مقدم الحلقة

أحمد منصـور

ضيف الحلقة

- د. يعقوب زيادين، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني

تاريخ الحلقة

01/01/2000



يعقوب زيادين
أحمد منصور
أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،أهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نكمل حوارنا مع الدكتور: يعقوب زيادين (الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني) مرحبًا يا دكتور، نحن في الحلقة الماضية -ربما- توقفنا عند العام (1950م) تخرجك في كلية الطب، انتقالك إلى القدس والعمل في إحدى المستشفيات التبشيرية..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

الفلسطينية.

أحمد منصور:

الفلسطينية التي كانت تدعم من الولايات المتحدة..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

من وكالة الغوث.

أحمد منصور:

من وكالة الغوث، هذه الفترة كان الحزب..كان قد تم حل الأحزاب الشيوعية في لبنان وفي سورية وفي العراق، ولم يكن قد شكل الحزب الشيوعي الأردني حتى هذه اللحظة، كيف كان ارتباطك مع الحركة الشيوعية في تلك الفترة؟

د. يعقوب زيادين:

استغربت.. أنا عند وصولي إلى القدس عام 1950م في شهر (تموز)، بعد أيام اتصلت بي عصبة التحرر الوطني الفلسطينية، وبدءوا يعطونني بعض مطبوعاتهم، كيف عرفوا أنني شيوعي وقادم حديثا من لبنان، الغرابة الثانية أن الذي اتصل بي كان أحد الضباط من الجيش من المقربين جدًّا من (كلوب باشا) ودعاني..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

الجيش العربي الأردني.

د. يعقوب زيادين:

ودعاني إلى الانضمام كطبيب إلى الجيش (نحن بحاجة إلى أردنيين بحجة أنه.. وتعال اشتغل معنا)، جوابي في المرة الأولى إنني لا أصلح للعمل بهذا القدر من الانضباط يعني، عاد إلىّ بعد أسبوع أيضًا وطرح علىّ -مع إغراءات جديدة هي أنه سيعطيني رتبة أعلى من المعتاد- أيضا رفضت، وفي المرة الثالثة جاء أيضًا بإغراءات أشد؛ برتبة رئيس (برتبة ثلاثة نجوم) وهذه أول مرة تجري في الأردن، في الجيش العربي، وأيضًا بعثة إلى بريطانيا لإكمال الجراحة باعتبار أني كنت مساعد جراحٍ في تلك الفترة، وقلت له: (يا أخي، إني لا أصلح لهذا العمل ولا أقدر..) قال لي: (بعد سنة ستكون في السجن) وبالفعل بعد سنة صدر الأمر باعتقالي سنة 1952م..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أي أن اعتقالك الأول حدث سنة 1952م؟

د. يعقوب زيادين:

الأول كان سنة 1952م مضبوط، لكن فتشوا في تلك الفترة كل شرق الأردن وفلسطين بحثًا عن شخص يأخذ مكاني، لكنهم لم يجدوا وبتأثير وبطلب من وكالة الغوث مددوا الاعتقال سنة أخرى، وفي عام 1953م، عندما جاء طبيب خرِّيج من (أدنبرة) تم اعتقالي عام 1953م في (الجفر)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

توجد نقطة مهمة هنا قبل أن ننتقل من هذا الأمر وقضية الاعتقال، عصبة التحرر الوطني كانت هي الواجهة للحزب الشيوعي الفلسطيني؟

د. يعقوب زيادين:

هي انقسام عن الحزب الشيوعي الفلسطيني.

أحمد منصور:

بسبب سيطرة اليهود على الحزب؟

د. يعقوب زيادين:

أظن أنه أحد الأسباب، الواجهة التي أخذتها اليهود في الحزب...

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لكن كانت كل أفكار..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

ليس لدىّ أي معلومات واضحة عن القضية.

أحمد منصور:

عصبة التحرر -في ذلك الوقت- كانت كل أفكارها ومبادئها هي نفس الأفكار والمبادئ الماركسية الشيوعية.

د. يعقوب زيادين:

في تقديري أنها ماركسية..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كانت سرية في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

لا أدري... أظنها سرية إذن.

أحمد منصور:

دكتور، في عام 1951م تم تأسيس الحزب الشيوعي الأردني، كيف تم تشكيل هذا الحزب ودورك في عملية التأسيس والتشكيل؟

د. يعقوب زيادين:

كان دورًا متواضعًا أصلاً في هذه القضية سوى أنني كنت طبيبًا، وعُرِفْتُ بسرعة أنني شيوعي، وهي تشكلت من عصبة التحرر الوطني الفلسطيني.. المجموعات التي جاءت إلى نابلس، ثم انضمت فيما بعد إلى المملكة الأردنية الهاشمية.. شكلوه مع المنظمات الماركسية المنتشرة والتي خرجت من القاهرة، من بيروت، من دمشق، كانت هناك خلايا ماركسية، أفراد من الطلاب الذين درسوا بالجامعات، من هذه المجموعة تشكل الحزب الشيوعي الأردني بقيادة فلسطيني من قيادات عصبة التحرر الوطني هو المرحوم فؤاد نصار...

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أكان هو أبو خالد؟

د. يعقوب زيادين:

هو أبو خالد.

أحمد منصور:

نعم، ما الأفكار والمبادئ الأساسية التي قام عليها الحزب الشيوعي الأردني في ذلك الوقت؟ هل كان التقاءٌ -سواء من الناحية التنظيمية- بينه وبين الأحزاب الشيوعية في كل من لبنان، وسورية، والعراق؟ أم كان مستقلاًّ في أفكاره ومبادئه، وفلسطين أيضًا؟

د. يعقوب زيادين:

أيضًا لا أستطيع أن أقول، كنت قادمًا جديدًا على الأردن، لكن لا شك أنه كان هناك علاقات واسعة مع الحزب الشيوعي السوري، واللبناني، ومع العراقي؛ أي أنه كان هناك صلات، ويعرفون بعضهم البعض أعني القيادات، كان هناك اتصال شخصيٌّ بي واحد يتصل بي بشكل سري خالص.

أحمد منصور:

ما طبيعة التكاليف التي كنت تكلف بها في ذلك الوقت من خلال الاتصال؟

د. يعقوب زيادين:

كنت أعالج عددًا من الرفاق المرضى، كنت أدفع تبرعات، كانوا يعطونني المطبوعات.. كنت أوزع المطبوعات على الموظفين الذين حولي، وأنا كنت أيضًا غريبًا عن القدس وسكان القدس وبالتالي بدأت أقيم علاقات.. أيضًا تأثرت زوجتي معي، وبدأت تقيم علاقاتٍ مع النساء، تنظيم مؤتمرات، مثلا أول وفدٍ صدر عن الأردن لمؤتمر عام عالمي.. مؤتمر الدفاع عن الشعوب في (فيينا) تشكّل وكنت أنا عضوًا رئيسيًّا به أنا وزوجتي..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

من الذي اختاركم؟

د. يعقوب زيادين:

نعم؟

أحمد منصور:

من الذي اختارك؟

د. يعقوب زيادين:

اختارتني قيادة الحزب، بلغتنا أننا نذهب إلى (فيينا) لحضور مؤتمر الدفاع عن الشعوب.

أحمد منصور:

ألم يكن الحزب سريًّا في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

كان سريًّا جدًّا، ولكن كانت الصلات قائمة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وكيف ذهبتم لتمثلوا الحزب في ذلك الوقت؟ ألم تخشوا من الاستخبارات؟

د. يعقوب زيادين:

نحن نمثل حركة السلام الأردنية.. هي كانت غطاءً، لكن أيضًا كان هناك قانون يحاكم أعضاء حركة السلام بثلاث سنوات سجنًا، وبرغم هذا تحدينا الأمر الواقع والقوانين المعادية للشيوعية خمسَ عشرةَ سنةً سجنًا، والقانون -أيضًا- الذي اعتبر حركة السلم جزءًا من الحركة الشيوعية، تحدينا هذا كله وخرجنا في مؤتمر.. خمسة أشخاصٍ، وهذا أول وفد من الأردن يخرج إلى الخارج ويشترك في مؤتمر ضم عشرات الوفود (بفيينا).

أحمد منصور:

في ذلك الوقت في بداية الخمسينات.. ما الذي كان يريده الشيوعيون بالضبط؟

د. يعقوب زيادين:

يظهر أنها قضية مهمة.. ليظهر أن وجود (أبو خالد) رفيقنا وهو مناضل وطنيٌّ، وحمل السلاح في وجه (بريطانيا) عامي (1939م،1938م) وجرح في المعارك أيضًا، ومعروف جيدًا للفلاحين الفلسطينيين في (الخليل) وفي (القدس)، وبدأ يتعرف.. وانفتحت آفاقه على الماركسية -عندما كان منفيًّا في بغداد- بالاتصال مع الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية التقدمية العراقية.. كان برنامجنا له تأثيره، بدليل أن البرنامج ليس فيه ذكر للماركسية ولا للاشتراكية.

برنامجنا هو برنامج من ثمانِي نقاطٍ أو تسع نقاط عملية:- أول نقطة هي إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية الظالمة، وهذه أول مرة، وأول حزب في الأردن يرفع مثل هذا الشعار، أيضًا إطلاق الحريات العامة، وأيضا توطين البدو، وأيضا سياسة اقتصادية تؤدي للاكتفاء الذاتي، إعطاء المرأة حقوقها في العمل وفي التعليم، تصنيع البلاد، تكوين المؤسسات للنقابات المهنية والعمالية، يعني برنامجٌ مَصُوغٌ بشكل جيدٍ وبسيطٍ ومفهومٍ من قبل الناس.

والثاني: حتى الآن أنا أستغرب -وهناك أحكام عرفية صارمة والانتداب البريطاني (كلوب باشا) حاكمٌ بأمره في المنطقة- تحدينا كل هذه الشروط، وبُنِيَ حزبٌ، وأعتقد أن تلك الفترة في الخمسينات هي الفترة الذهبية في تاريخ الحزب الشيوعي!

إلى الآن أتساءل كيف انضمت تلك الجماهير الواسعة من (الطفيل) في أقصى الجنوب و(الكرك) و(معان) والمخيمات -من الفلسطينيين والأردنيين- تحت شعار حزب من هذا القبيل -شيوعي- فيما كانت كلمة شيوعي مرعبة ومخيفة لكثير من الناس تحت دعاوى المخابرات والسفارات الأمريكية الأجنبية؟ كيف انضم هذا العدد الكبير وكيف صمدنا للسجون والاعتقالات؟!

أحمد منصور:

من ينظر إلى هذه المبادئ والأهداف يجد أنها مبادئ ومطالب وطنية عامة.

د. يعقوب زيادين:

بالضبط

أحمد منصور:

هل كانت هناك حاجة إلى غطاء شيوعي حتى يتم الاستظلال بها؟

د. يعقوب زيادين:

هذا سؤال أحب أن أطرحه، هل كانت هناك حاجة في تلك الفترة لنسمي الحزب شيوعيًّا أو أردنيًّا؟

أحمد منصور:

نعم هذا سؤال مهم!

د. يعقوب زيادين:

سؤال مهم الآن سأجيب عليه، في بلد مثل الأردن كل سكانه في تلك الفترة عام 1951م لا يتجاوز نصف مليون نسمة، لا صناعة، ولا طبقة عاملة، ولا نقابات، لماذا حزب شيوعي في تلك الفترة؟! هذا الحزب كان من الممكن أن يسمى حزب الشعب، أو حزب أي اسم آخر، كان ممكنًا أن يكون مفيدًا، لكن يبدو أنه تحت تأثير انتصارات(الاتحاد السوفيتي) على (النازيين) وقيام (الكتلة الاشتراكية) في شرق (أوروبا) يبدو أنها كانت من الأسباب، أيضًا كان هناك طموحات، وتأثيرات حماسية بعيدة عن الواقع.

أحمد منصور:

لكن ألم تكن هناك -عفوًا يا دكتور- أيدٍ خفيةٌ تحاول أن تفرض مثل هذه المسميات؟

د. يعقوب زيادين:

نبتعد عن هذا السؤال كليًّا، أنا على علمي ليست إطلاقًا؛ لأن هذا الشخص بعيد جدًّا عن أيَّةِ تأثيرات خارجية وأجنبية، وأيضًا أريد أن أقول لك: إنه منذ سنة 1951م إلى سنة 1957م، 1958م، 1956م، لم تكن لنا صلة أبعد من (دمشق) في الحزب..لا (مع السوفيت) ولا أي بلد أخر..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لكن كان لكم علاقة بالأحزاب الشيوعية في (دمشق) في (بيروت) في (فلسطين)؟

د. يعقوب زيادين:

كان مرجعنا الأساسي الحزب الشيوعي السوري و..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

والحزب الشيوعي السوري كان مرجعه الأساسي (موسكو)؟

د. يعقوب زيادين:

يمكن أنه كان على علاقات، لأن السيد (خليل بغداش) درس في (موسكو) في المركز الحزبي فترة من الزمن، لكن هذه ليست مشكلة في نظري، وأرجو ألا تكون مشكلة عند الوطنيين العرب أنه كان لنا صلة بالأحزاب الشيوعية عربية كانت أو غير عربية..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لا، هذه عليها علامات استفهام كثيرة سأعود إليها في وقتها، ولكني أريد أن أسألك أيضًا: ألم يكن هناك قوى وطنية أخرى على الساحة الأردنية تتفق معكم في نفس المطالب التي كنتم تنادون بها في تلك الفترة؟

د. يعقوب زيادين:

هذا صحيح، كان هناك القوميون العرب، حزب البعث العربي الاشتراكي، الوطني الاشتراكي، وكانت تربطنا علاقات جيدة بكثير من هذه الأحزاب، وكنا منذ اليوم الأول نسعى إلى قيام جبهة وطنية واسعة حول أهداف معينة (مقاومة الانتداب-إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية)، كان هناك -من حيث الأساس- في نظري، لكنه كان هناك في الجهات الأخرى نظرة عدائية للشيوعية عند البعث وعند القوميين في البدايات.

وفي بداية الخمسينات كانت هذه النظرة تفرقنا، وكنا نختلف أثناء المظاهرات فيرفضون المشاركة معنا في المظاهرات، لماذا؟ خوفًا.. كان الضغط عليهم أقل من الشيوعيين، لم يكن هناك قانون يحاكم البعثيَّ أو القوميَّ بخمسة عشر عامًا سجنًا، وهذا القانون مخصوص بالشيوعيين، وحركة السلم يحكم عليهم بثلاث سنوات، هذا الأمر كان يخيفهم منا، لكن ظلت هناك علاقات شخصية وكنا.. دكتور (جورج حبش) تدرب عندي كطبيب في مستشفى (أوجستا فيكتوريا) بالقدس، وعلاقاتنا مازالت منذ ذلك اليوم جيدة.

أحمد منصور:

مَنْ مِنَ الشخصيات الأخرى تذكرها في تلك المرحلة.. رفاق النضال؟

د. يعقوب زيادين:

(سليمان النابلسي)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هذا أصبح رئيس وزراء للأردن بعد ذلك؟

د. يعقوب زيادين:

رئيس وزراء الأردن، وهو شخصية وطنية بارزة، وكان على علاقات مع الحزب الشيوعي منذ البداية، وعلاقات جيدة،كنا نلتقي يوميًا وأسبوعيًا، ونقطع بكثير من القرارات، وبقيادته ناضلنا ضد المعاهدة وضد الأحلاف (حلف بغداد) مثلاً ومن أجل الحريات العامة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ألم يكن شيوعيًّا؟

د. يعقوب زيادين:

إنسان وطني مستقل لكنه تقدميٌّ أيضًا، وعنصر نابه، مثقف كبير ووطني أيضًا.

أحمد منصور:

مَنْ مِنَ الشخصيات الأخرى؟

د. يعقوب زيادين:

أيضًا هناك (سليمان الحديدي) المرحوم (سليمان الحديدي) وهو بعثيٌّ أيضًا، لكن.. الدكتور (عبد الرحمن شقير) كان بعثيًّا من قيادة حزب البعث، تقرب أكثر في المدة الأخيرة بعد منتصف الخمسينات إلى الحزب الشيوعي، والذي ترأس الجبهة الوطنية في الأردن وهو ما زال موجودًا وقلعة من قلاع الوطنية بالأردن، وكان المرحوم (إبراهيم الحباشنة) أيضًا قيادة من البعثيين تقرب أكثر من الحزب الشيوعي.. الماركسيين.

أحمد منصور:

تعتقد مَنْ مِنْ قيادات الشيوعيين في تلك المرحلة كنت تعرفها في منطقة الشام بشكل عام، فلسطين، الأردن، سوريا، العراق، لبنان؟ مَنْ مِنْ قيادات الأحزاب الشيوعية في تلك المناطق تعرفت عليه؟

د. يعقوب زيادين:

كنت معجبًا جدًا (بخليل بغداش) (رئيف خوري) المهندس (أنطون ثابت) (عبد القادر إسماعيل) نائب عراقي، كان مشردًا من بغداد، وسكن فترة طويلة من الزمن في سورية، كانت هناك عناصر نشيطة.. كانت قد أوحت لنا، وأعطتنا كثيرًا من الثقة ومن الوعي.. أن نحضر المهرجانات التي كانت تقام بالشام للدفاع ضد النازية وضد الحرب، وتأييد للجيش الأحمر في تلك الفترة.

أحمد منصور:

أنت كنت بارعًا، وكنت من أبرز الأطباء في الأردن، وربما الوحيد الذي اشْتُهِرَ بجراحة اللوزتين، اختيارك أن تتخصص وتبرع فيها، ويأتيك الناس من أنحاء الأردن شمالها وجنوبها لِتُجْرِيَ هذه الجراحة، ما الدافع الذي جعلك تختار أن تتجه إلى هذا التخصص، وتتخصص فيه وتأخذ الشهرة فيه؟

د. يعقوب زيادين:

ليست بترتيبي، صدف ليست أكثر من ذلك، عندما تدربت (بطرابلس) بالمستشفى الأمريكي كان الطبيب إنسانًا هو الدكتور (بويز) أميركي -طبعًا- كان يعملها وتعلمت منه الكثير في تلك الفترة، الظروف قادتني لهذه العملية يجوز لحسن حظي، وأنا دراستي في هذا الميدان فساعدتني أن أظل مع الناس رغم كل مراقبة المخابرات، وكان المريض عندي بالقدس يتعرض للضرب أحيانا وللشتائم، ويأخذوا منه(الروشتة) يمزقونها على الطريق..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

حتى لا يذهب إلى عيادتك؟

د. يعقوب زيادين:

نعم كانوا يقفون بباب العيادة بالداخل، وعندما أذهب لزيارة مريض بالبيت، كانوا يلاحقونني في شوارع (القدس) لكن هذه العملية كانت مصدر دخلي، أيضًا حالة (القدس) في تلك الفترة كانت حالة فقر مدقع وكانت العملية شبه مجانية بدينار واحد أو بلا نقود أو دينار ونصف.. وبالعيادة تكاليف بسيطة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

بالتالي أن أريد أن أسألك هنا سؤالاً آخر -عذرًا- يتعلق بفكرك الشيوعي وبوجودك في الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، هل اخترت أيضًا هذا التخصص لانتشاره بين الأطفال بشكل خاص، ويمنحك هذا فرصة للعلاقة مع العائلات ونشر فكرك؟

د. يعقوب زيادين:

والله.. هي ليست بتخطيطي.. أنا علمي.. ولا بإرادتي.. لكن الظروف في تقديري ساعدتني كثيرًا في اختيار مهنتي كجراح، وهذه رغبة عميقة في نفسي -منذ كنت طفلاً في الرابعة من عمري- أحد المشايخ العرب في تلك الفترة كان يناديني -يا دكتور- عندما كنا في الخيام.. هذا الحديث كان في العشرينات، وعمري أربع أو خمس سنوات.. رسخت هذه الفكرة بذهني.. كيف كان هذا الشيخ الذي كان يبدو في ذهني مثل (أبي زيد الهلالي) كيف أنه كان يناديني.. رسخت هذه الفكرة.. وطبيعي.. أن أعرف البلد وأعرف حاجاتها..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

دكتور، أنا أقصد.. لأنك رشحت عن القدس في انتخابات عام 1954م، ربما مهنتك كطبيب وتخصصك في هذا المجال، ومجيء العائلات إليك، وشهرتك بين الناس.. كل هذا ربما ساعدك على أن تكون معروفًا، ويدفعك إلى أن ترشح نفسك؟

د. يعقوب زيادين:

هذا الأمر لعب الدور الأساسي، كوني في المستشفى أعالج مجانًا، وفتحت المستشفى..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

العيادة؟

د. يعقوب زيادين:

لا.. في المستشفى الذي كنت أعالج فيه، المفروض أننا نعالج اللاجئين فقط، لكنني لم أتقيد بهذا التعليم.. صرت أعالج كل أهل (القدس) وهذه العملية ضرورية للأطفال في هذه السن، كنت أطلع على هذه الأمور وكنت مسئولا عن 120 فِرَاشًا في الجراحة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

120 سريرًا.

د. يعقوب زيادين:

سرير، عندما أرى مكانا خاليًا أو اثنين وعندي قائمة...

أحمد منصور [مقاطعًا]:

يعني كل ما كان لديك 120 سريرًا؟

د. يعقوب زيادين:

120 سريرًا تقع تحت قيادتي، أنا كنت الطبيب المساعد في الجراحة.. فلما أرى سريرًا أو اثنين فارغين وعندي قائمة بالمحتاجين للعملية كنت أقول لهم تعالوا.. أعملها الساعة الخامسة مساءً، وفي الخامسة صباحًا أخرج المريض من وراء ظهر إدارة المستشفى، دون أن يعلموا.. لكنه يبدو أن الطبيب المسئول في وكالة الغوث كان إنسانًا.. كان يتعاطف معي.. جاءت شكايات كثيرة ضدي لكنه لم يستمع لها.. خدمتي للناس.. ثم عندما طردت من المستشفى.. طردوني من المستشفى لأسباب سياسية أيضًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

في أي عام طردت من المستشفى؟

د. يعقوب زيادين:

بعد السجن سنة 1953م مباشرة.. عندما رجعت..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

يعني أنت اعتقلت في 3 فبراير سنة 1953م؟

د. يعقوب زيادين:

تصور -وأنا بالسجن- كان السجانون يحضرون أولادهم من البدو من (إربد) ومن (الزرقا) أعمل لهم عمليات داخل السجن..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وأنت بالسجن؟!

د. يعقوب زيادين:

وأنا بالسجن.

أحمد منصور:

بدون (مخدر) بدون..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

لا بمخدر موضعي، وأستعمل إصبعي، وكان هناك مقص عندي وملقط.. قطعتان أو ثلاثة هربها إلىّ زملائي الأطباء..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

يعني مكوناتك الثقافية الشيوعية في تلك المرحلة من عام 1943م.. الآن تخطينا إلى عام 1953م -أي بعد عشر سنوات- هل كانت تنمو؟ أم أن عملك المهني كان يستغرق وقتك وجهدك وأنت عندك فقط مبادئ أساسية تتحرك في إطارها؟

د. يعقوب زيادين:

والله أنت تكشف أسراري كلها.. أقول لك: كان اهتمامي بالطب الجراحي بالدرجة الأولى.. كنت أتابع.. قراءات.. لكن أن أقول: تعمقت بالماركسية ودرست بهذه الفترة ماركس ولينين فهذا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لم يحدث؟

د. يعقوب زيادين:

لم يكن موجودًا.. كان اهتمامي كله بالجراحة والقراءة.. أقرأ بثلاث لغات بالإنجليزية والفرنسية والألمانية فيما بعد..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ما شاء الله!

د. يعقوب زيادين:

كنت أتابع حتى.. صلتي بالناس هي عن طريق مهنتي وهي التي قدمتني للناس وجعلتني معروفا لهم، واستطعت مساعدتهم وكسب ودهم واحترامهم، وبالتالي كان تركيزي عليهم بالدرجة الأولى، وتركت القضايا النظرية للرفاق الآخرين الذين يهتمون..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كنت تحب التنظير يا دكتور؟

د. يعقوب زيادين:

نعم؟

أحمد منصور:

عندما ترى أحد الرفاق يُنَظِّرُ في الحزب ويتقعر، هل كنت تحب هذا؟ أم أنك اكتفيت بالمبادئ العامة؟

د. يعقوب زيادين:

قَوْلي.. هذا غير موجود في حزبنا، فنحن كنا حزبًا صغيرًا ومتواضعًا، ولم يكن عندنا مثل هؤلاء المنظرين الكبار.. طبعا كانوا يهتمون ببعض الموضوعات والمقالات التي تنشر هنا وهناك، وترسل لكي تُنسْخ، ويتم توزيعها علينا لقراءتها بلا شك، ولكن في حدود متواضعة جدًا.

أحمد منصور:

هذا يعيدنا لنطرح سؤالنا: لم طرحت هذه الأفكار في ظل حزب شيوعي ولم تطرح في ظل أي شكل آخر من الأشكال الوطنية.. ما دامت مبادئ وطنية غير متشبعة بالفكر الشيوعي؟

د. يعقوب زيادين:

طبعًا، كان هذا ممكنا تمامًا.. الآن.. أنا أسأل نفسي لماذا لم نفعل ذلك؟! كنا خففنا كثيرًا من الآلام والضغوط التي تعرضنا لها في تلك الفترة.. صحيح كل القوى الوطنية تعرضت -ليس فقط نحن وحدنا- لكننا كنا أكثر تعرضًا، فلا يوجد عضو بالحزب الشيوعي لم يدخل السجن لمدة (سبع، أو عشر، أو خمس عشرة سنة) كنا ثلاثمائة أو أربعمائة شخصٍ، منهم المحكوم عليه بالمؤبد، ومنهم المحكوم عليه بعشرين عامًا، أو خمسة عشر عامًا، وهكذا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هل تعتقدون أن الشيوعية كانت تستحق هذا العناء؟

د. يعقوب زيادين:

مازلت أعتقد ذلك، وأن هذا كله لم يذهب سدى.. تركنا آثارًا وتقاليد ثورية ونضالية في وسط شعبنا تنسجم تمامًا مع التقاليد القديمة الموجودة، وسوف تستغرب عندما تعلم أنه بالأردن سنة 1921م، كان هناك مؤتمر وطني ضم شيوخ العشائر.. قليل جدًا منهم كان يعرف القراءة والكتابة، ومع هذا ناضلوا ضد الانتداب البريطاني وتعرضوا للسجن والإرهاب والاعتقال والتشرُّد.. ووضعوا برامج وطنية وسياسية جديدة، طبعًا كان بينهم بعض المثقفين الذين استفادوا.

تستغرب أيضًا هذا الحديث كان موجودًا بالأردن... تصور في سنة 1845م عندما جاء (إبراهيم باشا) ابن (محمد علي باشا) الكبير ليحتل المنطقة، قوبل بمقاومة كبيرة (بالكرك) مثلا..البلد الجنوبية (بالكرك) سنة 1910م، كانت هناك ثورة عارمة ضد الأتراك.. يعني هناك كثير من الحوادث (بالكرك) بسيطة ومتواضعة.

(شيخ الكرك) سنة 1845م طلب منه (إبراهيم باشا) مفاتيح قلعة (الكرك) التاريخية المشهورة فرفض أن يسلمها إليه.. فقام باعتقال ابنه وهدده (سأقتل ابنك إذا لم تسلمني إياها "المفاتيح").. ذهب الشيخ يسأل أم الولد ماذا أفعل؟ قالت له (أمانة الكركية أهم عندنا من ابننا) وقتل الابن ولم يتم تسليم مفاتيح القلعة وفشل إبراهيم باشا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لا أريد أن أخوض في هذه الأشياء التاريخية.. فلها فروعها وظروفها التاريخية.

د. يعقوب زيادين:

أقول أنها.. تاريخ شعبنا تاريخ نضالي، وعندما جئنا أخذنا هذا التاريخ..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لكنني مازلت أسأل -وحضرتك تؤكد أيضًا- أن هذا النضال كان ممكنًا أن يكون تحت راية أخرى غير الراية الشيوعية؟

د. يعقوب زيادين:

ممكن.

أحمد منصور:

دكتور، اسمح لي، لا أريد أن أُفَوِّت الدور النضاليَّ لزوجتك معك..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

دور نضالي..

أحمد منصور [مكملاً]:

لزوجتك.. هي رفيقة الدرب.. واضح أنها كان لها نشاط شيوعي بارز.. أن الشيوعية جمعتكما، وتزوجتها أيضًا في إطار أنكما تؤمنان بالمبادئ الشيوعية وكان لها دور كبير، بإيجاز شديد.. ممكن أن تكلمنا عن هذا الدور في تلك المرحلة؟

د. يعقوب زيادين:

زوجتي أيضًا ساعدتني جدًّا.. طبعًا جاءت إلى بلدة غريبة مثل (الأردن) هي سورية الأصل.. وعاشت حياتها في لبنان ودرست.. عملت كمعلمة في مدارس.. وهي متدينة جدًّا أيضًا مثلي..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هي مسيحية كاثوليكية مثلك؟

د. يعقوب زيادين:

هي لا.. ربما أرثوذكس.. الدين لم يلعب في حياتنا دورًا كبيرًا، وهي قد اقتنعت أيضًا.. هي من عائلة ليست غنيةً وليست.. هذا جعل هناك تقاربًا اجتماعيًّا بيننا.. هي اقتنعت بالفكرة، وناضلت،وبذلت جهدًا كبيرًا جدًّا جدًّا، هي أيضا دخلت السجن قبلي.. في مظاهرة، كلفها الحزب بمظاهرة للدفاع عن الشعب العراقي في معاهدة (بورت سموث) كانت سنة 1952م، دخلت السجن وتعرضت للضرب في تلك الفترة، أيضًا تعرضت للتشرد وأنا في السجن ثماني سنوات.. هي حملت أطفالها معها، تنقلت في كل (أوربا الشرقية) وفي (الصين) وفي (كوبا) وناضلت نضالاً داخل الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، عملت حوالي عشر سنوات وبذلت جهودًا.. هي أيضًا مثقفة تتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية فيما بعد والعربية.. ساعدتني كثيرًا وكانت أمينة على الثقة.. هي -طبعًا- نفيت في إحدى المرات إلى قريتي سنة 1954م، وكانت القرية وقتها ليس بها مياه ولا طريق ولا كهرباء، وضعوها تقريبًا مع الغنم، تعيش هي وأطفالها، مرض ابني في تلك الفترة واضطر أن يركب حمارًا، كانت ممنوعةً هي.. إقامة جبرية بالقرية، وأرسلت ابني مع امرأةٍ أخرى من أقاربنا على حمارٍ للطبيب على بُعْدِ أربع ساعات في (الكرك) نفسها ليعالج ويعود إليها.. وناضلت داخل القرية وقدمت مذكرات تطالب بعيادة للقرية وبطريق إسفلتي للقرية.. وتعرضت لاضطهاد الشرطة في القريب حول القرية.. الآن أحد العمد (الختيارين) يقول لي (والله، أنتم -أيها الشيوعيون- أنبياء، لما كانت زوجتك تطالب بعيادة للقرية وبطريق إسفلتي وبكهرباء، وتطالب.. كنا نسخر منها ونقول أممكن أن يحدث هذا؟ واليوم في القريب لدينا عيادة وطريق إسفلتي وكهرباء وأنابيب مياه وتليفزيون) كل هذا أصبح موجودًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أريد أن أسألك؟

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

أنا زوجتي بذلت جهدًا غير قليل ولليوم.

أحمد منصور:

هل تعتبر الزوجة للمناضل السياسي أيًّا كان توجهه.. هل يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في دفعه واستمراريته على منهجه أيًّا كان هذا المنهج؟

د. يعقوب زيادين:

هي قد تشعر بالخوف أحيانا؛ فهي امرأة وكزوجة -على حياتي بالطبع- وخصوصًا أن الأخبار قد انقطعت بيني وبينها مدة سبع أو ثمان سنوات لم يعد هناك أي اتصال..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أيْ أن فترة السجن الطويلة التي سنتحدث عنها هي أطول مدة لم يكن هناك بينكما أي اتصال؟

د. يعقوب زيادين:

لا شك.. لكنها كانت أمينة حتى أخلاقيا وسلوكيًا، واهتمت بالأطفال اهتمامًا جيدًا.. علمتهم أن يحبوا بلادهم ووطنهم، كانت تعطيهم صورة عني أفضل كثيرًا عمَّا هو حولي وحول أقاربنا، وهناك طرفة (نكتة) ونحن في برلين زارنا اثنان من أقاربي وصادف أنهما من الصمِّ لا يسمعان.. ابني الصغير قال لي: يا بابا هل كل هذه الأسرة من هذا الشكل؟ لكن نحن كسبناهم.. أولاد أيضًا وطنيون.. يدرسون ويتعلمون ويحافظون على صحتهم، وهي تحافظ على صحتها، وعلى مبدئها ومازالت إلى جانبي.

أحمد منصور:

دكتور، في عام 1954م، أعلن عن انتخابات في (الأردن)، والحزب الشيوعي الأردني قرر ترشيحك مع رفاق آخرين عن الحزب ورشحت عن دائرة (القدس) بإيجاز.. ماذا حدث في انتخابات سنة 1954م؟

د. يعقوب زيادين:

نحن لم ننزل باسم الحزب الشيوعي، نزلنا مرشحين عن الجبهة الوطنية.

أحمد منصور:

طبعًا كان الحزب ممنوعًا؟

د. يعقوب زيادين:

كان الحزب ممنوعًا، وباسم الجبهة الوطنية تم ترشيحنا، لكن برنامج الحزب هو قائم، وركزنا على القضايا الوطنية التي ذكرتها من قبل، ويمكن تستغرب من كيفية استجابة الناس..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هل الناس استجابوا لكم لأنكم كحزب شيوعي يرفع مبادئ، أم لكونك طبيبًا مشهورًا ومعروفًا وأن الآخرين لهم وضعهم في عشائرهم ومناطقهم؟

د. يعقوب زيادين:

ممكن.. هذا لاشك لعب دورًا، لكن الأساس أنه لدينا برنامج وطني، إننا عندما رشحنا سنة 1954م، كنت محبوسًا مرتين: مرة واحدة في الجفر وخرجت بقرار محكمة العدل العليا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كم استمرت مدة الاعتقال؟

د. يعقوب زيادين:

استمرت ستة أشهر، والمرة الثانية يوم واحد.. ليلة واحدة في مظاهرة دفاعًا عن سلطان المغرب..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

محمد الخامس؟

د. يعقوب زيادين:

محمد الخامس عندما نفاه الفرنسيون.. خرجنا في مظاهرة وتصادمنا مع السلطة دفاعًا عنه، وطالبنا بعودته إلى بلاده، واعتقلنا يومًا واحدًا، وفي اليوم الثاني خرجنا طبعًا هذا بالإضافة إلى الخدمات.. يجب أن تقدم خدمات إلى الناس وتتعامل معهم بشكل جيد، إضافة إلى موقف وطني محترم الناس يقدرونه مثل هذا القدر.. مثل أنك وقفت في وجه (كلوب باشا) وتتحدى، قوانينه وتتحداه، وتتحدى سلطته، وتتحدى المخابرات التي كانت تركض وراءك ليل نهار في العيادة وفي البيت، كنت أجد صعوبة في إيجاد بيت أسكن فيه..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هذا سبب لك أو جعل لك شكلاً من أشكال الجماهيرية؟

د. يعقوب زيادين:

بالضبط هذا خلق لي..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ليس الفكر الشيوعي هو الذي جعل لك: أي أنك ضد البريطانيين..

د. يعقوب زيادين [مقاطعًا]:

وأتحدى الأحكام العرفية، وأتحدى المخابرات، كل هذه الأعمال التي كانت تزعج كل الناس، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، والمطالبة بإيجاد عمل للعاطلين عن العمل، كانت هذه قضايا وطنية نتبناها يوميا ونعمل من أجلها.

أحمد منصور:

دكتور، أفهم من كلام حضرتك هنا أنه ليس انتماؤك الشيوعي وحده، أو اللافتة الشيوعية هي الدافع وراء ترشيحك لانتخابات عام 1954م؟

د. يعقوب زيادين:

ما رأيك؟ أنا أعتقد أن هناك عدة عوامل منها كوني اهتممت بمصالح الناس وهذه جاءت.. أنا كنت معروفًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لكن الناس كانت تكره الشيوعيين ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

نعم؟

أحمد منصور:

ألم يكن عامة الشعب يكرهون الشيوعية؟

د. يعقوب زيادين:

من قال هذا؟ عامة الناس في قلوبهم، لا أعتقد،قد يتظاهرون مرات.. بهيئات أخرى.. من طبيعة علاقتي مع الناس وتعاملي -كطبيب وكإنسان أيضًا- لم أشعر بوجود عداوة.. لأن أفكار الإنسان يجب أن تنعكس على أعماله اليومية، فإذا كانت أفكاره هكذا وتعكس عملا جيدًا ودودًا ومحببًا للناس كلهم، فكانوا يحبون الشيوعية.. لم يكرهوها إطلاقًا وغير ممكن أن يحدث هذا ليس إلا واحدة فقط اثنين.

كان وجود الاتحاد السوفيتي -دولة كبرى- وانتصاراته والمعسكر الاشتراكي، والخيرات التي انهالت على الشعوب، ومساعدة الشعوب على التحرر وأيضا بدأت بقبول البعثات للاتحاد السوفيتي، الدراسية المجانية من فقراء لا يملكون شيئًا، فيذهب الفرد منهم في الطائرة بدون أن يدفع قرشًا واحدًا، ويدرس مدة سبع أو ثماني سنوات أو تسع، ويعود طبيبًا متخصصًا، أيضًا علاج الناس مجانا الفقراء.. كل هذا لعب دورًا كبيرًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

معنى ذلك أنه يظل رؤية الناس أي أن تقدم الأعمال التي بها شيء من المجانية والمعتقدات شيء آخر أليس كذلك؟ ألست متفقًا معي؟

د. يعقوب زيادين:

أنت مصر على هذه الفكرة.. فهذا رأيك.

أحمد منصور:

دكتور، في عام 1954م، حينما رشحت للانتخابات، بدايةً ما هو شكل الخريطة السياسية الموجودة على الساحة الأردنية في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

كانت خريطةً سياسيةً شنيعةً جدًا، كان يحكم البلاد حاكم معروف بصلاته مع الإنجليز (توفيق باشا أبو الهدى) وكان..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كان رئيسًا للوزراء؟

د. يعقوب زيادين:

كان رئيس الوزراء..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وكان (كلوب باشا) لا يزال هو المندوب السامي البريطاني؟

د. يعقوب زيادين:

و (كلوب باشا) هو حاكم الجيش والمتصرف تصرف الفرد، والمساعدات البريطانية كانت.. والملك (حسين) كان شابًا جديدًا في الحكم، لم يمتلك ناصية الأمور كما يجب.. هذه كانت الظروف.. أيضا كانت ظروف الهجرة الفلسطينية الجديدة على البلاد وآثارها.. أثر الحكام الإداريين الأردنيين في فترة أوائل الانتداب، أيْ أن هناك قضايا كثيرة وصعوبات متواصلة.. أرى أثر الحرب والتدمير في (فلسطين) بادية على الشعب الفلسطيني، كانت هناك قضايا وصعوبات كبيرة.. ومخاطرة.. لكني أستغرب أن قبول الناس لنا كان شيئًا هائلاً.. مدهشًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ما هي القوى الأخرى؟

د. يعقوب زيادين:

القوى الأخرى.. نزل الحزب (البعث العربي الاشتراكي)، نزل (الإخوان المسلمون).. و(حزب التحرير)، ونزل (القوميون العرب)، وكلها أحزاب سرية ولا حزب..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كلها كانت سريةً في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

يجوز أن (الإخوان المسلمين) لم يكن لهم حزب، لكن عندهم (جماعة الإخوان المسلمون).

أحمد منصور:

لكن كانت معلنةً، ولم تكن سرية؟

د. يعقوب زيادين:

نعم كان لها وجود علنيٌّ، أما البقية (حزب التحرير) (القوميون العرب) (حزب البعث العربي الاشتراكي) و(الحزب الشيوعي) و(الحزب الوطني الاشتراكي) كان وقتها مرخصًا ورغم هذا.. وهذه أول مرة سمحوا للجيش بالاشتراك في انتخابات سنة 1954م، وهي مسألة خطيرة كانت الكتائب تصطف..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كان الجيش يشارك بالتصويت؟

د. يعقوب زيادين:

لأول مرة بالتصويت، وكانت طبعًا الأوامر تأتيهم أن يصوتوا لفلان..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هذه أول مرة تحدث انتخابات في تاريخ الأردن بعد عملية الاستقلال سنة 1946م؟

د. يعقوب زيادين:

لا.. قبلها كان هناك انتخابات.. هذه ليست انتخابات هذه أول مرة في ظل.. وزورت الانتخابات، وقاوم الشعب الأردني في (عمان)، عدد كبير من المرشحين انسحبوا من الترشيح منهم (سعيد المفتي) الذي أصبح فيما بعد (رئيس حكومة) للتزوير الذي مُورِسَ، وعلى الأثر حدثت المظاهرات والاضطرابات وقتل عدد كبير من الناس، وجرح عددٌ كبيرٌ أيضًا، وتمت اعتقالات واسعة منهم (سليمان النابلسي) لأنه في وقتها كان سفيرا في (لندن) وصرح ضد الانتخابات، وأنا مع مجموعة من رفاقي منهم(منير)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

(منير شفيق)؟

د. يعقوب زيادين:

نعم، (منير شفيق) ونقلنا على (الجفر) وقضينا ستة عشر شهرًا بالسجن، وأيضًا فئات أخرى..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أي أنك اعتقلت مرة أخرى بعد انتخابات سنة 1954م، طبعا لم تنجح في الانتخابات؟

د. يعقوب زيادين:

هذه هي المرة الثالثة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لم تنجح في الانتخابات؟

د. يعقوب زيادين:

لا طبعًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ولا أيُّ واحد من المرشحين الشيوعيين؟

د. يعقوب زيادين:

ولا واحد من المرشحين الشيوعيين، ولا الوطنيين أيضًا، وتحت النضال الشعبي ألغيت الانتخابات في منتصف سنة 1956م.

أحمد منصور:

نعم، قبل انتخابات 1956م، اعتقلت في الفترة من 1954م إلى 1956م، لمدة ستة عشر شهرًا؟

د. يعقوب زيادين:

سنة 1955م، اعتقلنا في معارك حلف بغداد، بعد أن خرجت من السجن أسبوعين وعدنا إلى السجن مرة ثانية في أوائل سنة 1956م، عند (مجاز كمبلر) وقضينا بالسجن ستة أشهر..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كنتم تعارضون حلف بغداد؟

د. يعقوب زيادين:

نعم؟

أحمد منصور:

كنتم تعارضون حلف بغداد وانضمام (الأردن) إليه؟

د. يعقوب زيادين:

لأول مرة (بالكرك) خرجنا في مظاهرات شعبية شاسعة اشترك، فيها طلاب وتجار واستطعنا أن نعمل أيضًا.. وأيضًا ثبت.. تأثث عند الكركية (أهل الكرك) روح ثورية.. نظموا لجانًا لتنظيم المظاهرات وأيضا.. أطفال عملوا مشاغبات كثيرة وكبيرة.

كانوا يهجمون على مراكز الشرطة والجيش، وكانوا يضربونهم بالحجارة ثم يهربون، ويتوزعون بالحارات، وأشغلوا الجيش والشرطة أيامًا متعددة.. أعلنوا الإضراب عن الطعام في كل البلد.. ومنظمات جماهيرية لتنظيم النضال هذا (بالكرك) في وقت كان رئيس الحكومة هو (هزَّاع المجالي)، المرحوم (هزاع المجالي).. فكان عملا ثوريًا جدًّا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

تذكر مَنْ من الرفاق الذين دخلوا معك السجن في تلك المرحلة؟

د. يعقوب زيادين:

(إبراهيم الحباشنة).. عنصر جيد ونظيف ومحبوب من (الكرك) كان.. قد تقرب إلى الحزب الشيوعي وعدد آخر من الشباب الوطنيين منهم أطباء الآن.. أمضينا أيامًا بسجن الكرك..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أنت في فترة كلما سجنت خرجت مصرًا على الاستمرار في هذا الطريق الذي اخترته؟

د. يعقوب زيادين:

لم يطرأ على ذهني أي تفكير بتردد أو تراجع أو الوقوف.. كانت هناك استمرارية خرجت من السجن عام 1954م، بأكتوبر إلى نوفمبر أو ديسمبر سنة 1956م، في أول يناير سنة 1956م، بدأنا مظاهرات ضد (حلف بغداد) واعتقلنا على أثرها لمدة ستة أشهر، قبلها.. قبل أن يأخذونا على (الجفر) حبسونا في مستشفى (الكرك) أسبوعًا لم أنسه قط.

وفي المرة الرابعة بسجن (الكرك) أسبوعًا، وتحت ضغط المظاهرات أخرجونا، ثم أعادونا مرة أخرى إلى (الجفر) حتى مدير سجن (الجفر) قال لي: (أنت.. رجعت مرة أخرى) ما كنت تركت (الجفر) إلا لمدة أسبوعين بعدها رجعنا، وبقينا حوالي سبعة أشهر.. نضالات شعبنا كانت مشجعة ووقوف واسع..

أحمد منصور:

في عام 1956م، رشحت في الانتخابات النيابية مرة أخرى؟

د. يعقوب زيادين:

المرة الثانية (بالكرك).

أحمد منصور:

كان ترشيحك (بالكرك) في المرة الثانية وليس (بالقدس)؟

د. يعقوب زيادين:

لا.. أول مرة كان (بالقدس) سنة 1954م، وأيضًا المرة الثانية كان (بالقدس) وكانت غريبة أيضًا: أردنيٌّ كركيٌّ مسيحيٌّ شيوعيٌّ يرشح في المدينة المقدسة التي هي مركز للعبادة.. وأفوز بأصوات أكثر من الدكتور (داود الحسيني) ابن عم الحاج (أمين الحسيني) زعيم الفاطمية المعروف في هذه القضية.

أحمد منصور:

طالما تقوم بعمل اللوز.. كل الناس تريد أن تعمل اللوز مجانًا.. عملية اللوزتين كله يريد أن يعملها مجانًا؟

د. يعقوب زيادين:

هذا أمر آخر... هذا ترك أثرًا جيدًا لليوم.. من أسباب التحالف أو العلاقة الأردنية الفلسطينية أن الفلسطينيين كانوا ديمقراطيين، بالمناسبة كانت الوحدة بين الأردنيين والفلسطينيين ناجحة جدًّا وموفقة أيضا، وليس السبب في ذلك النظام وإنما سببها العلاقات التاريخية القديمة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أي أن الضفة الغربية في تلك الفترة من بعد العام 1948م، إلى العام 1967م كانت تابعةً للأردن إداريًّا بما فيها نصف (القدس)؟

د. زيادين يعقوب:

بالطبع.

أحمد منصور:

وفي العام 1956م، أصبحت نائبًا في البرلمان عن (القدس)؟

د. يعقوب زيادين:

نعم عن (القدس)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وفي هذه الفترة تم إخراج (كلوب) قبل أو بعد الانتخابات؟

د. يعقوب زيادين:

لا.. (كلوب) قبلها بسنة.. (كلوب) في بداية 1956م، وأنا في نهاية 1956م، والغريب في الأمر ونحن بالسجن وقتها في آذار سنة 1956م، مع الفجر دق الباب علينا أحد الجنود الحراس وهو يضحك قائلاً: خبرية مهمة.. كم تدفعون لي؟ قلنا: ماذا هناك؟ قال (كلوب) طار، قلنا: معقول! قال: نعم معقول، فقامت الرقصات والدبكات داخل السجن وكنا بالمئات الذين اعتقلوا في المظاهرات السابقة.. وأفرجوا عن الكل ما عدا فريق الشيوعيين، بقينا بالسجن أربعة أشهر، فيما بعد ذهبت إلى (الكرك)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كم كان عددكم؟

د. يعقوب زيادين:

كنا نعد بالمئات..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

من الشيوعيين؟!

د. يعقوب زيادين:

من الشيوعيين..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

إلى هذه الدرجة كانت الشيوعية منتشرة؟

د. يعقوب زيادين:

أردنيون وفلسطينيون وتأكد كنا في السجن.. أردنيون وفلسطينيون ومسلمون ومسيحيون فلاحون وأطباء ومهندسون، وكل المهن كانت موجودة، وكانت بيننا علاقات ودية، واكتسبنا احترام الحراس والجنود بشكل جيد.. كل شيء منظم ونظيف ومرتب، وأكلنا واحد.

أحمد منصور:

لكن ما هو تقييمك للشيوعية العربية الأردنية في تلك المرحلة؟ هل كانت شيوعية تحمل الأفكار الماركسية اللينينية وتريد أن تبشر بها؟ أم كانت الأهداف الوطنية التي ذكرتها كانت باعث هؤلاء الناس؟

د. يعقوب زيادين:

كل هذا كان موجودًا، كان هناك أفكار ماركسية وكنا نقوم بدراسات، كنا نهرب كتبًا، ولمعلوماتك كان عندنا مكتبة جيدة بداخل السجن، كانت تأتينا كتب ماركسية، فكيف نتصرف فيها؟ كنا نقوم بنزع الكتب (الغلاف) عنها ونضع عليها ورقة أخرى بخط اليد جميلة.. ونقول (الاقتصاد السياسي) لمؤلفه (هندر فور) الأمريكي، أو (شندرور الأمريكي) فيأتي للتفتيش الجندي البسيط فيراه قائلا هذا كتاب أمريكي بسيط ليس عليه شيء..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

إمبريالي؟

د. يعقوب زيادين:

إمبريالي، فكان هناك غش كثير، وعندنا كتب داخل السجن، استفدت كثيرًا من الناحية الأدبية.. قرأت كثيرًا وكان عندنا كتب، وكما قدمت للجنود خدمات نعمل لهم عمليات وللضباط ولعائلاتهم أيضًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أي أنك عملت مستشفى بالسجن؟

د. يعقوب زيادين:

عملت مستشفًى صغيرًا، وكنت أداوم بعيادتي ساعتين أو ثلاثًا باليوم، وزملاؤنا الأطباء كانوا يزودوننا بقدر غير قليل من العلاج ومن الحليب أيضا، هؤلاء الجنود وعائلاتهم كانوا يطلبون من (عمان) لمرضه، أو زوجته، أوابنه أن يعالجوه.. فلا يجد ردًّا؛ فيضطر أن يأتي إلينا آخر المطاف، وامتنعوا عن طلب العلاج من (عمان) وأصبحوا يتصلون بنا مباشرة، ونقدم لهم خدمة إنسانية جيدة في هذا المجال..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

دكتور، ما هو البرنامج الانتخابي الذي رفعته عام 1956م، وجعلك متميزًا ونجحت بهذه الغالبية؟

د. يعقوب زيادين:

أهم شيء هو قضيتي: ضد الأحلاف وضد المعاهدة البريطانية.. إطلاق الحريات العامة.. إيجاد عمل للعمال هذه القضايا الحساسة التي تمس الناس...

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ألم يكن الآخرون يطرحونها أيضًا؟

د. يعقوب زيادين:

نعم؟

أحمد منصور:

ألم يكن المرشحون الآخرون يطرحون مثل هذه الأفكار؟

د. يعقوب زيادين:

نعم طبعًا هناك آخرون، وعلى كل حال -بدون مبالغة أو تفاخر- نقول: إن دخولنا البرلمان ببرامج متطورة على مستوًى سياسيٍّ أعلى دفع الآخرين إلى أن يقلدونا ويرفعوا نفس الشعارات إلى حد كبير، أو يرفعوا شعارات موازية للشعارات التي نطرحها، وهي شعارات وطنية بالأساس لكنْ بها علاج.. لا بناء اشتراكية ولا بناء شيوعية؛ بل هي قضايا حساسة للناس..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كيف كان ترتيبك للمجلس النيابي في ذلك الوقت؟

د. يعقوب زيادين:

سنة 1956م، كان جيدًا ممثِّلاً لكل الأحزاب.. كنا نحن بالحزب الشيوعي ثلاثة (عضوان رسميان وثالث من أصدقاء بالجبهة الوطنية) أيضًا عن البعثيين كان هناك اثنان، عن الإخوان المسلمين اثنان.. عن حزب التحرير (واحد) عن الحزب الوطني الاشتراكي جماعة (سليمان النابلسي) عشرة أو اثنا عشر عضوًا، وكان البرلمان كله أربعين عضوًا، عشرون فلسطينيون، وعشرون أردنيون، عشرون من غرب النهر، وعشرون من شرقه، وكانت أول خطوة.. انتخابات وطنية في حياة الأردن.

أحمد منصور:

حدث توتر بعد ذلك؟

د. يعقوب زيادين:

بعده مباشرة، لم يستمر.. جاء العدوان الثلاثي على (مصر) سنة 1956م، وكان موقف الشعب الأردني موقفًا باسلاً.. على أسوار (القدس) وقفنا مجموعات من الشباب تحمل أسلحة اعتقادًا منا بأنه قد يحدث هجوم إسرائيلي على المدينة المقدسة، وكان الوقوف إلى جانب (مصر) و(عبد الناصر) شاملاً عامًّا للناس كلها، وفي هذه الفترة كان التضامن العربي.

تبرع (مصر) بخمسة ملايين بدلاً من المعاهدة (البريطانية) والملايين العشرة البريطانية (الأموال البريطانية).. خمسة ملايين من (مصر) وخمسة ملايين من (السعودية) ومليونين ونصف من (سورية) أيضًا.. هذه من الإنجازات التي تمت في هذه الفترة تمتَّع الحزب الشيوعي بشيء من الحرية..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

رغم أنه كان سريًا؟

د. يعقوب زيادين:

رغم أن القانون ظل موجودًا.. رغم ذلك وضعنا لافتة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وضعتم لافتة الحزب الشيوعي؟

د. يعقوب زيادين:

الحزب الشيوعي الأردني، وفتحنا مكاتب علنية أيضًا، وسمحت لنا حكومة (سليمان النابلسي) بجريدة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

جريدة (الجماهير)؟

د. يعقوب زيادين:

جريدة (الجماهير) كانت تصدر أسبوعيًا، صدرت ثلاثة أو أربعة أعداد، وكنا نتصارع مع المخابرات في داخل المطابع، وتأتي المخابرات لتأخذها، ونقوم نحن بانتزاعها منهم ونوزعها.. أيضًا ثارت قضية مبدأ (أيزنهاور) ووزارة الانقلاب وتشتت الناس بشكل..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

وكنت أحد الذين شُتِّتُوا، وهربت في الجبال والصحاري؟

د. يعقوب زيادين:

اختفيت..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لمدة سنتين؟

د. يعقوب زيادين:

اختفيت لمدة سنتين ثم...

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أُلْقِيَ القبض عليك؟

د. يعقوب زيادين:

في نفس يوم ثورة (العراق)..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

سنة 1958م؟

د. يعقوب زيادين:

نعم كنت قبل أيَّام على موعد مع عدد من الضباط الأردنيين، وصادف ذلك ثاني يوم للانقلاب الذي حدث..الثورة (ببغداد) وخرجت لمقابلتهم وتعرف علىّ رجال المخابرات واعتقلوني.. أكلنا من الجلد والضرب ما فيه الكفاية..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

في الحلقة القادمة تروي لنا التفاصيل الخاصة بعمليات الجلد والاعتقال والاختفاء، ثم خروجك من السجن بعد ذلك بثماني سنوات، وعامين من الاختفاء، ثم وصولك.. تواصل مرحلة الحزب.. عمل الحزب الشيوعي حتى عينت في عام 1970م بهذا المنصب.

د. يعقوب زيادين:

إن شاء الله.

أحمد منصور:

شكرا جزيلا -يا دكتور- على هذا اللقاء، كما أشكركم -مشاهدينا الكرام- على حسن متابعتكم، حتى ألقاكم في الحلقة القادمة لنكمل حوارنا مع شاهدنا على العصر: الدكتور يعقوب زيادين (الأمين العام للحزب الشيوعي) هذا (أحمد منصور) يحيكم، والسلام عليكم ورحمة الله.