشيا أعني الفدائيين والميليشيا، فتصدوا لهذه الدبابات ودمر منها بعضها، وانسحب البعض الآخر، واستمر اليوم الثاني والثالث وهم يحاولون.

أحمد منصور: إلى كم يوم استمروا؟

محمد داوود عودة: 12 يوم، 12 يوم في القتال، يعني أنا لا أبرر هذه الحرب، هذه الحرب قذرة، الحرب الأهلية من أقذر الحروب بالدنيا ومؤلمة، لأنه أنا كنت أشوف الجندي الأردني لما يسقط كأنه ابني سقط أو أخويا سقط، أنا بأعتبر هذا الجندي الأردني هو دمي ولحمي، وكذلك الفدائي لما يسقط أنا كنت أشوف إنه كيف المعركة كانت عنيفة؟ بحيث إنه الضحايا من كلا الطرفين بيتساقطوا بلا مبرر، يعني ما كنش فيه إمكانية.. يعني ما كنش فيه إمكانية 100% لتجنب هذه المجزرة، ومع هذا دامت الحرب يوم ويومين وثلاثة، والحرب تولد الحقد يوم عن يوم.

أنا مثلاً مرة أُسرت دبابة أردنية، وجرح تلاتة من اللي فيها، فأنا رحت بنفسي طلعتهم من الدبابة وحملتهم حتى أحافظ على حياتهم، لأنه دبابة جاية يمكن قتلت عشرة قبل ما توصل لموقعها، فبيجي واحد وبيطلق عليهم النار ويقتلهم..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنت تتوقع أن فيه عناصر مندسَّة، أم أن الحرب دي فعلاً قامت على تصورات الطرفين اللي يعتبروا مخلصين لكلا القضيتين أو الوضع بالشكل العام؟

محمد داوود عودة: أنا لا أنكر إنه ربما كان هناك عناصر مندسة بين الطرفين..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وأنها وصلت إلى القيادات حتى لديكم أنتم؟

محمد داوود عودة: لأ، لدينا يعني ما بأتصورش، بأتصور لدينا فيه.. فيه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ليه.. ليه يا سيدي؟ أكبر الاختراقات تمت لديكم في المنظمة؟..

محمد داوود [مقاطعاً]: وين هاي الاختراقات لدينا؟

أحمد منصور: إلى أعلى المستويات عندكم.

محمد داوود عودة: وين أعلى.

أحمد منصور: إسرائيل..

محمد داوود [مقاطعاً]: عدنان ياسين أعلى المستويات عندنا،يعني الناس بيقولوا: عدنان ياسين مخترق، بس عدنان مش أعلى المستويات، يعني أعلى المستويات يمكن الآن يعني خليني أكون صريح معاك وصريح جدًّا، يمكن الآن وصلوا بعض الاختراقات إلى مستويات كويسة، أما قبل..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كويسة يعني إيه؟

محمد داوود عودة: آه يعني ذات نفوذ، أما قبل أنا بأتحدى إذا كان فيه مستوى في اللجنة المركزية، أو بالمجلس الثوري لحركة فتح أي اختراق كبير.

أحمد منصور: فيه اختراقات غير مباشرة أيضاً أرجو أن لا تغفلها.

محمد داوود عودة: آه فيه، لأ فيه، الاختراقات غير المباشرة ما حدا بيحكمها، كان إحنا كنا نخترق اليهود بطريق غير مباشر، كمان المصريين اخترقوا الإسرائيليين وجندوا منهم جنرالات، والسوريين جندوا من مدة قريبة اكتشفت شبكة فيها جنرال إسرائيلي، يعني هاي الاختراقات هاي نتيجة عادية في الحروب، فأنا بأقول: إنه أيلول.. أيلول أنا حبيت أذكر أيلول الآن، وأشكرك على إثارة هذا الموضوع..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا والله يؤلمني إثارته، ويعني كثير...

محمد داوود [مقاطعاً]: وأنا يؤلمني الحكي فيه.

أحمد منصور [مستأنفاً]: كثير من الناس، يعني حتى حينما أثرته من قبل، كثير من الفلسطينيين اللي حبيت أفتح معاهم الموضوع رفضوا حتى الأردنيين.. ولكن هذا جزء من التاريخ، ومن الماضي لابد أن يتحدث عنه الذين صنعوه.

محمد داوود عودة: أنا حبيت أحكي في هذا الموضوع، لأنه درس قاسي سيعلمنا في المستقبل إن عمرنا ما نصطدم ببعضنا مهما كانت فيه حساسيات صغيرة، يعني الحساسيات موجودة الآن، حتى الحساسيات السياسية، أنا بأقول: أسوأ ما يستفيد منه الصهيونيين هو الاصطدام الداخلي العربي،سواء الفلسطيني -الأردني، أو الفلسطيني -السوري، أو الفلسطيني -المصري، أو المصري -الأردني، هلم جرّا. أنا بأعتقد إنه درس أيلول يجب أن يكون بحدة يقرأ، ويقرأ من كل جوانبه، وأنا ما خجلتش لما قلت لك: إنه كان عندنا أخطاء، وكان عندنا مشاكل، وكان عندنا تجاوزات، وشعارات غير منطقية وغير معقولة -شايف- وما حدث، يعني هناك شغلة مهم جدًّا تساعد على تفسير القرار الأردني السريع.

أحمد منصور: ما هي؟

محمد داوود عودة: عقد في آب 1900م.. في أغسطس 1970م مؤتمر الجبهة الديمقراطية وفي هذا المؤتمر اتخذ المؤتمر قراراً بإسقاط النظام، و..

أحمد منصور [مقاطعاً]: في الأردن؟

محمد داوود عودة: في الأردن.

أحمد منصور: طيب، حضرتك عايز إيه بعد كده؟!

محمد داوود عودة: أنا بأقول لك.. أنا بأقول لك، هم كانوا يقدروا يسقطوا النظام بدوننا مش ممكن، وما كناش إحنا ناوين نسقط النظام.

أحمد منصور: حتى لو لم يملك إلا بندقيتين، وأعلن هذا أو اتخذ هذا القرار.

محمد داوود عودة: ما بيقدرش.. ما هو أنا بأقول لك: أنا بأحكي لك تجربة أيلول بكامل سلبياتها وإيجابيتها على المقاومة وعلى السلطة الأردنية، فالسلطة الأردنية كانت حاضرة المؤتمر، وسجلت هذا القرار على كاسيت وأذاعته بعد أيلول، يعني هم الأردنيين كانوا متأكدين أن الديمقراطية لا تملك من القوة إن تهز شعرة من النظام، وإحنا –أصلاً- لا يمكن نسمح لها إن تهز شعرة من النظام..

أحمد منصور [مقاطعاً]: طيب..

محمد داوود [مقاطعاً]: لأن نحن مصلحتنا الذاتية، خليني احكي ليك بصراحة، مش بس لأنه إحنا ضد إسقاط النظام، كمان إحنا لا نرضي إنه الجبهة الديمقراطية أو الجبهة الشعبية، تستلم نظام وإحنا موجودين فيه، معناها إحنا رحنا بلاش، فلذلك من مصلحتنا الذاتية، إحنا بكل صراحة لا يمكن أن نوافق.

أحمد منصور: أبو داوود، هناك بعض الدول بتقبض على 10 أشخاص بتهمة قلب نظام الحكم، وربما ما بيكونش معهم شيء إلا شوية منشورات، الجبهة الشعبية جبهة مسلحة تقوم بعمليات، كل يوم وديع حداد عامل قلق في العالم بالطائرات اللي بيخطفها وبالعمليات اللي بيعملها، أما تريد دولة صغيرة مثل الأردن أن تقلق من مثل هذا الأمر، وأن تسعى فعلاً..

محمد داوود [مقاطعاً]: القلق شيء.. شيء وتجاوزه شيء آخر، كان عندها إمكانيات أن تقلق مظبوط، لكن كان عندها إمكانيات أن تتفاهم معنا لتفسير هذا القلق وإزالته..

أحمد منصور [مقاطعاً]: للأسف التاريخ وقع، والأحداث وقعت بالشكل الذي تمت به، ونحن الآن بصدد محاولة تفسير لهذه الأحداث من أحد الشخصيات الذين صنعوها أو شاركوا فيها، وكان تحت يدك 14 ألف مسلَّح في تلك المعركة للأسف، نعم.

محمد داوود عودة: أنا قلت لك –قبل شوية- إن الوضع كان استثنائيًّا، ليس وضعاً عاديًّا، يعني عندما كان يتفق الملك حسين، وأبو عمار، وأبو إياد وأبو جهاد ويقسموا يميناً على الإخلاص فيما بينهم، كانت الأمور هادية، بس عندما كان يحنث هذا اليمين من طرف أو آخر كانت تخرب الأمور.

أحمد منصور: تعرف وديع حدَّاد؟

محمد داوود عودة: نعم.

أحمد منصور: هل تعرف وديع حدًّاد؟

محمد داوود عودة: بأعرفه.. مش كتير يعني قابلته مرة أو مرتين.

أحمد منصور: ما هي طبيعة تركيبة هذا الشخص؟

محمد داوود عودة: رجل ذكيٌّ جدًّا، ومخلص لقضيته جدًّا، لكن اتجه اتجاهاً آخر قد لا أوافقه عليه، هو خطف الطائرات وإلى آخره، بس لا شك أنه ذكيٌّ جدًّا، ورجل فلسطيني وطني عربي قومي رائع.. اتفضل.

أحمد منصور: هل كان بيقوم بهذه العمليات؟ أو اختار عمليات خطف الطائرات، واحترف فيها وعمل بها، أقلق العالم كله لعدة سنوات وكما يقال كانت هناك (فردة) من شركات الطيران في العالم تدفعها له مقابل عدم اختطاف الطائرات؟ صحيح؟

محمد داوود عودة: مظبوط، أه صحيح كان فيه، بس هذا الرجل بقدر ما هو نظيف، هل تعلم عندما توفي كان لديه مبلغ من المال..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بسيط؟

محمد داوود عودة: حوالي 50 مليون.

أحمد منصور: بس!

محمد داوود عودة: تقريباً، تعرف أنه لم يترك لأسرته من هذه الأموال قرشاً واحدًا وإنما في وصيته أن يعيدها للجبهة الشعبية لتتصرف فيها في ميدان النضال الفلسطيني.

أحمد منصور: ما مصدر هذه الأموال؟

محمد داوود عودة: كان مصدرها من شركات الطيران ومن غيرها، وفي ذلك الوقت كانت الجبهة الشعبية على خلاف شديد معه، بس عشان يعني الرجل، ينصف، كانت في خلاف شديد معه، ومع هذا أعاد هذه الأموال كلها للجبهة الشعبية.

أحمد منصور: أنت جلساتك معاه كان إيه الموضوعات اللي دردشت معه؟

محمد داوود عودة: ما كنت .. يعني جلست أنا وأبو أياد وإياه مرة بلقاء كان جامع ناس كتير..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن بشكل فردى،لم تكن لك علاقات خاصة به؟

محمد داوود عودة: لا، لم نجلس، إحنا كمان مثل (كارلوس) يعني فيه صداقات، وفيه علاقات، لكن فيه اختلاف بالخط..

أحمد منصور [مقاطعاً]: سنأتي إلى كارلوس فيما بعد.

محمد داوود عودة: آه، يعني فيه اختلاف بالخط.

أحمد منصور: ما هي النتائج التي تمخضت عنها معركة أيلول الأسود؟

محمد داوود عودة: يعني كاريثة بالنسبة لكلا الطرفين أولاً.. أولاً نحنا نحن خسرنا كادر كويس في المعارك، وأعتقد أن الجيش الأردني أيضاً خسر دبابات وسلاح، وما حققش أهدافه، ولا إحنا كمان كان عندنا أهداف أبعد من اللي عملناه، هو الدفاع عن المخيمات.

أحمد منصور: صحيح أنت كنت سافرت إلى موسكو لعقد صفقة سلاح للمنظمة من أجل هذه المعركة..

محمد داوود [مقاطعاً]: لأ.

أحمد منصور: لكنها تأخرت في الوصول إلى الأردن؟

محمد داوود عودة: لأ، أنا ما سافرت إلى موسكو لعقد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لدولة شرقية، أوروبا شرقية؟

محمد داوود : لا.. لا، أنا حقيقة كان.. كنت عاقد اتفاق (جنتلمان) مع السفير الصيني في دمشق، وبالفعل كنت طلبت منه أسلحة، وأسلحة مش بس للدفاع عن المخيمات، كمان أسلحة للعمل ضد العدو الصهيوني، أنا قلت لك – قبل- إنه كنا دربنا الميليشيا شوية تدريبات أعلى، وكنا ننزلهم على الأغوار يقاتلوا، فكنت أنا بدي هذا السلاح لدعم قتالهم بالأغوار، وهم عدد كبير.. عدد ضخم ، مع الأسف الصفقة لم تصل إلا متأخرة بعد أيلول وصلت للبصرة، واستولى عليها أبو نضال.

أحمد منصور: سنأتي -أيضاً- لأبو نضال وعلاقتك بيه، ما الذي تمخضت عنه المعارك؟ الفلسطينيين يقولون: إن فيه 30 ألف قتيل.

محمد داوود عودة: لأ، هذا الرقم رقم مبالغات الأخ أبو عمار.

أحمد منصور: يعني أبو عمار يبالغ في هذا الرقم؟

محمد داوود عودة: آه بالأرقام أبو عمار يتبحبح شوية.

أحمد منصور: بالذات في هذه الأمور؟

محمد داوود عودة: آه بهاي الأمور.

أحمد منصور: وفي الأموال أيضاً؟

محمد داوود عودة: آه كمان بالأموال بيتبحبح.. يعني هاي شغلة في أبو عمار ونحن نعرفها فيه دائماً نقول له من شان الله خفف لنا شوية بالأرقام والأموال، ولكن هاي طبيعة لا يغيرها إلا الله سبحانه وتعالى.

أحمد منصور: طيب، أنت كنت قائد المليشيا ومسؤول عن حماية المخيمات في عَمَّان، يعني تعتبر شهادتك في هذا الأمر شهادة –تاريخياً- من المفترض أنها شهادة ليست مجرد مقبولة وإنما يعتد بها، بأمانة كم عدد القتلى الفلسطينيين طوال معارك أيلول 70؟

محمد داوود عودة: بأمانة، المدنيين يمكن بحدود الألفين.

أحمد منصور: فقط.

محمد داوود عودة: آه فقط والعسكريين من فتح 970.

أحمد منصور: بالرقم يعني؟

محمد داوود عودة: آه بالرقم، ها دول العسكريين.

أحمد منصور: بما فيهم ميليشيات، و..

محمد داوود [مقاطعاً]: لأ، المليشيا تقريباً فيه عندنا حوالي ألف مع المدنيين يعني مدنيين وميليشيا..

أحمد منصور: يعني أنت بتضم المليشيا للألفين اللي قتلوا 970.

محمد داوود عودة: للمدنيين آه.

أحمد منصور: و 970.

محمد داوود عودة: آه 970 فدائي..

أحمد منصور: يعني نقدر نقول: إن العدد لا يتجاوز 3 آلاف.

محمد داوود عودة: 3 آلاف آه.

أحمد منصور: وإن كان ينظر إليه على أنه صغير، لكن بكل المعايير هو –أيضاً- هو عدد كبير.

محمد داوود عودة: خلينا نقول أنا ما شملت المنظمات الأخرى، لأنه ما عنديش إحصائية لها، يعني بتقدر تقول 4 آلاف قتيل في كل أيلول، ورقم كبير أيضاً، رغم إنه انخفض عن تقديرات الأخ أبو عمار بس رقم ليس سهلاً، ولا أعرف كم عدد الجنود الذين قتلوا.

أحمد منصور: من الأردنيين؟

محمد داوود عودة: آه ما عنديش فكرة، بس تقديراتي إنه كمان بحدود الألف، وهذا رقم كبير وخسارة ..خسارة كبيرة جداً بعد –طبعاً- ذلك أثناء المعارك تنادى الرئيس عبد الناصر لعقد قمة عربية، ومعروف قصة اعتقال أبو إياد، وأبو طف لدى المخابرات الأردنية، وبعدين طلب عبد الناصر من النميرى إنه يجيبهم معه، ومحاولة أيضاً أبو إياد وأبو لطف حل وقف إطلاق النار مع الملك حسين، لكن كانت الشروط قاسية، يمكن الملك حسين كشخص كان بيرغب في وقف إطلاق النار، لكن البطانة اللي كانت موجودة، كانت هيئة أركان متحمسة للقضاء على الفدائيين.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة، أتناول معك ما بعد أيلول الأسود، الخروج إلى لبنان، تأسيس منظمة أيلول الأسود، وعملية ميونخ، وأشكرك على هذه الصراحة التي تحدثت بها بالذات عن أحداث أيلول، التي ربما يتجنب الكثيرون الحديث فيها، أو يهربون -بالأحرى- من الكلام عنها.

شكراً جزيلاً أستاذ أبو داوود، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل، الاستماع إلى شهادة السيد محمد داوود عودة -أبو داوود (عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، وأحد شهود وصناع النضال الفلسطيني) في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.