مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

صلاح عمر العلي: عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية الأسبق

تاريخ الحلقة:

25/05/2003

- مرحلة حكم البعث للعراق 1963
- ممارسات البعث ضد المؤسسة العسكرية العراقية في الستينات

- أهم التيارات والتوجُّهات داخل البعث في الستينات

- حقيقة تسرُّب الفكر الماركسي داخل حزب البعث

- بروز ميشيل عفلق زعيماً في حزب البعث

- انقلاب عبد السلام عارف وسقوط البعث 1963

- مقتل عبد السلام عارف وخلافة أخيه للسلطة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ صلاح عمر العلي (عضو مجلس قيادة الثورة، وعضو القيادة القُطرية الأسبق في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق). أستاذ صلاح مرحباً بك.

في 8 فبراير 1963 وصل حزب البعث إلى السلطة في العراق، وجيء بعبد السلام عارف ليكون رئيساً للدولة، شُكِّل مجلس لقيادة الثورة من بعثيين وغيرهم، شُكِّلت حكومة برئاسة أحمد حسن البكر تضم واحداً وعشرين وزيراً، كثيرٌ منهم من البعثيين، منهم علي صالح السعدي، صالح مهدي عماش، ناجي طالب، حازم جواد، سعدون حمادي، وآخرين.

أنتم كبعثيين وجدتم أنفسكم الآن أصبحتم في السلطة بعدما كنتم مضطهدين وفي السجون، كيف مثَّل هذا الانقلاب مرحلة جديدة في تاريخ البعث في العراق؟

مرحلة حكم البعث للعراق 1963

صلاح عمر العلي: بطبيعة الحال يعني اعتُبرت هذه المرحلة مرحلة يعني مرحلة إيجابية، ومهمة جداً للغاية، وكانت الآمال متعلقة لدى أوساط الحزب أنه الحزب يبدأ بتنفيذ سياسته وأفكاره في أطر مهم، ذو موقع خاص في الساحة العربية، وكانت الآمال معلقة على أن تكون هذه التجربة نموذج لربما يُسرِّع العمل في باقي الأقطار الأخرى للاحتذاء بهذه التجربة، لكن ما حصل هو العكس تماماً، حيث أن الحزب -للأسف الشديد- وجد نفسه بيعني بفترة قصيرة جداً منساق وراء رد فعل عنيف تجاه الشيوعيين، الذين طبعاً كانوا حلفاء لدى عبد الكريم قاسم، واللي سببوا -حقيقة- الكثير من المآسي بالنسبة لأوساط عديدة من الشعب العراقي، وخاصة البعثيين.

ربما كان الشيوعيين إلى حدٍ ما يستحقوا بعض.. بعض العقوبات، لكن بهذا الحجم المأساوي الذي تعرضوا له على يد البعثيين حقيقة خرج عن كل الحدود المتوقعة وعن كل المقاييس المألوفة.

أحمد منصور: ما الذي قام به البعثيون ضد الشيوعيين؟

صلاح عمر العلي: لاحقوهم ملاحقة يعني واسعة جداً، شملت آلاف مؤلفة من.. من الشيوعيين، فمنهم من قُتِل، ومنهم من غُيِّب، ومنهم من افتُقد، ومنهم من طورد، ومنهم من اختفوا وهربوا خارج العراق، وأصبحت مسألة ملاحقة الشيوعيين -للأسف الشديد مرة أخرى أقولها- كأنما هي الشغل الشاغل والهدف الرئيسي للبعثيين ما بعد استلامهم السلطات.

أحمد منصور: انفلت الثأر.

صلاح عمر العلي: نعم، انفلت الثأر، ويعني تأججت نزعة الثأر والانتقام لدى أوساط البعثيين، الأمر اللي طبعاً بدأ يولِّد ردود فعل تدريجية لدى أوساط الشعب العراقي المتميز والمعروف بأنه دائماً وكثيراً ما يقف دائماً مع المضطهد ومع المظلوم، وهذه حقيقة من مزايا الشعب العراقي المعروفة أنه..

أحمد منصور: يعني الذين كرهوا الشيوعيين، الآن أصبحوا يتعاطفون معهم.

صلاح عمر العلي: بالضبط، تماماً.

أحمد منصور: والذين أحبوا البعثيين أصبحوا يكرهون البعث..

صلاح عمر العلي: بالضبط، وهذه في الحقيقة من المميزات اللي يحتفظ بها ويعتز فيها الشعب العراقي، دائماً يقف مع.. مع المظلوم ومع المضطهد، فطبعاً بدأت بالتدريج أخبار ملاحقة الشيوعيين تنتشر بين أوساط الشعب العراقي، فبدأت تتولد ردود الفعل بالتدريج، كذلك انتقلت أيضاً ردود فعل بين أوساط المؤسسة العسكرية أيضاً، الأمر أيضاً لم يقتصر فقط على ملاحقة الشيوعيين، إنما بدأت الممارسات الخاطئة كثيرة جداً على مستويات عديدة.

أحمد منصور: ما هي أشكال هذه الممارسات؟

صلاح عمر العلي: يعني مثلاً استفزاز عدد كبير من ضباط الجيش العراقي اللي لم ينتموا إلى حزب البعث أو مثلاً محسوبين على الصف القومي، استفزازهم، تحجيمهم، محاولة يعني التشكيك في مسيرتهم، في نواياهم، في إخلاصهم، طورد أيضاً عدد من منتسبي الحركة القومية بنفس الوقت، الأمر اللي يعني وجد يعني سرعان ما وجد حزب البعث نفسه يعيش حالة من العزلة، فقد الثقة في أوساط عسكرية عديدة، فقد أوساط جماهير واسعة كانت تلتف حوله، فقد ثقة أو علاقته بأوساط قومية أيضاً لها وزنها ولها قيمتها، كذلك يعني الموقف من الحزب الشيوعي المتميز في العداء غير المحدود، هذه كلها في مجموعها ولَّدت مناخ طبيعي لأي محاولة للإطاحة بالحزب، مناخ ناجح.

أحمد منصور: مِن.. كان هناك قيادة عسكرية، وكان هناك قيادة مدنية، كان هناك تناقضات ظاهرة بين القيادتين المدنية والعسكرية في البعث.

صلاح عمر العلي: نعم، بدأت التناقضات أيضاً مع هذا الجو بدأ التناقض، ليس فقط بين المؤسسة العسكرية البعثية وبين قيادة الحزب، حتى في داخل التنظيم المدني بدأت تناقضات.

أحمد منصور: ما هو شكل هذه التناقضات؟

صلاح عمر العلي: يعني أنا أقول لك بكل صراحة، أنا كنت في آنذاك كادر يعني متقدم في الحزب، وكنت مسؤول عن قطاع مهم في بغداد بما يُسمى الحرس القومي، لكن بعد أشهر قليلة جداً اصطدمت مع أحد قادة هذه المؤسسة اللي اسمه عطا محيي الدين..

أحمد منصور: قل لنا ما هو الحرس القومي؟

صلاح عمر العلي: الحرس القومي -كما ذكرت لك في الحلقة السابقة- هو عبارة عن مجموعة من الشباب المدنيين المنتمين إلى حزب البعث ممن مارسوا أو نفذوا مهام خاصة في عملية الثورة ضد عبد الكريم قاسم، فشُكِّلت بعد الثورة مباشرة هذه الميليشيا اللي جاءت على غرار الميليشيا اللي شكلها الحزب الشيوعي عام 58، 59.

أنا أذكر يعني كمثل شخص وهو ليس المثل العام أو يكفي لـ.. يعني بإعطاء صورة كاملة عما.. حسب العمليات، لكن فيما يتعلق بي أنا اصطدمت بالأشهر الأولى مع أحد قادة الحرس القومي اللي اسمه عطا.. عطا محيي الدين، الأمر اللي دعاني، طبعاً هددني بالقتل، هددني (...).

أحمد منصور: وأنت عضو مسؤول.

صلاح عمر العلي: نعم، أنا كنت عضو متقدم في الحزب، والأمر الذي اضطرني أن أستقيل وأن أهرب وأن أختفي فترة طويلة من الزمن إلى أن سقطت تجربة الحزب.

أحمد منصور: خوفاً من قيادة الحزب التي تنتمي إليه.

صلاح عمر العلي: من.. نعم، من قيادة الحرس القومي.. من قيادة الحزب، إنما هو كان أيضاً عضو في فرع بغداد للحزب.

أحمد منصور: الحرس القومي كان له تجاوزات كثيرة في تلك المرحلة؟

صلاح عمر العلي: نعم، هو كان الأداة لملاحقة هذه الأوساط اللي تحدثت عنها.

أحمد منصور: ما طبيعة ما مارسه الحرس القومي ضد هؤلاء الناس؟

صلاح عمر العلي: في الأيام الأولى لاستلامنا السلطة كانت المهمة الرئيسية هو البحث عن كوادر الحزب الشيوعي الأساسيين واعتقالهم، ثم بعد ذلك شُكِّلت لجنة للتحقيق في..

أحمد منصور: بعيداً عن سلطة الدولة؟

صلاح عمر العلي: لأ، هو بموافقة القيادة القُطرية للحزب واللي هو كان يحكم الدولة يعني، فشُكِّلت فيما بعد..

أحمد منصور[مقاطعاً]: الآن فيه عفواً.. الآن فيه قيادة قُطرية للحزب، وفيه حكومة، وفي تنظيمات للحزب، عشان نفهم الصورة.

صلاح عمر العلي: نعم.. نعم.. نعم.

أحمد منصور: الآن الحرس القومي هذا من المفترض أنه بيتبع القيادة القطرية ولا يتبع حكومة الحكومة..

صلاح عمر العلي: طبعاً.

أحمد منصور: الآن أنتو أصبحتوا تقبضوا على الناس وتحاسبوهم، وتحققوا معهم.

صلاح عمر العلي: نعم، هذا هو اللي صار، شُكِّلت لجان للتحقيق.

أحمد منصور: غيِّبت الدولة في هذا الوضع كدولة، كشيء يعني من المفترض إن هو اللي بيهيمن على الحزب وليس الحزب اللي بيهيمن عليه.

صلاح عمر العلي: لأ، هو صار العكس طبعاً، لأنه هذا أُعتبر حكم الحزب يعني بهذا المعنى أنه الحزب هو اللي يقود الدولة، هو اللي يقود مؤسسات الدولة، هو اللي يقود الوزراء، ثم لا تنسَ أيضاً إنه رئيس الوزراء كان يعني أحد قادة الحزب اللي هو أحمد حسن البكر..

أحمد منصور: أحمد حسن البكر..

صلاح عمر العلي: كذلك مسؤول الحزب الأساسي علي صالح السعدي كان وزير، وحازم جواد كان وزير، و..

أحمد منصور: كان وزير الداخلية كمان علي صالح السعدي.

صلاح عمر العلي: نعم، ووزراء آخرين كانوا أيضاً أعضاء في قيادة الحزب، لذلك تداخلت..

أحمد منصور: لكن كان هناك.. كان هناك من الوزراء ناس غير حزبيين.

صلاح عمر العلي: نعم، لا شك في هذا، لكن..

أحمد منصور: معنى ذلك إن الحزب هو الذي كان يُسيِّر وليس الحكومة؟

صلاح عمر العلي: بالتأكيد.. بالتأكيد.

أحمد منصور: ومعنى ذلك أنكم أنتم كحزبيين أو كميليشيات أصبحتم تقوموا بدور الأمن أو أمن الدولة نفسه؟

صلاح عمر العلي: ربما ينطبق هذا المثل إلى حد كبير جداً حقيقة.

أحمد منصور: ومعنى ذلك أيضاً أن كل من لا ينتمي إلى الحزب فهو يعني.. يعني يستحق أن يُسحق أو يُنظر له كإنسان منبوذ أو متخلف؟

صلاح عمر العلي: لا.. لأ.. لا، حقيقة هذا غير دقيق، لكن كلما.. كل من يحاول أن يتصدى لمسيرة الحزب أو سياسة الحزب آنذاك يعتبر في صف.. صف الأعداء، لا شك في هذا.

أحمد منصور: فالأعداء كان كثروا.

صلاح عمر العلي: كثروا بعد سنة، إحنا مهمتنا..

أحمد منصور: وأنتم كان دوركم ملاحقة كل من يعاديه.

صلاح عمر العلي: إحنا أصلاً.. إحنا كنا عباقرة في خلق العداء، حقيقة آنذاك.

أحمد منصور: قل لي كيف؟

صلاح عمر العلي: نعم، مثل ما ذكرت لك من خلال الملاحقة لعدد أو أوساط عديدة من الشعب العراقي، بدأت بالحزب الشيوعي، وانتهت في الضباط اللي كانوا متعاونين متحالفين مع حزب البعث، ثم كافة المنظمات، القومية أو أغلبها على الأقل، نكون أكثر دقة، لوحقت من قِبَل الحزب الشيوعي، فبالتالي إذن كانت كأنها..

أحمد منصور: حزب البعث تقصد؟

صلاح عمر العلي: نعم، كأنها عبقرية مُورست بشكل سلبي، بأنه خلقنا أعداء بدون مبررات حقيقية ومنطقية.

ممارسات البعث ضد المؤسسة العسكرية العراقية في الستينات

أحمد منصور: هل يمكن أن نقول أن البعث في هذه المرحلة دمَّر مؤسسات الدولة؟

صلاح عمر العلي: لم يصل هذا التدمير إلى هذه المرحلة.

أحمد منصور: سأضرب لك مثالاً..

صلاح عمر العلي: مؤسسات الدولة كانت حقيقة..

أحمد منصور: الجيش على سبيل المثال..

صلاح عمر العلي: نعم.. نعم.

أحمد منصور: وأنت قلت إن الضباط الغير بعثيين أو الذين لم يكونوا ينتموا للبعث حتى من شاركوا في الثورة لصالح البعث هؤلاء اضطُهدوا، عملية الاضطهاد وصلت إلى عملية يعني إبعاد لعشرات من الضباط والكفاءات في الجيش العراقي، الجيوش حينما تؤسَّس بتؤسَّس بصعوبة، واختيار الكفاءات التي تقوم عليها الجيوش بيتم على مراحل، والضابط المحترف اللي بيدخل إلى الجيش بينذر حياته كلها إلى الجيش، نجد الضابط أصبح رائد أو مقدم أو عقيد، وفي اليوم التالي أصبح في الشارع..

صلاح عمر العلي: صحيح.

أحمد منصور: أليس هذا تدميراً لمؤسسة من مؤسسات الدولة؟

صلاح عمر العلي: هذا لا شك.. لا شك فيه، لكن خليني أقول لك أنه يعني أولاً: ما بعد 58 وإبان فترة عبد الكريم قاسم شهدت المؤسسة العسكرية تحديداً عمليات تطهير هائلة جداً من قِبَل كافة الضباط اللي لم يتم التأكد من ولائهم لعبد الكريم قاسم أو الشيوعيين.

أحمد منصور: أنتو فعلتم في فترتكم نفس..

صلاح عمر العلي: تقريباً فعلنا يعني شيء يمكن يكون أقل بكثير منهم..

أحمد منصور: كلاكما دمرتما المؤسسة العسكرية..

صلاح عمر العلي: هذا صحيح.. هذا صحيح

أحمد منصور: المؤسسة العسكرية العراقية دُمِّرت على أيدي الشيوعيين والبعثيين.

صلاح عمر العلي: المؤسسة العسكرية صح، نعم.. نعم، إنما اللي جرى بعد 63 وليس من باب التبرير، لكن أنا حقيقة أقدم لك الوصف كما أعتقد، جرى كرد فعل، يعني مثلاً في المؤسسة العسكرية عندما استلمنا السلطة عام 63، كان هناك أبرز قادتها هم الشيوعيين، قادة الوحدات العسكرية في وزارة الدفاع كلهم شيوعيين، أو موالين لعبد الكريم قاسم، فما كان من الممكن عملياً وواقعياً أن تطمئن لهؤلاء وتبقيهم في مواقعهم، صحيح هي خسارة كبيرة جداً، وأدت بالنتيجة إلى تدمير المؤسسة العسكرية، لكن كان أمر مفروض على قيادة الحزب آنذاك أن تقوم بهذا العمل، خصوصاً وأن الذكريات لمرحلة عبد الكريم قاسم كانت مؤلمة جداً للغاية، ومازالت بعدها (طرية) في أذهان الناس، وبالتالي ما كان من الممكن أن يعني أن لا يتقدموا إلى هذا الأمر.

أحمد منصور: كان هناك..

صلاح عمر العلي: بس كان من المفروض أن تتوقف عند حدود معينة، لم تتوقف العملية، استمرت بحيث شملت ضباط قوميين أيضاً.

أحمد منصور: وضباط لم يشاركوا في الانقلاب.

صلاح عمر العلي: نعم، هذا صحيح.

أحمد منصور: يعني من وقف على الحياد لم يكن شيوعياً أو بعثياً تعرض هو الآخر إلى عملية إبعاد وتقاعد.

صلاح عمر العلي: نعم، هذا.. هذا صحيح.. هذا صحيح من باب الشكوك أن دولا ربما يكونوا كذا معادين أو غير موالين، أو غير..، أو سيتآمروا علينا في المستقبل، إذن الحل الأسلم أن يُبعدوا عن المؤسسة العسكرية، هؤلاء..

أحمد منصور: إحنا نريد أن نفهم الآن لأن دي مرحلة، دي مفاصل تاريخية قادت إلى ما نعيشه الآن في هذه المرحلة تحديداً تقييم المواطن والانتماء بالنسبة للإنسان أيه في ظل التصور والممارسة التي مارستموها؟

صلاح عمر العلي: يعني دعني أقول لك بكل أمانة وإخلاص ما ينطبق على.. على تقييمنا للمواطنة، يعني إحنا كبعثيين هو مارسه الحزب الشيوعي أيضاً، والمواطنة كانت في مفهوم الحزبين هو مقدار ولاء هذا المواطن للحزب أو قربه من الحزب أو بعده، بقدر ما تكون قريب من الحزب فإذن أنت مواطن صالح، عندما تكون بعيد عن الحزب أو في الموقع المضاد للحزب، فأنت مواطن مسلوب.. مواطنتك مسلوبة ومشكوك في ولائك للبلد.. للوطن والبلد..

أحمد منصور: معني ذلك أن كلاكما أيضاً ساهم في تدمير المواطنة والانتماء عند الإنسان؟

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: وهذا ما جعل كثيراً من خيرة أبناء العشب العراقي يهاجر في فترات مبكرة إلى خارج البلاد.

صلاح عمر العلي: بدأت الهجرة حقيقة من بعد 14 تموز 58 بشكل متواضع بداية، ثم بدأت تتطور وتتصاعد في خط بياني مستمر. نعم.

أحمد منصور: شُكِّلت حكومة أخرى في 13 مايو 1963 وجرت عليها بعض التعديلات البسيطة، ولكن بقي أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء، كان يلاحظ في ذلك الوقت شيء آخر من الأشياء الهامة التي ساهمت في تدمير بنية العراق أيضاً، هو أن معظم المسؤولين الذين كانوا يتولون مسؤوليات أساسية كانوا من صغار السن وعديمي الخبرة، وكان يكفي انتماءهم للبعث، لكي يتولوا مسؤوليات.. مسؤوليات كبيرة بما فيها الوزارات؟

صلاح عمر العلي: صحيح، حقيقة يعني لو عدنا إلى مرحلة تأسيس الحزب، هو حزب البعث أول ما أسس على يد طلاب الجامعات.. طلاب الجامعات وطبعاً عندما تأسس الحزب -وهذه حقيقة كبرى- هو مهمة للغاية هو وجود حزب منظم وذو خبرة وإمكانيات هائلة وهو الحزب الشيوعي العراقي، لذلك الحزب وجد نفسه بفترة وجيزة.. يعني وجد نفسه في حلبة الصراع، في داخل دائرة الصراع الإقليمي والدولي وبالتالي لم يمنح الحزب فترة معقولة لكي يخلق كوادر يعني ذات خبرات وذات ثقافة واسعة وذات إمكانيات قيادية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هناك من أبناء البلد، ولماذا لا يكون الحاكم إلا بعثياً؟ لماذا لا يكون الوزير إلا بعثياً؟

صلاح عمر العلي: سيدي، هذا من أمراض الحركات السرية، هذه أحد الأمراض المستشرية لدى الحركات السرية، هذا واقع، هو الشيء اللي بتعرفه هو الشيء كان يجب أن يحصل، إنما الأحزاب خاصة الأحزاب عندما تعيش فترة من الصراع المرير لا يمكن أن تعتمد إلا على أعضائها، وهذا طبعاً شيء غير صحيح، وثبت خطأه. لكن هو اللي جرى هو هذا اللي جرى..

أحمد منصور: غيب القانون، تراجعت العدالة، أصبحت العلاقات الشخصية عوامل حاسمة في تقرير مصائر الناس ووضع البلد.

صلاح عمر العلي: لا شك في هذا.. لا شك في هذا ..هذا صحيح.

أحمد منصور: بدأ هناك أيضاً تنافس على المغانم وعلى عمليات التسلق داخل الحزب في ظل هذا الوضع، وأصبح الشباب اللي ممكن أن يكونوا مخلصين لمبادئ وأفكار الحزب منبوذين مثلك على سبيل المثال، تبحث عن مكان تختبئ به لتحتمي من أناس.. قيادات داخل الحزب هددتك بالقتل.

صلاح عمر العلي: صح، هو كلمة مغانم الحقيقة أنا بتلك الفترة ليس.. لم تكن هناك الكثير من المغانم المغرية، إنما..

أحمد منصور [مقاطعا]: المناصب تكفي والنفوذ..

صلاح عمر العلي: إذا كان مقصود..

أحمد منصور: هذا مغنم أيضاً.

صلاح عمر العلي: حتى نميز بين الأشياء حتى تكون الأمور واضحة، إذا كان المقصود بالمغانم هو المكاسب المالية أو الاقتصادية أو إلى آخره، الحقيقة أن ذاك الفترة لم تكن هناك..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ستأتي فيما بعد.

صلاح عمر العلي: لكن إذا كان المغانم على الصعيد الحزبي نعم، ومثل ما ذكرت لك إنه الصراع بدأ داخل صفوف الحزب وبدأت تستشري ظاهرة الانقسامات والتكتلات داخل الحزب، وتيارات أيضاً بدأ تنمو بعض.. مثلاً تيار ماركسي داخل الحزب.. بدأ ينمو داخل الحزب، فبالتالي إذن بدأ كل مجموعة تحاول أن تعزز موقعها داخل الحزب من خلال مجموعة من السلوكيات، هذا صحيح.

أهم التيارات والتوجهات داخل البعث في الستينات

أحمد منصور: أيه أهم التيارات التي كانت موجودة وأهم التوجهات التي كانت تسعى للتسلق والسيطرة داخل الحزب آنذاك؟

صلاح عمر العلي: هو في الواقع التيار الغالب هو التيار القومي للحزب، هو التيار السائد، لكن بدأ ينمو تيار يتبنى الفكر الماركسي، ومن غريب الصدف أو من غريب ما حصل أنه هذا طبعاً التيار حصل قبل استلامنا السلطة ومعظم رموز هذا الحزب.. هذا التيار صُفُّوا على يد علي صالح السعدي الذي أصبح فيما بعد يقود أو أسس حركة ماركسية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وترك البعث.

صلاح عمر العلي: نعم، في حين هذه.. توفرت الفرصة، سنتحدث عن هذه المسألة وأسبابها ودواعيها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لأنها بدأت في 64 ليس.. ليست متأخرة يعني.

صلاح عمر العلي: لأ طبعاً.. طبعاً.

أحمد منصور: آه يعني.. يعني إحنا لازلنا نتحدث في تلك المرحلة وعملية خروج علي صالح السعدي.

صلاح عمر العلي: نعم، نعم.. نعم.

أحمد منصور: كيف خرج علي صالح السعدي؟ كان من المفترض إن هو الأمين القُطري للحزب، يعني الرجل اللي بيوجه، اللي بيربي، اللي بينظم، اللي بيؤدلج الأفكار بالنسبة للناس ينحرف عن مساره ويصبح ماركسياً في اتجاه آخر، ما معنى ذلك أيضاً؟

صلاح عمر العلي: لأ هو طبعاً متى.. متى أصبح ماركسياً ومتى أصبح في الموقع المضاد لأفكار حزب؟ عندما أُبعِد خارج العراق.. أبعد خارج الحزب، وطبعاً عندما يعني صفَّى خارج العراق كحالة إنسانية مألوفة واعتيادية..

أحمد منصور [مقاطعاً]: دي أيضاً وسيلة من وسائل الحزب في إقصاء المخالفين، وسائل القيادة في إقصاء المخالفين لها، القيادة حينما كانت تختلف مع أحد في الأفكار، كانت تسعى إلى إقصائه أو تهديده بالقتل مثلما هُدِّدت أنت.

صلاح عمر العلي: نعم، هو في الحقيقة بس أحب أوضح إنه علي صالح السعدي وأعضاء القيادة طبعاً لم يُبعدوا من قِبَل الحزب تحديداً، جرى مؤتمر قطري، وتم انتخاب.. انتخابات، ونتائج الانتخابات.. المؤسسة العسكرية لم توافق عليها، فجرى اجتماع في داخل القصر.. القصر الجمهوري، وفي داخل هذا الاجتماع حدث الصِّدام والمؤسسة العسكرية.. أعضاء الحزب العسكريين اتخذوا قرارات، كان من بين هذه القرارات هو إبعاد علي صالح السعدي خارج العراق، ومن ثم بعد ذلك في فترة لاحقة أُبعِد حازم جواد وطالب شبيب أيضاً.

أحمد منصور: هذه المجموعة التي أبعدت إلى إسبانيا؟

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: هذه سآتي لها لأنها كانت قبيل سقوط البعث تقريباً وعندها علي صالح السعدي قال إن البعث جاء إلى السلطة بقطار أميركي، حدث اجتماع للحزب قُطري في 13 سبتمبر في العام 1963 وكان الحزب آنذاك تتجاذبه أطراف مختلفة، نجح المتشددون في قيادة الحزب وحضر ميشيل عفلق من دمشق، خصيصاً لهذا الاجتماع أين كنت أنت؟

صلاح عمر العلي: أنا كنت في بغداد وكنت عضو في المؤتمر القُطري، وكنت يعني على اطلاع مباشر بما جرى، يعني هو الحقيقة المؤتمر أفرز قيادة جديدة، طابعها العام كان طابع ماركسي، فطبيعة الحال..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أبرز القيادات هذه؟

صلاح عمر العلي: هو طبعاً على رأسها كان يعني هي نفس القيادة الحقيقة اللي فازت أغلبها يعني الحقيقة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: علي صالح السعدي كأمين قطري؟

صلاح عمر العلي: نعم، فاللي حصل بالواقع أنه كانت هذه النتائج مفاجئة بالنسبة للقيادة القومية باعتبار أن الحزب حزب قومي وليس ماركسي، وكان بالعكس كان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كيف تسلل الفكر الماركسي إلى الحزب؟

صلاح عمر العلي: كان حريص هذا الحزب على أن.. يميز دائما وباستمرار عن الخط الماركسي، عن الفكر الماركسي، عن الأحزاب الشيوعية الماركسية، كان حريص على أن يبقى في الساحة القومية، مع أنه طبعاً حزب اشتراكي، وحزب يعتبر نفسه تقدمي وثوري..

أحمد منصور [مقاطعاً]: دا شعاراته يعني؟

صلاح عمر العلي: نعم..

أحمد منصور: لكن واقعه يبدو كان شيئاً آخر..

صلاح عمر العلي: هذا صحيح، فإذن أول ما فاجأ هذا.. نتائج الانتخابات فاجأت القيادة القومية ثم فاجأت المؤسسة العسكرية، كما فاجأت حقيقة أوساط واسعة داخل الحزب لأنه بالواقع بروز هذه القيادة كان نتيجة تكتل وليس كنتيجة طبيعية، فعند ذاك بدأت، جاء عدد من أعضاء القيادة القومية إلى بغداد وكان في طليعتهم ميشيل عفلق وحاولوا أن يجدوا مخرج من هذا المأزق ولم يتوصلوا إلى هذا.. عقدت اجتماعات وآخر هذه الاجتماعات حصل في القصر الجمهوري كما ذكرت، وأدى ما أدى من نتائج، حيث طرد عدد من أعضاء القيادة، وثم أعقب هذا الموضوع الانقلاب اللي قاده عبد السلام عارف..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن عفواً.. عفواً، هنا علي صالح السعدي لم يكن جديداً على القيادة، وإنما الرجل تولى القيادة...

صلاح عمر العلي: لأ طبعا عضو قيادة.. عضو قيادة نعم

أحمد منصور: حتى أنه تولي الأمانة العامة بعد ما أُبعد الركابي وجاء بعدة حازم لمدة.. لمدة بسيطة واعتقل، فهو تولى الأمانة..

صلاح عمر العلي: هذا صحيح.

حقيقة تسرب الفكر الماركسي داخل حزب البعث

أحمد منصور: ربما في سنة 1960، الآن نحن صرنا في العام 1963، وتحديداً في نهايته 13 سبتمبر، يعني رجل يقود أو أمين قُطري منذ مدة، كيف تسرب الفكر الماركسي إلى داخل البعث والمفروض أفكار البعث تخالف الأفكار الماركسية؟

صلاح عمر العلي: أنا ذكرت لك أستاذ أحمد، علي صالح السعدي صفَّى، يعني الحقيقة الفكر الماركسي بدأ من أوائل الستينات يتسلق داخل صفوف الحزب على يد أعضاء من الحزب..

أحمد منصور [مقاطعاً]: بسبب ضعف أفكار الحزب وتشرذمه.

صلاح عمر العلي: ربما يكون هذا، وربما يكون أيضاً يعني خليني أذكر لك الآتي، حزب البعث يعني تأثر إلى حد كبير بوجود حركة ماركسية، والشعارات آنذاك كانت الشعارات المقبولة لدى الجماهير، يعني اللي تلقى ترحيب هي الشعارات المتطرفة واليسارية والشديدة التطرف، فبالتالي حزب البعث رغم أنه كان خصم مع الحزب الشيوعي العراقي، إلا أنه تأثر بطروحات الحزب الشيوعي، ليس فقط على صعيد الفكر، إنما حتى على صعيد التنظيم هذا التنظيم الحديدي اللي بناه حزب البعث في العراق، أيضاً تأثر في..

أحمد منصور [مقاطعاً]: معظم الحركات السرية تنهج نفس التركيبة يعني..

صلاح عمر العلي: صحيح، لكن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني.. يعني لو رجعنا إلى.. حتى خارج العالم العربي لأن هي كلها مستقاة من بره، أو هي الطبيعة البشرية بتقود إلى هذا..

صلاح عمر العلي: صحيح، لكن إذا ما قارننا حزب البعث كما ذكرت سابقاً عندما تأسس في.. في سوريا كان حزب علني، كانت الندوات تعقد في المقاهي وما كان هناك اتجاه لدى حزب البعث أن يتحول إلى حزب سري بهذه الطريقة المتقنة والشديدة الإتقان والانغلاق، هذا كله نتيجة تأثره بالحزب الشيوعي.

أحمد منصور: في.. بعد.. بعد هذا المؤتمر القطري، عُقد المؤتمر القومي السادس في 5 أكتوبر 1963 ووقع كثير من الصراعات في داخله وكان من أهم الأشياء التي بحثها الوحدة بين سوريا ومصر، كان لك حضور في هذا؟

صلاح عمر العلي: في أي مؤتمر.

أحمد منصور: المؤتمر القومي السادس.

صلاح عمر العلي: نعم.

أحمد منصور: حضرته.

صلاح عمر العلي: حضرته نعم..

بروز ميشيل عفلق زعيماً في حزب البعث

أحمد منصور: نعم.. يعني المؤتمر استمر 18 يوماً ودي من أطول الأيام اللي عقدت فيها، وكان من أهم المؤتمرات أيضاً لأن كان ميشيل عفلق حريص على زعامته وكانت الصراعات بدأت تشتد بشكل كبير جداً لديكم صراعات داخل الحزب أصبحت مرتفعة.

صلاح عمر العلي: طبعاً إحنا بالحقيقة عندما حضرنا إلى هذا المؤتمر في.. في سوريا، سرعان ما اكتشفنا أن هناك تكتلات من نوع آخر..

أحمد منصور: ما هي؟

صلاح عمر العلي: يعني قصدي لم تكن ها التكتلات على.. قائمة على خلفية الصراع بين الفكر الماركسي والفكر القومي، إنما كانت هناك تكتلات غالبها كان ذا طبيعة شخصية يعني بين أشخاص القيادة.

أحمد منصور: مثل؟

صلاح عمر العلي: وكانت هناك شكوك، كانت هناك ريبة..

أحمد منصور: اوصف لنا الخريطة، أو قدم لنا خريطة هذه التكتلات.

صلاح عمر العلي: الخارطة هي بالشكل التالي، إنه طبعاً ميشيل عفلق في تلك الفترة كان يعتبر هو الرائد أو هو المثل للحزب بعد أن ترك الحزب كل من السيد جلال السيد وصلاح البيطار.

أحمد منصور: صلاح البيطار تركه بعد الوحدة..

صلاح عمر العلي: نعم فأصبح..

أحمد منصور[مقاطعاً]: وكذلك ليس صلاح البيطار وحده وإنما حتى أكرم الحوراني كذلك.

صلاح عمر العلي: هذا صحيح، فأصبح إذن رمز الحزب من هو؟ ميشيل عفلق.

أحمد منصور: اسمح لي هنا بنقطة، يقال إن عفلق لعب الدور في.. في إقصاء كلا الرجلين، حتى لا يكون له شركاء في زعامة الحزب.

صلاح عمر العلي: أنا والله لا أستطيع الحديث عن هذا الموضوع لأني الحقيقة ما كان إلي دور بتلك الفترة، ربما يكون وربما لا يكون صحيح، لكن في الواقع أو في الغالب يعني بشكل عام خاصة الخلاف بين صلاح البيطار وميشيل عفلق جرى بأجواء الانفصال عملية الانفصال اللي صارت، فبحينها اتهم صلاح البيطار بأنه أيد الانفصال، وعلى عكس ميشيل عفلق اللي كان متشدد في هذا الأمر، وهاجم الانفصال وضحَّى...

أحمد منصور: كيف وكان مطارد الرجل من عبد الناصر؟

صلاح عمر العلي: مطارد، هذا صحيح، لكن هذا مبدأ، هذا موضوع مبدأ، يعني موضوع الوحدة مبدأ، ما كان يعني هذا الموضوع..

أحمد منصور: هي كانت شعار أكثر منها مبدأ.

صلاح عمر العلي: مضبوط هو شعار من شعارات الحزب، بالتالي إذن جرى الصراع بين صلاح البيطار وبين ميشيل عفلق على خلفية هذا الموضوع، خلفية الانفصال والنتائج التي ترتبت على الانفصال، حتى..

أحمد منصور: حتى مفهوم الوحدة لديهم...

صلاح عمر العلي: حتى مع السيد أكرم الحوراني جرى هذا الموضوع، على نفس الخلفية.

أحمد منصور: حتى مفهوم الوحدة مفهوم مبعثر أيضاً في أفكار البعث.

صلاح عمر العلي: أستطيع أن.. أن أؤيدك بهذا الموضوع. نعم..

أحمد منصور: والدليل على ذلك أنه بعد أيام قليلة من قيام الانقلاب في مارس 63 هنا في سوريا، بحث.. بحثوا بعد.. بعد أيام قليلة لسه مافيش أي شيء شُكل، بحثوا الوحدة مع العراق، كأن قضية الوحدات ديت لعب عيال، يعني اسمح لي في .. في العبارة يعني، أوروبا قعدت 50 سنة حتى وصلت إلى الوحدة، هنا وحدة تتم في اجتماع، وتفصم بعده بساعة، جلسوا بعد ساعات من الانقلاب يبحثوا في الوحدة، وفي هذا المؤتمر القُطري القومي السادس أيضاً كان قضية الوحدة بين القُطرين كانت هي قائمة على .. دون وجود أي أسس للوحدة.

صلاح عمر العلي: بس دعني أقول لك أستاذ أحمد المقارنة أعتقد غير واقعية وغير عملية، الوحدة بين الدول الأوروبية كان لابد أن تمر بهذا المسار العسير، لأنها شعوب وقوميات وديانات ومصالح مختلفة، وهناك حروب.

أحمد منصور: في النهاية لم يتغير من ذلك شيء.

صلاح عمر العلي: لو سمحت لي، أيضاً هناك جرت الحروب بين هذه الدول، وصراعات مريرة فإذن لابد أن يعني تحتاج إلى وقت، ثم إنه الدول الأوروبية كانت تقدمت في ثقافتها وفي وعيها و.. إلى آخره، ثم تدرجت، كان السائد بين أوساطنا أنه إحنا شعب واحد وأمة واحدة، إجه الاستعمار قسمنا، فبالتالي إذن موضوعة الوحدة موضوعة مقبولة لدى جماهير الأمة العربية باستثناء النظم التي نصبتها القوى الاستعمارية، فبمجرد أن تزاح هذه الأنظمة معناها أن الجماهير مهيأة لمثل هذه الوحدة، لكن.. لكن..

أحمد منصور [مقاطعاً]: الخلاف ليس على الوحدة وإنما على وسائلها وطرقها وأساليبها..

صلاح عمر العلي: نعم.. مفهوم الوحدة الحقيقة كان غير واضح، لفترة متأخرة كان هناك مفاهيم مختلفة، منهم من اعتبر الوحدة هي عبارة عن نمط من أنماط الاتحاد، ومنهم من اعتبر الوحدة هي عملية اندماج بالكامل تحت قيادة واحدة. هذا صحيح.

أحمد منصور: إلى الآن.. إلى الآن وهم يشرحون في الوحدة الاندماجية والوحدة الكاملة، ولكن يعني على سبيل المثال على أبسط شكل من أشكال الوحدة وهو الزواج، الرجل والمرأة، مافيش حد بيتجوز في نص ساعة، أنتم كنتوا في نص ساعة بتعملوا وحدة بين دولتين، بين شعبين، بين.. بين حتى عبد الناصر حينما جاء هنا، كلها أشياء عاطفية لا.. لم تقم على أسس، حتى حينما تباحث السوريون والعراقيون في العام 63 عن الوحدة، أشياء لم تقم وقامت قبلها توقيعات كثيرة جداً، وكانت قبل أن يجف المداد تنفض.

صلاح عمر العلي: تنفض صح، صحيح.

أحمد منصور: ويعني هناك.. هناك يعني شيء طبيعي في الحياة لابد أن يتم، لم يكن يتم، أرجع للتكتلات والخريطة التي كانت موجودة في البعث وميشيل عفلق تفضل.

صلاح عمر العلي: نعم، يعني قلت أنه وجدنا أن هناك تكتلات قائمة على خلفية مختلفة عن ما جرى في العراق، فكانت صراعات وكانت تكتلات وكل كان يعمل على حسم الأمور لصالح.. لصالحه، وبالتالي في هذا المؤتمر حُسمت النتائج لصالح خط ميشيل عفلق، وُصفي الآخرين.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: كيف تمت عملية تصفية الآخرين لاسيما وأنها يجب أن تذكر؟

صلاح عمر العلي: جرت انتخابات لكن انتخابات كانت تجري في ظل جو من التكتلات.

أحمد منصور: أوصف لنا كيف لأن.. الآن.. الآن هذا المقصد اللي.. يقول..

صلاح عمر العلي: يعني سلاح الأستاذ ميشيل عفلق كان سلاح إلى حد ما هو الغالب بين أوساط المؤتمرين، لماذا؟ لأنه ميشيل عفلق كان دائما متمسك بالخط القومي، دائما يركز على المفاهيم القومية، على.

أحمد منصور: ألم تكن الأبوية، ألم تكن...

صلاح عمر العلي: وكذلك هذا.. هذا...

أحمد منصور: الحرص دائما على.. وكان تهديد كذلك بأنه سيتخلى، سيعتكف، سيهاجر إذا لم يتم..

صلاح عمر العلي: لا.. لأ حقيقة أنا.. ما أسمع هذا النوع من التهديد، لكن حقيقة مسألة.. ظاهرة الأبوة والريادة وكون تأسيس الحزب أيضاً بعد أن خرج الآخرين، بدأ يرتبط باسم ميشيل عفلق، فبالتالي إذن هذه العوامل كلها هيأت لسيادة خط ميشيل عفلق.

أحمد منصور: في النهاية اتُّفِق على ترحيل علي صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي وخالد مكي الهاشمي إلى مدريد، وتم هذا الأمر في عملية انقسام واضحة أو بداية صراعات وإقصاء للمخالفين داخل الحزب.

صلاح عمر العلي: هو جرى هذا مثل ما ذكرت لك في الاجتماع اللي حصل في القصر.. القصر الجمهوري، نتيجة لهذا الاجتماع حصل هذا الإبعاد.

أحمد منصور: أيوه.. يعني بعد ذلك جاء ميشيل عفلق وأمين الحافظ إلى بغداد، تقرر طرح.. طرد زعيمي الجناح المعتدل في الحزب هما حازم جواد وطالب شبيب وإعفائهما من مناصبهما في الوزارة، وبدأ الصراع داخل الحزب مما أدى إلى أن الذين تضرروا من الحزب منذ قيام 8 فبراير إلى ذلك الوقت يستعدوا لكي يستقووا، كانت الصراعات الداخلية في الحزب كفيلة بأن ينتبه الآخرون وجاء دور سقوط حزب البعث، يعني كيف تقييمك لهذه الصراعات في تلك المرحلة قبيل سقوط الحزب؟

صلاح عمر العلي: يعني هو ما عندي المزيد من الإضافة على ما ذكرت لك إياه، لكن أستطيع أن أقول أنه بأجواء الصراع والخلاف ومحاولة إيجاد صيغة توافقية آنذاك بين ها الأطراف هذي، كان بالجانب الأخر كان يجري سباق محموم وسريع جداً للانقضاض على كامل التجربة الحزبية من قبل عبد السلام.. عبد السلام عارف وعدد من الضباط القوميين كبار الرتب.

انقلاب عبد السلام عارف وسقوط البعث 1963

أحمد منصور: وهذا ما حدث بالفعل في 18 تشرين حيث اتفق عبد السلام عارف مع رئيس الأركان طاهر يحيى على إنهاء ما سمي بمهزلة حزب البعث في العراق، وألقي القبض على القيادتين القطرية والقومية، وكان وقتها ميشيل عفلق وأمين الحافظ هناك فقبض عليهما أو اعتقلا لمدة يومين بعد ذلك، وسقط حزب البعث في هذه التجربة، كُلِّف طاهر يحيى رئيس الأركان بتشكيل حكومة جديدة أعلنت في 20 نوفمبر 1963، أين كنت أنت في تلك المرحلة؟

صلاح عمر العلي: أنا الحقيقة قبل سقوط التجربة بحوالي أسبوع تركت البصرة عندما.. عندما اشتد الصراع، وبدأت السلطة مرتبكة جداً، وفلت زمام الأمن في بغداد وكثير من الأمور أصبحت الآن خارج قبضة السلطة، رجعت إلى بغداد بمبادرة شخصية من عندي، ورحت إلى مقر قيادة الحرس القومي في (....) الشرقية اللي كنت أنا أقودها، ودخلت إلى مقر القيادة فوجدت حالة حقيقة غريبة حيث وجدت في المقر عدد من أعضاء حزب البعث المتميزين معتقلين من قِبَل قيادة الحرس القومي.

أحمد منصور: من هؤلاء؟

صلاح عمر العلي: من أبرزهم كان خالد علي الصالح اللي هو مناضل مشهور معروف وطبعاً فيما بعد ترك الحزب، وجدتهم موضوعين في قبو ومعتقلين من قبل قيادة الحرس القومي، كإحدى نتائج هذا الصراع فبالحقيقة الشخص اللي كان مسيطر...

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنت من المفترض أنك كنت مسؤولاً عن ثلث بغداد.

صلاح عمر العلي: تقريباً.. تقريباً فالشخص اللي كان فارض نفسه...

أحمد منصور: يعني أنت أحد ثلاثة مسؤولين عن الحرس القومي في بغداد.

صلاح عمر العلي: هو يمكن كان أكثر من ثلاثة، لكن المنطقة اللي كنت أشغلها هي تقريباً أوسع منطقة في بغداد.

أحمد منصور: ومع ذلك هُددت وكنت مطارداً ثم رجعت.

صلاح عمر العلي: نعم.. فالحقيقة أخذت المبادرة آني بأن نحيت هذا الشخص عن قيادة الحرس القومي، واستلمت المسؤولية وأطلقت سراح..

أحمد منصور: كده من نفسك أنت.

صلاح عمر العلي: نعم أنا بالحقيقة، الرجل كان يعني يعاملني بود..

أحمد منصور: من هو؟

صلاح عمر العلي: وباحترام كبير جداً، كان اسمه صادق العباسي، فخدت مفاتيح القبو وفتحت لهم الباب وأطلقت سراحهم وطيبت خاطرهم احتضنتهم بمحبة شديدة جداً و(أخذوا) راحتهم، لكن أنت كانت.. كانت الأمور على وشك أن تنتهي.

أحمد منصور: عبد الناصر أَيَّد عبد السلام عارف في هذه الحركة التى قام بها ضد البعث، وكيف كان وضع البعث بعد اعتقال قياداته و تفرد عبد السلام عارف بالسلطة؟

صلاح عمر العلي: بطبيعة الحال واجهنا ضربة قاسية جداً على يد عبد السلام عارف وقيادته، وبساعات قليلة زج بعدد كبير جداً من البعثيين في السجون والمعتقلات، وعدنا من جديد يعني إلى يعني مرحلة الصراع الأول النضال السلبي.

أحمد منصور: كيف اعتقلت؟

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة اعتُقلت يعني صبيحة نفس اليوم يوم الانقلاب، أنا وضابط كان اسمه نعمة فارس الحياوي، أُخذنا في سيارة عسكرية إلى وزارة الدفاع، واعتقلت في وزارة الدفاع، لكن في الواقع لم أمكث إلا بضع ساعات، فجاء قائد الانضباط العسكري اللي كان يحمل رتبة عسكرية كبيرة اسمه سعيد سليط، والواقع شعرنا بأنه كان متألم جداً للغاية وما رضى، ما وافق على ها الصورة هذه زُجَّ بينا إحنا عدد كبير جداً في وزارة الدفاع فأطلق سراح عدد كبير من عندنا، والرجل حقيقة...

أحمد منصور: كنتم بعثيين جميعاً.

صلاح عمر العلي: نعم؟

أحمد منصور: كلكم من البعثيين.

صلاح عمر العلي: كلاتنا بعثيين طبعاً، فأطلق سراحنا وكان نصيبي أنه يطلق سراحي على عجل.

أحمد منصور: لكن قُبِض عليك بعد ذلك في 64.

صلاح عمر العلي: نعم فيما بعد.

أحمد منصور: كيف قبض عليك؟ وكيف كانت الفترة اللي قضيتها في السجن؟ كانت طويلة يعني.

صلاح عمر العلي: والله أنا قبض علي بعد ذلك أكثر من مرة، المرة الأولى قبض علي بـ.. يعني مسألة يعني بسيطة جداً ويعني تكاد تكون سخيفة، ألقي القبض على شبان اثنين كانوا من مجموعة على صالح السعدي، أُلقي القبض عليهم كانوا يوزعوا بيانات معادية لسلطة عبد السلام عارف في شارع مهم اسمه شارع أبي نواس، فعندما جيء بهم إلى دائرة الأمن وضغطوا عليهم، وأرادوا يعرفون من أين استلموا هذه البيانات، ذكروا بأنه استلموها من صلاح عمر العلي، من عندي أنا وأنا في واقع الحال ليس لي علاقة بهؤلاء نهائياً فزج بي بالمعتقل، ويعني حقيقة تعرضت إلى تعذيب وإلى تحقيق قاسي جداً نتيجة هذه الفرية وهذا الكذب.

أحمد منصور: أيه أشكال التعذيب التي كانت تمارس في ذلك الفترة؟

صلاح عمر العلي: وبقيت حوالي (...) أشهر في المعتقل.

أحمد منصور: أيه وسائل التعذيب التي كانت تمارس في ذلك الوقت؟

صلاح عمر العلي: بالواقع يعني في.. في كل مكان كان نوع من التعذيب، في دائرة الأمن كان بنتعرض إلى ضرب شديد جداً من قِبل ضابط شرطة كان معروف قُتل فيما بعد وأعتقد على الغالب قُتِل من قِبل البعثيين، كان اسمه عز الدين نافي، وكان مشهور في تلك الفترة بقسوته وشراسته وعدائه المطلق للبعثيين، فلم ينجُ أي بعثي من.. من شراسة هذا الشخص، أي بعثي دخل في دائرة الأمن تعرض إلى تعذيب.

أحمد منصور: عددكم كان قد أيه تقريباً؟

صلاح عمر العلي: والله يعني في البدء كان عددنا بضع عشرات في دائرة الأمن، لكن فيما بعد تطور الأمر بحيث أصبح عددنا كبير جداً، وحتى لم تعد دائرة الأمن تتسع لهذا العدد بحيث فتحوا معتقلات أخرى وخصوصاً في منطقة اسمها خلف السدة، كانت هناك معسكرات للشرطة، فبدءوا يفرغوا عدد من قاعات الشرطة لكي يحولوها إلى معتقلات.

أحمد منصور: طبعاً أنتم أذقتم الناس من قبل ألوان من التعذيب في هذه الفترة.

صلاح عمر العلي: لاشك.. لا شك هذا صحيح.

أحمد منصور: وبالتالي كان عملية الانتقام والانتقام المتبادل ربما كانت هي السائدة في ذلك الوقت.

صلاح عمر العلي: هذا صحيح.. هذا صحيح.. صحيح.

أحمد منصور: مين.. مَنْ.. الآن أنتم تقريباً يعني أذقتم الشيوعيين ألوان شتى من العذاب ويعني شبه ضربتوهم ضربات قاصمة، وهم كانوا قبل ذلك أيضاً شاركوا في ضربكم، الآن استقويتم مرة أخرى وبقيتم عشرة أشهر في السلطة مارستم فيها كل الأساليب المختلفة، من هي القوة التي كانت بعد ذلك موجودة ومارست التعذيب عليكم؟

صلاح عمر العلي: علينا؟ بالواقع جاء دور القوميين، يعني لأنه السلطة الجديدة، سلطة عبد السلام عارف كانت أغلبها يعني ممثلة بضباط قوميين..

أحمد منصور: لم يرتكن إلى الشيوعيين باعتبارهم أعداءكم بحيث يستند لهم في مرة أخرى؟

صلاح عمر العلي: لأ، بالواقع يعني في المرحلة الأولى لم يتخذوا أي موقف عدائي من الحزب الشيوعي، إنما انصب أيضاً الجهد حول تصفية البعثيين ومطاردتهم وملاحقتهم. هذا اللي حصل.

أحمد منصور: نعم، وضع البعثيين الذين لم يكونوا في السلطة.. الذين لم يكونوا في السجون آنذاك ماذا كان وضعهم في الخارج؟

صلاح عمر العلي: هو حتى تفهم الصورة كتير وتتضح أكثر، طبعاً إحنا بهذه الفترة سرعان ما انقسم الحزب حيث أن علي صالح السعدي شكَّل منظمة ذات طبيعة ماركسية وبدأ يهاجم الحزب ببيانات مستمرة ونشريات مستمرة يهاجم الحزب ويعني..

أحمد منصور: حزب أميركي وجاء بقطار أميركي وخلافه.

صلاح عمر العلي: أنا بالحقيقة أعيد من جديد وأقول أنه لم تتوفر لديّ وثيقة رسمية تؤكد أن علي صالح السعدي.. قال هذا.

أحمد منصور: هذه الأشياء تُسرَّب.

صلاح عمر العلي: لا شك في هذا، لكن إذا كان صحيح أن هذا الأمر صدر عن علي صالح السعدي فهو صدر في هذه الفترة حيث اتخذ موقف عدائي من الحزب وانشق على الحزب، وبدأ يشعر بتأنيب ضمير، لأنه هو المسؤول الأول والأخير عن كل ما جرى خلال فترة العشر أشهر اللي حكم فيها حزب البعث، فبدأ يشعر أنه ثقل المسؤولية والجريمة الكبرى اللي اتخذت بحق هؤلاء الأبرياء اللي قتلوا، فمن باب التكفير عن هذه الخطيئة الكبرى اللي يتحملها نَهَجَ نَهْج ماركسي بالوقت اللي كان علي صالح السعدي مشهور ومعروف أنه هو قمع أي شخص في داخل الحزب ينحو باتجاه تبني الماركسية.

مقتل عبد السلام عارف وخلافة أخيه للسلطة

أحمد منصور: طاهر يحيى قدَّم استقالة حكومته في.. في الثالث من سبتمبر عام 1965 وكُلِّف عارف عبد الرزاق بتأليف حكومة جديدة، وقام عارف عبد الرزاق الذي كان ذا ميول ناصرية بمحاولة انقلابية فاشلة في 16 سبتمبر، يعني بقي في السلطة تقريباً 14 يوماً، ونحن سجلنا شهادته في هذا البرنامج، أثناء وجود عبد السلام عارف في مؤتمر القمة في الدار البيضاء، وفي 13 أبريل 66 قُتِل عبد السلام عارف في حادث طائرة لازال غامضاً إلى الآن هل أنتم بصفتكم بعد ذلك جئتم إلى السلطة هل كان الحادث مدبراً؟

صلاح عمر العلي: يعني أنا سألت أكثر من مرة أحمد حسن البكر سألته عن هذا الموضوع ونفى نفي قاطع أن يكون إلنا أي دور في تصفية عبد السلام عارف، إنما يعني كان يؤكد على أن الحادث غير مدبر وحادث يعني مجرد حادثة يعني نتيجة وجود زوبعة شديدة، والمنطقة اللي وقع.. سقطت فيها الطائرة معروفة في جنوب العراق بأنها منطقة زوابع رملية هائلة جداً.

أحمد منصور: لكن يُقال وقع انفجار في الطائرة.

صلاح عمر العلي: والله، بعض الأوساط يعني ومازالت فيه ناس ينسبوها لحزب البعث، لكن أنا الحقيقة..

أحمد منصور: يعني أنتم كبعثيين برآء من دم عبد السلام عارف؟

صلاح عمر العلي: والله للأمانة أنا أقول لك هذا ما سمعته، هذا ما سمعته، أنا ما كنت عضو قيادة آنذاك، لكن ما سمعته من أحمد حسن البكر أكثر من مرة أكد ونفى نفي قاطع أن يكون إله دور، لكن مثلاً عز الدين نافي هذا الضابط الشرطة اللي عذَّب البعثيين تعذيب شديد، أنا فيما بعد سألته فأكد لي أن البعثيين هم اللي قتلوه.

أحمد منصور: تولى عبد الرحمن البزاز السلطة حسب الدستور، وفي 17 أبريل أعلن عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف رئيساً للبلاد حيث كان مرشحاً كلاً من عبد العزيز العقيلي وعبد الرحمن البزاز وأيضاً.. إلا أن عارف نجح في الاقتراع، شكل عبد الرحمن البزاز الحكومة واستقال في 6 أغسطس 66 وقيل إن حكومة البزاز كانت من أكثر فترات العراق استقلال في.. استقراراً في تلك المرحلة، صحيح هذا؟

صلاح عمر العلي: نعم، بالحقيقة يعني دعني أوضح أو أصحح خطأ، بعد أن توفي عبد السلام عارف عُقد اجتماع لما يُسمى بمجلس الدفاع الأعلى وانتخب عبد الرحمن البزاز القانوني الدستوري الأكاديمي المعروف في العراق، رجل قانون ورجل طبعاً معروف بميوله الصادقة لتبني النهج الديمقراطي، إنما انتخب.. انتخب في هذا الاجتماع، ولكن عدد من الضباط اللي كانوا مجتمعين في هذا الاجتماع رفضوا قبول هذه النتيجة وأصروا على أن يكون عبد الرحمن عارف هو الرئيس وفرضوه فرض، فأيجى إذن عارف..

أحمد منصور [مقاطعاً]: قيل إن هناك عملوا دورة أخرى يعني عملوا اقتراع مرة أخرى صعد من خلالها عبد الرحمن عارف.

صلاح عمر العلي: نعم هو هذا.. هذا الشكل، فإذن جيء بعبد الرحمن عارف بهذه الصيغة، ليكون رئيس جمهورية يعني حقيقة من الإيجابيات اللي مارسها عبد الرحمن عارف هو اعتماد عبد الرحمن البزاز كرئيس وزراء، وفعلاً بدأت الحالة السياسية المتشنجة في العراق والتوتر القائم بين أوساط كل الحركة السياسية بمجموعها في العراق بدأت تأخذ مسار آخر وبدأت الناس تسترخي، حيث أنه بدأ..

أحمد منصور: طالما بعيد عن البعث والشيوعيين.

صلاح عمر العلي: البعث والشيوعيين صحيح، لاشك فيه، بدأ عبد الرحمن عارف بإجراء سلسلة من الإجراءات اللي فعلاً بدأت تهدئ الأوضاع على كافة المستويات، وبدأت مرحلة من الازدهار والهدوء والطمأنينة تسود الشارع العراقي، وحقيقة مقاهي بغداد شهدت نشاط شبه علني بين أوساط الحركة السياسية العراقية في ظل وزارة عبد الرحمن البزاز.

أحمد منصور: أبزر القوى أيه اللي ظهرت سياسياً؟

صلاح عمر العلي: هي نفس القوى، ذات القوى، القوميين والشيوعيين والبعثيين وحركات صغيرة أخرى.

أحمد منصور: ساهمت بشكل أساسي في انقلاب 17/30 تموز، في الحلقة القادمة أبدأ معك من هذا الانقلاب ووصول البعث للسلطة، أشكرك شكراً جزيلاً.

صلاح عمر العلي: شكراً.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حُسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ صلاح عمر العلي (عضو القيادة القُطْرية الأسبق في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وعضو مجلس قيادة الثورة).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.