مع ساعات الفجر الأولى من 22 مارس/آذار 1987 سقطت قاعدة وادي الدوم بيد القوات التشادية، وسقط مئات الليبيين بين قتيل وأسير، وكان من الأسرى من ذاق الويل، وصنف آخر معزز مكرم، وهو على وجه التعيين العقيد (وقتذاك) خليفة حفتر.

في الفيلم الاستقصائي ضمن سلسلة "الصندوق الأسود" حلقة (2018/1/28) طرحت تساؤلات عمن يتحمل مسؤولية سقوط أكبر قاعدة عسكرية في أفريقيا، ومن الذي ساق طلاب المدارس الإعدادية إلى الموت؟ وأين ذهب النظام الليبي بالجرحى؟

شهادات المشاركين في تلك الحرب والمتابعين لها تتحدث عن هزيمة مدبرة، وتواطؤ تتضح معالمه بقوة، وهزائم متوالية لجيش يقاتل بلا خطة ولا تغطية، ويباد في بئر كوران ويعاد السيناريو حرفيا في فادا وصولا إلى القاعدة الكبرى وادي الدوم التي دخلتها القوات التشادية دون مقاومة.

رفات في أوزو
لا تزال عظام الجنود الليبيين منثورة، وصورها فريق الفيلم في صحراء أوزو شمال تشاد، أما ملف الجرحى فهو مما يدخل في غياهب النسيان ويبقى أسير الروايات التي تحكي عن رميهم في البحر أو الصحراء.

يتساءل فتحي الفاضلي مؤلف كتاب "حرب تشاد.. الكارثة الكارثة": كيف تقع حرب دون أن يعود ولو جندي واحد بيد أو ساق مبتورة؟

طلاب في الجحيم
يعرف الليبيون جرحا غائرا في ذاكرتهم حين كانت سلطات معمر القذافي تختطف الطلاب من المدارس وتزج بهم في الحرب، الفاضلي يصر على استعمال كلمة "شحن"، لم يكونوا جنودا بل أشياء تشحن ويلقى بها في الحرب بلا تدريب أو تأهيل.

مسعود البغدادي المقيم في الولايات المتحدة هو أحد الطلبة الذين سيقوا إلى وادي الدوم وكان عمره 15 عاما، وأسر لسنوات في تشاد يقول إنها أقسى ما رآه في حياته.

حصل فريق الفيلم على وثائق تثبت تورط النظام وقادته في الزج بالطلبة بالمرحلتين الإعدادية والثانوية في محرقة وادي الدوم.

بأسلحة ليبية
يجمع شهود تلك المرحلة على أن ثمة اختراقا وقع، بل إن القوات التشادية كانت تحارب بأسلحة ليبية كما يقول العقيد طيار عادل عبد الكافي المشارك في تلك المعركة.

ويسأل عبد الكافي: من سرب المواقع الخالية من الألغام للقوات التشادية؟ ويضيف إدريس بو فايد شاهد العيان من داخل وادي الدوم إن القاعدة كانت محاطة بعدة دوائر ألغام، وخريطتها لا يعرف بها إلا القليلون.

دخل التشاديون بسلام من البوابة الرئيسية، وفر الجنود الليبيون والأطفال المجلوبون من مدارسهم، فوجودا أنفسهم في حقول ألغام زرعتها دولتهم لتحصدهم.

تكريم حفتر
أما العقيد حفتر فلا يغيب عن هذه المأساة ليس بوصفه مقاتلا بل أسيرا جاءه الجنود التشاديون إلى مقره ونقلوه فورا إلى العاصمة التشادية نجامينا ليحظى بتكريم الرئيس حسين حبري الذي أنزله في منزل خاص، قبل أن تهبط طائرة أميركية خاصة لتقله إلى فرجينيا في بيت قريب من مقر "سي آي أي"، وكل هذا بلسان حفتر.

تفاصيل دقيقة وتسجيلات حصرية تكشف أن حفتر لم يكن عدوا لتشاد، والأهم من كل ذلك أنه -وهو القائل إنه أحد مؤسسي الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا- لم ينقطع تواصله وتواصل عائلته مع القذافي شخصيا.

بعد عقود تعود النسخة الثانية من حفتر زاعما بناء الجيش من جديد، معطلا الإعلان الدستوري الصادر بعد ثورة 17 فبراير التي قادها الشعب عام 2011.